أذرع الظلم

05 يناير ,2014
القسم
أخبار

مقدمة

 أوضحت الستة أشهر المنصرمة أزمات عده تتعرض لها الدولة المصرية تتعلق بالأساس برؤية القائمين على الحكم وتعريفهم لدور الدولة ومؤسستها. لا تُعرّف الدولة بهويتها بل بمهمة مؤسساتها التي تؤديها أذرع الظلمفي المجتمع. فليس المهم ما تسوقه الدولة للمواطنين من مبررات وجودها في خطاب تحكي فيه تصوراتها عن نفسها. بل إن ما يُعتدّ به هو ما تقوم به الدولة على أرض الواقع من ممارسات تعرّف علاقتها بالمواطن. فالدولة المصرية مثلا لا يُفترض بها أن تستمد مصريتها أو شرعية وجودها من الشعارات بل من قيام جميع مؤسساتها على خدمة شعب مصر وتسخير إمكاناتها –التي تستمدها من تفويض الشعب لها- لتوفير حياة دعائمها العدل والحرية والكرامة للمواطنين كافة تحت رقابة المواطنين أنفسهم على عمل جميع المؤسسات. في ذلك الإطار فإن المنوط بسلطات الدولة أن تقوم بدور تكاملي لخدمة المواطن, فالسلطة التشريعية ينتخبها الشعب ضمانة لأن تكون التشريعات الصادرة عنه في مصلحة المواطن والسلطة التنفيذية تقوم بتنفيذ ما يصدر عن ممثلي الشعب من تشريعات وقوانين والسلطة القضائية تقوم بدور الحكم والرقيب على تنفيذ مؤسسات الدولة والمواطنين تلك التشريعات. ورغم أن العلاقة بين سلطات الدولة تكاملية إلا أنها تقوم أيضا على الفصل بين تلك السلطات الثلاثة ضمانة لاستقلاليتها. هذا الميزان بين تكامل السلطات واستقلاليتها هو ما يسمح للدولة أن تقوم بدورها في خدمة المواطن.

ذلك الميزان هو ما يُعطي للدولة شرعية الحكم وأي خلل في ذلك الميزان يؤدي بطبيعة الحال إلى الانتقاص من شرعية الحكم حيث أن الخلل في ذلك الميزان في أي اتجاه يعني بالضرورة أن الدولة توقفت عن أداء دورها وتحوّلت من خدمة المواطنين كافة إلى التسلّط عليهم لحساب فئة أو جماعة أو طبقة من المجتمع, وهو أمر علمتنا التجربة أنه حتى وإن دام عقودا من الزمن فإن ذلك لا يعني إلا إطالة أمد الأزمة وتعميقها الأمر الذي لا يؤول إلا إلى الانفجار الذي يتناسب طرديا مع عمق الأزمة بالطبع, فنظام مبارك الذي تغولت فيه السلطة التنفيذية – متمثلة في ذراعها الأمني – على باقي السلطات خرج الناس عليه حين خرجوا واختاروا لخروجهم يوم عيد الشرطة ليعلنوا غضبهم عليه في الخامس والعشرين من يناير 2011, وسقط مبارك وأتى من بعده الإخوان المسلمون إلى سدة الحكم عبر الفوز في انتخابات برلمانية ثم رئاسية لكنهم ورغم وصولهم للسلطة عبر الانتخابات إلا أنهم لم يتعلموا درس نظام مبارك واستمروا على نفس النهج الذي يقذف بالدولة بعيدا عن الإتيان بمهمتها الحقيقية في خدمة المواطن وأرادوا التحوّل بالدولة من خدمة الناس كافّة إلى خدمة الجماعة وأنصارها فأمام محاولات الإخوان لإخضاع الدولة للجماعة خرج الناس لإسقاطهم في الثلاثين من يونيو 2013.

الحفاظ على هذا الميزان هو الضمانة الوحيدة والأساسية ليس فقط لمواجهة الديكتاتورية ولكن أيضاً لمواجهة الإرهاب بكل صوره والذي ينمو أساساً نتيجة فقدان الدولة لدورها السياسي والاجتماعي. ففي الوقت التي تجيّش فيه الدولة جميع مواردها لمطاردة الأوهام لم تقدم أجهزة الدولة أي سجلا علنيا للوقائع والجرائم التي ارتكبت منذ الخامس والعشرين من يناير 2011، ولم يحقق النائب العام حتى الآن مع أفراد قوات الأمن ولا حاسبهم على الاستخدام المفرط وغير المبرر للقوة المميتة في العديد من الأحداث التي ارتكبتها قوات الأمن على مدار السنوات الثلاث الماضية. بل قامت الدولة ممثلة في المجلس العسكري وحكومة “مرسي” بمنع نشر تقريرين لتقصي الحقائق صدرا في 2011 و 2012 عن مجمل الأحداث التي تعرضت لها مصر, ومازالت الحكومات المتعاقبة تتعمد إخفاء تلك التقارير لطمس الحقائق عن المواطنين وحرمانهم من حقهم الطبيعي في معرفة الحقيقة ومحاسبة من أجرم في حقهم.

 على أنقاض نظام الإخوان ها نحن نرى نظاما جديدا قيد التكوين يصف نفسه على مستوى الخطاب بأنه الممثل الحقيقي للشعب المصري بجميع طوائفه وأنه حامي الهوية المصرية الأصيلة ومنقذها من براثن الإخوان المسلمين, غير أننا إن اختبرنا الخطاب على أرض الواقع لا نجد القائمين على إدارة النظام يحيدون عن نهج أسلافهم, فبدلا من أن يعمل حكّام البلاد على إصلاح ما أفسده من سبقوهم ويقوموا بما يلزم من إصلاحات جذرية لهيكل الدولة بهدف تأهيلها للقيام بدورها في خدمة المواطن، وجّهوا وجوههم تجاه جماعة الإخوان المسلمين واتخذوا مما قامت به الجماعة من تحريض وإرهاب للشعب منذ وصولهم للحكم وحتى بعد إزاحتهم عنه، ذريعة لكي يعلنوا أنفسهم حكومة حرب واستدعوا من الماضي شعارات على شاكلة “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” وهم مستمرّون في الترويج إلى أن البلد في حالة حرب على الإرهاب وإلى أن ذلك الإرهاب متمثل في جماعة الإخوان المسلمين –وهو الأمر الذي تجلى في قرار إعلان جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية– ليتخذوا من ذلك مبررا وذريعة للجور على حقوق الإنسان, بل وإسكات أصوات النقد ووصمها بالخيانة, ورغم أن الحرب على الإرهاب هو ما جعلته الحكومة قضيتها الأولى وجعلت تحقيق الأمن هو أولويتها الأولى إلا أن الوقت قد حان لأن تعترف الحكومة بفشلها في تلك المهمة فمنذ 3 يوليو ونحن نرى موجات الإرهاب والعنف في تصاعد وانتشار فلم يعد الإرهاب مقصورا على سيناء, بل امتد ليصل إلى تفجيرات بقرب مواقع أمنية من المفترض أن تتمتع بالتأمين. وهو الأمر الذي يقودنا إلى استنتاجين لا ثالث لهما، إما أن حكام البلاد فاشلون في مهمتهم التي وضعوها لأنفسهم, أو أنهم غير جادين في تنفيذها على أرض الواقع واكتفوا بوجودها في خطاب لتكون بوابة لتبرير امتداد الانتهاكات لتشمل الجميع, فباسم “الحرب على الإرهاب” تتم شرعنة اللحظة الاستثنائية التي تحياها البلاد وإطالة أمدها حتى تتحول من لحظة استثنائية إلى الحالة الطبيعية التي تمثل مصدر شرعية النظام الحالي, وباسم “الحرب على الإرهاب” تصدر القوانين والتشريعات المقيّدة لحريات المواطنين كافة, وباسم “الحرب على الإرهاب” يتم اقتحام الحرم الجامعي ويُقتل الطلبة بداخله على يد قوات الشرطة, وباسم “الحرب على الإرهاب” تعتدي قوات الأمن على التظاهرات السلمية وتنكّل بالنشطاء وتقتحم المنظمات الحقوقية وتعتقل المدافعين عن حقوق الإنسان وتلفق لهم وللنشطاء التهم وتزج بهم في السجون. باسم “الحرب على الإرهاب” تتحول الدولة بسُلطاتها من خدمة المواطن إلى انتهاك حقوقه والتعدي عليه، وتتحول أجهزة الدولة من وسائل لإنفاذ العدل إلى أذرع للظلم, ويتحول دور الدولة في المجال العام من تنظيم إلى تقييد وتضييق, وفي سبيل ذلك يتم تسخير مؤسسات الدولة لتنفيذ هذا المخطط. استمرار ذلك هو إضعاف متعمد للدولة المصرية وعلى قدرتها في التعاطي مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها بشكل يتسق مع الفشل المزمن لسياسة الدولة المصرية في التعامل مع مجمل التحديات التي تقابلها قبل ثورة يناير وبعدها.

في هذا الإطار تقدم المنظمات والحركات الحقوقية المشاركة في إعداد هذا الملف كشف حساب لتجاوزات أذرع السلطة. يتناول الملف من خلال الرصد والتحليل تجاوزات كل من السلطة القضائية التي أفقدتها للحيْدة التي من المفترض أن تكون سمة جوهرية لها وتجاوزات السلطة التنفيذية التي جعلتها أداة للقمع وانتهاك القانون بدلا من صيانته، كما يتناول الملفات التشريعات التي تم إصدارها لتقييد حرية الناس بدلا من تنظيمها,

وتتناول الورقة الأولى من الملف قانون التظاهر كمثال على القوانين الجائرة المنافية للمعايير الدولية لحقوق الإنسان من خلال الاشتباك بفلسفة القانون وتكشف عن الزاوية التي ينظر منها حكام البلاد إلى ممارسة التظاهر فبدلا من أن تنظر تلك الحكومات – أو التحالفات الحاكمة – إلى التظاهر على أنه الوسيلة التي أوصلتها للحكم وبالتالي تعمل على تنظيمها لتكون أداة لتقويم أدائها, نظرت إلى التظاهر على أنه تلك الممارسة التي ساهمت في إسقاط الحكومات السابقة وبالتالي فهي خطر عليها لابد أن تسعى جاهدة لمنعها, لذلك لم تدّخر الحكومات جهدا لمحاربة التظاهر إما بالتشريعات التي تقيّد الحق وتفرّغه من مضمونه أو بالممارسات التي تجعل من التظاهر فعلا خطيرا قد يودي بحياة من يمارسه. في ذلك الإطار تناقش الورقة القانون وتكشف ما به من عوار, كما تناقش تطبيقات القانون وما شابها من انتهاك وتقييد للحق في التظاهر والتعبير.

 وتتناول الورقة الثانية ذراع الظلم الأطول: وزارة الداخلية, حيث يُفترض بوزارة الداخلية أن تكون أداة إنفاذ القانون، أما في مصر فالأمر مختلف. فإن كان الحديث عن تجاوز مرفق العدالة الذي بموجبه تحول إلى أداة في يد السلطة السياسية فإن وزارة الداخلية – أو جهاز الأمن بشكل عام – هو التجلي الأعلى للسلطة السياسية, فرغم أن التشريعات أصلا جائرة ولا تمس بصلة لمعايير حقوق الإنسان الدولية إلا أنها لا تشرعن التعذيب والانتهاك المادي والمعنوي الذي تمارسه بشكل منهجي  أجهزة الأمن المصرية منذ عقود. تتعاقب الحكومات وتتغير وجوه الحاكمين ويظل الثابت هو تجاوزات الأمن في حق المواطنين. تعذيب في السجون وفي أماكن الاحتجاز وفي الشارع, قد يصل الأمر إلى القتل كما حدث في حادثة قتل “خالد سعيد” الذي لم يُعاقَب قاتلوه حتى الآن, بل عوقب المطالبون بحقه! تتناول الورقة الثانية  بقليل من التفصيل انتهاكات وزارة الداخلية لحقوق الإنسان, كما تتناول أيضا جوانب التقصير التي شابت أداء وزارة الداخلية, فحتى الآن لم تقدم وزارة الداخلية أي متهم في أحداث تفجيرات شرم الشيخ 2005 أو دهب 2006 أو تفجير كنيسة القديسين 2011, أما في التعامل مع التظاهرات فلا تتوقف انتهاكات وزارة الداخلية عند المتظاهرين أو الخصوم السياسيين للسلطات، بل تمتد لتشمل الصحفيين والمحامين أثناء تأديتهم واجبهم. كما شهدت البلاد مؤخرا قوات الأمن تنتهك الحرم الجامعي وتطلق النار على الطلاب بداخل الجامعة وهو الأمر الذي لم تشهده البلاد من قبل.

أما الورقة الثالثة فتتناول تجاوزات جهازي السلطة القضائية، النيابة العامة والمحاكم, فبدلا من أن تقف النيابة بين السلطة التنفيذية والمتهم –الذي من المفترض أن يظل بريئا حتى تثبت إدانته– وتحافظ على استقلاليتها للتأكد من ألا يُعاقب بريء بم لم يقترف وألا يفلت مجرم بما فعل صيانة لحق الفرد وحفظا لحق المجتمع, نجد النيابة تحيد عن ذلك وتنحاز إلى السلطة التنفيذية, وستبيّن الورقة كيف أن ممارسات النيابة تحيد بها عن المبدأ الأصيل الذي يقضي بأن “كل متهم بريء حتى تثبت إدانته”, لتعامل كل متهم كمشروع مجرم حتى يُثبت العكس. أما بالنسبة للمحاكم فنجد أنها تخرج أيضا عن الحيدة لتعمل ضد المُتهم من حيث تعسفها في إجراء الحبس الاحتياطي, وفي قبولها لإجراء جلسات المحاكمات في أماكن خاضعة لسيطرة سلطات الأمن وغير ذلك مما سيتم تناوله بالتفصيل, أي أن المحاكم انضمّت للنيابة في الخروج عن الحياد لتكون أداة في يد السلطة السياسية بحيث يتحول الشغل الشاغل لمرفق العدالة البحث عن الحقيقة بوصفه وكيلا عن المجتمع، ليكون أداة من أدوات السلطة السياسية تمارس بها صراعها السياسى مع خصومها السياسيين, وبذلك يتم إنكار ملكية الشعب للدولة وقلب العلاقة بين الدولة والشعب ليكون الأخير في خدمة الأولى وليس العكس, أي أن الشعب يتم اختزاله في سلطته السياسية، التى تصبح هى كل شئ، ومحور كل حركة، والغاية من كل تنظيم قانونى, وهى نتيجة بالغة الشذوذ؛ حيث يفترض فى السلطة السياسية ذاتها أنها قد وجدت لخدمة المجتمع، ولم يوجد المجتمع لإرضاء نوازع السلطة، وجهة التحقيق والمحاكم وجدت وكيلا عن المجتمع، وليست كرباجا فى يد السلطة.

 تأتي أهمية مثل ذلك الملف في مثل هذا التوقيت, أنه يتم تقديمه أمام المواطن في الوقت الذي يجد المواطن نفسه فيه محصورا بين خيارين أحلاهما مر, إرهاب في الشارع من جماعات تريد السطو على الدولة, ودولة تقوم بكل فعل يحيلها من دولة إلى طائفة، لتتحول البلاد إلى ساحة احتراب بين جماعات متحاربة على سلطة ملقاة في الشارع في معركة يكون الخاسر الأكبر فيها هو الشعب, ودور منظمات المجتمع المدني أن تكون هي ضمير الشعب وعينه على الحقيقة في أوقات كهذه التي نعيشها يعمل الجميع فيها على تغييبها.

الورقة الأولى

 

تعليق على القانون رقم 107 لسنة 2013 بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية, والمعروف إعلاميا باسم “قانون التظاهر”

 

كأي فعل جماهيري يشمل مشاركة واسعة فإن التظاهر به قدر من العفوية يصعب معها التحكم في سيره بالكلية. غير أن المخالفات التي قد تنتاب مثل ذلك الفعل لابد أن يُنظر إليها في الإطار الأوسع وهو أن التظاهر بشكل عام يكون للصالح العام للمجتمع ككل ووظيفة الدولة أن توظّف إمكاناتها للتعامل مع هذه التجاوزات صيانةً للحق في التظاهر وتنظيما له, لا أن تتذرّع بتلك المخالفات لتقيّد الحق في التظاهر ككل, فرغم انقضاء ما يقرب من الثلاثة أعوام على اندلاع الثورة في الخامس والعشرين وتعاقب ثلاثة تحالفات تعاقبت على حكم البلاد، لم يشكل الاختلاف بين وجوه وأسماء الحاكمين فارقا في عدائهم للحق في التظاهر. فعلى مدار تلك الأعوام كان الحق في التظاهر أكثر الحقوق التي تحرص الحكومات المتعاقبة على انتهاكه وتقييده سواء على مستوى التشريع أو على مستوى الممارسة. فبدلا من أن تنظر تلك الحكومات – أو التحالفات الحاكمة – إلى التظاهر على أنه الوسيلة التي أوصلتها للحكم وبالتالي تعمل على تنظيمها لتكون أداة لتقويم أدائها نظرت إلى التظاهر على أنه تلك الممارسة التي ساهمت في إسقاط الحكومات السابقة وبالتالي فهي خطر عليها لابد أن تسعى جاهدة لمنعها. لذلك فلم تدّخر الحكومات جهدا لمحاربة التظاهر إما بالتشريعات التي تقيّد الحق وتفرّغه من مضمونه أو بالممارسات التي تجعل من التظاهر فعلا خطيرا قد يودي بحياة من يمارسه.

 في ذلك الإطار صدّق رئيس الجمهورية المؤقت المستشار عدلي منصور في الرابع وعشرين من نوفمبر الماضي على مشروع قانون التظاهر الذي أعدته حكومة الدكتور الببلاوي ليتم العمل به بدءا من تاريخه. لم يحد القانون الجديد عن نفس الفلسفة التي تتبنى تقييد الحق في التظاهر بدلا من تنظيمه. وقد تجلى ذلك التقييد في المناحي التالية:

أولا: في حين أن القانون الذي فشل الإخوان في تمريره – والذي كان أول مشاريعهم التشريعية بعد وصولهم للبرلمان وحتى قبل وصولهم للرئاسة – كان يتناول التظاهر السلمي فقط أتى القانون الحالي ليشمل بالتقييد الحق في التظاهر وتنظيم المواكب والاجتماعات العامة ليشمل التقييد الحق في التجمع السلمي ككل بالإضافة إلى الحق في التظاهر, فلقد عرّف القانون في مادته الثانية موضوع تطبيق القانون بالاجتماع العام وهو كل تجمع يقام في مكان عام يستطيع الأشخاص دخوله دون دعوة شخصية، وهو بذلك يتيح لقوات الأمن حضور الاجتماعات والندوات العامة كما يتيح لها فضّ الاجتماعات إن ارتأت لذلك ضرورة، وشملت بذلك كل الاجتماعات العامة ولم تستثن المؤتمرات والمسيرات الانتخابية مثلا وهو الأمر الذي كان متوفّرا في قانون تنظيم التظاهر رقم 14 لسنة 1923 الذي تم وضعه أيام الاحتلال الإنجليزي لمصر. فهل تعود بنا حكومة الدكتور الببلاوي لعصور ما قبل الاحتلال الإنجليزي؟!

ثانيا: رغم أن القانون الجديد نص على أن الإخطار هو فقط ما يلزم منظمي التظاهر. إلا أن تفصيل القانون فرّغ الإخطار من مضمونه وهو ما اعتاد المشرّع المصري فعله في التعامل مع المعايير الدولية من استخدام للمصطلحات يفرّغها بعد ذلك من مضمونها. فتفصيل القانون أتى ليحيل الإخطار إلى طلب إذن حيث نص القانون على أن المدة بين الإخطار وبين التظاهرة لابد أن تكون (ثلاثة أيام عمل). وبالنظر إلى أن أغلب التظاهرات تُقام استجابة لأحداث متلاحقة فإن مدة الثلاثة أيام عمل تلك قد تؤثر بالسلب على الرسالة التي يريد منظمو التظاهرة إرسالها للمجتمع مما يؤدي إلى تفريغ الحق من التظاهر من مضمونه بالكلية. كما أن مدة الإخطار تمنع تماما التظاهرات العفوية التي تخرج استجابة لأحداث حالية مثل التظاهرات التي خرجت في 2003 ردا على احتلال العراق. ليس هذا فحسب بل إن القانون نص في مادته الـعاشرة على أن وزارة الداخلية يجوز لها إصدار قرار مسبب بمنع التظاهرة إن حصلت على معلومات جدية بأن بالتظاهرة ما يهدد الأمن والسلم. ليس هذا فحسب بل إن القانون أعطى الحق لوزارة الداخلية أن تصدر قرارا بمنع التظاهرة دون الرجوع إلى القضاء, وترك القانون عبء اللجوء إلى القضاء على عاتق منظمي التظاهرة للتظلم من قرار المنع, ويلزم التذكير هنا بأن الهدف من الإخطار أن تتولى قوات الأمن تأمين التظاهرة وتوفير بدائل للحركة المرورية التي ستتأثر بالتظاهرة حتى لا يتعارض الحق في التظاهر مع الحقوق الأخرى للمواطنين وليس الهدف من الإخطار أن تستعلم وزارة الداخلية عن التظاهرة أو تجري التحريات عن منظميها لتتأكد من نواياها. كل تلك القيود على الإخطار تحيد به عن غرضه الأساسي وتحيله إلى طلب تصريح وهو ما يخالف المعايير الدولية ويخالف فلسفة القوانين المنظمة لحقوق الإنسان والتي يكون هدفها الأساسي هو تنظيم الحق وليس تقييده.

ثالثا: توسّع القانون في الأفعال المحظورة أثناء التظاهر كمدخل لمنع ممارسة الحق في التجمع السلمي أو رفع كلفته. وهو الأمر الذي لا يُفهم إلا في سياق الفلسفة العامة للقانون والتي تنظر إلى التظاهرات والتجمعات على أنها جريمة وشيكة الوقوع فلابد من التعامل معها بأقصى درجات الحذر أو بالأحرى منعها, فعلى سبيل المثال حظر القانون في مادته السادسة ارتداء أقنعة أو أغطية تخفي الوجه أثناء التظاهرة وهو الأمر الذي يؤثر بالطبع على الرسالة التي يريد المتظاهرون إرسالها للمجتمع والتي قد يساهم ارتداء الأقنعة في توصيلها بشكل مكثف. كما حظر في مادته السابعة على المتظاهرين تعطيل الإنتاج أو الدعوة إليه أو تعطيل مصالح المواطنين أو قطع الطريق والمواصلات أو التأثير على سير العدالة وهي الأمور التي رغم أنها أمور تضر بمصالح المواطنين وعلى المتظاهرين مراعاتها إلا أنها تعطي ذريعة لأجهزة الدولة للتدخل لتقييد حق التظاهر وحرية التعبير وكأن القانون أتى ليفرّغ التظاهر من كل مضامينه. ليس هذا فحسب بل إن القانون غلظ العقوبات على ارتكاب مثل تلك الأفعال وهي بالإضافة إلى أنها غير معقولة إلا أنها أيضا فضفاضة ولا يمكن تعريفها بدقة, كما جعل القانون تعطيل حركة المرور من الأفعال المحظورة. وهو الأمر غير المعقول حيث لا يُتصور ألا تُعطل المظاهرات خاصة الكبيرة منها حركة المرور, كما أن الهدف الرئيسي للإخطار المنوط بمنظمي التظاهرات تقديمه لوزارة الداخلية هو تمكينها من توفير بدائل مرورية للجمهور المتأثر بخط سير التظاهرة. لذلك، فإن تعطيل حركة المرور لا يكون نتيجة للتظاهر بل نتيجة لتقصير وزارة الداخلية في القيام بدورها في رعاية حقوق المواطنين!

رابعا: استكمالا لنفس النهج الذي اتبعه القانون في تقييد الحق في التظاهر فقد أطلقت يد قوات الأمن في التعامل مع التظاهرات. فقد أعطى القانون في مادته الحادية عشر قوات الأمن الحق في فض التظاهرات إن خرجت عن الطابع السلمي دون تعريف ما هي حدود الطابع السلمي لتترك تفسيرها لقوات الأمن! كما أن القانون في نفس المادة جعل من وقوع جريمة من المشاركين في التظاهرة مبررا لفضه وهو أمر يؤدي إلى تقييد الحق في التظاهر من جهتين:

 أولا: أنه لا يقدح في سلمية التظاهرة أن يخرج بعض المشاركين فيها عن السلمية وتستطيع الشرطة أن تتعامل مع من يخرج عن السلمية بشكل فردي دون فض التظاهرة.

 ثانيا: أن تكون “الجريمة” على إطلاقها مبررا لفض التظاهرة يجعل من أي مخالفة عقوبتها غرامة قد لا تزيد عن مائة جنيه, مبررا كافيا لقوات الأمن أن تفض التظاهرة بالقوة وهو الأمر الذي يخل بمعيار التناسب والذي لابد أن يتوفر في تعامل الأمن مع التظاهرات أي أن يتناسب رد فعل قوات الأمن مع المخالفة.

كما أنه لا توجد قيود كافية على القوة المتاح للشرطة استخدامها في التعامل مع التظاهرات, فبالرغم من أن القانون نص على التدرج في استخدام القوة من قبل قوات الأمن في التعامل مع التظاهرة كما حدد سقف العنف المستخدم من قوات الشرطة بطلقات الخرطوش ولكن هذا التحسن يفقد فعاليته بإطلاق يد الشرطة في استخدام العنف في التعامل مع المظاهرة بأكملها كرد فعل في حالة ما لجأ أحد المشاركين لاستخدام السلاح, كما أن حالة الدفاع عن النفس المكفول في إطارها استخدام العنف من قبل قوات الشرطة اتسعت لتشمل الدفاع عن الممتلكات أيضا.

كل تلك الأمور تطلق يد قوات الشرطة في استخدام العنف مع المظاهرات وهو أمر فضلا عن أنه – في المطلق – مخالف للمعايير الدولية لحقوق الإنسان, فما بالنا بحجم الضرر الذي سيلحق بالحق في التظاهر ونحن نتحدث عن إطلاق يد قوات الشرطة المصرية ذات السجل الحافل بانتهاكات الحق في التظاهر والإفراط في استخدام القوة؟!

خامسا: غلّظ القانون العقوبات ليضيف إلى الحق في التظاهر قيودا على قيود ويرفع كلفة ممارسته, فقد جعل عقوبة مخالفة الإجراءات الحبس والغرامة التي لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد عن مائة ألف جنيه, ويستحق المخالف العقوبة بصرف النظر عن اقتران مخالفة الإجراءات بجرائم أو بأعمال عنف أو عدمه, كما جعل مخالفة بعض أو أحد المشاركين في التظاهرة سببا كافية لفضّها وفي هذا تسير الدولة المصرية على نهج العقاب الجماعي في التعامل مع المتظاهرين وكأنها تتبع خطوات إسرائيل في التعامل مع الشعب الفلسطيني!

تطبيقات القانون

 لم يقف انتهاك الحق في التظاهر عند إصدار تشريعات جائرة تخالف المعايير الدولية لحقوق الإنسان بل تجاوز ذلك ليتناول تطبيقات القانون, فقد قامت قوات الشرطة يوم الثلاثاء الموافق السادس والعشرين من نوفمبر بفض مظاهرة سلمية دعت إليها مجموعة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين” للتنديد بإجازة محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري في مسودة الدستور، وضرب المشاركين فيها, واحتجازهم دون سند قانوني يبيح ذلك، وتلفيق الاتهامات المسيئة لسمعتهم “كالسرقة بالإكراه والتخريب والإتلاف وغيرها”, والتنكيل بهم، علاوة على ذلك قامت الشرطة بالقبض على مجموعة من الصحفيين أثناء ممارستهم لعملهم في تغطية المظاهرة، والاعتداء على النساء المشاركات في المظاهرة بالألفاظ النابية واختطافهم وتركهم في مناطق نائية تبعد عن العمران كثيرا, واشتكت بعض ممن تعرضن لذلك من تعرضهن للتحرش الجنسي على يد رجال الشرطة, وكان رجال الشرطة القائمين على كل ما سبق يرتدون الأزياء المدنية بالرغم من نص القانون على حتمية ارتداء قوات الأمن المتعاملة مع التجمعات للزي الرسمي.

 ليس هذا فحسب، بل إنه في ظل هذا القانون انتهكت قوات الشرطة الحرم الجامعي في الثامن والعشرين من نوفمبر الماضي في الأحداث التي شهدتها جامعة القاهرة والتي لقي –نتيجة لها– الطالب “محمد رضا عبد الجواد” طالب كلية الهندسة مصرعه إثر تلقيه طلق خرطوش في الرقبة.

 وبالنظر إلى تعامل الدولة المصرية مع الحق في التظاهر منذ قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير وحتى الآن لا نجد أن الأمر اختلف في شيء، فالوجوه والأسماء تتغير إلا أن انتهاك الحق في التظاهر يظل هو الثابت.

 خلاصة القول، أن الدولة المصرية فضلا عن عدم اعترافها بحق المواطنين في التجمع السلمي، استمرت على مستوى التشريع والتطبيق تمارس سلوكها في قمع التظاهرات بشكل منهجي، بدا ذلك في إصرار الحكومات المتعاقبة على أن يكون قانون التظاهر هو أول مشاريعها التشريعية والتي لا تختلف كثيرا في مضامينها, فكلها تنتمي لفلسفة تقييد الحق بدلا من تنظيمه, كما بدا ذلك أيضا في استمرار الممارسات القمعية لأجهزة الدولة المختلفة في مواجهة المتظاهرين.


الورقة الثانية

وزارة الداخلية.. ذراع الظلم الأطول

 لا مجال لاختصار سجل انتهاكات الداخلية لحقوق المواطنين, فتاريخ انتهاكات وزارة الداخلية هو تاريخ البلاد على مدى عقود.. تختلف من عقد الى آخر في شكل ممارستها لتلك الانتهاكات وليس في الممارسة نفسها.. اعتقالات خارج القانون.. تعذيب في كل مكان يتواجد فيه بشر يعبرون عن رأي مخالف لرأي الحكام.. وأحيانا لمجرد تقاطع طريقهم مع الشرطة.. تعذيب وقتل في السر والعلانية.. في أقسام الشرطة ومكاتب الأمن في الجامعات والمترو والسجون.. في الشوارع.. في مجلس الوزراء ومجلس الشعب وأمام مجلس الشورى.. تحرشات جنسية منظمة بالنساء في الشوارع والرجال في أماكن الاحتجاز..

دستوران والثالث في الطريق.. ثلاث رؤساء والرابع في الطريق.. برلمانات منعقدة وأخرى محلولة.. وتبقى الداخلية هي الحاكم بأمره لا تحتاج لقانون لتمارس قمعها, ورغم ذلك تضيف الدولة كل فترة قانونا يتفوق على ما قبله من حيث التضييق وانتهاك كافة الحقوق.. سواء بواسطة البرلمان أو الصلاحيات الاستثنائية لرئيس الدولة أو مجلس الوزراء.. كان آخرها قانون تنظيم التظاهر والاجتماعات العامة الذي حكم على أثره بالسجن على سبعة من نشطاء الثورة, ولا يزال العشرات من شبابها ينتظرون المحاكمة بواسطته, منهم من أخلي سبيله مؤقتا ومنهم من بقي رهن الاحتجاز ينتظر.. لا ينتظرون أن يحكم عليهم, بل مجرد تحديد موعد لمحاكمتهم.. منهم “أحمد عبد الرحمن” الذي هاله اعتداء الشرطة على فتيات في نهر الطريق, فحاول كف الأذى عنهن, فكان جزاؤه الحبس, ومنهم “علاء عبد الفتاح” الذي اعتُقل من منزله وتعرض وزوجته للضرب يوم الخميس رغم انه أفاد النيابة العامة بأنه سوف يسلم نفسه لها يوم السبت,  لكن جبروت الداخلية ما كان ليسمح لمواطن أن يحدد كيفية تسليم نفسه.. فهي الآمر الناهي.. صاحبة الكلمة الأخيرة في كيف ومتى.. ورغم القبض على عدد من أعضاء مجموعة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين” وآخرين دعوا إلى مظاهرة مجلس الشورى.. إلا أن الداخلية أطلقت سراح من شعرت أن احتجازهم أكثر ضررا من الإفراج عنهم.. القتيات والمحامين والصحفيين.. واحتفظت بالشباب غير المعروف إعلاميا لعل وعسى أن ينساهم الناس.

 ذلك غير الآلاف المغمورين إعلاميا القابعين في غياهب السجون, يبحث عنهم ذووهم ومحاموهم لأيام وأسابيع قبل أن يهتدوا إلى حيث قررت الداخلية أن تحتجزهم دون تحقيقات.. باتهامات شائعة تكاد تتطابق، لم تميز بين رجال ونساء، أطفال وشباب وعجائز.. مرضى أو أصحاء.. إخوان أو غير إخوان.

 ولا يمكن أن يكتمل عرض جرائم الداخلية دون ذكر مئات الشهداء الذين قُتلوا جهارا نهارا في مذابح رابعة والنهضة والحرس الجمهوري والمنصة والمنيل والجيزة وسيارات الترحيلات, والشهداء الذين يتساقطون يوميا من طلاب ومواطنين حتى أصبحوا أرقاما لم تعد تلفت الأنظار.. وعمليات توصف بالارهابية يسقط فيها صغار الضباط والجنود والمواطنين يلي كل منها حملات اعتقال عشوائية دون أن نسمع عن تحقيقات أو تحريات وكلها محاطة بأكثر من علامة استفهام.. ويكفي في هذا الصدد أن نذكّر أن وزارة الداخلية بأجهزة تحقيقها وعلى رأسها أمن الدولة وفي عهد الجنرال حبيب العادلي لم تتوصل حتى الآن إلى تحديد المتهمين بتفجير شرم الشيخ 2005؟ أو دهب 2006؟ أو كنيسة القديسين 2011؟ ولم يتم تقديم أي متهم في هذه القضايا للمحاكمة في عصور مبارك وطنطاوي ومرسي وحتى الآن، إضافة إلى أحكام البراءة التي تكاد لم تستثني أحدا من أفراد الشرطة المتهمين بقتل الثوار على مدى حوالي ثلاث سنوات.

 إن كل المنظمات المشاركة في التحضير لهذا المؤتمر أصدرت تقاريرها تفصيلا عن الانتهاكات التي شهدتها فترة الحكم العسكري من 12 فبراير 2011 إلى 30 يونيو 2012، ثم الانتهاكات التي شهدها العام الذي حكم فيه محمد مرسي.. لتنتهي فترة حكمه بإزاحته بواسطة الجيش وسط دعم وترحيب من قطاع كبير من المواطنين والمواطنات، تحت دعوى أن عهد الظلم قد ولى وأن 30 يونيو جاءت لتنصف ثورة 25 يناير وتصحح مسارها فكانت الست شهور التالية التي كان آخر إجراءاتها إعلان جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، تلك الجماعة التي كان الفريق عبد الفتاح السيسي وزير دفاع حكومتها والرئيس المؤقت الحالي عدلي منصور رئيس المحكمة الدستورية خلال فترة حكمها.

الأحداث أكثر من أن تُذكر تفصيلا لذلك فسوف نعرض تلخيصا لأهم الانتهاكات التي رصدتها بعض المنظمات المشاركة في التحضير لهذا المؤتمر بالإضافة إلى موقع “ويكي ثورة” فيما يلي:

v    الاستخدام المفرط للقوة

 في اليوم العالمي لحقوق الإنسان الماضي, أصدرت 13 منظمة مصرية ودولية معنية بحقوق الإنسان بيانا[1] دعت فيه الحكومة المصرية لتحمل المسؤولية عن العديد من حالات قتل المدنيين العزل في المظاهرات منذ يوليو الماضي على أيدي قوات الأمن والتي سقط فيها المئات بدون محاسبة وبدون حتى فتح تحقيقات جادة لتحديد المسئولية أو حتى أي اعتراف بوقوع خطأ. لم تعترف الحكومة باستخدام الشرطة المفرط وغير المبرر للقوة المميتة في حالات مثل الحرس الجمهوري بتاريخ 8 يوليو (والتي سقط بها 60 على الأقل من ضمنهم فردين من قوات الأمن), والمنصة بتاريخ 27 يوليو (والتي سقط بها 95 من المتظاهرين بالإضافة لفرد من قوات الأمن), وفض اعتصامي رابعة والنهضة والتي سقط بها المئات (ولا يوجد حصر رسمي نهائي بعدد الذين سقطوا في فض اعتصامي رابعة والنهضة, وقد صرح الطب الشرعي بتاريخ 14 نوفمبر بأن حصيلة الجثامين المنقولة إلى المشرحة الرسمية أو المستشفيات يوم 14 أغسطس بلغت 726, كما يقدر عدد رجال الشرطة الذين سقطوا في ذلك اليوم بثماني أفراد في “رابعة” واثنين في “النهضة” بالإضافة إلى العشرات في محافظات متفرقة في نفس اليوم), وواقعة مسجد الفتح بتاريخ 16 أغسطس (سقط بها 120 شخصا على الأقل), وأخير الاستخدام المفرط للقوة المميتة في مظاهرات 6 أكتوبر والذي نتج عنه سقوط 57 قتيلا على الأقل. ولم يقم النائب العام بالتحقيق في أي من هذه الحالات بالرغم من الكم المهول من الضحايا والذي يستوجب أن تتحمل الحكومة مسئولية سقوطهم. وبخلاف المسئولية الجنائية فلم تقدم الحكومة حتى اليوم كشف بتفاصيل الوقائع يبرر هذا الاستخدام المفرط للقوة ويشرح ملابسات استخدام القوة القاتلة بهذه الصورة, علما بأن التحقيق في حالات الوفيات والإصابات البالغة التي تنتج عن العمل الشرطي هو من أساسيات الرقابة على أجهزة الشرطة في الدول التي تحترم القانون, بغض النظر ما إذا كانت هذه الوفيات أو الإصابات البالغة مبررة أو غير ذلك.

v    القتلى

 في فترة الثمانية عشر يوما الأولى من ثورة يناير بلغ عدد من قُتلوا وتمكن موقع “ويكي ثورة” من رصدهم 1075 فردا. في الثمانية عشر شهرا التالية على تنحي مبارك، أي فترة الحكم العسكري كان العدد 438 وفي عام من حكم مرسي بلغ 470. أما في عهد السيسي/عدلي منصور، فقد وصل عدد من قتلوا خلال أربع شهور أي حتى أكتوبر 2013 إلى 2665 قتيل صنفهم موقع ويكي ثورة كالتالي:

2273 قتيل في أحداث سياسية و32 قتيل أحداث طائفية و3 قتلى خلال احتجاجات اجتماعية و62 حالة وفاة داخل أماكن الاحتجاز و16 قتيل نتيجة استخدام مفرط للقوة و200 قتيل لأعمال إرهابية و18 قتيل خلال حملات أمنية (علي خلفية سياسية) و61 حالة وفاة نتيجة حوادث إهمال جسيم. من بين إجمالي القتلى هناك 2421 قتيل مدني من بينهم 11 صحفي و8 أطباء أو مسعفين ميدانيين و51 امرأة و118 قاصر دون الثمانية عشر و211 طالب، إضافة إلى 174 من الشرطة  و70 من الجيش. وفيما يتعلق بمذبحة “رابعة” فقد رصد التقرير خلال واقعة فض اعتصام رابعة وحدها 969 قتيل من بينهم 53 حالة وفاة لمصاب متأثرا بإصابته بعد الواقعة.

وحيث توقف رصد الموقع عند أولى أيام شهر نوفمبر فقد قمنا برصد ما ورد في الصحافة من أخبار الموت التي صارت أخبارا يومية فرصدنا في شهر نوفمبر 78 قتيلا من بينهم 9 طلاب و6 أطفال، وأربعة توفوا في السجن أو أقسام الشرطة وضابطي شرطة ومجند وجد مشنوقا داخل سجن المنيا العسكري، والباقين بين مدنيين أو مجهولين أو تكفيريين لم تنشر الصحافة أسماءهم أو صورهم. ولم يتسنى لنا رصد من قُتلوا في شهر ديسمبر نظرا لضيق الوقت وان كانت مواجهات جامعة الأزهر تركت ثلاث قتلى من الطلاب.

v    المصابين

 بناء على ما نشره موقع “ويكي ثورة” بلغ عدد المصابين في الاشتباكات بين قوات الأمن والمتظاهرين 15913 مصابا خلال أربعة شهور بداية من 3 يوليو حتى 3 ديسمبر 2013 (عدد المصابين بلغ 9228 مصابا خلال فترة العام من حكم مرسي).

 في الكثير من الحالات لم يقتصر الانتهاك على الإصابة فحسب بل أن عددا غير قليل من المصابين ألقي القبض عليهم أثناء تواجدهم في المستشفيات حيث يفترض أن تملي آداب المهنة على الأطباء عدم السماح بخروجهم قبل أن يتلقوا العلاج لكن العديد من البلاغات كانت تتضمن شكاوى من إصابة المعتقل وعدم تلقيه العلاج أثناء احتجازه أو تواطؤ إدارة المستشفى مع الجهات الأمنية حتى أن بعض المستشفيات أصبحت على القائمة السوداء للمنظمات الحقوقية التي تتلقى البلاغات حيث عرف عنها تسليم المصابين للشرطة. كذلك ذكر العديد ممن اعتقلوا أنهم لم يتوجهوا إلى المستشفيات من الأصل كي لا يتعرضوا للاعتقال وهو الأمر الذي شهدناه منذ بدايات ثورة 25 يناير حتى الآن وان كان شهد ارتفاعا ملحوظا في الست شهور الأخيرة تزامنا مع زيادة معدلات الاشتباكات.

v    التعذيب

 لا يتسع المجال هنا لعرض كل ما تحصلت عليه المنظمات الحقوقية من شهادات للناجين من التعذيب.. ففي كل تقرير صادر عن كل منظمة في تخصصها سوف نجد من الشهادات ما يفيد أن القتل والاعتقال العشوائي لم يترتب عليه انخفاض معدلات ممارسة التعذيب بل استمرت ممارسته، ضد السياسيين وغير السياسيين في أماكن الاحتجاز وخارجها، يبدأ في أثناء عملية الاعتقال ويمتد لفترات الاحتجاز في الأقسام، ثم إلى السجون حيث يتعرض المحتجزين لاستقبال “الحفلة” الذي يستمر ليوم أو يومين حسب معدل الوارد الجديد (على حد تعبير أحدهم) وحسب مزاج القائمين على مكان الاحتجاز.. بل أن تصريحات المسئولين أنفسهم وهم يعدون الشعب بالأمن والأمان تتضمن تعبيرات بطش لا يمكن أن تصدر ولا أن تقبل في بلد يحكمه القانون.. وذلك في الوقت الذي تتهيأ فيها البلاد لدستور جديد جل ما ذكره عن التعذيب أنه جريمة لا تسقط بالتقادم وكأن محاسبة الجلادين أمر مؤجل إلى أجل غير مسمى.

على سبيل المثال لا الحصر, وبتاريخ 2 نوفمبر 2013, لقى المواطن “حمدي محمد محمود الكلاوي” (61 عاما – صاحب ورشة خراطة), مصرعه داخل مركز شرطة زفتى والذي كان محتجزا فيه بعد أن تم القبض عليه عشوائيا  يوم 31 أكتوبر[2]. ولم يعرف أهله بالواقعة حتى قام أحد ضباط مباحث قسم ميت غمر بطلب حضور أخيه إلى مقر احتجازه لاستلام جثته. وقد أكد أهل المجني عليه وجود كدمات وآثار ضربات وخدوش بجسده, ولا يعلم أحد حتى الآن ملابسات موته. وقد تم فتح تحقيق في الواقعة بدون أي نتائج حتى الآن, في حين أن بعض قضايا المتظاهرين تم القبض والتحقيق والحكم فيها في أقل من أسبوعين.

وفي نموذج أكثر فداحة على إساءة استخدام السلطة وعلى استسهال اللجوء للرصاص, وهو النمط الذي رصدته المنظمات الحقوقية[3] في العمل الشرطي والمتصاعد منذ الثورة, سقط شاب في السابعة عشر من عمره قتيلا على يد ضابط شرطة خارج أوقات العمل على إثر مشادة كلامية في أحد الطرق العامة في أول أيام شهر ديسمبر. كان هذا في منطقة الأميرية بعد أن تطورت مشادة كلامية بين ضابط برتبة ملازم أول وبين ركاب سيارة من ضمن عدة سيارات اصطدمت بسيارة ضابط الشرطة من الخلف, وعلى أثرها أخرج الضابط مسدسه الميري عيار 9مم وقام بتهديد الواقفين بإطلاق الرصاص, في حين كان الأهالي يحاولون تهدئته, وانتهى الأمر إلى أنه قام بإطلاق الرصاص على الشاب “عبد الرحمن طارق عامر” (17 عاما), فأرداه قتيلا في الحال, بالرغم من عدم صدور أي تهديد من الشاب أو من ركاب السيارات المتجمهرين.

إضافة إلى التعذيب الفردي الذي يحدث في أماكن الاحتجاز هناك أيضا التعذيب الجماعي الذي لا يقتصر على “حفلة الاستقبال” وإنما يشمل أيضا تعرية المساجين وتركهم في البرد أو على أرض تغطيها المياه، تكبيل المحتجزين وتعصيب عيونهم وهم رهن الاحتجاز، التعدي على الأهالي أثناء محاولات الزيارة التي إن نجح الأهل في الحصول عليها لا تتجاوز العشر دقائق مثلما هو الحال في سجن وادي النطرون.

 عمليات السحل والتعرية والضرب بكل أنواعه لكل أطياف المعتقلين من إخوان مسلمين ونشطاء مدنيين، نساء ورجال وأطفال موثقة تفصيلا في التقارير الفردية للمنظمات الحقوقية، وهي أطول مما يسمح بها هذا العرض المختصر, مع ذلك إذا اكتفينا بحفلات الاستقبال هذه دوناً عن الشهادات الفردية لضحايا التعذيب وفي ضوء عمليات الاعتقال التي طالت الآلاف أصبح لنا أن نتخيل حجم الظاهرة التي نتحدث عنها.

v    الاعتقالات

 لن نتمكن هنا من رصد أعداد كل المعتقلين في الست شهور الأخيرة, فالاعتقال مستمر ويومي والمحامون يلهثون بين النيابات والأقسام لمجرد أن يتعرفوا على مكان الاحتجاز ثم على مكان التحقيق الذي غالبا ما أصبح يتم في أماكن الاحتجاز ذاتها، والتجديد تلقائي بدون تحقيقات في أغلب الأوقات، بل أن تحديد موعد الجلسات أصبح في حد ذاته مطلبا لأهالي المعتقلين الذين أصبحوا يطالبون وبعضهم يضرب عن الطعام فقط من أجل أن يتم الاستماع لهم ولمحاميهم في التهم الموجهة إليهم.

 ويبدو أن الدولة لم ولن تكتفي بما لديها من قوانين استثنائية مقيدة للحريات لتطلق يدها دون ضابط أو رابط من قانون أو منطق في زج أكبر عدد ممكن من المواطنين في سجونها.. فقد نجح نظام عدلي منصور/السيسي في تمرير قانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013 الذي كان أول ما حاول المجلس العسكري إصداره في أبريل 2011 ثم من بعده نظام مرسي في ديسمبر 2012 ليصدر بقرار رئاسي في غياب أي جهة تشريعية مستقلة يوم 24 نوفمبر 2013، وذلك بعد أربعة شهور مما عرف بمظاهرات التفويض للسيسي، رئيس المخابرات الحربية في فترة الحكم العسكري التي شهدت آلاف الانتهاكات, والرجل الذي لم يجد غضاضة في الإقرار بممارسة كشوف العذرية على المتظاهرات في السجن الحربي كي لا يدّعين تعرضهن للاغتصاب خلال فترة الاعتقال.. نجح نظام السيسي في تمرير قانون التظاهر الذي لا يقتصر في الحقيقة على التظاهر وإنما يشمل كل الاجتماعات العامة المرهونة بموجب هذا القانون برغبة وموافقة الداخلية من حيث الشكل والمضمون.. قانون يقيد حق التظاهر أداة الثورة السلمية، نفس الأداة التي قال لنا الرجل ذاته أنها من منحته الشرعية، هذا القانون هو الأداة التي حكم بها على الطلاب بسبعة عشر عاما في السجن، وثلاث سنوات على “أحمد ماهر” واثنين -“أحمد دومة” و”محمد عادل”- صاحَباه وهو بصدد تسليم نفسه للنيابة فيما وصفته الداخلية بأنه مظاهرة بدون ترخيص.. ونفس الأداة التي ينتظر “علاء عبد الفتاح” و”أحمد عبد الرحمن” و23 ثائر المحاكمة الجنائية بسببها حتى أن مطلب محاميهم والمتضامنين معهم أصبح تحديد جلسة للنظر في قضيتهم. مجرد تحديد جلسة!

ولم يكن كل ذلك كافيا.. فقررت الدولة التي توصف بالعميقة اعتبار الإخوان المسلمين جماعة إرهابية ليصبح الاعتقال مصير كل من يشتبه فيه بالانضمام إلى هذه الجماعة التي كان السيسي وزير دفاع دولتها وعدلي منصور رئيس محكمتها الدستورية!

اليوم، ونحن على أعتاب الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير أصبح الاعتقال يوميا وأصبحت وزارة الداخلية هي الآمر الناهي في البلاد.. في كل يوم يعتقل الشباب والشابات من المنازل والشوارع والجامعات.. بدون أوراق أو أوامر نيابة أو طلبات تفتيش رسمية.. وما حدث لـ”منال حسن” زوجة “علاء عبد الفتاح” مؤشر بسيط على عقوبة الداخلية لمن يطالبون بتطبيق القانون.. مجرد إظهار ورقة تفيد أن مقتحمي المنازل مخولون بالقانون أن يقتحموها ويروعوا ساكنيها ويختطفوا منها من يشاءون ليخفوه حيثما يريدون ويتحايلوا على الأهل والمحامين وكأن بينهم وبين الناس ثأرا شخصيا يستهدف التنكيل لا معرفة الحقيقة وتفعيل العدالة المنزهة عن أي غرض سياسي, رغبةً في بث الخوف والرعب في قلوب الجميع باستهداف رموز لكل قطاع على أمل أن تصل الرسالة ويلزم الجميع بيوتهم ويكتموا أصواتهم.

 وإذا كان ما سبق هو عرض ملخص لأهم الانتهاكات التي شهدتها البلاد في الست شهور الأخيرة فإن بعض القطاعات تستدعي ذكرا خاصا:

v    الطلاب

 بناء على تقرير من مؤسسة “حرية الفكر والتعبير” صادر قبل بداية امتحانات الترم الأول وحيث تؤكد المؤسسة أن هذا الملف ليس حصرا شاملا بكل الطلاب المحتجزين ولكنه حصر لما استطاع فريق عمل المؤسسة توثيقه من خلال شبكة مراسلي المرصد الطلابي ومحاميي الوحدة القانونية بالمؤسسة وكذلك حملة الحرية للطلاب، شهدت الفترة من 3 يوليو حتى نوفمبر 2013 احتجاز 510 طالب جامعي ما بين طلاب جامعات حكومية، وجامعة الأزهر وجامعات خاصة، حيث تم القبض عليهم إما داخل الحرم الجامعي أو خارجه. بينما بلغت نسبة الطلاب المحتجزين قيد التحقيقات 37% من إجمالي المحتجزين و4% منهم ما زالت قضاياهم متداولة أمام المحاكم وتظل النسبة الأكبر التي وصلت إلى 49% من إجمالي الطلاب المحتجزين “غير معروف” وضعهم القانوني بسبب صعوبة الوصول إلى البيانات من خلال الأطر الرسمية المتبعة لمعرفة ذلك وذلك بسبب تعنت الجهات المسئولة عن منح المعلومة في أغلب الأحوال. جدير بالذكر أن ذوي معظم هؤلاء الطلاب المحتجزين حاولوا تقديم طلبات للسماح لأبنائهم لحضور الامتحانات، كما أن الحالات القليلة التي استطاعت تقديم هذه الطلبات لقت تعنتا من قبل وزارة الداخلية متمثلة في مصلحة السجون في قبول الطلب أو الرد عليه بينما تظل النسبة الأكبر من هؤلاء الطلاب محرومة حتى اليوم من حقها القانوني في حضور الامتحانات في ظل تجاهل إدارات الجامعات ووزارة التعليم العالي لمسئوليتها تجاه هؤلاء الطلاب ومستقبلهم الدراسي. وتجدر الإشارة هنا إلى طلاب الأزهر السبعة عشر الذين حكم على كل منهم بسبعة عشر عاما في السجن أو الأربعة عشر طالبا من جامعة القاهرة الذين أخلى سبيلهم بكفالة خمسين ألف جنيها لكل منهم.

أما داخل الجامعات فقد أصبح الحرم الجامعي ساحة قتال بين رجال الأمن والمظاهرات الطلابية التي بدأت مطالبة بالإفراج عن الطلاب المعتقلين ثم ازدادت اشتعالا بعد مقتل الطالب “محمد رضا” طالب الهندسة داخل جامعة القاهرة.. ومنذ ذلك الوقت أصبح استخدام الغاز والخرطوش والاعتقالات وحتى تواجد الأمن داخل لجان الامتحانات أحداثا عادية يروح ضحيتها المزيد من الطلاب في العديد من الجامعات.

 وفي الأسبوع قبل الأخير (22- 29 ديسمبر) وحده شهدت جامعة الأزهر وفاة اثنين من طلابها، بعد اشتباكات دامية استمرت على مدار ثلاثة أيام دون توقف، بين الطلاب وقوات الشرطة، ليأتي «خالد الحداد» و«عبد اللطيف خليفة» بعد «عبد الغني حمودة» ضحية “طب الأزهر” في أقل من 40 يومًا، على حين اعتقل في هذا الأسبوع وحده أكثر من 100 طالب وطالبة، أغلبهم من جامعة الأزهر، غير من أحيلوا للتحقيق. أما إجمالي ما تم حصره من قتلى بين الطلاب بناء على موقع “ويكي ثورة” في فترة أربع شهور من 3 يوليو حتى آخر نوفمبر 2013 فقد بلغ 211 طالبا.

v    الإعلاميين والصحفيين

 في الفترة ما بين 26 يونيو وحتى 26 أغسطس 2013 رصدت “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان” العديد من الانتهاكات ضد الإعلاميين والصحفيين ووسائل الإعلام تراوحت ما بين الاعتداءات بالعنف أو المنع من التغطية الصحفية أو الإعلامية أو الاستيلاء على الأجهزة والمعدات الخاصة بهم، تضمنت حسب تقرير الشبكة المعنون “أيام الحبر والدم” 112 انتهاكا بين اعتداءات بدنية (52 حالة) اعتقال واحتجاز (27 حالة) مصادرة ومنع (13 حالة) قتل (9 إعلاميين) إغلاق قنوات (5 حالات) مداهمات لمكاتب إعلامية (4 حالات) حظر نشر (2) واستدعاء للتحقيق (حالة واحدة) أما الجناة فكانوا في الأغلب السلطات المصرية في 51 حالة ومجهولين (17 حالة) ومؤيدين للإخوان المسلمين (37 حالة) ومناهضين للإخوان المسلمين (7 حالات).

على سبيل المثال، في أوائل شهر نوفمبر دوى في الإعلام صدى واقعة تعذيب مراسل “إم بي سي” المدعو “أسلم فتحي” في قسم شرطة المنيا  بعد أن تم تسريب مقطع مصور إلى وسائل الإعلام (نشرته أحد المواقع الخبرية بتاريخ 3 نوفمبر 2013[4]) يظهر تعرض شخص لضرب مبرح وتعذيب داخل أحد الأماكن المغلقة. لم تكن هذه هي الواقعة الأولى منذ الثورة أو في الأشهر الأخيرة التي يحدث فيها تعذيب جماعي لمواطن داخل أحد أماكن الاحتجاز, ولكن هذه الواقعة حازت على اهتمام أكبر من الإعلام بسبب انتشار الفيديو  الذي اتضح فيما بعد أنه لضحية تعذيب أخرى حدثت في نفس الوقت تقريبا (واقعة تعذيب “محمد فاروق عبد المطلب” في قسم شرطة أبو قرقاص[5]).كما ان الإعلامي “أسلم فتحي” تحدث إلى أكثر من وسيلة إعلامية عن واقعة تعذيبه والتي بدأت بمحاولته لأداء عمله كصفحي وقيامه بتغطية حادثة انهيار عقار في مدينة المنيا, إلا أن الضابط المسئول رفض دخوله إلى داخل الكردون وعندما اعترض على أسلوب الضابط في التعامل معه قام الضابط بسحله إلى بوكس الشرطة وبمساعدة الجنود الذين توالوا في الضرب عليه.

وفي يوم الجمعة الموافق 27 ديسمبر رصدت مجموعة “صحفيين ضد التعذيب” تعرض 11 صحفيا للعنف في يوم وحد أثناء تغطيتهم للاشتباكات بين أنصار المعزول والشرطة والأهالي.

v    النساء

 حسب تقرير أصدرته مؤسسة “نظرة للدراسات النسوية” بلغ عدد القتلى من النساء ممن تمكنت المؤسسة من رصده 19 امرأة منهن ثلاث مجهولات. كما بلغت الاعتقالات التي طالت النساء منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس الماضي 184 امرأة وفتاة (52 من رابعة والنهضة، 11 من مسجد الفتح، 4 من مظاهرة تريومف بمصر الجديدة، 7 طالبات من جامعة الأزهر يوم 24 ديسمبر و14 طالبة 28 ديسمبر), علما بأن 24 من معتقلات رابعة والنهضة لم يستدل على أماكنهن كما تعرضت الكثيرات منهن لسوء المعاملة والضرب والسب بألفاظ خارجة أثناء عمليات القبض، كما تعرضت 15 معتقلة منهن في سجن القناطر للكشف المهبلي بواسطة السجانات على حين أعفيت من هذا الكشف غير المتزوجات. ولم تقتصر الاعتقالات على نساء الإخوان المسلمين وإنما شملت أيضا عددا من ناشطات مجموعة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين” وعدد آخر من المشاركات في مظاهرة أمام مجلس الشورى اعتراضا على الإبقاء على نص المحاكمات العسكرية للمدنيين في الدستور الجديد ورغم أن احتجاز النساء في هذه المظاهرة لم يدم طويلا إلا أنهن تعرضن للضرب والسحل والتحرش الجنسي أثناء القبض عليهن ثم أثناء خروجهن من القسم قبل أن تلقي بهن سيارة الترحيلات في الصحراء شرق حلوان بعد منتصف الليل.

وإذا كنا سنضيف إلى هذه الانتهاكات ما تتعرض له النساء والفتيات من تحرش جنسي جماعي في أثناء المظاهرات، سواء كانت مظاهرات غاضبة أو احتفالية فإن العدد سوف يترفع كثيرا، حيث رصدت مؤسسة “نظرة للدراسات النسوية” والمجموعات العاملة في مجال مناهضة التحرش 186 حالة اعتداء جنسي واغتصاب خلال الفترة من ٢٨ يونيو الى ٧ يوليو في  محيط ميدان التحرير وهو مستوى غير مسبوق ليس فقط في العدد لكن أيضا في وحشية الاعتداءات التي كانت أكثر قسوة من تلك التي وقعت في يناير 2013، كما رصد أكثر من 250 حالة ابتداء من نوفمبر 2012 حتى تاريخه.

v    اعتداءات طائفية دون تدخل من الأمن

بعد فض اعتصامي “رابعة” و”النهضة” اندلعت حوادث عنف طائفي في صعيد مصر وبعض أحياء القاهرة يتراوح مرتكبوها، حسب الأنباء، ما بين إسلاميين ومجهولين فتم حرق عشرات الكنائس وقتل وإصابة العشرات حيث قدرت “منظمة العفو الدولية” أن الفترة التالية على فض الاعتصامين شهدت الهجوم على أكثر من 200 منزل ومنشأة مملوكة لمسيحيين إضافة إلى تدمير ما يقرب من 43 كنيسة في مختلف أنحاء البلاد -معظمها في محافظ المنيا- وذلك في غياب تام لقوات الأمن التي انشغلت بما يحدث في العاصمة وكأنها أرادت لهذه الجرائم أن تحدث لتمكن نفسها من مزيد من الاختراقات للقانون في ملاحقة من تريد حين تريد.

أخيرا

إذا كانت الدولة معنية بالأساس كما تدعي الحكومة بتطبيق القانون, فمن حقنا أن تتساءل: هل يخضع الموظفين العموميين ورجال الأمن تحديدا للقانون؟ هل طالت يد العدالة أيا من رجال الشرطة الذين توافرت معلومات تفيد بتورطهم في جرائم أو في ارتكاب أخطاء أدت إلى وفيات أو  إصابات جسيمة وغير مبررة أثناء تأدية عملهم؟

وما يمكن أن يستدل عليه من هذه الحوادث, والتي تعد عينة بسيطة من العديد من حالات العنف الشرطي والتعذيب في أماكن الاحتجاز, بخلاف وقائع القتل باستخدام القوة المفرطة في تفريق المظاهرات, هو أن الخلل الهيكلي بجهاز الشرطة والعنف المحصن بغياب الإرادة في النيابة العامة والمؤسسات القضائية لمحاسبة المخطئين من جهاز الشرطة سوف يستمر في إنتاج عنف عشوائي يطال الجميع, ولن يفرق بين مؤيد ومعارض للنظام. ولا يمكن أن تتحسن علاقة الشرطة بالمجتمع تحسن حقيقي مستدام غير مرتبط بلحظة سياسية أو بالأزمات الوقتية، إلا بإصلاح حقيقي ورقابة مستقلة على عمل الشرطة, يصاحبه إصلاح في مؤسسات القضاء. فهذه التجاوزات الأمنية المستمرة تكلفتها باهظة الثمن.

 حين رحب قطاع من المواطنين بتدخل الجيش لتحقيق حلم التخلص من حكم الإخوان المسلمين، وبعد أن تظاهر هذا القطاع لأيام ليفسح الطريق مرحبا في كثير من الأحوال، وكارها في القليل منها، لما ارتكب من انتهاكات ضد الإخوان المسلمين, صمدت بعض منظمات حقوق الإنسان والنشطاء، ومن بينهم بعض ممن يقبعون في السجون الآن، وحذرت مما قد يؤدي له هذه الترحيب بالانتهاكات طالما يصيب المخالفين. وكانت هذه المنظمات تدرك، ليس فقط من منطلق الإنسانية كما استهزأ بها البعض، وإنما لإدراكها أن حقوق الإنسان لا تتجزأ وان دولة القانون والمساواة أمام القانون هي الضامن الوحيد لسلام وأمن الجميع.. اليوم تدور الدوائر ويمتد القمع ليشمل كل من لا ترغب السلطة في تواجدهم على الساحة وكل صوت يأبى أن ينضم إلى أوركسترا الكراهية والبغض والعنف التي أصبحت هي اللاعب الوحيد تقريبا على الساحة.. تعزف نغمة كريهة تسعى إلى التغطية على صوت الرصاص وأنات المعتقلين في السجون.

 مستمرون نحن في نضالنا من أجل بلاد تحترم إنسانية البشر، بلاد تحكمها العدالة والقانون دون تمييز بين المواطنين، بلاد تصدق الثورة وما ناضلت من أجله “عيش، حرية كرامة إنسانية، عدالة اجتماعية”

 

المجد للشهداء والحرية للمعتقلين.. الحرية لعلاء عبد الفتاح وأحمد عبد الرحمن والآلاف غيرهم.. أحرار أنتم داخل السجون لو تعلمون.

  • المعلومات الواردة في هذه الورقة اعتمدت على المعلومات المنشورة على المواقع التالية مرتبة أبجدياً:

–        الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان www.anhri.net

–        المبادرة المصرية للحقوق الشخصية www.eipr.org

–        مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب www.elnadeem.org

–        منظمة العفو الدولية www.amnesty.org

–        مؤسسة حرية الفكر والتعبير http://afteegypt.org

–        نظرة للدراسات النسوية http://nazra.org

–        ويكي ثورة http://wikithawra.wordpress.com

      بالإضافة إلى الصحافة الورقية والإليكترونية من يوليو إلى  ديسمبر 2013.

الورقة الثالثة

العدالة فى مهب الريح تحت رحمة أذرع الظلم

مفتتح:

 “التاريخ شاهد على أنه كلما طغت السلطات الحاكمة، ورفعت السلاح فى وجه الحرية والحق، كانت المحاكم آلات مسخرة بأيديها: تفتك بها كيف تشاء، وليس هذا بعجيب؛ فإن المحاكم تملك قوة قضائية، وتلك القوة يمكن استعمالها فى العدل والظلم على السواء، فهى فى يد الحكومات العادلة أعظم وسيلة ﻹقامة العدل والحق، وبيد الحكومات الجائرة أفظع آلة للانتقام، والجور، ومقاومة الحق والإصلاح.

والتاريخ يدلنا على أن قاعات المحاكم كانت مسارح للفظاعة والظلم، بعد ميادين القتال. فكما أريقت الدماء البريئة فى ساحات الحروب، حوكمت النفوس الذكية فى إيوانات المحاكم، فشُنقت وصُلبت وقُتلت وأُلقيت فى غياهب السجون.”

من خطاب أحد زعماء النهضة الإسلامية الهندية الذى ألقاه عند محاكمته أمام محكمة سلطات الاحتلال الإنجليزى.

“لا توجد فى الحكومات سوى قوتين ضابطتين: قوة السلاح، وقوة القوانين، وإذا لم يتول قوة القوانين قضاة فوق الخوف، وفوق كل ملام، فإن قوة السلاح ستسود حتماً.”

“ستورى” كبير قضاة المحكمة العليا الأمريكية.

“وإن المحكمة وقد ساءها أن يصل التجريح إلى محاضر تحقيق النيابة العامة، ويكون محمولا على أسباب لها فى الأوراق دليل، فإنها تدعو إلى تعديل التشريع بحيث يتولى قضاة التحقيق وحدهم تحقيق قضايا الرأى، وأن يتيسر للمتهم فى القضايا ذات الطابع السياسى طلب ندب قاضى للتحقيق بحيث يبطل أى إجراء فى التحقيق إذا تم دون إجابة المتهم إلى طلبه أو إذا وضعت عراقيل تحول دون تولى التحقيق أحد القضاة”

من حكم محكمة أمن الدولة طوارئ الصادر فى 11 فبراير 1990 فى قضية النيابة العامة رقم 2830/ 1986 كلى وسط القاهرة المعروفة اعلاميا بالتنظيم الناصرى المسلح

مقدمة:

حيث أن الأصل براءة الإنسان مما ينسب إليه من تهم حتى تثبت إدانته فى محاكمة عادلة ونزيهة لذا يجب عدم التعرض لحقوقه الأساسية أو انتهاكها بلا أى مبرر. ويدق الأمر عندما نتذكر أن باقتراف جريمة ما تتصارع مصلحتان متناقضتان يجب التوفيق بينهما؛ مصلحة الأفراد فى حماية حقوقهم الأساسية ومصلحة المجتمع فى كفالة حقه فى مجازاة الجانى. وتوصلت البشرية من خلال خبرتها المتراكمة إلى أن مجازة الجانى تستلزم بالضرورة أن يتم هذا التوفيق بطريقة تمكن البرئ من إثبات براءاته باعتبار هذا أمرا يهم المجتمع مثلما يهم الشخص نفسه.

 

أوجه عوار أعمال النيابة:

  1. التعويل على محاضر الشرطة سواء فى توجيه فى إصدار أوامر الضبط والقبض والتفتيش والاتهام وتقرير الحبس الاحتياطى والإحالة للمحاكم, على الرغم من استقرار القضاء على أن هذه المحاضر لا تعد منفردة دليل كامل للحكم بالإدانة ودورها تعزيز الأدلة الموجودة.
  2. غلبة الطابع الاتهامى على دور النيابة فى التحقيق وندرة البحث والتحقيق فى أدلة براءة المتهم.
  3. الإسراع فى استئناف أحكام البراءة وندرة الطعن لمصلحة المتهم.
  4. قبول إجراء التحقيق فى غير أماكن النيابة العامة: سجون وأقسام بوليس ومعسكرات أمن مركزى.
  5. تقطيع أوصال القضية انحيازا للشرطة بما يخل بميزان العدالة.
  6. إهمال مراجعة التشريعات على الدستور النافذ وإهمال طلبات الطعن بعدم الدستورية.
  7. 7.            عدم ممارسة الإشراف على أماكن الاحتجاز.

 

أوجه عوار أعمال القضاء:

  1. الاستهانة بالدستور.
  2. قبول انعقاد الجلسات فى أماكن شرطية بما يخل بالعلنية والحق فى الدفاع.
  3. سهولة إصدار قرارات الحبس الاحتياطى.
  4. عدم ممارسة الإشراف على أماكن الاحتجاز.

وسنعرض لبعض هذه النقاط فى عجالة تاركين النظرة الشاملة لدراسة قادمة:

 

* الافراط فى الحبس الاحتياطى:

 لعل المشتغلين بالقانون – وبشكل خاص المحامين المهتمين بالدعاوى ذات الصلة بالهم العام- يستطيعون سرد قوائم طويلة من القضايا التى سلكت فيها جهة التحقيق سواء النيابة العامة أو نيابة أمن الدولة او قضاة التحقيق أو حتى المحاكم سلوكا لا يتفق مع ما يفرضه القانون نصا أو روحا فى اتخاذ قرار بحبس هذا المتهم أو ذاك حبسا احتياطيا أو مده، فقد لا تتوافر مبررات الحبس الاحتياطى؛ ومع هذا يصدر  قرارا به. ويزداد استفحال هذا السلوك بشكل خاص فى قضايا الرأى، وهى القضايا التى يهم السلطة السياسية التعامل معها بطريقة تقلص من تأثيرها السياسى المحتمل سواء داخليا أو خارجيا، بحيث يتحول مرفق العدالة من كونها جهاز فنى من المفترض أن يكون شغله الشاغل البحث عن الحقيقة بوصفه وكيلا عن المجتمع، ليضحي أداة من أدوات السلطة السياسية تمارس بها صراعها السياسى مع خصومها السياسيين. وبذلك يتم اختزال المجتمع فى السلطة السياسية، التى تصبح هى كل شئ، ومحور كل حركة، والغاية من كل تنظيم قانونى. وهى نتيجة بالغة الشذوذ؛ حيث يفترض فى السلطة السياسية ذاتها أنها قد وجدت لخدمة المجتمع، ولم يوجد المجتمع لإرضاء نوازع السلطة، وجهات التحقيق والمحاكم وجدت وكيلا عن المجتمع، وليست كرباجا فى يد السلطة.

ولم يعد ينشر احصاءات الحبس الاحتياطى ممكنا, فالخبرة العملية فى مصر تشير إلى أن التوسع فيه هو السياسة الثابتة التلقائية التى تستخدمها جهات التحقيق وتجديد الحبس

 

أمثلة:

 

الحالة الأولى: حبس احتياطى رغم انعدام الجريمة:

 تم إلقاء القبض على الدكتور/ أحمد حسين إبراهيم الأهواني يوم 24/ 4/ 1997، عندما توجه لتصوير بعض الأوراق الخاصة به ومن ضمنها عدد من مجلة غير دورية باسم “التضامن” تصدر عن التيار الاشتراكى مخصصة لمناقشة تأثير القانون 96/ 92 وعندما تبين لصاحب محل التصوير إن من ضمن الأوراق المطلوب تصويرها ورقة تتعلق بالسياسة سارع بإبلاغ مباحث أمن الدولة والتى قامت بالقبض على الدكتور الجامعى أثناء تسلمه الأوراق المصورة.

وعرض على نيابة أمن الدولة، التى اتهمته بحيازة وإحراز محررات أو مطبوعات تتضمن أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة وكان من شأن ذلك تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، إذا كانت معدة للتوزيع أو لإطلاع الغير عليها. وهى جنحة معاقب عليها بنص المادة 102 مكرر من قانون العقوبات وعند إطلاع النيابة على الحرز المتضمن صور أعداد المجلة المذكورة أثبتت النيابة أن الحرز عبارة عن عدد 2 كيس بلاستيك مربوط بالخيط بدون اتخاذ إجراءات تشميع الحرز، وعند إفراغ محتويات الكيسين وجد أنه عبارة عن عدة حزم منفصلة مربوطة بخيوط، وأنها أوراق منفصلة، علما بأن المجلة عبارة عن عدد مكون من تسع صفحات.

 فأياً كان ما تضمنته المجلة المذكورة، فلا ينطبق عليها النص القانونى, حيث أن هذه المطبوعات لم تكن معدة لا للتوزيع ولا لإطلاع الغير عليها مثلما أثبتت نيابة أمن الدولة فى تحقيقاتها، فالأعداد ليست مجمعة، ومازالت أوراق متفرقة ومربوطة كل مجموعة فى حزمة منفصلة, وأكثر ما يمكن أن توصف به قانونا أنها ما زالت فى طور الأعمال التحضيرية، والأعمال التحضيرية غير معاقب عليها قانونا, هذا من جهة ومن جهة ثانية, فإن محتويات العدد المنسوب إلى المتهم تصويره لا يتضمن أيا من المحظورات المنصوص عليها قانونا. فلا تتضمن أخبارا أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو تتضمن بث دعايات مثيرة تؤدى إلى تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة. ويتضح ذلك من مطالعة المجلة المذكورة, ومن جهة ثالثة لا ينطبق على المتهم حالة التلبس حيث لا تتوافر شروط التلبس كما عرفتها المادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية بقولها “تكون الجريمة متلبس بها حال ارتكابها أو عقب ارتكابها ببرهة يسيرة”. فالجريمة لم ترتكب أصلا، لأن المطبوعات لم تكن معده للتوزيع أو للإطلاع الغير عليها, ومن جهة رابعة لا يدخل المسند إلى المتهم فى عداد الشروع فى ارتكاب الجريمة أو الجنحة، حيث قررت المادة 45 من قانون العقوبات “لا يعتبر شروعا فى الجناية أو الجنحة مجرد العزم على ارتكابها ولا الأعمال التحضيرية لذلك”. وهذه الجنحة لا شروع فيها حيث لم يقرر القانون ذلك، والشروع لا يفترض فى حالة الجنح وإنما يجب أن ينص عليه صراحة فى القانون، بعكس الحال فى الجنايات, أخيرا لا يوجد إذن من النيابة بالقبض على الدكتور، مما يرتب بطلان القبض عليه.

النتيجة النهائية:

ونخلص من ذلك إلى أن الجريمة المسندة إلى “الأهواني” لم تتحقق أركانها القانونية، ومن ثم لا توجد جريمة أصلا وبالتالى تنعدم كلية شروط الحبس الاحتياطى، ورغم كل هذا أصدرت جهة التحقيق (نيابة أمن الدولة) قرارها بحبسه لمدة خمسة عشر يوما، وجددت حبسه لمدة أخرى، وأفرجت عنه النيابة فى 21/ 5/ 1997، وبذا استمر محبوسا 27 يوما، وظلت قضية “الأهواني” حتى اليوم معلقة فلم تقدمها النيابة للقضاء كما لم تقرر حفظ التحقيق، أو تقرر بألا وجه لإقامة الدعوى.

 

الحالة الثانية: حبس احتياطى على الرغم من انعدام الأدلة أو عدم كفايتها:

فى ٤/11/2013 تظاهر مجموعة من المواطنين عند المحكمة الدستورية احتجاجا على محاكمة الرئيس المعزول فتم القبض على ١٦ شخص من ضمنهم فتاة والتحقيق معهم وتقرر حبسهم وأحيلوا لمحكمة جنح البساتين في القضية رقم ٢٣٦٩٤/٢٠١٣ جنح البساتين, ولم يضبط معهم سوى حرزين الأول لم تعول عليه النيابة عبارة عن تى شيرت مرسوم عليه علامة “رابعة” وحيازته لا تشكل جريمة, ونسبت الشرطة لأحد المتهمين حيازة قطعة حديد اعتبرتها سلاح أبيض وسايرتهم النيابة فى هذا وخلت الاوراق من أى دليل يثبت الجرائم المعتاد نسبتها لمن يتظاهر: فهناك ٢ مصابين من رجال الشرطة لم يتعرفا على أحد بوصفه محدث الإصابة ومحررى المحاضر والقائمين على الضبط لم يشهدوا تفصيليا بدور كل متهم لأن القبض كان عشوائيا.

وأصدرت المحكمة حكمها بالبراءة فى ٢٦/١١/٢٠١٣ فسارعت النيابة وفى ذات اليوم باستئناف الحكم لمصلحة الشرطة دون أن تتريث قليلا لدراسة أدلة الدعوى مثلما فعلت نيابة شرق طنطا الكليـة فى مذكرتها فى القضية رقم 5498/2008 جنايات قسم ثان المحلة والتى تضمنت نصا: “وحيث أنـه بداءاة عن المتهمين الذين تم إلقاء القبض عليهم يومى 6 ، 7 أبريل 2008 وعددهم مائتين وثمانية خمسين متهما فقد انتهت التحقيقات إلى عدم الجزم بمشاركتهم فى الوقائع المرتكبــة، وذلك أخذا مما جاء بأقوال الضباط القائمين ضبطهــــم إذ قرروا بالتحقيقات أنهم لا يستطيعون تحديد دور أى منهم فى الجرائم المسندة إليهم، وماهيـــة الأفعال التى كانوا يقترفونها تحديداً وقت القاء القبض عليهم، ولا حتى أى من المتهمين قام كل منهــم بإلقاء القبض، الامر الذى يكشف عن عشوائيـــــة الضبط آنذاك لكل من هؤلاء المتهمين، سيمــا وأنـه لم يضبط بحوزة أى منهم ثمـــة مضبوطات ممـــا تــــم الاستيلاء عليــه ولا أدوات أو أسلحة تشيــر إلى إسهامهم فى التجمهــر أو ارتكاب تلك الوقائع، الأمر الذى تخلص منه النيابــة العامــة وهى فى مجــال التصرف فى الأوراق إلى استبعاد هؤلاء المتهمين من الاتهــام، ونكتفى بذكــر ذلك بالأسباب دون المنطـوق”

* قبول النيابة والمحاكم عقد جلسات التحقيق والمحاكمة فى خارج مبنى المحكمة وغالبا فى أماكن خاضعة تماما لسيطرة الشرطة (أقسام وسجون ومعسكرات):

 إن كفالة الحق فى الدفاع وسرية التحقيق وعلنية المحاكمة يستلزم ألا تتحكم الشرطة فى من يحضر من المحامين جلسات التحقيق أو التجديد أو المحاكمة, كما يقتضى السماح للجمهور بالحضور إعمالا لركن علنية الجلسات فمثلا في يوم ٣٠/ ١٢/ ٢٠١٣ وفى معسكر السلام للأمن المركزي تمت تحقيقات النيابة مع طلاب من جامعة الأزهر وتخللتها انتهاكات بالجملة وغضت النيابة بصرها عن هذه الانتهاكات, فقد بدأ التحقيق فى صالة ٢٠ متر فيها ١٠ وكلاء نيابة وخلف كل متهم يقف أحد جنود الشرطة, واستمرت التحقيقات في ظل رفض النيابة إثبات

 بطلان التحقيقات لعدم ملائمة المكان للتحقيق وعدم سريته, حتى بعد زيادة تواجد ضباط وجنود الشرطة وتماديهم في المعاملة السيئة مع كافة المتواجدين بالمكان, واستمر رفض النيابة لإثبات تلك الوقائع في محاضر التحقيقات, حتى أن أحد المحامين شاهد ضابطا يقوم أمام أعين النيابة بتصوير منتقبة بعد أن أمرها بخلع نقابها ولم تحرك النيابة ساكنا, فقام المحامي بطلب إثبات هذا الأمر بمحضر التحقيق, إلا أن النيابة امتنعت أيضاً.

 

* عدم مراجعة القضاء والنيابة التشريعات وفقا للدستور النافذ إلا فيما ندر:

 يكفى مثال واحد, فالدستور المعطل حظر المحاكم الاستثنائية بنص صريح وواضح وقاطع ولكن قضايا مثل قضية “تفجيرات طابا” أو قضية “خلية الزيتون” استمر نظرهما إبان سريان هذا الدستور أمام محاكم أمن الدولة طوارئ, إعمالا لنص المادة ١٩ من قانون الطوارئ التى تجيز هذا, وذلك رغم إنهاء حالة الطوارئ, في مخالفة صريحة لهذا الدستور من قبل القضاة أنفسهم.

* عدم قيام النيابة والقضاء بإجراء تفتيش على أماكن الاحتجاز تطبيقا للقانون:

 يمنح قانون السجون المصري الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 396 لسنة 1956 فى شأن تنظيم السجون, سلطة الإشراف القضائى على أماكن الاحتجاز للنيابة والقضاء فى المادتين ٨٥ و٨٦, ونادرا ما يتم هذا بشكل منتظم وفجائى, ولم نسمع عن قيام قضاة تحقيق بالتفتيش على أماكن الاحتجاز بالرغم من أن القانون ينص في المادة 85 منه على أن:

للنائب العام ووكلائه فى دوائر اختصاصهم حق الدخول فى جميع أماكن السجن فى أى وقت للتحقق من:

1- أن أوامر النيابة وقاضى التحقيق فى القضايا التى يندب لتحقيقها وقرارات المحاكم يجرى تنفيذها على الوجه المبين فيها.

2- أنه لا يوجد شخص مسجون بغير وجه قانونى.

3- عدم تشغيل مسجون لم يقض الحكم الصادر ضده بتشغيله فيما عدا الأحوال المبينة فى القانون.

4- عزل كل فئة من المسجونين عن الفئة الأخرى ومعاملتهم المعاملة المقررة لفئتهم.

5- أن السجلات المفروضة طبقاً للقانون مستعملة بطريقة منتظمة.

وعلى العموم مراعاة ما تقضى به القوانين واللوائح واتخاذ ما يرونه لازماً بشأن ما يقع من مخالفات. ولهم قبول شكاوى المسجونين وفحص السجلات والأوراق القضائية للتحقق من مطابقتها للنماذج المقررة. وعلى مدير السجن أو مأموره أن يوافيهم بجميع ما يطلبونه من البيانات الخاصة بالمهمة الموكل إليهم القيام بها.

وتنص المادة 86 من ذات القانون على أنه:

لرؤساء ووكلاء محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية وقضاة التحقيق حق الدخول فى كل وقت فى السجون الكائنة فى دوائر اختصاص المحاكم التى يعملون بها.

ولرئيس ووكيل محكمة النقض حق الدخول فى جميع السجون.

وعلى إدارة السجن أن تبلغ الملاحظات التى يدونونها إلى المدير العام.

 

* لا قيمة للزمن لدى النيابة والقضاء:

 ليس بعيدا عن أذهان مخططى الدولة العميقة حقيقة أن المحكمة الدستورية استغرقت أكثر من ٢٠ عاما لتصدر حكما بعدم دستورية الاعتقال والتفتيش بقرار إدارى من وزير الداخلية وفقا للبند ١ من المادة ٣ من قانون الطوارئ فرفعت القضية رقم 17/15 ق دستورية في ٢٠ أبريل ١٩٩٣ وحكمت المحكمة فى يوم الأحد ٢ يونيو ٢٠١٣ ونشر الحكم فى الجريدة الرسمية عدد ٢٢ مكرر الصادر فى ٣ يونيو ٢٠١٣, والقضية رقم 24/١١ ق دستورية محالة في ٨ أبريل ١٩٨٩ وصدر الحكم فيها يوم الأحد ٧ يوليو ٢٠١٣ ونشر في الجريدة الرسمية العدد ٢٨ مكرر ب الصادر فى ١٧ يوليو ٢٠١٣,  فكم مواطن مصرى أُدين وأعدِم استنادا لأدلة باطلة ولم تقم النيابة العامة بواجبها في مراجعة كافة قضايا محاكم أمن الدولة طوارئ لتعيد المحاكمات التي طالما استندت الإدانة فيها لمتحصلات من تفتيش غير دستورى, فلا القضاء ولا النيابة يحفلان بقسوة الزمن على المواطنين: قضية تظل فى الماكم لمدة ٢٠ سنة لماذا؟ هل لأنها قد تستثير السلطة السياسية؟ أليس للمواطن قيمة في هذه المعادلة؟

 

خاتمة:

لا تطمح هذه الورقة لتقديم سجل كامل لأوجه العوار التى تكتنف عمل الجهازين (النيابة العامة والقضاء) وانما هى مقدمة فى حاجة للمزيد من الرصد والبحث والتمحيص, فقضيتين مثل قضيتي “فتيات الاسكندرية” و”طلاب الازهر” اللذين قضي فيهما بالسجن ١١ سنة و١٧ سنة –على الترتيب- من محكمتي أول درجة, فى حاجة لدراسة حالة تفصيلية فالمجتمع المصرى يتشوق لعدم إهدار قيمة العدالة التى لا تتوافر بدون محكمة عادلة ومنصفة وقضاة مستقلون لا يخشون فى قولة الحق لومه لائم.

 صحيح أن تاريخ الإنسانية قد عرف محاكم مسخرة لخدمة الطغاة، إلا أنه قد عرف أيضا محاكم تواجه الطغاة نصرة للحق والعدل,

ومثلما عرف التاريخ قضاة فى خدمة الطغاة, فقد عرف قضاة فى مواجهة الطغاة,

ومصرنا ليست بعيدة عن تاريخ الإنسانية هذا


[1] بيان مشترك, 10 ديسمبر 2013, ” إقرار بما حدث ولا عدالة بعد 4 شهور ينبغي التحقيق في عمليات القتل الجماعي للمتظاهرين وملاحقة الجناة يجب إنشاء لجنة تقصي حقائق كخطوة أولى”. http://eipr.org/pressrelease/2013/12/10/1896

[2] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية, 25 نوفمبر 2013: “فتح تحقيق في ملابسات مقتل محتجز داخل مركز شرطة زفتى – دلائل تشير إلى تعرضه للتعذيب قبل وفاته داخل المركز”. http://eipr.org/pressrelease/2013/11/25/1886

[3] المبادرة المصرية للحقوق الشخصية, يناير 2013: “القتل مستمر” http://www.eipr.org/report/2013/01/22/1603

[5] http://www.hoqook.com/node/99713#.UsBnt_QW3Xw

 للأطلاع على التقرير كامل نسخه “pdf” أضغط هنا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التخطي إلى شريط الأدوات