الإفلات من العقاب

20 نوفمبر ,2013
القسم
أخبار

هذا التقريرالإفلات من العقاب

اندلعت الثورات العربية ، ولم تنتهي

ستة ثورات عربية ” تونس، مصر، البحرين ، ليبيا ، اليمن ، سوريا “حملت نفس الشعارات المطالبة بالتغيير والحرية و الكرامة الانسانية والعدالة الاجتماعية.

لم تنتهي الثورات بعد ، ولم تحقق مطالبها ، لكنها حققت شيئا هاما ، ليس فقط في بلاد الثورات الست ، بل في العالم العربي بآسره ، وهو كسر الخوف .

 حيث جذبت قطاعات واسعة من المواطنين العرب لم يكونوا مهمومين من قبل  بالنقاش العام حول قضاياهم و أداء حكوماتهم وانتقاد المسئولين ومراقبة ممارساتهم.

هذا التقرير يتناول الأربعة دول عربية التي تم تغيير رأس السلطة بها ، وإن لم تتغير أنظمتهم بالكامل ” تونس ، مصر ، اليمن ، ليبيا” فيما تم إستثناء ثورة البحرين ، وسوريا  ، حيث لم تسفر الثورات عن تغيير أنظمة الحكم بها حتى الان ، بغض النظر عن الاسباب.

تغير شكل النظام ، ولم يتغير جوهره ، رحل من رحل ، وهرب من هرب ، وحكم من حكم ، وأفلت اغلب المجرمين من العقاب! فمن حصانة لعلى عبدالله صالح ديكتاتور اليمن السابق ، إلى هروب زين العابدين بن على إلى السعودية ، إلى محاكمات هزلية عقب تحقيقات غير دقيقة لمبارك ورموز حكمه ، إلى قتل القذافي واعتقال نجله ، إلى إفلات المجلس العسكري في مصر من العقاب حتى الان.

لا سيادة للقانون ،ولا عدالة جادة تتحرك على سطر ، وتترك اخر.

وقد تم إعداد هذا التقرير والانتهاء منه في نهاية شهر يونيو 2013، قبل ايام قليلة من عزل الرئيس محمد مرسي من الحكم عقب عقب خروج ملايين المصريين ضده.

لذلك فهو لا يتضمن الوقائع التي تلت عزله في مصر ، وما شهدته من أحداث دموية تستدعي تحقيقات عادلة وجدية ، ليعاقب من اجرم بقدر جرمه ، ولا يضاف لقائمة من يفلت من العقاب.

اعد هذا التقرير ، الباحث السياسي تامر موافي ، وقام بالمراجعة جمال عيد مدير الشبكة العربية معلومات حقوق الإنسان ، والتصحيح اللغوي مينا زكري وكريم عبدالراضي.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

مقدمة

لم يدر بخلد محمد البوعزيزي في أغلب الظن وهو يشعل النار بجسده إلا أن حياته التي تدنت إلى وهدة سحيقة من المهانة عندما صفعته دركية (شرطية) تونسية، بعدما وصلت إلى قاع اليأس بمصادرة عربته البائسة التي كان يتكسب من بيع الخضروات عليها، أصبح لا بديل لديه عن وضع حد لها. ربما لو أن البوعزيزي كان واعيا بعد أسابيع وهو في سرير احتضاره بالمشفى وعندما هبط الطاغية من عليائه ليزور ضحيته الذي كان سببا في أن تميد أرض سلطانه تحت قدميه، ربما حينها فقط أدرك لمحة لا تتخطى قمة جبل الجليد من الأثر الجارف الذي أحدثه فعله اليائس الأخير. لم يكتب للبوعزيزي أن يرى الطاغية يفر من قصره المحاصر بهتافات الغاضبين، بينما كانت شوارع مدن عربية شتى تموج بملايين أمثالهم أغلبهم لم يعرف البوعزيزي أو يسمع باسمه، وإنما شاركوه جميعا في القناعة الواضحة بأن حيواتهم البائسة لابد من أن يوضع حد لها.

 بيد أن هؤلاء رأوا أن السبيل إلى ذلك ليس التخلي عن الحياة بل بالتمسك بها أكثر. التمسك بها إلى حد فقدها إن كان هذا ضروريا. ليس بأيديهم ولكن بأيدي جلاديهم أعوان الطغاة.

فر أحد الطغاة وأجبر آخر على التنحي بينما سحق ثالث وقتل وساوم رابع على ترك سلطته مقابل حصانته من دفع ثمن جرائمه. ونجح خامس في قمع ثورة شعبه ضده بينما يخوض السادس غمار حرب دموية دخلت عامها الثالث متمسكا بميراث أبيه. لم يوضع حد لحياة البؤس التي أخرجت الملايين للشوارع، ولكن العالم بعد ما فعله البوعزيزي لم يعد كما كان قبله، ومازالت جذوة الثورات التي أشعلها عود الثقاب نفسه في يد البوعزيزي مشتعلة في قلوب كثيرين، وسبيل تحقيق العدالة كما يتراءى لهم لابد وأن يمر بالقصاص لأرواح الآلاف التي أزهقت، ولكن المؤكد أن السبيل تملأه العراقيل ويحفه المزيد من الدماء، ناهيك عن اختلال الرؤية والضبابية التي تكتنفه، ولا يمكن النظر إليها في أكثرها على أنها ظاهرة طبيعية بقدر ما أنها بفعل فاعل أو فاعلين كثر.

“القصاص لدماء الشهداء” هو الشعار الذي يرفعه غالبية الثوار الذين لا يزالون قابضين على جمر ثورات الربيع العربي، في تونس، بلد البوعزيزي، في مصر وليبيا، وفي اليمن والبحرين، وما يقض مضاجع هؤلاء الثوار إلى جانب مظاهر عديدة لما يرونه إجهاضا لثوراتهم هو “الإفلات من العقاب”، الوجه النقيض للقصاص. وواقع الأمر أن كلا المصطلحين لا وجود له بنصه في الأطر النظرية والقانونية التي وضعها المجتمع الدولي لعلاج الأوضاع الناشئة عن الثورات الشعبية ضد أنظمة قمعية، والتي تندرج إجمالا تحت عنوان “العدالة الانتقالية”. هذا في ذاته هو أحد مظاهر اختلال الرؤية، ربما في الجزء البريء من التعمد، وتبدأ الضبابية المتعمدة من النقطة التي يغفل فيها أطراف مختلفة توضيح المسافة بين ثلاثة مفاهيم مختلفة؛ القصاص كما تطلبه الشعوب؛ العقوبة القانونية كما توفرها نظم العدالة الاعتيادية؛ وأخير المفهوم الشامل للعدالة الانتقالية والذي يفترض به أن يذهب أعمق وأبعد في اجتثاث جذور المظالم التي لم تنشأ فحسب في إطار قمع الأنظمة لثورات شعوبها، وإنما كانت في الأساس السبب الموضوعي لاندلاع هذه الثورات.

مفهوم العدالة الانتقالية

مفهوم العدالة الانتقالية هو عنوان تندرج تحته عدة إجراءات اتخذتها مجتمعات مختلفة في ظروف خرجت فيها من مرحلة في تاريخها اتسمت بممارسات استبدادية وانتهاكات لحقوق الإنسان إما تحت وطأة نظام ديكتاتوري أو نظام فصل عنصري أو حرب أهلية بهدف تحقيق السلم الاجتماعي المفتقد بين فئات تعرضت للغبن وأخرى يشار إليها بإصبع الاتهام بممارسته، وبدأ اهتمام المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة بهذه التجارب مع تزايد الحاجة إلى نقل خبراتها في ظل تكرار الظروف الموجبة لها، وبدأ ذلك بوضوح في فترة خروج دول أوروبا الشرقية من مرحلة حكم الأحزاب الستالينية، وتكرر مع توالى انهيار الديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية وكذا نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا إلخ.

ونظرا لتأرجح التجارب الأولى بين درجات مختلفة من النجاح في تحقيق أهدافها فقد ظهرت الحاجة إلى وضع إطار نظري يحدد الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق أهداف العدالة الانتقالية، ويوضح شروط نجاحها. وقام المركز الدولي للعدالة الانتقالية بالإسهام الأكبر في هذا المجال، وهو منظمة دولية مستقلة وغير حكومية بدأت عملها في أول مارس عام 2001، وإضافة إلى إصدارات المركز النظرية التي تعرض بشكل تفصيلي مختلف العناصر الأساسية لمنظومة العدالة الانتقالية، فقد قدم العون لعدد كبير من الدول لبناء منظومات العدالة الانتقالية الخاصة بها وفقا لظروفها المختلفة.

يعرف المركز الدولي للعدالة الانتقالية المنظومة بأنها “استجابة للانتهاكات المنهجية أو الواسعة النطاق لحقوق الإنسان، تهدف إلى تحقيق الاعتراف الواجب بما كابده الضحايا من انتهاكات، وتعزيز إمكانيات السلام والمصالحة والديموقراطية”.

تشمل الإجراءات المتضمنة في منظومة العدالة الانتقالية كل أو بعض ما يلي:

1 – الدعاوى الجنائية في إطار نظام العدالة التقليدي.

2 – لجان الحقيقة وهي لجان رسمية يتاح لها التحري والتحقيق في الانتهاكات وإصدار تقارير تفصيلية بنتائج تحقيقاتها وطرح توصيات بسبل معالجة آثار الانتهاكات.

3 – برامج التعويض أو جبر الضرر وهي مبادرات تلتزم بها الحكومات وتشمل تقديم تعويضات مادية ومعنوية للضحايا والمتضررين.

4 – إصلاح أجهزة الأمن وذلك لإعادة تأهيلها للقيام بدورها مع ضمان عدم تكرار ارتكابها لانتهاكات حقوقية.

5 – جهود تخليد الذكرى وتشمل المتاحف والنصب التذكيرية والإصدارات التوثيقية التي تحفظ ذكرى الضحايا وما تعرضوا له، وتعتبر في جزء منها شكل من أشكال تعويض هؤلاء الضحايا وفي جانب آخر حافز دائم للمجتمع على مقاومة تكرار الانتهاكات.

وينبغي ملاحظة أن أيا من هذه الإجراءات منفردا لا يمكن له أن يحقق أهداف المنظومة في مجملها كما أن التطبيق الاختزالي والناقص لأي منها يعرض المنظومة بأكملها للفشل والانهيار.

آليات المساءلة والعقاب وإعادة الهيكلة في منظومة العدالة الانتقالية

في العرض المختصر السابق لمفهوم العدالة الانتقالية يظهر جليا أن من بين خمسة أنواع مختلفة للإجراءات التي تنضوي تحت هذا المفهوم يتعلق ثلاثة منها مباشرة بالمساءلة والعقاب وإعادة الهيكلة بينما يعتمد الرابع (برامج التعويض وجبر الضرر) بشكل ضروري على التنفيذ السليم لها. وفي التطبيق العملي للعدالة الانتقالية نجد أن عدم تطبيق هذه الإجراءات بشكل سليم يؤدي بالضرورة إلى فشل المنظومة ككل في تحقيق الهدف المرجو منها. ويظهر ذلك حتى في التجارب التي تبدو أكثر نجاحا من غيرها وتعتبر تجربة جنوب إفريقيا فيما بعد تخلصها من نظام الفصل العنصري النموذج الأبرز في هذا المجال.

في عام 1995 أصدر البرلمان في جنوب إفريقيا قانونا تشكلت بموجبه لجنة الحقيقة والمصالحة، وباشرت هذه اللجنة عملها فتم الإدلاء بألفي شهادة علنية أمامها بينما نشرت اللجنة في تقريرها النهائي شهادات أكثر من 22 ألف ضحية من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في عهد حكم الفصل العنصري. ولكن هذه البداية الصحيحة بدأت تتعثر نتيجة وجود ثغرات اقتضتها المواءمات السياسية سمحت بأكثر من مسار للإفلات من العقاب. بعض هذه الثغرات انطوى عليه قانون الحقيقة والمصالحة نفسه منذ البداية، فقد أنشأ هذا القانون مبدأ “العفو من أجل الحقيقة”، وبينما يبدو مبرر الوصول للحقيقة مفهوما إلا أن هذا المبدأ في عموميته قد أغفل إحداث التوازن بين متطلبين من متطلبات العدالة، الأول هو الوصول للحقيقة، والثاني هو المحاسبة والعقاب، ولا يمكن في الواقع إغفال أحد المتطلبين لصالح الآخر. فوفقا لمبدأ “العفو من أجل الحقيقة” تقدم العديد من مرتكبي الانتهاكات إلى اللجنة للاعتراف بجرائمهم في مقابل حصولهم على عفو شامل عنها وحصانة ضد تعقبهم لاحقا بسببها، ولم يتسبب ذلك في إفلات هؤلاء من توقيع عقوبات عادلة عليهم فحسب بل حال أيضا دون حصول ضحاياهم على أي تعويضات نتيجة عدم إمكان الادعاء عليهم مدنيا بسبب جرائم تم العفو عنها، ووصل الأمر إلى أن حتى التعويض المعنوي والاعتراف بذكرى الجرم قد حجبت عن الضحايا، إذ سمح القانون لمرتكبي الانتهاكات بمقاضاة الضحايا لمجرد نشر تفاصيل الجرائم الواقعة عليهم بدعوى أن هذا يعد تشهيرا بمرتكب هذه الجرائم كونه قد أصبح شخصا بريئا تم العفو عنه!

إضافة لمن نالوا العفو من خلال تقديم اعترافاتهم في جلسات استماع لجنة الحقيقة والمصالحة، قام الرئيس السابق لجنوب إفريقيا “ثابو مبيكي” بإصدار قرارات عفو عن عدد من مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان، تحت عنوان استكمال الناقص في أعمال لجنة الحقيقة والمصالحة، وقد حصل هؤلاء على عفو شامل في أعقاب محاكمات سرية لم يتح للضحايا أو أسرهم حضورها أو الادعاء أمامها بالحق المدني. وفي النهاية تمكن عدد إضافي من مرتكبي جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان من الإفلات من العقاب دون التقدم باعترافاتهم أمام لجنة الحقيقة والمصالحة ودون حتى الحصول على عفو رئاسي وذلك نتيجة تعديل لسياسات الملاحقة القضائية صدر بموجبه عفو عام دون تقييد.

جدير بالذكر أن محاولات الضحايا وأسرهم المضنية لتحقيق العدالة لم تبؤ كليا بالفشل، ففي عام 2008 قضت محكمة بريتوريا العليا بعدم دستورية التعديل الذي تم إدخاله على سياسة الملاحقة القضائية لمرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في ظل نظام الفصل العنصري، وبناءً على ذلك لم يعد العفو العام عن هؤلاء ساريا وأصبح بالإمكان نظريا مقاضاتهم، وفي عام 2010 أيدت المحكمة الدستورية مطلبا يلزم باستشارة الضحايا قبل إصدار أي عفو سياسي لصالح مرتكبي جرائم في حقهم. وإن كانت هذه الانتصارات المعنوية للعدالة لم تترجم عمليا نظرا لأنها لم تلزم الحكومة نفسها بتعقب مرتكبي الجرائم وإنما سمحت فقط للضحايا وأسرهم بمقاضاتهم، ونظرا لافتقاد هؤلاء للموارد اللازمة فإنه حتى الوقت الحاضر لم تجر محاكمة واحدة لأي ممن أفلتوا من المحاسبة على جرائمهم.

في المحصلة أثبتت التجربة في جنوب إفريقيا الأهمية القصوى لإجراءات المحاسبة والعقاب في إنجاح أي منظومة للعدالة الانتقالية، فرغم النجاح الظاهري لهذه التجرية فإنه بعد 18 عاما منذ شرعت جنوب إفريقيا في مسار العدالة الانتقالية مازال شعور الكثيرين بإن العدالة لم تتحقق وأن الجناة لم يلقوا عقابهم يتسبب في إشكالات متعددة وهو ما يعني أن هدف السلام والمصالحة لم يتحقق على أرض الواقع.

أهداف ومنهجية الدراسة

تبدأ هذه الدراسة من مشاهدة واقعية على الأرض يظهر فيها جليا أنه بعد مرور أكثر من عامين على اندلاع ما اصطلح على تسميته بثورات الربيع العربي وتحديدا في أربع دول هي تونس، مصر، ليبيا، واليمن، فإنه في أي من هذه الدول لم تتحقق أي خطوات ملموسة لإقامة منظومة للعدالة الانتقالية بهدف معالجة آثار ما شهدته هذه الدول في فترات سابقة من تاريخها من انتهاكات بالغة لحقوق الإنسان على أيدي أنظمة استبدادية. وتضع الدراسة كفرضية أساسية أن سيادة اتجاه عام في الدول الخمس نحو إفلات الجناة من العقاب يقف كعقبة أساسية في طريق تطوير أي منها لمنظومة العدالة الانتقالية.

في سبيل إثبات فرضيتها الأساسية تلجأ الدراسة إلى رصد محاولات كل دولة من الدول الخمسة لتنفيذ الإجراءات المختلفة التي تنضوي تحت عنوان العدالة الانتقالية، وترصد نقائص هذه الإجراءات على المستوى العملي، مع التركيز في الخاتمة بصفة خاصة على دور السياسة المتعمدة لتسهيل إفلات الجناة من العقاب على وجود هذه النقائص وترجمة ذلك في النهاية إلى تعثر هذه الإجراءات أو فشلها الواضح.

ينبغي القول بأن الدور الواضح لسياسة الإفلات من العقاب في تعثر مسيرة الإصلاح وتحقيق الديموقراطية بصفة عامة في دول ثورات الربيع العربي لا يحتاج بالضرورة إلى تقديم أدلة عليه بالنسبة للكثيرين وبصفة خاصة من الثوار في هذه الدول، ولكن هذه الدراسة تستهدف أولا دعم الشعور العام هذا برصد أدلته، ثم تتخطى هذا ثانيا بوضع الظاهرة في الإطار الأشمل لمفهوم العدالة الانتقالية والذي يغيب الفهم الدقيق له عن الخطاب السائد في هذه الدول بما في ذلك خطاب دعاة الإصلاح والمطالبين بتحقيق العدالة، وتستهدف الدراسة ثالثا طرح توصيات لتصحيح المسار وتدارك النقائص في ما تم من إجراءات وكذا اقتراح إجراءات إضافية أو بديلة.

مصر

اندلعت الثورة المصرية في يوم الثلاثاء 25 يناير 2011، إذ ألهمت الثورة التونسية نشطاء مصريين فدعوا إلى تظاهرات في كل أنحاء مصر في هذا اليوم الذي يوافق عيد الشرطة المصرية، وأطلقوا عليه اسم يوم الغضب، وكان إقبال عشرات الآلاف من المصريين على التظاهر في هذا اليوم مفاجئا، وبعد تمكن المتظاهرين من احتلال ميدان التحرير تدخلت قوات الأمن المركزي لإخلاء الميدان مستخدمة الغاز المسيل للدموع وطلقات الخرطوش. ولكن نجاح الدعوة إلى التظاهر في هذا اليوم أتت أكلها، وبدأت الدعوة إلى التظاهر من جديد في يوم الجمعة التالي الذي أطلق عليه “جمعة الغضب”، ولم تنقطع التظاهرات المتفرقة في الأيام من 25 وحتى 28 يناير الذي كان ذروة الثورة المصرية، حيث قدرت أعداد من شاركوا بالتظاهر فيه في جميع المدن المصرية الرئيسية بالملايين، واجهتهم قوات الأمن المصرية بعنف شديد مستخدمة الغاز المسيل للدموع وطلقات الخرطوش والرصاص الحي، مما أسقط مئات الشهداء خلال ساعات، وفي النهاية اضطرت قوات الأمن للانسحاب في الوقت الذي هاجم فيه آلاف الغاضبين مراكز وأقسام الشرطة ومقار الحزب الوطني في أغلب المدن المصرية وأشعلت فيها النيران. وفي مساء ذلك اليوم أمر الرئيس المصري قوات الجيش بالنزول إلى المدن لحفظ النظام وأعلن حظر التجوال بالمدن الكبري.

في أعقاب جمعة الغضب تم احتلال ميدان التحرير من قبل المتظاهرين واعتصموا مقاومين كافة المحاولات لإجلائهم عنه بما في ذلك هجمات جموع “البلطجية” الموالين للنظام في يوم الأربعاء الدامي المعروف إعلاميا بموقعة الجمل، وتوالى تنظيم المليونيات في ميدان التحرير والميادين الكبري بمدن المحافظات المختلفة في أيام الثلاثاء والجمعة، كما بدأ العمال وموظفي الدولة الدخول في إضرابات مفتوحة في مؤسسة بعد أخرى مما مثل ضغطا هائلا على النظام، وفي النهاية اضطر الرئيس المصري محمد حسني مبارك إلى التخلي عن منصبه في يوم 11 فبراير 2011 ونقل سلطاته إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

انتهاكات حقوق الإنسان في وقائع الثورة وما بعدها

جمعة الغضب 28 يناير 2011

في أعقاب تظاهرات يوم الثلاثاء 25 يناير 2011 (يوم الغضب) استمرت التظاهرات بصفة يومية طوال يومي 26 و27 يناير بينما استمر الحشد لتظاهرات يوم الجمعة 28 يناير الذي اختير له اسم “جمعة الغضب”، بدأت انتهاكات نظام الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك المرتبطة بهذا اليوم مبكرا وفي خطوات استباقية للتظاهرات وتمثلت في أمرين:

  1. في فجر الجمعة قامت أجهزة أمنية بشن حملة اعتقالات واسعة لسياسيين ونشطاء شباب ومنتمين لأحزاب المعارضة.
  2. بأوامر من الأجهزة الأمنية قامت شركات الاتصالات الهاتفية اللاسلكية (شبكات المحمول) بوقف خدماتها بشكل تام، وكذا قطعت شركات الإنترنت خدماتها وذلك لإعاقة التواصل بين المشاركين في التظاهرات.

لم تؤثر الإجراءات الاستباقية هذه في حجم التظاهرات التي خرجت من المساجد الكبري في كافة مدن الجمهورية بأعداد كبيرة وبصفة خاصة في مدن القاهرة والإسكندرية والسويس، وكان هدف المسيرات في القاهرة الوصول إلى ميدان التحرير في قلب العاصمة واحتلاله مجددا، بينما تلخصت خطة وزارة الداخلية المصرية في الحيلولة دون ذلك بأي ثمن وهو ما أدي إلى وقوع اشتباكات دامية بين قوات الأمن والمتظاهرين على الطرق المؤدية إلي الميدان، استخدمت فيها قوات الأمن مدافع المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع ثم لجأت إلى طلقات الخرطوش والرصاص الحي الذي شارك في إطلاقه بهدف القتل قناصة تم توزيعهم على أسطح المباني المحيطة بالميدان ليبدأ تساقط القتلى بالعشرات في مذبحة راح ضحيتها وفق التقديرات الرسمية أكثر من 830 شهيد ومئات الجرحى، فيما تتخطى التقديرات المستقلة لأعداد الشهداء حاجز الألف شهيد.

استمرت المواجهات بين قوات الأمن والمعتصمين حتى قبيل غروب الشمس إذ نفذت ذخيرة هذه القوات وأنهك أفرادها وبدأت الانسحاب من الميادين بشكل منظم أحيانا وبشكل عشوائي في أحيان أخرى، وبدأ أهالي بعض المناطق الشعبية بصفة خاصة في مهاجمة أقسام ومراكز الشرطة ومقار الحزب الوطني في أنحاء الجمهورية حيث تعرض عشرات من هذه المنشآت للتدمير والحرق وأهمها المقر الرئيسي للحزب الوطني على كورنيش النيل بالقرب من ميدان التحرير.

تمثل جمعة الغضب الحدث الرئيس للانتفاضة المصرية، وهو اليوم الذي شهد سقوط أكبر عدد من شهداء هذه الانتفاضة في عدة ساعات، وبخلاف أحداث الأربعاء الدامي فإن الملاحقات القانونية لقتلة الشهداء قد اقتصرت حتى الآن على من سقطوا في هذا اليوم، فيما كانت الملاحقة القانونية من نصيب المتظاهرين في كافة الأحداث التالية للثورة بالرغم من سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والمصابين في هذه الأحداث.

موقعة الجمل

في صباح يوم الأربعاء 2 فبراير 2011 نظم أعضاء في الحزب الوطني (الحزب الحاكم إبان عصر مبارك) ومسؤولون بالدولة تظاهرات مؤيدة للرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في ميدان مصطفي محمود بمنطقة المهندسين بالجيزة. تواترت أنباء باعتزام هؤلاء المتظاهرين الزحف نحو ميدان التحرير لإخلائه من معارضي مبارك المعتصمين به. وظهيرة هذا اليوم وصل بالفعل عدد من مؤيدي الرئيس إلي ميدان التحرير ونشبت بينهم وبين المعتصمين فيه تراشقات لفظية واشتباكات بالأيدي تطورت إلى تبادل للقذف بالحجارة. وفجأة ظهرت جماعة من راكبي الجمال والخيول والحمير اقتحمت الميدان من جانب المتحف المصري في مشهد هزلي على مأساويته. وبينما نجح المعتصمون في رد عدوان راكبي الجمال والخيول، بدأ هجوم لجماعات من البلطجية المنظمين والمسلحين على الميدان من مداخله المختلفة، وتواصل الهجوم باستخدام الحجارة وزجاجات “المولتوف” وكرات اللهب حتى صباح اليوم التالي.

وقفت قوات الجيش المتواجدة حول الميدان موقف المتفرج المحايد على الأحداث ولم تحرك ساكنا لرد العدوان الذي استمر لساعات، يستثنى من ذلك تصرف فردي لأحد ضباط الجيش الذي تصدى للمهاجمين من أحد مداخل الميدان وأطلق النيران من مسدسه ثم من رشاش ثقيل في الهواء.

أسفرت هجمات البلطجية فيما أصبح يعرف إعلاميا بموقعة الجمل عن سقوط أحد عشر قتيل على الأقل بين صفوف المعتصمين بالميدان وأصيب ما يقرب من ألفين منهم، ولم يتسن معرفة أعداد ضحايا أو مصابي الطرف الآخر.

أحداث ماسبيرو

احتجاجا على هدم كنيسة بقرية الماريناب في أسوان قام عدد من الأقباط وعدد من المتضامنين المسلمين بدءا من 4 أكتوبر 2011 بالاعتصام أمام مبني الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو) على كورنيش النيل قرب ميدان التحرير. وكان استخدام قوات الأمن المركزي ثم قوات الشرطة العسكرية للقوة المفرطة في فض هذا الاعتصام واعتدائها على المعتصمين بالضرب المبرح سببا في الدعوة إلى مسيرة كبرى في يوم الأحد 9 أكتوبر انطلقت من منطقة شبرا وحتى مبنى ماسبيرو.

عند وصول المسيرة التي شارك فيها آلاف المتظاهرين أغلبهم من الأقباط (بمشاركة العديد من النشطاء المسلمين) إلى محيط ماسبيرو بدأ إطلاق النار (والذي لم يتسن معرفة مصدره حتى الآن)، تلى ذلك حدوث اشتباكات بين المتظاهرين وبين قوات الشرطة العسكرية، ثم بدأت مدرعات الشرطة العسكرية في الحركة بشكل عشوائي بين المتظاهرين فدهست العديد منهم. وتواصلت أحداث العنف بين الطرفين وتدخل فيها أهالي المناطق القريبة بعدما أثارت دعاوى بثها تليفزيون الدولة الرسمي حفيظتهم مدعية أن الأقباط يهاجمون جنود وضباط الجيش المصري.

أسفرت الاشتباكات عن مقتل حوالي 27 شخصا معظمهم من الأقباط وعدد كبير منهم لقي حتفه دهسا تحت عجلات المدرعات.

الإطار القانوني

طوال الفترة التالية للثورة المصرية كان الحديث عن مشروع لقانون ينظم عملية العدالة الانتقالية لا يخرج عن نطاق التنظير، في المقابل كانت تراوحات الساحة السياسية سببا في ظهور مشروعات قوانين تعالج الفترة السابقة على الثورة بمنطق تجنب شبح عودة رموز نظام مبارك إلى العمل السياسي بما يهدد مصالح بعض القوى السياسية، وكان قانون العزل الذي مرره مجلس الشعب المنحل واحدا من أبرز الجهود وأوضحها في هذا الإطار وهو قانون صمم تحديدا لاستبعاد مرشحين رئاسيين من المنتمين للنظام السابق، وفي النهاية أخفق ذلك الجهد بعد حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون مما سمح لأحمد شفيق آخر رؤساء الوزراء في عهد حسني مبارك بالاستمرار في سباق انتخابات الرئاسة حتى مرحلتها الثانية منافسا لمرشح حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين) محمد مرسي الذي تمكن في النهاية من الفوز بفارق ضئيل.

عادت فكرة العزل السياسي لتأخذ مسارها من خلال الدستور المصري الجديد الذي تم تمريره في ديسمبر 2012، ونصت مادته رقم 232 على:

“تمنع قيادات الحزب الوطني المنحل من ممارسة العمل السياسي والترشح للانتخابات الرئاسية والتشريعية لمدة عشر سنوات من تاريخ العمل بالدستور، ويقصد بالقيادات كل من كان عضوا بالأمانة العامة للحزب أو بلجنة السياسات أو بالمكتب السياسي أو كان عضوا بمجلس الشعب أو الشورى في الفصلين التشريعيين السابقين على ثورة الخامس والعشرين من يناير.”

الاستخدام السياسي للتشريع يكمن أيضا في خلفية محاولات تمرير قانون جديد للسلطة القضائية تحت لافتة تطهير القضاء في وقت احتدم فيه الصراع بين السلطة التنفيذية ومؤسسة رئاسة الجمهورية ومن خلفهما جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة ذراعها السياسي، وبين السلطة القضائية من جانب آخر، وخيمت أجواء هذا الصراع على المناقشات في ورشة عمل عقدتها لجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى (القائم مؤقتا وقتها بمهام التشريع كاملة في غيبة مجلس النواب)، حول العدالة الانتقالية في مصر، والأجواء ذاتها دفعت الأحزاب المدنية في مجلس الشورى إلى محاولة الدفع بمشروع لقانون العدالة الانتقالية لاستباق تمرير قانون السلطة القضائية.

لجان الحقيقة

بدأ تشكيل لجان لتقصي الحقائق حول أحداث قتل المتظاهرين وإصابتهم أثناء الانتفاضة المصرية وما تلاها من أحداث الثورة المختلفة مبكرا، فقد تشكلت أولى هذه اللجان قبل تنحي الرئيس المخلوع عن منصبه بيوم واحد بقرار من رئيس وزرائه الفريق أحمد شفيق. وتوالى تشكيل لجان تقصي الحقائق في الأحداث المختلفة كان بعضها بقرارات وزارية أو برلمانية أو رئاسية. إلى جانب ذلك أصدر المجلس القومي لحقوق الإنسان عددا من التقارير تضمنت ما توصلت إليه لجان لتقصي الحقائق شكلها من أعضائه وشملت معظم الأحداث التي شهدتها مصر خلال العامين الماضيين. فيما يلي سنعرض لمعلومات متعلقة ببعض هذه اللجان وما أصدرته من تقارير.

لجنة تقصي الحقائق المشكلة من قبل أحمد شفيق

في 10 فبراير 2011 أصدر الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء آنذاك قرار رقم 294 لسنة 2011 بتشكيل “لجنة تحقيق وتقصى حقائق بشأن الانتفاضة الشبابية”. وقضى القرار بتشكيل اللجنة من كل من: المستشار الدكتور عادل قورة، المستشار محمد أمين المهدى، المستشار الدكتور إسكندر غطاس، الأستاذ الدكتور محمد بدران، الأستاذة الدكتورة نجوى خليل. وحدد القرار اختصاص اللجنة “بتقصي الحقائق واتخاذ ما ترى من إجراءات بخصوص ما شهدته الساحة المصرية من أحداث واكبت الانتفاضة السلمية للشباب”، وخصص ذلك في عدة نقاط كان أهمها:

  • تقصى الحقائق بشأن الممارسات غير المشروعة التى خرجت من الأحداث المشار إليها عن الوجه الحضاري للمظاهرات السلمية للشباب.
  • اتخاذ ما تراه لازما من سماع شهود واستيفاء معلومات واستدعاء من ترى استدعاءه ممن اتصل بالأحداث المشار إليها.
  • قيام كافة أجهزة الدولة والجهات المختصة بتزويد اللجنة بكل المعلومات والبيانات التي تطلبها بخصوص المهام المنوطة باللجنة.

أعلنت اللجنة في 19 أبريل 2011 عن تقديمها لتقريرها إلى كل من المستشار محمد عبد العزيز الجندي، وزير العدل السابق، والمستشار عبد المجيد محمود النائب العام السابق، كما قامت بتوزيع موجز للتقرير على وسائل الإعلام. وحسب ما أعلنه المستشار عمر مروان الأمين العام للجنة فقد أتى التقرير في 300 صفحة وتضمن توضيحا لوقائع إطلاق النيران والدهس بالسيارات ضد المتظاهرين وما نتج عنها من وفيات وإصابات وكذلك أحداث “موقعه الجمل”، التي قامت بها أعداد من البلطجية وعمليات الاحتجاز غير القانوني لبعض المواطنين، وعمليه الانفلات الأمني وما واكبها من أحداث وقطع خدمات الاتصالات والإنترنت وبعض وسائل الإعلام.

جدير بالذكر أنه حسب المتوافر من معلومات لم يتم استخدام ما وثقه هذا التقرير في تحريك أي دعاوى جنائية جديدة ولم يتم ضمه كمستند في أي من القضايا المنظورة حينها أمام القضاء بخصوص وقائع قتل وإصابة المتظاهرين.

تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان

أصدر المجلس القومي تقريره عن أحداث الثورة في مارس 2011، وقد جاء التقرير في 24 صفحة واستعرض نتائج تقصيه للحقائق تحت العناوين التالية:

  • موجز تطور الأحداث وتسلسلها الزمني خلال الفترة من ٢٥ يناير 2011 وحتى 11 فبراير 2011.
  • الجرائم والتجاوزات التي ارتكبت خلال أحداث الثورة.
  • جرائم القتل خلال محاولات الشرطة فض التظاهرات.
  • جرائم قتل متظاهرين من جانب مليشيات الحزب الوطني.
  • الاعتداءات البدنية، والإصابات المتخلفة عن قمع المتظاهرين.
  • جرائم الخطف والاعتقال والتعذيب.
  • التعتيم الإعلامي.
  • التضليل والتحريض في الإعلام الرسمي.
  • قمع الإعلاميين ونشطاء حقوق الإنسان.

لجنة تقصي الحقائق المشكلة بقرار من رئيس الجمهورية

في 5 يوليو 2012 أصدر الرئيس المصري السابق محمد مرسي قرار رئيس الجمهورية رقم 10 لسنة 2012، والذي تم تعديله في اليوم نفسه، بشأن لجنة جمع المعلومات والأدلة و تقصى الحقائق في وقائع قتل وشروع في قتل وإصابة المتظاهرين بكافة أنحاء الجمهورية.

ينص القرار في مادته الأولي على تشكيل اللجنة برئاسة المستشار محمد عزت على شرباش، وعضوية كل من المستشار عمر الخطاب مروان، والمستشار محمد محمد البدران، واللواء عماد حسين حسن، ومحمد الدماطي، وخالد محمد بدوى، ومحسن بهنسي، والنائب العام المساعد، ومساعد وزير الداخلية للأمن العام، ورئيس هيئة الأمن القومى بالمخابرات المصرية، وستة من ممثلي أسر الشهداء والمصابين وشباب الثورة كأعضاء مراقبين , وهم على حسن على، وعلى السيد محمد الجنيدي، ورمضان أحمد عبده، وسليمان حسن محمد، وأحمد راغب، وراندا سامى محمد.

وشمل القرار تحديد صلاحيات اللجنة فيما يلي:

  • مراجعة كافة الإجراءات التي قامت بها الأجهزة التنفيذية في الدولة، وبيان مدى تعاونها مع السلطة القضائية في هذا الشأن وبيان أوجه قصور أعمال تلك الأجهزة إن وجدت.
  • معاينة أماكن الأحداث في كافة أنحاء الجمهورية.
  • جمع المعلومات والأدلة حول الوقائع المشار إليها للوصول للحقيقة.
  • مناقشة القوات والشهود والتشكيلات التي شاركت في الوقائع.
  • حصر الآثار المادية وتجميع كافة الأدلة حول الوقائع محل البحث.
  • بيان الوقائع والمعلومات وأدلة الثبوت المتعلقة بالجرائم التي ارتكبت في حق المتظاهرين ولم يسبق التحقيق فيها.
  • الاطلاع على ما تم من تحقيقات ومحاكمات.

وألزم القرار اللجنة بتقديم تقرير بنتائج أعمالها مشفوعا بالتوصيات في موعد غايته شهرين من تاريخ إصداره. وقامت اللجنة بتسليم تقريرها للرئيس محمد مرسي في 3 يناير 2013 والذي أمر بتسليم نسخة منه إلى النائب العام.

لم يتم نشر نص التقرير علانية حتى اليوم، بخلاف ذلك قامت صحف محلية وأجنبية بنشر ما قالت أنه أجزاء من التقرير تم تسريبها إليها، وكان أهم ما ورد بتلك التسريبات شهادات لشهود عيان ادعوا فيها قيام قوات الجيش بأعمال تعذيب وقتل خارج القانون لمعتقلين، وادعى البعض دفن أعداد غير محددة من القتلى في مقابر جماعية.

المحاكمات الجنائية

محاكمة مبارك ونجليه ووزير داخليته وكبار معاونيه

القضية رقم 1227 لسنة 2011 وتم ضمها إلى القضية رقم 3642 لسنة 2011

الاتهامات: قتل وإصابة المتظاهرين في مدن مصر – التربح والفساد المالي

المتهمون: الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي و6 من كبار مساعديه السابقين هم: اللواء أحمد رمزي رئيس قوات الأمن المركزي الأسبق، اللواء عدلي فايد رئيس مصلحة الأمن العام الأسبق، اللواء حسن عبد الرحمن رئيس مباحث أمن الدولة السابق، اللواء إسماعيل الشاعر مدير أمن القاهرة الأسبق، اللواء أسامة المراسي مدير أمن الجيزة الأسبق، اللواء عمر فرماوي مدير أمن السادس من أكتوبر السابق

وقائع المحاكمة:

  • في 10 أبريل 2011 أمر النائب العام الأسبق “عبد المجيد محمود” باستدعاء مبارك للتحقيق معه حول جرائم قتل المتظاهرين والتحقيق مع نجليه علاء وجمال مبارك بتهم التربح واستغلال النفوذ.
  • في 13 أبريل 2011 صدر قرار النيابة بعد أولى جلسات التحقيق بحبس مبارك ونجليه 15 يوما على ذمة التحقيق، وفي اليوم نفسه تم نقل مبارك إلى مستشفي شرم الشيح بعد تدهور صحي مفاجئ بينما نقل نجليه إلى سجن مزرعة طرة بالقاهرة.
  • في 18 أبريل 2011 استمعت النيابة إلى أقوال اللواء عمر سليمان النائب الأسبق لرئيس الجمهورية ومدير المخابرات العامة لفترة طويلة من عهد مبارك بخصوص الجرائم موضع التحقيق.
  • توالى تمديد الحبس الاحتياطي لمبارك ونجليه في 22 أبريل ثم في 10 مايو لمدة 15 يوما في كل مرة قبل أن يقرر النائب العام في 24 مايو 2011 إحالتهم إلى محكمة الجنايات.
  • بدأ المستشار أحمد رفعت رئيس محكمة جنايات القاهرة بنظر القضيتين منفصلتين في يوم الأربعاء 3 أغسطس، واستمر نظر القضية الأولى (العادلي ومعاونوه) في اليوم التالي وتقرر التأجيل لجلسة 14 أغسطس.
  • في 7 سبتمبر 2011 قررت المحكمة استدعاء كل من المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ونائبه الفريق سامي عنان رئيس أركان القوات المسلحة، واللواء عمر سليمان النائب الأسبق لرئيس الجمهورية، ووزيرا الداخلية الأسبقين اللواء محمد وجدي، واللواء منصور العيسوي، لسماع شهاداتهم حول الوقائع موضع الاتهام.
  • تم تجميد نظر القضية لنظر دعوى برد هيئة المحكمة تم رفضها في النهاية.
  • في 5 يناير 2012 طالب ممثلو النيابة العامة في نهاية مرافعتهم بالقضية بتوقيع عقوبة الإعدام شنقا على كل من الرئيس السابق محمد حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي.
  • في يوم 22 فبراير 2012 تم غلق باب المرافعات وقررت المحكمة التأجيل لجلسة 2 يونيو للنطق بالحكم. بلغ عدد جلسات المحاكمة حتى ذلك الحين 48 جلسة تم فيها فض أحراز القضية وسماع طلبات الدفاع عن المتهمين ومحامي المدعين بالحق المدني، وسماع ومناقشة الشهود، وسماع مرافعات النيابة والدفاع والمدعين بالحق المدني.
  • حكمت محكمة جنايات القاهرة في 2 يونيو 2012 برئاسة المستشار أحمد رفعت على كل من الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي بالسجن المؤبد (25 عاما) وببراءة مساعدي العادلي من التهم الموجهة إليهم، وبانقضاء الدعاوى الجنائية في تهم التربح واستغلال النفوذ، والتلاعب في أسعار تصدير الغاز إلى إسرائيل، الموجهة إلى مبارك ونجليه ورجل الأعمال حسين سالم.
  • في 4 يونيو 2012 قرر النائب العام الطعن على أحكام البراءة التي صدرت لصالح معاوني العادلي، وعلى الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية في قضايا التربح واستغلال النفوذ، وفي 31 يوليو 2012 أودعت هيئة الدفاع عن مبارك والعادلي أوراق الطعن على الحكم ضدهما.
  • في 13 يناير 2013 قضت محكمة النقض بإلغاء كافة الأحكام الصادرة في القضية، وبإعادة المحاكمة.
  • في 3 مارس 2013 قررت محكمة استئناف القاهرة جلسة 13 أبريل 2013 لبدء إعادة المحاكمة أمام الدائرة العاشرة بمحكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار مصطفى حسن عبد الله.
  • في يوم 13 أبريل 2013 أعلن المستشار مصطفى حسن عبد الله تنحيه عن نظر القضية.
  • في يوم 11 مايو 2013 بدأ نظر القضية من جديد أمام محكمة شمال القاهرة برئاسة المستشار محمود كامل الرشيدي التي قررت التأجيل إلى جلسة 8 يونيو 2013.

محاكمة موقعة الجمل

القضية رقم 2506 لسنة 2011

الاتهامات: القتل العمد والشروع في القتل وإحداث عاهات مستديمة والتحريض على المتظاهرين في ميداني التحرير وعبد المنعم رياض وسط القاهرة.

المتهمون: 25 متهما من أعضاء وقيادات الحزب الوطني المنحل ورجال أعمال وشخصيات عامة من أبرزهم؛ أحمد فتحي سرور رئيس مجلس الشعب السابق؛ محمد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى السابق، والأمين العام للحزب الوطني المنحلة؛ عائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة السابقة؛ مرتضى منصور المحامي المعروف.

وقائع المحاكمة:

  • تضمن أمر الإحالة في القضية؛ قائمة أدلة الثبوت، والتي شملت أقوال 87 شاهدًا من شهود الإثبات على ارتكاب المتهمين للجرائم المسندة إليهم، و29 ملاحظة لمستشاري التحقيق تفيد إثبات التهم ضد المتهمين، بالإضافة إلى عدد من التقارير الطبية سواء للضحايا أو المصابين،  والصور والأسطوانات المدمجة والتي تحتوى مقاطع فيديو مصورة.
  • تقرر نظر القضية في جلسة 20 أغسطس 2011 أمام الدائرة الرابعة لمحكمة جنايات القاهرة بالتجمع الخامس برئاسة المستشار عادل عبد السلام جمعة. ولكنه قدم اعتذاره عن نظر القضية ليتم تحويلها إلى دائرة المستشار مصطفى حسن عبد الله.
  • بدأ نظر القضية في جلسة 11 سبتمبر 2011، وقررت هيئة المحكمة حظر البث الإعلامي لجلسات القضية.
  • في جلسات المحاكمة المتتالية تم الاستماع إلى اللواء حسن الرويني قائد المنطقة العسكرية المركزية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة السابق، كما تم الاستماع إلى شهادات عدد من السياسيين والشخصيات العامة منهم محمد البلتاجي عضو مجلس الشعب المنحل عن حزب الحرية والعدالة؛ المهندس ممدوح حمزة، وإعلاميين منهم خيري رمضان وتوفيق عكاشة.
  • بعد 10 جلسات للمحاكمة تم وقفها بسبب تقدم أحد المتهمين (مرتضى منصور) بطلب لرد لهيئة المحكمة، واستؤنفت الجلسات بعد خمسة أشهر وبعد رفض محكمة الاستئناف لطلب رد هيئة المحكمة.
  • في 10 أكتوبر 2012 حكمت محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار مصطفى حسن عبدالله بانقضاء الدعوى الجنائية في حق أحد المتهمين “عبد الناصر الجابري” لوفاته، وبراءة بقية المتهمين من التهم المنسوبة إليهم.
  • يوم الأربعاء 8 مايو 2013 قضت محكمة النقض برفض الطعن المقدم من النيابة في أحكام محكمة الجنايات في القضية شكلا، وذلك بسبب تأخر النيابة العامة في تقديم طعنها إلى ما بعد الوقت المنصوص عليه قانونا!

محاكمات قتلة الشهداء

في تعاملها مع وقائع قتل وإصابة المتظاهرين في يوم جمعة الغضب (28 يناير 2011) اختارت النيابة العامة تجزئة هذه الوقائع حسب النطاق الجغرافي الذي وقعت فيه، وأسندت إلى النيابات الفرعية المنتشرة في أنحاء الجمهورية مهمة التحقيق في الوقائع التي تقع في نطاقها الجغرافي. أدى ذلك إلى أن أحالت النيابات المختلفة 34 قضية مختلفة متعلقة بحوادث القتل والشروع في القتل والإصابة لمتظاهرين إلى حوالي 26 محكمة جنايات مختلفة هي محاكم جنايات كل من:

دار السلام؛ الدرب الأحمر؛ مركز كرداسة؛ قسم أول شبرا الخيمة؛ المرج؛ السيدة زينب؛ العرب؛ الشرابية؛ دمنهور؛ بولاق الدكرور؛ عين شمس؛ حدائق القبة؛ المنشية؛ قسم ثان طنطا؛ بني سويف؛ قسم أول دمياط؛ قسم ثان المنصورة؛ قسم ثان الزقازيق؛ السويس؛ الزاوية الحمراء؛ شبرا؛ قسم أول السلام؛ قسم أول مدينة نصر؛ الأميرية؛ الوايلي؛ مصر القديمة.

في كثير من الحالات تمت إحالة أكثر من قضية للمحكمة الواحدة؛ كمثال أحيلت 6 قضايا إلى جنايات الزاوية الحمراء، وأحيل 4 قضايا إلى جنايات شبرا.

المتهمون: مديرو أمن وضباط وأفراد الشرطة، يلاحظ أن جميع المتهمين باستثناء عدد محدود لم يتم احتجازهم على ذمة التحقيق أو المحاكمة وأفرج عنهم بضمان وظائفهم بالشرطة التي ظلوا بها أو نقلوا إلى غيرها بل وتمت ترقية كثيرين منهم إلى رتب أعلى!

الاتهامات: القتل والشروع في القتل العمل، والتحريض عليهما، إضافة إلى التسبب في تدمير منشآت وممتلكات عامة وخاصة.

وقائع القضايا:

  • في خلال العامين الماضيين أصدرت غالبية هذه المحاكم أحكاما في أولى درجات التقاضي، وفي حصر يعود إلى أكتوبر 2012، فقد صدرت أحكام ضد 20 متهم فقط (بمن فيهم الرئيس المخلوع ووزير داخليته)، من أصل 192 متهم. فيما تمت تبرئة 101 متهما، وكان 71 متهما لا يزالون قيد المحاكمة.
  • من نماذج الأحكام الصادرة في قضايا قتل وإصابة المتظاهرين:
  • في 30 نوفمبر 2011 أصدرت محكمة جنايات الزاوية الحمراء أول أحكام قضايا قتل والشروع في قتل المتظاهرين، وبرأت المتهم الوحيد في القضية رقم: 3958 لسنة 2011 – أمين شرطة “صبحي عبد الوهاب إسماعيل” من تهمة الشروع في قتل مصاب واحد، أمام قسم الزاوية الحمراء شمالي القاهرة.
  • في 20 مارس 2012 أصدرت محكمة جنايات حدائق القبة المنعقدة بالتجمع الخامس، حكمها في القضية رقم 2370 لسنة 2011، والتي اتهم فيها 14 ضابطا من ضباط قسم شرطة حدائق القبة (شرق القاهرة)، بقتل 26 شهيدا وإصابة 49، وقضت بتبرئة ثلاثة من الضباط ومعاقبة 11 منهم بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ.
  • في 22 مايو 2012 أصدرت محكمة جنايات بولاق الدكرور حكمها في القضية رقم 5536 لسنة 2011، والمتهم فيها 14 من ضباط وأمناء الشرطة بقتل 5 شهداء وإصابة 17، وقضت بالسجن المشدد 10 سنوات على خمسة من الضباط وأمناء الشرطة، والحبس سنة مع إيقاف التنفيذ لإثنين، وتبرئة الباقين من التهم المنسوبة إليهم.
  • في 6 يونيو 2012 أصدرت محكمة جنايات مركز كرداسة المنعقدة في التجمع الخامس، حكمها في القضية رقم 3410 لسنة 2011، والمتهم فيها 13 من ضباط وأمناء الشرطة بقتل 12 شهيدا وإصابة 33، وقضت ببراءة جميع المتهمين مما نسب إليهم.

تونس

في 17 ديسمبر 2010 أشعل محمد البوعزيزي النار في جسده ليكون شرارة الثورة التي اندلعت تظاهراتها في اليوم التالي مباشرة في منطقة سيدي بوزيد، واستمرت التظاهرات في التنامي واتسع نطاقها لتشمل كافة محافظات تونس، حتى أجبر الرئيس التونسي إلى الفرار خارج البلاد يوم الجمعة 14 يناير 2011.

 وفق التقرير النهائي للجنة استقصاء الحقائق التي شكلت في وقت لاحق بلغ عدد من لقوا حتفهم جراء استخدام قوات الأمن العنف المفرط والرصاص الحي للتصدي للتظاهرات 338 شخصا بينما أصيب ما يزيد عن 2000 شخص.

بعد مغادرة بن علي للبلاد أعلن الوزير الأول “رئيس الوزراء” محمد الغنوشي تولي منصب رئيس الجمهورية بصفة مؤقتة، وهو ما لم يدم لأكثر من يوم واحد إذ قرر المجلس الدستوري، استخدام المادة رقم 57 من الدستور التي تنظم انتقال السلطة في حال شغور منصب الرئيس نتيجة عجزه عن أداء مهامه، ووفق هذه المادة تولى رئيس مجلس النواب “فؤاد المبزع” منصب رئيس الجمهورية المؤقت.

في 23 أكتوبر 2011 انتخب الشعب التونسي المجلس التأسيسي، ليكون برلمانا مؤقتا وجمعية تأسيسية منوط بها كتابة دستور جديد للبلاد ويتألف من 217 عضوا، واختار أعضاؤه رئيسا جديدا للجمهورية هو “منصف المرزوقي” ورئيسا للحكومة.

الإطار القانوني

مشروع قانون العدالة الانتقالية

من حيث الشكل تمتعت عملية إعداد مشروع قانون العدالة الانتقالية في تونس بمواصفات مثالية يفترض أن تبشر بنتائج مرضية، فقد تم تشكيل لجنة للحوار الوطني حول العدالة الانتقالية وقانونها تفرع عنها عدة لجان إقليمية عقدت كل منها لقاءات وندوات وحلقات استماع في مدن تونسية شتى بهدف تجميع آراء كافة الأطراف حول ما ينبغي إدراجه في القانون لتحقيق أهداف كشف الحقيقة والمساءلة والمصالحة والتعويض وجبر الضرر. ولكن هذه الترتيبات ووجهت بمعوقات جمة كان منها ضعف الإمكانيات المادية مما لم يسمح بالوصول إلى كافة من يهمهم المشاركة في الحوار خاصة من المتضررين والضحايا وذويهم، كان لمسار المحاكمات العسكرية لقتلة شهداء الثورة والذي شابته ثغرات كثيرة أثر سلبي على إقبال ذوي الضحايا على المشاركة في لجان الحوار، كما نظر هؤلاء بشك كبير إلى نوايا اللجان الخاصة بالحوار حول المصالحة متوقعين أن تكون تمهيدا لإيجاد مخارج قانونية تمنح الحصانة لمرتكبي الجرائم والانتهاكات، في المقابل أدى سوء فهم الغرض من لجان الحوار الخاصة بمناقشة التعويض وجبر الضرر إلى إقبال كبير على حضور جلساتها لشيوع الظن في أنها تجمع طلبات الراغبين في الحصول على تعويضات.

إضافة إلى هذه المشاكل التي رافقت جلسات الحوار الوطني حول مشروع القانون، خرج المشروع نفسه مخيبا لآمال الكثيرين بمن فيهم من شاركوا في الحوار وبخاصة في الأقاليم، وعبر كثيرون منهم عن استيائهم من تجاهل مطالب وتوصيات محددة لهم.

 وعلى جانب آخر رأى مراقبون وحقوقيون أن مشروع القانون قد استخدم كفرصة لتلميع الحكومة الحالية من خلال تكرار احتفاليات تسليمه من مكان إلى آخر، فقد أعلنت وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية عن إنجاز المشروع في احتفالية أقامتها في الأول من نوفمبر 2012، تلا ذلك عقد احتفالية في رئاسة الحكومة في 2 نوفمبر 2012 تم فيها تسليم المشروع لحمادي الجبالي رئيس الوزراء، وفي انتظار تصديق مجلس الوزراء على المشروع، تم تسليمه في 5 نوفمبر 2012 إلى رئيس الجمهورية منصف المرزوقي في احتفالية جديدة، وبينما صادق مجلس الوزراء على مشروع القانون في الأول من ديسمبر 2012، تأخر تسليم المشروع إلى المجلس التأسيسي حتي 22 يناير 2013. والذي لا يزال معطلا حتى وقت كتابة هذا التقرير.

أهم ما تضمنه مشروع القانون

يتألف مشروع القانون من عنوانين (جزأين) رئيسيين، يتناول الأول أسس العدالة الانتقالية، بينما يتناول الثاني هيئة الحقيقة والكرامة، المنوط بها تنفيذ المهام التي تتألف منها منظومة العدالة الانتقالية.

يضم العنوان الأول أبوابا تعريفية تشمل تعريف العدالة الانتقالية؛ الكشف عن الحقيقة وحفظ الذاكرة؛ المساءلة والمحاسبة؛ جبر الضرر ورد الاعتبار؛ إصلاح المؤسسات؛ المصالحة.

بالنسبة لهيئة الحقيقة والكرامة فإن أهم ما نص عليه مشروع القانون بخصوصها هو:

  1. يغطي عمل الهيئة الفترة من أول يناير 1955 إلي حين صدور القانون.
  2. مدة عمل الهيئة أربعة أعوام من تاريخ إنشائها تجدد لمرة واحد لمدة عام إضافي بقرار معلل من الهيئة يرفع للمجلس النيابي قبل 3 أشهر من انتهاء فترة عملها الأصلية.
  3. تتألف الهيئة من 15 عضوا لا تقل نسبة تمثيل أي من الجنسين بينهم عن الثلث ويتم اختيارهم من قبل المجلس الوطني التأسيسي.
  4. يكون من بين أعضاء اللجنة اثنان من ممثلي جمعيات الضحايا واثنان من ممثلي الجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان ترشحهم منظماتهم، ويختار بقية الأعضاء من تخصصات ذات صلة بالعدالة الانتقالية.
  5. تتمتع الهيئة بصلاحيات تلقي الشكاوى المتعلقة بالانتهاكات ويكون ذلك لفترة عام منذ بدء أعمالها قابل للتمديد لسنة أشهر إضافية إذا ارتأت الهيئة ذلك.
  6. للهيئة صلاحية عقد جلسات استماع علنية أو سرية ولها حق استدعاء كل شخص ترى فائدة من الاستماع إلى شهادته، ولها مطالبة كافة الجهات الحكومية والتنفيذية بإمدادها بالوثاق والمعلومات التي ترى أنها مفيدة في إتمام عملها.
  7. لا يجوز مواجهة طلبات الهيئة من أي جهة أو فرد برفض إمدادها بمعلومات أو وثائق بذريعة الحفاظ على السر المهني.
  8. يعاقب كل من يزدري الهيئة (بمثل ما يتم اعتباره ازدراءً لهيئة قضائية) بالحبس ستة أشهر، ويعاقب بالعقوبة ذاتها من يمتنع عن المثول أمام الهيئة إذا طلبت إليه ذلك، ومن يعيق عملها عمدا، ومن يكشف عن أي معلومات سرية اطلع عليها من خلال عمله بها.
  9. ألزم مشروع القانون الهيئة بتقديم تقرير سنوي طيلة فترة عملها إلى المجلس النيابي، وتقرير نهائي يتضمن؛ الحقائق التي توصلت إليها؛ تحديد المسؤوليات؛ الأسباب التي أدت إلى حدوث الانتهاكات والتوصيات المتعلقة بمنع حدوثها مجددا؛ التدابير الواجب اتخاذها للمحافظة على المصالحة الوطنية وحماية حقوق الأفراد وبالأخص النساء والأطفال.
  10. تتولى الحكومة خلال سنة من انتهاء عمل الهيئة وضع برنامج عمل لتنفيذ توصياتها ومقترحاتها.

تعديل قوانين القضاء العسكري وإعادة هيكلته

كانت واحدة من أهم القضايا الخلافية المثارة فيما يتعلق بمحاكمة المتورطين في قتل وإصابة المتظاهرين أثناء الثورة وكذا محاكمة رموز النظام السابق في قضايا فساد مختلفة أن القضاء المدني قد أحال الغالبية العظمى من هذه القضايا إلى القضاء العسكري. وفي محاولة لتهدئة مخاوف كثيرين وبخاصة منظمات حقوقية دولية عدة فيما يخص استقلالية القضاء العسكري وتوافر اشتراطات المحاكمة العادلة لإجراءاته، أصدرت الحكومة الانتقالية في 29 يوليو 2011 مرسومين برقمي 69 و70، يتعلق الأول بتعديل وإضافة مواد جديدة لمجلة المرافعات والعقوبات العسكرية (قانون الإجراءات والعقوبات العسكرية)، ويتعلق الثاني بتنظيم هيكل القضاء العسكري والنظام الأساسي للقضاة العسكريين. وأدخل المرسومان تعديلات أساسية كان أهمها:

  1. إلغاء سلطة وزير الدفاع في تعليق تنفيذ أحكام القضاء العسكري.
  2. إلغاء إلزام النيابة العمومية بإخطار وزير الدفاع وأخذ موافقته قبل بداية الإجراءات الجزائية.
  3. استحداث محكمة استئناف عسكرية لها حق مراجعة الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية الابتدائية.
  4. استحداث دوائر استئناف لمراجعة وتأكيد لوائح الاتهام الصادرة عن قضاة التحقيق العسكريين، وتتكون هذه الدوائر من قاض عسكري واحد وقاضيين مدنيين.
  5. إلزام المحاكم العسكرية بتطبيق المجلة الجزائية (قانون العقوبات) المدنية في جميع مراحل التقاضي.
  6. أصبح رؤساء محاكم الاستئناف العسكرية ورؤساء المحاكم العسكرية الدائمة بتونس العاصمة وصفاقس والكاف من القضاة المدنيين.

لجان الحقيقة

بخلاف اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق بخصوص أحداث الانتفاضة التونسية، تم تشكيل لجنتين لتقصي الحقائق بخصوص أحداث العنف بشارع بورقيبة (9 أبريل 2012)، وأحداث سليانة (نهاية نوفمبر 2012). ويلاحظ أن اللجنتين الأخيرتين تشكلتا نتيجة الضغوط الشعبية الكبيرة التي نجمت عن الحادثتين بينما أغفلت العديد من أحداث العنف وانتهاكات حقوق الإنسان التي شهدتها مناطق متعددة من تونس طوال أكثر من سنتين بعد الثورة.

1 – اللجنة الوطنية لاستقصاء الحقائق

تم الإعلان عن هذه اللجنة في 17 يناير 2011، وتم تشكيلها فعليا في 2 فبراير 2011، قبل أن يصدر مرسوم رئيس الجمهورية المؤقت “فؤاد المبزع” رقم 8 لسنة 2011 في 18 فبراير 2011 الخاص بمهام اللجنة وتشكيلها واختصاصاتها، ونص المرسوم على أن يتم تعيين رئيس للجنة من بين الشخصيات العامة الوطنية، ويختار هو أعضاءً لا يقل عددهم عن 10 بالتشاور مع المنظمات المعنية، كما يختار أحدهم ليكون مقررا للجنة. وحصر المرسوم عمل اللجنة في “تقصي الحقائق في التجاوزات والانتهاكات المسجلة في الأحداث التي شهدتها البلاد التونسية خلال الفترة الممتدة من 17 ديسمبر 2010 إلى حين زوال موجبها”.

حدد المرسوم مهام اللجنة في: تلقي شكاوى المواطنين الذين وقع في حقهم أو حق ذويهم تجاوزات أو انتهاكات؛ الاطلاع على الوثائق الإدارية أو الخاصة المتعلقة بالوقائع موضع التحقيق؛ استدعاء الأشخاص الطبيعيين أو ممثلي الأشخاص الاعتباريين للإدلاء بشهاداتهم حول الوقائع موضع التحقيق.

بخلاف ذلك أسبغ المرسوم صفة السرية على كافة الشهادات التي يتم الإدلاء بها للجنة وكذا كافة الوثائق التي تطلع عليها، كما حظر نشر التقرير النهائي للجنة قبل تقديمه إلى رئيس الجمهورية.

2 – اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق حول أحداث 9 أبريل 2012

وقعت أحداث 9 أبريل 2012 عندما تحدى متظاهرون قرارًا لوزير الداخلية “علي العريض” المنتمي لحزب النهضة بحظر التظاهر في شارع الحبيب بورقيبة في قلب العاصمة تونس، وواجهت قوات الأمن المتظاهرين مستخدمة العنف المفرط مما أدى إلى إصابة العشرات.

وبينما أعلنت وزارة الداخلية عن بدأ تحقيق داخلي بخصوص الأحداث إلا أنها لم تصدر أي تقرير أو بيان لاحق عما كشفه هذا التحقيق ولم تحدد المسؤولين عنها أو تصدر أي قرارات تأديبية بحق أي من ضباط وأفراد الأمن المتورطين في استخدام العنف مع المتظاهرين.

تم تشكيل اللجنة البرلمانية لتقصي الحقائق عن الأحداث بعد تصاعد الضغوط الشعبية، وقام المجلس الوطني التأسيسي بتشكيل اللجنة من 22 شخصا من بين أعضائه، ولكن اللجنة طوال عام كامل بعد تشكيلها لم تصدر أي تقرير عن أعمالها، ولم تقم بالاستماع إلا إلى شهادتين فقط، وتذرع رئيسها بأن أعضاءها منشغلون بأعمال المجلس التأسيسي، وأنهم يفتقدون للخبرة فيما يتعلق بأعمال مثل هذا النوع من اللجان الذي تعد هذه اللجنة الأولى منه في تاريخ تونس.

ولكن الواقع أن أهم أسباب افتقاد اللجنة إلى الفعالية هو أن القوانين الحالية لا توفر لها أية صلاحيات أو سلطات تمكنها من أداء مهمتها، وهو ما أدى ببعض أعضاء اللجنة بالاستقالة لعدم اقتناعهم بجدوى استمرارها، كان أول الاستقالات في ديسمبر 2012، بينما استقال عشرة أعضاء في أبريل 2013.

الدعاوى الجنائية

وفقا لتصريحات منسوبة لمصدر بوزارة الدفاع في لقاء مع وسائل الإعلام في 17 يونيو 2011، فإن القضاء العدلي (المدني) قد أحال حتى ذلك الحين 182 قضية تتعلق بقتل وإصابة أشخاص من قبل قوات الأمن في أحداث الثورة، ومتهم فيها الرئيس الهارب “زين العابدين بن علي” ووزير داخليته “رفيق بلحاج قاسم”، إضافة إلى آخرين من قيادات وضباط وأفراد الأمن حسب كل قضية. وتم توزيع القضايا بين ثلاث محاكم عسكرية دائمة بتونس العاصمة (130 قضية) وصفاقس (51 قضية) والكاف (قضية واحدة). وحسب التصريحات ذاتها فإن أولى القضايا كان ينتظر حينها أن تنظرها المحكمة العسكرية بصفاقس في 27 يونيو 2011.

بعد تاريخ هذه التصريحات تمت إحالة مزيد من القضايا إلى المحاكم الثلاث، وقد صدرت أحكام نهائية عن محاكم الاستئناف العسكرية في بعضها بينما لا يزال غالبيتها ينظر أمام المحاكم العسكرية في درجتيها الابتدائية والاستئناف، كما أن بعضها لم يبدأ النظر فيه بعد حتى كتابة هذه السطور. ونعرض فيما يلي لنماذج من هذه القضايا.

المحكمة العسكرية الدائمة بالكاف

قضية شهداء تالة والقصرين والقيروان وتاجروين

المتهمون: 23 متهما هم الرئيس التونسي الأسبق “زين العابدين بن علي”، ووزير الداخلية الأسبق “رفيق بلحاج قاسم”، ومدير الأمن الأسبق “علي السرياطي”، والمدير العام للأمن الوطني “عادل الطيويري”، ووزير الداخلية الأسبق “أحمد فريعة”، وعدد من قيادات وضباط وأفراد قوات الأمن.

الاتهام: القتل العمد والمشاركة في القتل العمد لعشرات المتظاهرين في تالة والقصرين والقيروان وتاجروين.

وقائع المحاكمة

  • في 17 أغسطس 2011 قام فوزي العياري، قاضي التحقيق العسكري في المحكمة العسكرية الدائمة بالكاف، بإصدار لوائح الاتهام ضد الـ 22 متهما بالقضية.
  • في 6 سبتمبر 2011 راجعت الدائرة الجنائية في محكمة الاستئناف العسكرية بالكاف لائحة الاتهام وأيدتها.
  • بدأت المحكمة الابتدائية العسكرية بالكاف نظر القضية في 28 نوفمبر 2011، وبدأت المرافعات في 21 مايو 2012.
  • في 23 مايو 2012 طالبت النيابة العامة في ختام مرافعتها بإعدام “زين العابدين بن علي”، وإنزال أقصى العقوبة ببقية المتهمين من أعوانه.
  • في 13 يونيو 2012 أصدرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بالكاف أحكامها غيابيا في حق “زين العابدين بن علي” بالسجن المؤبد، وبالسجن 12 عاما في حق “رفيق بلحاج قاسم” وزير الداخلية الأسبق، وبالسجن 15 عاما في حق “وسام الورتتاني” الرئيس السابق لمركز شرطة حي النور بالقصرين، وبالسجن لفترات تتراوح بين 10 أشهر و10 أعوام في حق 10 متهمين آخرين، وبرفض سماع الدعوى في حق 9 متهمين.

المحكمة العسكرية الدائمة بصفاقس

قضية شهداء صفاقس وقرقنة

قضية رقم 12096 – الشهيد عمر الحداد من صفاقس والجريحين مكرم بوعصيدة ونجيب خشارم من قرقنة.

المتهمون: الرئيس التونسي الأسبق “زين العابدين بن علي” ووزير الداخلية الأسبق “رفيق بلحاج قاسم” ومدير الأمن الأسبق “علي السرياطي”، ومقدما الأمن العام “بدر الدين حشانة” و “ماهر الفقيه”، وناظر الأمن “حسن النوى”

الاتهام: القتل العمد والمشاركة فيه وإحداث إصابات.

وقائع المحاكمة

  • في جلسة المحاكمة يوم الاثنين 25 فبراير 2013، مثل الوزير الأول الأسبق “محمد الغنوشي” أمام المحكمة، ونفى ما أتهم به بالمسؤولية المشتركة عن القتل وأكد أن الوزارات السيادية ومنها وزارة الداخلية المسؤولة عن الأمن كانت تتبع الرئيس الأسبق بن علي وتتلقى أوامرها منه مباشرة.
  • في يوم الثلاثاء 30 أبريل 2013 قضت المحكمة غيابيا بمعاقبة الرئيس التونسي الأسبق “زين العابدين بن علي” بالسجن مدى الحياة، وحضوريا بمعاقبة وزير الداخلية الأسبق “رفيق بلحاج قاسم” بالسجن 10 أعوام، وبرفض الدعوى في حق كل من؛ مدير الأمن الأسبق “علي السرياطي”، ومقدما الأمن العام “بدر الدين حشانة” و”ماهر الفقيه”، وناظر الأمن “حسن النوى” (المتهم بالقتل العمد).

المحكمة العسكرية الدائمة بالعاصمة تونس

قضية الوردانين

وقعت أحداث الوردانين في ليلة 15-16 يناير 2011 عندما حاول أهالي المنطقة إيقاف سيارة كانت تقل “قيس بن علي” ابن شفيق الرئيس الهارب، فيما كان يحاول الفرار بمساعدة عدد من ضباط وأفراد الشرطة الذين فتحوا النار على الأهالي، مما أدي إلى مقتل أربعة (ستة؟) أشخاص وإصابة العشرات.

المتهمين: الرئيس الأسبق “زين العابدين بن علي” وزوجته “ليلى الطرابلسي”، و ابن شقيقه “قيس بن علي”، و14 من ضباط وأفراد الشرطة.

الاتهام: المؤامرة ضد أمن الدولة الداخلي وحمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضا بالسلاح وإثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي.

وقائع المحاكمة

  • يوم الأربعاء 4 مايو 2011 أحال قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بسوسة ملفات المتهمين إلى دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف بسوسة.
  • الخميس 23 يونيو 2011 قررت الدائرة 20 بمحكمة التعقيب برئاسة وزير الداخلية الأسبق “فرحات الراجحي”، تأييد إحالة القضية إلى القضاء العسكري.
  • في 2 نوفمبر 2011 بدأت المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة في تونس نظر القضية.
  • 14 مارس 2012 إلقاء القبض على “قيس بن علي”.
  • في 13 يونيو 2012 حكمت المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بتونس العاصمة غيابيا بمعاقبة الرئيس الأسبق “زين العابدين بن علي” بالسجن 20 عاما،وبرأت زوجته “ليلى الطرابلسي” مما نسب إليها، وحكمت المحكمة غيابيا على المتهمين الفارين بالسحن 10 أعوام، وعلى بعض المحتجزين بالسجن 5 أعوام، فيما رفضت الدعوى في حق بقية المتهمين، وقضت بتعويضات تراوحت بين 150 و250 ألف دينار لورثة الضحايا.
  • في 16 أغسطس 2012 بدأت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف العسكرية نظر الاستئناف على أحكام المحكمة الابتدائية العسكرية.
  • في 26 مارس 2013 قضت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف العسكرية بتأييد الحكم الصادر بسجن “زين العابدين بن علي” 20 عاما، وتبرئة زوجته “ليلى الطرابلسي”، بينما خفضت أحكام السجن لأربعة من أعوان (أفراد) الأمن إلى عامين لكل منهم.

اليمن

بدأت تظاهرات القوى والفئات المعارضة للرئيس اليمني السابق “علي عبد الله صالح”، الذي استمر في منصبه طيلة 33 عاما منها 22 عاما كان فيها رئيسا لليمن الموحد، في يناير 2011 متأثرة بالثورة في تونس، وتصاعدت حدة التظاهرات مع اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير، واتخذت طابع الاعتصام في الميادين والتظاهرات الحاشدة بدءا من 11 فبراير 2011 بالتزامن مع تنحي الرئيس المصري الأسبق “محمد حسني مبارك”، وسميت أولى هذه التظاهرات الحاشدة بيوم الغضب، تيمنا بيوم الغضب 25 يناير وجمعة الغضب 28 يناير في مصر.

عمليا استمرت فعاليات الثورة اليمنية حتى انتخاب الرئيس الحالي لليمن “عبد ربه منصور هادي” في فبراير 2012، والذي جاء نتيجة لتوقيع “علي عبد الله صالح” في الرياض يوم 23 نوفمبر 2011 على اتفاق ترتيبات نقل السلطة في اليمن الذي أعد وفق مبادرة لدول الخليج برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وفقا لتقديرات المنظمات الدولية بلغ عدد الشهداء نتيجة قمع قوات الأمن المركزي والجيش اليمنيين وأنصار لصالح للتظاهرات ضده حوالي 270 شهيدا في الفترة من يناير إلى ديسمبر عام 2011، وترتفع حصيلة الضحايا في بعض التقديرات إلى 2000 شهيد وآلاف المصابين سقطوا في أحداث الثورة ذاتها أو ضحايا للاشتباكات المسلحة بين قوات نظامية ومسلحين موالين لصالح أو منشقين عليه.

الإطار القانوني

كانت خشية قوى إقليمية ودولية مختلفة من تطور المواجهة بين “علي عبد الله صالح” ومعارضيه إلي نزاع مسلح مفتوح يهدد مصالحهم وخاصة مع الوجود القوي لتنظيم القاعدة في اليمن، السبب المباشر في تدخل هذه القوى لفرض ترتيبات سلمية لنقل السلطة في اليمن بدأت بمبادرة دول مجلس التعاون الخليجي والتي ماطل صالح في قبولها حتى ألقت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بثقلهما خلفها وتوج ذلك بإصدار مجلس الأمن لقراره رقم 2014 الداعم للمبادرة مما أدى بصالح أخيرا إلى توقيع اتفاق ترتيبات نقل السلطة في العاصمة السعودية الرياض في 23 نوفمبر 2011.

ويمثل قرار مجلس الأمن مع اتفاق الرياض نقطة البدء للإطار القانوني لمنظومة العدالة الانتقالية في اليمن، وكلاهما في الواقع يضع اللبنة الأولى لسياسة الإفلات من العقاب اعتمادًا على الرغبة في تسوية النزاع السياسي بما يحقق مصالح أطرافه وهو ما يجعل أهداف تحقيق العدالة في مرتبة تالية ويفرغ الإشارة إليها من مضمونها.

1 – قرار مجلس الأمن رقم 2014

صدر القرار في يوم السبت 22 أكتوبر 2011، وكان أهم ما ورد به:

  1. تأكيد الحاجة إلى إجراء تحقيقات نزيهة ومستقلة وشاملة تنسجم مع المعايير الدولية إزاء الإساءات وانتهاكات حقوق الإنسان (المزعومة).
  2. التأكيد على وجهة نظر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن عدم منح أية حصانة لضمان المحاسبة الكاملة.
  3. دعوة علي عبد الله صالح إلى التوقيع الفوري وتنفيذ المبادرة التي تبنتها دول مجلس التعاون الخليجي.
  4. الإعراب عن القلق الشديد بشأن التهديد المتصاعد من تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وخطر الهجمات الإرهابية الحديثة في بعض المناطق اليمنية!

في نص القرار يظهر التناقض بين تأكيد الحاجة إلي تحقيقات نزيهة و كذا رفض منح أية حصانة وبين الدعوة إلي توقيع مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي التي تنص صراحة على إلزام البرلمان اليمني بمنح على عبد الله صالح حصانة كاملة ضد التعقب القانوني، ثم يتضح في النهاية الدافع الحقيقي للقرار في الإشارة إلي القلق من تنامي تهديد تنظيم القاعدة في اليمن وهو الداعي في الواقع إلى دعم مجلس الأمن لتسوية سياسية تهدر في جانب منها مبدأ المحاسبة والعقاب.

2 – اتفاق ترتيبات نقل السلطة

بدأت صياغة مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي لترتيبات نفل السلطة في اليمن في أبريل 2011، وبينما أبدى صالح موافقته على المبادرة رفضتها قوى المعارضة اليمنية اعتراضا على منحها الحصانة لصالح، ولكن مع مرور الوقت وافقت قوى المعارضة السياسية على المبادرة ووقعت عليها بالفعل في نهاية مايو 2011 بينما ماطل صالح في توقيعها حتى نهاية نوفمبر 2011. وأهم ما نصت عليه المبادرة:

  1. تشكيل حكومة وفاق وطني مناصفة بين حزب المؤتمر الشعبي الذي يرأسه صالح وبين قوى المعارضة في خلال أسبوع من نفاذ الاتفاق.
  2. يقر مجلس النواب بما فيه المعارضة القوانين التي تمنح الحصانة ضد الملاحقة القضائية والقانونية للرئيس (صالح) ومن عملوا معه خلال فترة حكمه.

3 – قانون رقم 1 لسنة 2012

بناءً على ما ألزم به اتفاق ترتيبات نقل السلطة في اليمن، أصدر مجلس النواب اليمني هذا القانون في يناير 2012، وأهم ما نص عليه:

  1. منح علي عبد الله صالح الحصانة التامة من الملاحقة القضائية والقانونية.
  2. تنطبق الحصانة من الملاحقة الجنائية على المسؤولين الذين عملوا مع الرئيس في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، فيما يتصل بأعمال ذات دوافع سياسية قاموا بها أثناء أداء مهامهم الرسمية ولا ينطبق ذلك على أعمال الإرهاب.
  3. إلزام حكومة الوفاق الوطني بتقديم قانون للعدالة الانتقالية.
  4. تحصين هذا القانون من الطعن عليه باعتباره من أعمال السيادة.
  5. تسري أحكام هذا القانون على الأفعال الواقعة خلال فترة حكم علي عبد الله صالح وحتي صدور القانون.

4 – مشروع قانون العدالة الانتقالية

تم إعداد هذا القانون من قبل حكومة الوفاق الوطني التي تم تشكيلها بناءً على اتفاق ترتيبات نقل السلطة، وظهرت مسودته الأولى في فبراير 2012، وتمت مناقشته في مجلس النواب اليمني، إلا أن المناقشة شهدت خلافات متزايدة وكذا قوبل المشروع باحتجاجات أطراف عدة في الشارع اليمني نظرا لاعتبار الكثيرين أن ما تضمنه غير كاف لتحقيق العدالة المنشودة، وخاصة كونه يستند إلى قانون الحصانة الذي سبق إصداره قبل شهر من إعداد هذا القانون.

أهم ما يرد في القانون هو النص على إنشاء “هيئة الإنصاف والمصالحة الوطنية”، ويستعرض القانون في فصله الثاني (المواد من 5 إلى 12) توصيف الهيئة وتشكيلها واختصاصاتها وتمويلها إلخ، وأهم ما ورد بالقانون بخصوصها هو:

  1. هي هيئة مستقلة غير قضائية، تهدف إلى إجراء مصالحة وطنية فيما يتعلق بما خلفته الصراعات السياسية منذ العام 1994، مع السماح لها بالنظر في شكاوى ضحايا الانتهاكات الجسيمة التي وقعت منذ عام 1990.
  2. تتشكل الهيئة من تسعة أفراد من الرجال والنساء بمواصفات من أهمها ألا يكون قد سبق لأحدهم العمل في الشرطة أو أية أجهزة أمنية أخرى أو التحق بالجيش أو أية تشكيلات مسلحة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، وأن يكون ثلاثة من الأعضاء على الأقل لا ينتمون إلى أي أطراف الصراع الأخير (ثورة 2011).
  3. تشمل أعمال الهيئة التحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان؛ والاستماع إلى ضحايا هذه الانتهاكات وشهود العيان فيما يتعلق بها؛ تقرير سبل التعويض وجبر الضرر المادية والمعنوية اللازمة، ضمان علاج وإعادة تأهيل المصابين؛ الكشف عن حقيقة ما جرى من أحداث في الفترة التي يحددها القانون؛ تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة وأية أطراف أخرى عن انتهاكات حقوق الإنسان موضع التحقيق.
  4. منح القانون الهيئة صلاحيات وسلطات استدعاء الشهود والاستماع إليهم والحصول على كافة المستندات الرسمية التي تطلبها، والإطلاع على الأرشيفات الحكومية، والحصول على المعلومات من كافة المصادر؛ وضع وتنفيذ معايير التعويض وجبر الضرر؛ الحق في تفتيش الأماكن التي شهدت انتهاكات وجرائم؛ تشكيل اللجان المختصة المساعدة في تنفيذ مهامها.
  5. ألزم القانون الهيئة بتقديم تقريرين أحدهما مرحلي بهدف تقديمه إلى مؤتمر الحوار الوطني، والآخر تقرير شامل تقدمه الهيئة في نهاية مدة عملها التي حددها القانون بمدى زمني أفصاه 4 سنوات منذ إنشاء الهيئة.

بخلاف “هيئة الإنصاف والمصالحة الوطنية” نص القانون في فصله الثالث على مجموعة من الإجراءات لتحقيق تعزيز وحماية حقوق الإنسان أهمها النص على إنشاء هيئة أو مؤسسة وطنية دائمة مستقلة ومحايدة لحقوق الإنسان وفق المعايير الدولية.

لجان الحقيقة

تعثرت كافة جهود إنشاء أية لجان مستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان سواء ما وقع منها متزامنا مع أحداث الثورة أو مقترنا بها، أو ما وقع خلال حكم علي عبد الله صالح الذي طال لمدة 33 عاما. وحيث أن مشروع قانون العدالة الانتقالية لم ير النور حتى وقت كتابة هذا التقرير فإن هيئة الإنصاف والمصالحة الوطنية التي ينص على إنشائها لم يتح لها أن تتشكل وأن تباشر أعمالها.

في 22 سبتمبر 2012 أصدر الرئيس الحالي لليمن “عبد ربه منصور هادي” قرارًا حمل رقم 140 لسنة 2012 بتشكيل لجنة للتحقيق في ادعاءات انتهاك حقوق الإنسان خلال الثورة اليمنية، ونص القرار على عدة مواصفات لهذه اللجنة من أهمها:

  1. تتشكل من أحد عشر عضوا يشترط فيهم الكفاءة والنزاهة والاستقلالية، ولم يسبق لأحدهم الارتباط بأي جهة أو منظمة موضع اتهام بانتهاكات لحقوق الإنسان، وتمثل النساء نسبة لا تقل عن 30% منهم.
  2. بخلاف صلاحيات وسلطات ومهام تشابه تلك التي نص عليها بقانون العدالة الانتقالية بخصوص هيئة الإنصاف والمصالحة الوطنية فإن هذه اللجنة أضيف إلي صلاحياتها سلطة اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإحالة المتهمين بارتكاب جرائم إلى القضاء.
  3. تشمل الفترة التي يتعلق بها عمل اللجنة النطاق الزمني الممتد من يناير 2011 وحتى نهاية ديسمبر من العام نفسه، ويمتد عملها لفترة ستة أشهر.

رغم صدور هذا القرار في سبتمبر 2012 فلم يتم تشكيلها حتى وقت كتابة هذا التقرير، وقد قبلت المحكمة الإدارية المتخصصة في 30 أبريل 2013 دعوى تختصم الرئيس اليمني “عبد ربه منصور هادي” للتباطؤ في تشكيل هذه اللجنة رغم مرور شهور بعد إصداره القرار الجمهوري القاضي بتشكيلها.

الدعاوى الجنائية

رغم العدد الضخم من الشهداء والمصابين الذين سقطوا جراء استخدام قوات الأمن والجيش لأقصى درجات العنف في مواجهة التظاهرات والاعتصامات المناوئة للرئيس السابق “علي عبد الله صالح”، وكذا من سقط من المدنيين في أثناء المواجهات المسلحة والقصف المتبادل بين قوات موالية لصالح وقوات منشقة عنه أو مسلحين قبائليين، إلا أنه لم ينظر القضاء اليمني حتى اليوم إلا قضية واحدة تتعلق بواحدة من الوقائع التي شهدت سقوط هؤلاء الشهداء والمصابين وهي واقعة “جمعة الكرامة”. وفيما يلي نستعرض أولا أهم الوقائع التي أسفرت عن مقتل وإصابة محتجين أو مدنيين ثم نتوقف أمام مسار التحقيقات الجنائية والمحاكمة الخاصة بواقعة “جمعة الكرامة”:

1 – أهم أحداث الثورة اليمنية

أ – جمعة الكرامة

جمعة الكرامة هو الاسم الذي أطلقه المتظاهرون على مسيرتهم التي تم تنظيمها يوم الجمعة 18 مارس 2011، وقد شارك في المسيرة عشرات الآلاف من المتظاهرين، وكانت أكبر المسرات التي شهدتها ساحة التغيير في العاصمة اليمنية صنعاء.

في أعقاب انتهاء المتظاهرين المتجمعين جنوبي الساحة من أداء صلاة الجمعة بدأ عشرات من المسلحين يرتدون ثيابا مدنية وملثمين إطلاق النار عليهم. كان بعض المسلحين بالشارع بينما تسلق بعضهم الأشجار واعتلى آخرون أسطح المنازل المحيطة بالساحة والقريبة منها. أحد هذه المنازل كان منزل أحد المسؤولين وهو “أحمد علي محسن الأحول” محافظ المحويت (محافظة بشمال اليمن).

استمر إطلاق النار لثلاث ساعات وسقط خلاله ما لا يقل عن 45 من الشهداء إضافة إلى الجرحى، ويرتفع العدد مع احتساب من توفوا لاحقا متأثرين بجراحهم إلى 52 شهيد على الأقل. بعض هؤلاء قتل على أيدي قوات الأمن المركزي التي بينما لم تحرك ساكنا لوقف الهجوم على المتظاهرين واجهت من فر منهم من موقع إطلاق النار في الشوارع المحيطة بالساحة والقريبة منها واستخدمت في ذلك مدافع المياه الساخنة والرصاص الحي.

مما يدل على أن الهجوم كان متعمدا ومخططا له بدقة قبل وقوعه بفترة أنه خلال الأيام السابقة قام موالون للرئيس صالح ببناء جدار حجري بارتفاع 2.5 متر بحيث يعيق هروب المتظاهرين من الساحة ويحول بينهم وبين تعقب المسلحين، وفي ساعة الهجوم تم إشعال النيران بالجدار الذي جرى إغراقه بالبنزين سابقا وذلك لإطلاق سحب كثيفة من الدخان شكلت ستارا بين المهاجمين وبين ضحاياهم إمعانا في إخفاء هوية المهاجمين ولإعاقة محاولات إيقافهم. كذا أكدت كافة التقارير الطبية الناتجة عن توقيع الكشف على جثامين الضحايا أن الغالبية العظمى من إصاباتهم كانت برصاص أسلحة آلية ونصف آلية ووقعت كلها بالنصف الأعلى من الجسم وبالرأس، مما يؤكد أن مطلقي النار هم من المحترفين والمدربين على إطلاق النار بهدف القتل وليس مجرد إحداث إصابات عشوائية للترهيب.

على جانب آخر ظهر تواطؤ قوات الأمن المركزي الموجودة في موقع الهجوم جليا، حيث تذرع قادتها بعدم تسليح جنودهم سوى بالعصي ومدافع المياه كمبرر لعدم محاولتهم التصدي للهجوم، في المقابل أكدت شهادات متماثلة لشهود عيان أن عددا من المهاجمين قد غادروا موقع الأحداث بالمرور بين قوات الأمن المركزي التي لم لم تعترضهم أو تعيق فرارهم بأي شكل.

ب – مسيرة ملعب الثورة

خرج فيها مئات الآلاف في مسيرة حاشدة يوم 27 أبريل 2011 تعبير عن رفضهم لمبادرة دول مجلس التعاون الخليجي التي تنص على إسباغ حصانة كاملة على الرئيس علي عبد الله صالح تحول دون ملاحقته قضائيا أو قانونيا، تم اعتراض المسيرة في طريق عودتها من قبل قوات أمنية وموالين لصالح تمركزوا في صالة الثورة الرياضية وقاموا بإطلاق النيران على المشاركين في المسيرة مما أدى إلى مقتل 13 شخصا على الأقل وإصابة حوالي 270 آخرين.

جـ – معركة تعز

وقعت ليلة 29 مايو 2011 عندما قامت قوات الأمن ومسلحون غير نظاميين بمحاصرة مقر اعتصام المتظاهرين المعارضين للرئيس صالح في ميدان الحرية بمدينة تعز، وفتحت القوات النار على المتظاهرين كما قامت بإحراق خيام الاعتصام وإزالتها باستخدام الجرافات التي دهست بعض المعتصمين، وخلفت المذبحة حوالي 13 قتيلا وعشرات المصابين.

د – مذبحة كنتاكي

وقعت في محيط ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء وامتدت لثلاث أيام (18 -20 سبتمبر 2011) وشملت هجوما على المعتصمين وتدخل قوات منشقة على الرئيس صالح لمواجهة المهاجمين أدت لاشتباكات استخدمت فيها أسلحة ثقيلة وسقط خلالها عديد من المدنيين من المعتصمين والمارة إضافة إلى القتلى من طرفي الاشتباكات، ويقدر عدد ضحايا الهجوم الأول على المعتصمين بحوالي 30 قتيل، إضافة إلى 21 قتيل في اليوم التالي اتهم شهود عيان قناصة من قوات الأمن بقتلهم، بينما سقط في اليوم الثالث 5 قتلى على الأقل برصاص قناصة أو رصاصات طائشة نتيجة الاشتباكات.

2 – التحقيقات والمحاكمة الجنائية للمتورطين في مذبحة جمعة الكرامة

  • بدأت تحقيقات النيابة العامة في أحداث جمعة الكرامة بقيادة النائب العام حينها “عبد الله العلفي”، والذي رغم ولائه للرئيس علي عبد الله صالح حاول إجراء تحقيقات نزيهة ومستقلة قدر الإمكان، ولكنه صالح قام بعزله عن منصبه بعد أسابيع من الواقعة وبعد إصداره أوامر بضبط وإحضار مشتبه بهم أساسيين بعضهم من كبار المسؤولين.
  • بعد عزل العلفي تجنبت تحقيقات النيابة بأوامر من صالح التعرض للمشتبه بهم من المسؤولين والذين اتهموا إما بتدبير المذبحة أو بتوجيه أوامر سهلت وصول المهاجمين إلى موقع الأحداث ووفرت لهم الأسلحة المستخدمة فيها، كما أن التحقيقات تجنبت مساءلة قادة قوات الأمن المركزي التي لم تتصد للمهاجمين.
  • صدر قرار الاتهام في القضية عن النيابة العامة متضمنا أسماء 78 متهما، اعتبر 34 منهم هاربين من العدالة رغم تأكيدات شهود ومصادر عدة معرفة أماكنهم وتعمد السلطات عدم إلقاء القبض عليهم، إضافة لخلو قائمة المتهمين من عدد كبير من قيادات الأجهزة الأمنية والجيش وحزب المؤتمر الشعبي (حزب علي عبد الله صالح) الذين وجهت إليهم اتهامات من مصادر متعددة بالمشاركة في المذبحة بأدوار مختلفة وقدمت أدلة وقرائن عدة تدعم هذه الاتهامات.
  • نظرت القضية محكمة غرب أمانة العاصمة الابتدائية، ونظرا لما شاب التحقيقات من ثغرات كبيرة ونتج عنها صحيفة اتهام ناقصة، قاطع أهالي الضحايا مجريات المحاكمة طوال 18 شهرا، وذلك حتي سبتمبر 2012 عندما بدأ محامو المدعين بالحق المدني في إعداد دعوى لتعديل صحيفة الاتهام وإضافة متهمين جدد، وهي الدعوى التي تقدموا للمحكمة بها بالفعل في 13 أكتوبر 2012 ساعين فيها إلى إضافة 11 متهما جديدا في وقائع إطلاق النار من بينهم الرئيس “علي عبد الله صالح” نفسه في تحد لقانون الحصانة الصدار في بداية عام 2012.
  • في 28 نوفمبر 2012 ونتيجة لدعوى محامي الضحايا، قررت المحكمة إرسال الدعوى إلى القسم الدستوري بالمحكمة العليا نظرا لتعارضها مع قانون الحصانة مما يمثل طعنا في دستوريته، ونتيجة لذلك تم تعليق نظر القضية وعطلت جلساتها في انتظار رد المحكمة العليا.
  • في 27 أبريل 2013 قررت محكمة غرب أمانة العاصمة استدعاء “علي عبد الله صالح” للتحقيق إضافة إلى 11 من كبار معاونيه  من بينهم العميد يحيي صالح قائد قوات الأمن المركزي في وقت الأحداث، وطارق محمد عبد الله صالح، ابن شقيق الرئيس وكان قائد الحرس الرئاسي الخاص، ومطهر رشاد المصري وزير الداخلية في وقت الأحداث.

ليبيا

اندلعت أولى التظاهرات التمهيدية للثورة الليبية في 15 فبراير 2011، مستبقة الموعد الذي سبق لنشطاء ليبيون الدعوة إلى التظاهر فيه وهو يوم الخميس 17 فبراير 2011 وسمي بيوم الغضب الليبي. وكانت الدعوة للتظاهر التي استلهمت الثورتين التونسية والمصرية تهدف بالأساس إلى إسقاط نظام الرئيس الليبي معمر القذافي الذي حكم ليبيا لأكثر من 42 عاما منذ قاد القذافي انقلابا مسلحا في الأول من سبتمبر عام 1969 أطاح بالحكم الملكي حينها. كان رد الفعل الأمني شديد العنف والذي استخدم فيه الرصاص الحي والأسلحة الثقيلة، العامل الأساسي لتصاعد عنف المواجهات بين المتظاهرين في عديد من المدن الليبية وبين قوات الأمن المدعومة بمسلحين غير نظاميين موالين لنظام الرئيس معمر القذافي، وسرعان ما انزلقت المواجهات إلي اشتباكات مسلحة تحولت في النهاية إلى حرب أهلية مع انشقاق وحدات من الجيش الليبي عن القذافي وانضمامها إلي الثورة وتسلح الثوار ودخول القبائل حومة الصراع إلى جانب هذا الطرف أو ذاك.

كان قرار مجلس الأمن رقم 1973 بفرض منطقة لحظر الطيران على الأجواء الليبية والسماح للدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالتدخل لتنفيذ هذا القرار واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين على الأرض، نقطة تحول رئيسية على مسار الحرب الأهلية الليبية. صدر القرار يوم الخميس 17 مارس 2011 وكان استجابة لمطلب تقدم به المجلس الوطني الانتقالي الليبي الذي كان قد أنشئ قبل أقل من أسبوعين وتحديدا في 5 مارس 2011 ليكون واجهة ممثلة للثورة الليبية. وأدى القرار إلى بدء دول حلف شمال الأطلنطي في تنفيذ عمليات قصف جوي ضد قوات العقيد معمر القذافي وضد أهداف عسكرية وأحيانا مدنية في المناطق التي ظلت تحت سيطرة هذه القوات. شارك في أعمال القصف الجوي كل من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية بصفة رئيسية وشاركت فيها بريطانيا.

على الرغم من التدخل الدولي استمرت المعارك وتبادل الاستيلاء على المدن والمواقع العسكرية بين الثوار والقوات الموالية للقذافي لشهور حتى سقوط العاصمة الليبية طرابلس في أيدى الثوار في 20 أغسطس 2011، وتلا ذلك سقوط آخر معاقل القذافي ومقتله في مدينة سرت بعد شهر من ذلك في 20 أكتوبر 2011.

الاستثناء الليبي

مقارنة ببقية دول ثورات الربيع العربي التي يغطيها هذا التقرير فإن لليبيا موقعا استثنائيا يعود في الأساس إلى تحول الصراع الثوري للإطاحة بالرئيس معمر القذافي ونظامه إلى حرب أهلية شهدت كذلك تدخلا عسكريا خارجيا من قبل قوات حلف شمال الأطلنطي بغطاء من قرارات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة. هذا الواقع الاستثنائي للثورة الليبية يعقد بشكل خاص من جهود إنشاء منظومة للعدالة الانتقالية في ليبيا بعد الثورة،فقد كان من نتائجه:

  1. عدم اقتصار الانتهاكات البالغة لحقوق الإنسان على فترة حكم النظام السابق الممتدة إلي 42 عاما، وإنما أضيف إليها عديد من الانتهاكات التي يرقى معظمها إلى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية شهدتها الحرب الأهلية وتورط فيها كافة أطرافها، ويفاقم من اتساع النطاق الزمني للانتهاكات استمرار كثير منها فيما بعد الحرب وحتى وقت كتابة هذا التقرير.
  2. تعدد الأطراف المتورطة في هذه الانتهاكات وتبدل أنماط العلاقة بينها من التحالف حينا إلى المواجهة وتداخل هذه العلاقات مع تطور المشهد السياسي في ليبيا بعد القذافي، ويضاف إلى ذلك أن بعض هذه الأطراف هي دول أجنبية ذات تأثير على مسار العملية السياسية الداخلية.
  3. استمرار مشكلة المليشيات والجماعات المسلحة بل وتفاقمها مما يربط بين تعقيدات جهود نزع السلاح من ناحية وبين جهود تحقيق العدالة والمحاسبة من جهة أخري وينشئ علاقة شرطية بينهما هي في أغلب الأحيان تميل إلى الافتئات على حقوق الضحايا.
  4. يندمج مع ذلك كله حقيقة فشل الحكومات المتعاقبة بعد القذافي في إحكام سيطرتها على الأوضاع الأمنية، إضافة إلى تورط مؤسسات تابعة لها في عديد من الانتهاكات، بما في ذلك استمرار الاعتقالات والاحتجاز غير القانوني والتعذيب والقتل خارج القانون مما يجعل الثقة في سلامة أي إجراءات للسلطة التنفيذية الحالية موضع شك مبرر.

جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية أثناء الثورة وفي أعقابها

شملت العمليات العسكرية التي قامت بها أطراف الصراع المختلفة أثناء الحرب الأهلية وبعدها أعمال قصف أرضي وجوي متبادل لمدن ومناطق سكنية أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، كما شملت أعمال تدمير لمنشآت واعتقال لمدنيين واحتجازهم وتعذيبهم وقتلهم إضافة إلى التهجير القسري لسكان بعض المدن وتعقب للنازحين في مناطق نزوحهم. جدير بالذكر أنه نظرا للظروف المعقدة على الأرض فإن جزءا يسيرا فقط من هذه الانتهاكات قد أمكن رصده وتوثيقه، فيما تبقى الغالبية العظمى منها في انتظار اتخاذ إجراءات منهجية ومنظمة للكشف عنها والتحقيق في ملابساتها وتحديد المسؤولين واتخاذ ما يلزم لمحاسبتهم.

ضحايا مدنيين لقصف قوات الناتو

حسب تقارير حقوقية أسفرت غارات جوية لحلف شمال الأطلنطي (الناتو) على مواقع بثماني مدن ليبية في عام 2011 عن مقتل ما لا يقل عن 72 مدني ثلثهم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما. كشفت المجهودات التي بذلتها منظمات حقوقية عن أنه في سبع مواقع من بين الثمانية لم يكن ثمة أي وجود لقوات تابعة لنظام القذافي مما يجعل قصفها غير مشروع وفق القانون الدولي، فيما تحيط الشكوك بسلامة الإجراءات المتخذة للتأكد من وجود قوات معادية في الموقع الثامن. المواقع الثمانية التي شملها الرصد هي:

  1. منزل عائلة الغراري بطرابلس. وقع القصف في 19 يونيو 2011 وأسفر عن مقتل خمسة مدنيين، وأعترف الناتو بوقوع خلل في نظم التسليح أدي للقصف.
  2. مزرعة عائلة الحميدي بصرمان. رب العائلة هو عضو سابق بمجلس قيادة ثورة الفاتح، وقد استهدفت المزرعة بالقصف عدة مرات في يوم 20 يونيو 2011، وأسفر ذلك عن مقتل ثمانية من أفراد العائلة وخمسة من العاملين بالمزرعة.
  3. منزل مصطفى المرابط في زليتن. تم قصفه في 4 أغسطس 2011 مما أدى إلى مقتل زوجته وإثنين من أبنائه.
  4. منازل عائلتين بالماجر. تعرضت لقصف متكرر في يوم 8 أغسطس 2011 مما أدى إلى مقتل 34 شخصا.
  5. منزلين لعائلة جفرة ببني وليد. تعرضا لقصف جوي مساء 29 أغسطس أو صباح 30 أغسطس 2011 أدى إلى مقتل خمسة من أفراد العائلة بينهم فتاة في التاسعة من عمرها.
  6. عمارة التأمين السكنية بسرت. تعرض المبنى المكون من سبع طوابق للقصف الجوي عدة مرات يوم 16 سبتمبر 2011، وبرغم أن غالبية سكان المبنى كانوا قد غادروه في وقت سابق إلا أن القصف قد أسفر عن مقتل رجل وامرأة.
  7. منزل عائلة جدوار بالجوردابية. تم قصفه في 23 سبتمبر 2011 مما أدى إلى مقتل رجل وفتاتين وإصابة أربعة أشخاص على الأقل.
  8. منزل عائلة دياب بسرت. تعرض للقصف في 25 سبتمبر 2011، وأسفر عن مقتل ثلاث نساء وأربعة أطفال وربما أيضا عن مقتل مصباح دياب أحد كبار الضباط.

رغم أن القانون الدولي يلزم الأطراف في صراع مسلح بالقيام بتحقيقات علنية في حال وقوع إصابات بين المدنيين نتيجة عمليات حربية لقواتهم، كما يلزمهم بكشف تفاصيل ونتائج هذه التحقيقات إلا أن قيادة حلف الناتو قد اكتفت بالتصريح بأن قواتها كان لديها ما يبرر قصف المناطق التي سقط فيها ضحايا مدنيون، وحتى وقت كتابة هذا التقرير لم تكشف قيادة الحلف عن تفاصيل أي تحقيقات أجرتها بهذا الخصوص رغم مطالبات منظمات حقوقية وغيرها بما في ذلك ما ورد في تقرير اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المشكلة من قبل مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة من الحاجة إلى إجراء تحقيقات تفصيلية في سقوط ضحايا مدنيين نتيجة لقصف الناتو لمواقع لا يوجد ما يدل على أنه كان بها قوات أو أسلحة ومعدات تابعة للنظام أو المليشيات المتعاونة معه.

انتهاكات حقوق الإنسان ضد سكان مدينة تاورجة

كانت مدينة تاورجة الواقعة جنوبي مصراتة معقلا للموالين لنظام العقيد معمر القذافي. في أثناء الحرب الأهلية شارك مقاتلون من المدين في الهجمات التي استهدفت بها القوات الموالية للقذافي مدينة مصراتة، ومن ثم يعتقد ثوار مصراتة أن أهالي المدينة مسؤولون عن جرائم القتل والاغتصاب التي ارتكبت من قبل قوات النظام في مصراتة. نجم عن ذلك حملة للثأر والعقاب الجماعب لم تنته حتى وقت كتابة هذا التقرير يتعقب فيها ثوار مصراتة أهالي المدينة النازحين من منازلهم في أنحاء ليبيا ويستهدفونهم بالقتل خارج القانون والإخفاء القسري والتعذيب بخلاف استهدافهم للمدينة ومنشآتها بعملية تدمير منهجية قضت تقريبا على إمكانية عودة أهلها للحياة بها من جديد.

سقطت توارجة في أيدي الثوار قبل سقوط طرابلس ونتج عن ذلك نزوح أهلها عنها واستقرار عدد كبير منهم في معسكر بالعاصمة، تعرض هذا المعسكر للهجوم من قبل ثوار مصراتة فور سقوط طرابلس الذين اعتقلوا واعتدوا بالضرب على حوالي 85 من سكان المعسكر، وفي سبتمبر التالي قاموا باعتقال من 40-50 شخص آخر من سكان المعسكر نفسه، وفي 6 فبراير 2012 أقدم ثوار مصراتة على قتل 5 من سكان المعسكر هم عجوز وامرأة وثلاثة أطفال!

شمل تعقب سكان تاورجة بالاعتقال والتعذيب والقتل مدن طرابلس العاصمة وسرت وزليتن والجفرا والشوارف وبنغازي. في جميع الحالات لم يتسن معرفة مكان المعتقلين وتؤكد تقارير شهود عيان تعرضهم للتعذيب. في المقابل أكدت عمليات المسح الجوي وصور الأقمار الصناعية تعرض مدينة تاورجة لأعمال سلب ونهب وتدمير مستمرة أدت إلي حرق وتهدم غالبية منشئاتها العامة والخاصة.

حتى اليوم لم تظهر الحكومة المركزية في ليبيا نية واضحة لوقف عمليات التعقب وانتهاكات حقوق الإنسان في حق أهالي تاورجة. يذكر أن الموقف ذاته تعرض له أهالي مدن وقبائل كانت موالية للقذافي خلال الحرب، كذا شملت أعمال التعقب المماثل أصحاب البشرة السوداء من الليبيين الذين يعتقد البعض أنهم من المرتزقة الأفارقة الذين استعان القذافي بهم لدعم نظامه.

الإطار القانوني

برغم إصدار المجلس الوطني الانتقالي لقانونين بخصوص العدالة الانتقالية وهما القانون رقم 4 لسنة 2011 وقانون رقم 17 لسنة 2012م بشان إرساء قواعد المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، فإن هذه القوانين لم تدخل حيز التنفيذ ولم يتم إنشاء “هيئة تقصي الحقائق والمصالحة” المنصوص عليها في القانون الثاني. وفي الوقت الحالي ينظر المؤتمر العام الوطني (البرلمان) في مشروع قانون جديد للعدالة الانتقالية ينقل في الواقع كثيرا من مواد القانون رقم 17 لسنة 2012، ولكنه يضيف إليه الكثير.

مشروع قانون العدالة الانتقالية

يتألف مشروع القانون من 39 مادة موزعة على ستة فصول هي؛ أحكام عامة؛ هيئة تقصي الحقائق والمصالحة؛ فحص المؤسسات؛ التعويضات؛ التحقيق والمحاكمة؛ أحكام ختامية. أهم ما تضمنه القانون يمكن إيجازه في النقاط التالية:

  1. تسري أحكام القانون على الفترة من 1 سبتمبر 1969 وحتى نهاية الفترة الانتقالية (لم ينص في القانون على تعريف الفترة الانتقالية أو تحديد تاريخ لنهايتها).
  2. يحدد المشروع أهدافه في نقاط أهمها: الحفاظ عي السلم الأهلي؛ ردع انتهاكات حقوق الإنسان؛ تحديد مسؤوليات أجهزة الدولة عن انتهاكات حقوق الإنسان؛ توثيق الوقائع موضوع العدالة الانتقالية؛ تعويض الضحايا والمتضررين؛ فحص المؤسسات.
  3. ينشئ مشروع القانون هيئة تقصي الحقائق والمصالحة وهي تابعة للبرلمان، وتختص بتقصي الحقائق حول انتهاكات حقوق الإنسان في الفترة التي حددها القانون، والتحقيق فيها والتوصية بخصوص ما يلزم اتخاذه إزاءها بما في ذلك الإحالة إلى القضاء للنظر فيها.
  4. يلزم القانون الهيئة بتقديم تقرير شامل يتضمن تفاصيل ما حققت فيه من وقائع وما توصلت إليه من نتائج بما في ذلك تحديد المسؤولية عن تلك الوقائع، وكذا تفاصيل ما بذلته من جهود لتحقيق المصالحة بين أطراف النزاعات، وأخير توصياتها بما يلزم اتخاذه من إجراءات إزاء ما تعرضت له من وقائع.
  5. قرر القانون أن تعقد الهيئة جلسات علنية لمباشرة تحقيقاتها إلا في حال قررت جعل بعضها سرية لدواعي الأمن أو الآداب العامة، وأعطى القانون للهيئة أولوية التحقيق في الوقائع على القضاء، فلا يجوز أن ينظر القضاء في منازعات معروضة عليها حتى تفرغ من تحقيقاتها بخصوصها، كما أنه إن عرضت عليها منازعات ينظر القضاء فيها وجب وقف نظر القضاء لها.
  6. بخصوص فحص المؤسسات ينص المشروع على إنشاء هيئة مختصة به، ويشمل الفحص المؤسسات الأمنية والقضائية والعسكرية والمالية (وكل أجهزة وكيانات الدولة التي يصدر بتحديدها قرار من مجلس الوزراء!).
  7. منح القانون هيئة فحص المؤسسات صلاحية إحالة ما تنظر فيه من وقائع إلى التأديب أو النيابة العامة أو مجلس الوزراء لاتخاذ ما يلزم بخصوصها.
  8. بخصوص التعويضات ينص المشروع على استحداث صندوق تعويض الضحايا وترك للمؤتمر الوطني العام تحديد سبل تمويله فيما تحدد لائحة تنفيذية يصدرها مجلس الوزراء مقدار التعويضات وطرق دفعها.
  9. بخصوص التحقيق والمحاكمة يقصر مشروع القانون النظر في القضايا ذات الصلة على المحاكم الجنائية المدنية، ويلغي بذلك اختصاص المحاكم العسكرية بنظر الجرائم التي يتهم بها عسكريون أو ارتكبت لأغراض سياسية أو عسكرية.

لجان الحقيقة

حتى وقت كتابة هذا التقرير لم يتم تشكيل أي لجان محلية من قبل الحكومة الليبية أو من قبل المؤتمر العام الوطني (البرلمان) للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة خلال حكم نظام القذافي أو أثناء الحرب الأهلية التي أطيح به من خلالها. في المقابل قام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق عن انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة من قبل أطراف الحرب الأهلية في عام 2011، فيما يلي نعرض لخطوات تشكيل اللجنة وممارستها لعملها ولأهم نتائج عملها.

اللجنة الدولية لتقصي الحقائق

في 25 فبراير 2011 أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارا بتشكيل لجنة دولية مستقلة لتقصي الحقائق عن أحوال حقوق الإنسان في ليبيا، وفي 15 مارس 2011 تم تشكيل اللجنة من ثلاثة أعضاء هم أسماء خضر (الأردن) وفيليب كيرش (كندا) وشريف بسيوني (مصر)، وتولى بسيوني رئاسة اللجنة حتي أكتوبر 2011، حيث تولاها كيرش خلفا له.

تم تكليف اللجنة بموجب قرار المجلس رقم S-15/1 بالتحقيق في كافة مزاعم اختراق القانون الدولي لحقوق الإنسان في ليبيا؛ وتوثيق وقائع هذه الانتهاكات والجرائم وظروفها وإن أمكن تحديد المسؤولين عنها؛ والتقدم بمقترحات بصفة خاصة عن إجراءات المحاسبة. وحيث أن مجلس حقوق الإنسان قد أحال ملف الانتهاكات في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية فإن تكليف اللجنة قد امتد إلى النظر إلى الأحداث التي سيتم التحقيق فيها في ضوء القانون الجنائي الدولي.

قدمت اللجنة تقريرها الأول في 15 يونيو 2011 إلي مجلس حقوق الإنسان الذي قرر تمديد تكليفها نظرا لكثافة انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا واستمرارها، وتقرر أن تقدم اللجنة تقريرها النهائي إلى الدورة التاسعة عشر للمجلس في مارس 2012.

صدر التقرير النهائي للجنة في 2 مارس 2012 في حوالي 214 صفحة عرضت فيه نتائج تحقيقها في الانتهاكات المختلفة لحقوق الإنسان التي شهدها الصراع المسلح طوال عام 2011 وظلت مستمرة في أعقاب إسقاط نظام معمر القذافي وحتى وقت نشر التقرير. يتطرق التقرير إلى دور أطراف ثلاثة للصراع في الانتهاكات وهي قوات النظام والموالين له؛ الثوار (المتمردون)؛ قوات الناتو. ويستعرض التقرير هذه الانتهاكات مصنفة إلى: الاستخدام المفرط للقوة؛ القتل خارج إطار القانون (مع تحقيق خاص بمقتل معمر القذافي بعد القبض عليه)؛ الاعتقال العشوائي والإخفاء القسري؛ التعذيب وإساءة المعاملة؛ استهداف المجتمعات المدنية (مع تركيز خاص بمدينة تاورجة)؛ العنف الجنسي؛ مهاجمة المدنيين والمنشآت المدنية والأشخاص موضع الحماية؛ استخدام الأسلحة المحرمة دوليا؛ استخدام المرتزقة؛ تجنيد الأطفال؛ أعمال السلب والنهب والتخريب.

المحاكمات الجنائية

شهدت ليبيا تشكيل محكمة خاصة لمحاكمة رموز النظام السابق في اتهامات تتراوح بين التورط في عمليات القتل ضد المتظاهرين في بداية الثورة الليبية وتحويل أموال من الخارج لدعم النظام السابق وبين اتهامات بالفساد والتربح من خلال مناصبهم. بدأت أولى المحاكمات في 5 يونيو 2012 بأولي جلسات محاكمة “بوزيد دوردة” والذي كان يشغل منصب رئيس جهاز الأمن الخارجي في عهد العقيد معمر القذافي. شهدت المحاكمات بصفة عامة قدرا كبير من الاضطراب وسط تشكيك عالمي في قدرة النظام القضائي في ليبيا على إجراء محاكمات تتوافر لها ضمانات العدالة نتيجة مشاكل عدة لجهاز العدالة الليبي ذاته وكذا نتيجة اضطراب الأحوال الأمنية وتزايد الضغوط الداخلية من أكثر من طرف.

أهم ما يمكن ملاحظته هو أنه لم يتم تقديم أي من المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت من قبل قوات المتمردين على نظام القذافي وهو ما يؤشر إلي تسييس المحاكمات ويشكك في أن تكون سبيلا لتحقيق العدالة كما تتطلبها أهداف المحاسبة الشاملة والمساواة أمام القانون.

محاكمة سيف الإسلام القذافي

سيف الإسلام معمر القذافي من مواليد عام 1972، هو الابن الثاني للعقيد معمر القذافي وكان ثمة شكوك قوية في إعداد والده له ليحكم ليبيا من بعده، ورغم أنه لم يكن له أي منصب رسمي في النظام الليبي عندما اندلعت الثورة الليبية فقد كان له دور كبير في جهود نظام والده لقمعها وهو ما أدى إلى أن تتضمن مذكرة اتهام أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية اسمه إلى جانب كل من معمر القذافي ورئيس الاستخبارات العسكرية عبدالله السنوسي.

ظل سيف الإسلام هاربا في داخل ليبيا بعد مقتل أبيه وأشيع أنه قد تم إلقاء القبض عليه عدة مرات حتي تم اعتقاله فعليا قرب مدينة أوباري في 19 نوفمبر 2011، وقبع منذ ذلك الحين قي أحد سجون مدينة الزنتان، في انتظار محاكمته باتهامات منها التورط في قتل المتظاهرين ضد نظام والده، وهى المحاكمة التي تأجلت عقب القبض على عبدالله السنوسي اعتقادا بأن التحقيقات مع الأخير قد تكشف حقائق جديدة بخصوصها.

مثل سيف الإسلام القذافي أمام محكمة ليبية في الزنتان لأول مرة في 2 مايو 2013 لمحاكمته بتهم تتعلق بتسريب معلومات اعتبرت ماسة بالأمن الليبي من خلال محامية أسترالية انتدبتها المحكمة الجنائية الدولية للدفاع عنه وذلك أثناء زيارتها له في سجنه. وقررت المحكمة تأجيل نظر القضية إلى 19 سبتمبر 2013، بخلاف ذلك لم تبدأ أي محكمة ليبية في نظر الاتهامات المتعلقة بالقتل أو انتهاكات حقوق الإنسان أو الفساد المالي في حق سيف الإسلام.

محاكمة عبدالله السنوسي

عبدالله السنوسي البالغ من العمر 62 عاما، هو عديل الرئيس السابق معمر القذافي وأحد أركان نظامه المقربين منه، وقد كان لفترة طويلة رئيسا لجهاز المخابرات العسكرية وهو الجهاز الذي وصفته المحكمة الجنائية الدولية بأنه “من أكثر الأجهزة القمعية نفوذا وفعالية في نظام القذافي”. وإلى جانب كونه ملاحقا من قبل الحكومة الليبية الحالية فالسنوسي أيضا ملاحق من قبل المحكمة الجنائية الدولية التي تتهمه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في مدينة بنغازي الليبية، كما تلاحقه الحكومة الفرنسية نتيجة حكم أحد محاكم باريس عليه غيابيا بعد أن أدانته بالتورط في الاعتداء على رحلة لشركة طيران فرنسية فوق النيجر وقع في سبتمبر 1989. ولكن أهم الجرائم التي يرتبط بها اسم السنوسي هو عملية التصفية الجسدية لحوالي 1200 سجين بسجن أبو سليم إثر احتجاجات للسجناء بسبب سوء المعاملة المستمرة لهم وذلك في عام 1996.

فر السنوسي من ليبيا في أثناء الحرب الأهلية، وظهر لاحقا في موريتانيا حيث اعتقلته سلطاتها في مارس 2012 ووجهت إليه في 21 مايو 2012 تهمة الدخول بطريقة غير شرعية إلى أراضيها مستخدما وثيقة سفر مزورة، وفي يونيو التالي توجه رئيس وزراء الحكومة الليبية المؤقتة إلى نواكشوط للتباحث مع السلطات الموريتانية في طلب ليبي لتسليم السنوسي إلى ليبيا. وبرغم الضغوط الليبية المتواصلة فإن موريتانيا استغرقت شهورا في المماطلة قبل أن تسلم السنوسي إلى ليبيا في 5 سبتمبر 2012 بعدما قدمت الحكومة الليبية وعودا بضمان حسن معاملته وتوفير محاكمة عادلة له.

حتى 15 أبريل 2013 لم يتم إطلاع عبدالله الستوسي المحتجز بسجن الهضبة بطرابلس على الاتهامات الرسمية الموجهة إليه كما لم يتح له توكيل محامي عنه.

خاتمة

لا تثور الشعوب في كل يوم، فإذا ثارت بدا وكأن لا شيء يمكنه الوقوف في سبيلها إلى تحقيق أهدافها؛ فقط إذا كانت هي ذاتها تعرف تلك الأهداف بوضوح. في هذا الشرط تكمن الإشكالية والمأساة أحيانا، فقد يجمع الملايين على هدف بسيط وواضح مثل رحيل مستبد طال به المقام جاثما على صدورهم، ولكن بناء البديل وإعادة تشكيل الواقع ليحقق لهم حياة أفضل، لا يمكن تلخيصه في أهداف بسيطة وواضحة ببساطة ووضوح هتافات المتظاهرين.

في واقع السياسة الدولية في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية لم يعد بلد ما عالما منعزلا عن غيره، ولم تعد الحدود الفاصلة بين شؤون الداخل والخارج واضحة أو ذات أثر، هذا يفسر في أحيان كثيرة لماذا لم تحقق ثورات الشعوب في العقود الثلاثة الماضية هذه القطيعة الجذرية مع الماضي التي عادة ما ميزت ثورات العقود السابقة ومنذ بداية القرن التاسع عشر، بل وأعطت مفهوم الثورة التعريف الكلاسيكي له، والذي يرى الثورة تغييرا جذريا للمجتمع ونظام إدارته وحكمه. ببساطة لم تعد شؤون الداخل في أي بلد ملكا خالصا لشعبه يمكنه إن ثار في وجه ظالميه أن يعيد تشكيلها كما يشاء. في الواقع لم يعد مسموحا لثورة شعب أن تكتسح أبنية الحاضر بشكل كامل تمهيدا لبناء مستقبل من اختياره ففي أبنية الحاضر تكمن استثمارات طويلة الأمد لأطراف ليست جذورها في أرض الوطن حتى يمكن لثورة شعبه أن تقتلعها، ومن ثم تظل أياديها طليقة تعمل بقوة للحفاظ على استثماراتها في المال والنفوذ والمستقبل الذي لا ترضى أن يتشكل دون أن تكون طرفا فاعلا بشكل أو آخر في تشكيله.

مفهوم العدالة الانتقالية هو في الواقع استجابة نظرية وعملية لواقع الثورات المبتورة التي لم تصل إلى منتهاها بهدم الواقع الذي ثارت ضده بشكل كامل، وهي أيضا استجابة للحاجة إلى التصالح مع الماضي بدلا من اجتثاثه تماما. ولأنه مفهوم لعدالة التوازنات فهو دائما انعكاس لهذه التوازنات على أرض الواقع أكثر من كونه استجابة لتوق المُضار ومن وقع عليه الظلم إلى جبر ضرر يرضيه أو رد ظلم يخلصه فعليا من وطأته. ولأن حالة السلم الاجتماعي والتصالح الذي يعيد للمجتمع قدرته على الانتقال إلى مستقبل يطوي فيه صفحة الماضي يعتمدان بشكل أساسي على الرضا المتحقق للغالبية فإن تطبيقات منظومة العدالة الانتقالية كثيرا ما تتراوح نتائجها بين درجات من الفشل المقبول أو الفشل الذريع الناجمة عن تعذر تطبيق المثال النظري في واقع مضطرب تحكمه مصالح متناقضة.

بين الحل الشعبي والحل المؤسسي

تعتمد أي منظومة للعدالة الانتقالية على إجراءات منظمة ومنضبطة ومن ثم فهي تتطلب عملا مؤسسيا ينتج عن ذلك عدد من الإشكاليات أهمها:

  • حيث أن منظومة للعدالة الانتقالية ينبغي أن تعمل في إطار واقع أنتجته ثورة أو انتفاضة شعبية أو حالة حراك اجتماعي ضخم فحاجتها إلى المؤسسية تصطدم دائما بحقيقة أن أحد الملامح الأساسية لهذا الواقع هو الانهدام التام أو الجزئي لكثير من المؤسسات، وكذا حالة العداء المتبادل بين القوى الممثلة للحراك الشعبي وبين غالبية مؤسسات الدولة التي تنتمي بالتعريف للنظم التي انقلبت عليها هذه القوى.
  • النظم الاستبدادية التي تنقلب عليها شعوبها هي عادة نظم أوتوقراطية أو تتميز بالقبائلية السياسية، وهذا يستتبع ضعفا وهزالا لمؤسسات الدولة وغياب واضح للكفاءة فيها وتفشي للفساد بين أركانها، مما يجعلها أداة غير صالحة معظم الوقت لأداء مهامها في إطار منظومة العدالة الانتقالية.
  • مع افتراض حسن النوايا وتوافر قدر مناسب من القدرة المؤسسية للدفع بإجراءات العدالة الانتقالية المطلوبة تبقى المؤسسات بطبيعتها منفصلة عن الحس الشعبي، وحيث أن أهداف العدالة الانتقالية تتحقق بالأساس بالوصول إلى درجة معقولة من الرضا الشعبي فإنه إن لم تتمكن المؤسسات من خلق آليات للمشاركة الشعبية الحقيقية وليس الصورية في إجراءاتها يصبح في حكم المستحيل أن تحقق أهدافها.

عندما نطبق هذا الإطار النظري علي واقع تجارب دول ثورات الربيع العربي حتى اللحظة سنجد مظاهر واضحة لدور المؤسسات في إخفاق هذه الدول في بناء منظومات فعالة للعدالة الانتقالية:

اتخذت غالبية المؤسسات موقفا معاديا أو سلبيا تجاه ثورات الربيع العربي. هذا الموقف تمت ترجمته بشكل معلن أحيانا ومبطن أحيانا أخرى:

  • المؤسسات الأمنية تأتي في المقدمة دائما في عدائها الصريح لثورات لا يمكن تجنب الشعور بأنها نجاحها المرحلي مثل هزيمة لها، وتخشي هذه المؤسسات بالضرورة من أن تكون هدفا لحملات انتقامية تحت عنوان إعادة الهيكلة أو التطهير.
  • المؤسسات العسكرية تأتي في المرتبة التالية وهي إن كانت في مراحل الثورة ونظرا لتكوينها المعتمد على التجنيد الإجباري تختار الانحياز ولو الظاهري للثورة أو تتعرض للانقسام والدخول طرفا في حرب أهلية، إلا أنها تبقي إجمالا مؤسسات محافظة وذات ماض في التورط في ممارسات الأنظمة المستبدة ومرتبطة بمصالح رموزها، وتخشى أيضا من مشروعات إعادة الهيكلة.
  • المؤسسات القضائية قد لا يكون ثمة سبب واضح لأن تناصب الثورات العداء بشكل مباشر ولكنها بالضرورة توضع في موقع صعب عندما يلقى على كاهلها مهمة أن تكون أداة لتحقيق العدالة في ظل أضطراب أدواتها التقليدية وعدم تعاون أجهزة أساسية في الدولة وتحت ضغط توقعات جماهيرية لا تتوافق دائما مع ما يمكن أن تحققه هذه المؤسسات، وهي في النهاية معرضة بدورها لمطالبات التطهير وإعادة الهيكلة وتضطر في مرحلة ما إلى أن تدافع عن مصالح أفرادها فتصبح طرفا في الصراع السياسي وتتعرض استقلاليتها وحيادها النظريين إلى قدر كبير من التشكيك المبرر.

في إطار مرحلة ما بعد الثورة في دول الربيع العربي مثلت ضغوط المرحلة الانتقالية تحديا كبيرا للمؤسسات كشف افتقاد معظمها للكفاءة وللقدرة على العمل بأساليب تختلف عن تلك التي كانت مقبولة في ظل نظام استبدادي:

  • بالنسبة للمؤسسات الأمنية فإن فشلها في استعادة أمن المواطن العادي في ظل الاضطراب الذي يتبع عادة الانتفاضات الشعبية يمكن تبريره أولا بتدمير قدراتها خلال الانتفاضة، وثانيا بتدني الروح المعنوية لأفرادها الذين يشعرون بتعرضهم للهزيمة، بيد أنه بالنظر إلى تباعد المدة الفاصلة عن حدث الانتفاضة نفسه وكذا اتجاه الحكومات الانتقالية إلى توفير التمويل المطلوب لتعويض خسائر هذه المؤسسات المادية وأيضا غض هذه الحكومات البصر عن عودة هذه المؤسسات إلى ممارساتها القديمة، بدعوى الحفاظ على معنويات أفرادها، أصبح هذا كله لا يدع مجالا للشك في أن استمرار فشل هذه المؤسسات في استعادة الأمن يرجع في الأساس لانعدام الكفاءة والترهل الناجم عن تضخمها في العهود السابقة وكذا غياب التأهيل اللازم لأداء الدور الأمني الحقيقي عن عقيدتها وأساليب عملها حيث تم اختزال دورها لفترات طويلة في كونها عصا النظام الغليظة وأداته لتعقب معارضيه والبطش بهم.
  • المؤسسات القضائية تفتقد إلى ما يمكن تبرير فشلها به فيما عدا ثقل الضغوط والأعباء التي يتم إثقالها بها في الفترة الانتقالية، ولكن مظاهر الفشل في تحقيق العدالة بمفهومها القانوني ودون الحاجة إلى الاستجابة لضغوط جماهيرية في قضايا شديدة الوضوح لا يمكن تبريرها بالضغوط والأعباء وإنما يمكن تفسيرها فقط بالافتقاد للكفاءة والقدرة على الأداء السليم لوظائف هذه المؤسسات الطبيعية.

فصائل الثورة والقوي السياسية

تنتج الانتفاضات والثورات مقابلها الموضوعي لمؤسسات الدولة متمثلا في فصائلها والقوى السياسية المنضوية تحت شعاراتها سواء بشكل طبيعي أو لتحقيق أهدافها السياسية الخاصة. تتعقد علاقة مثل هذه الفصائل والقوى بمسار الحركة نحو تحقيق العدالة الانتقالية بشكل خاص عندما تنزلق الثورة إلى صراع مسلح أو حرب أهلية كاملة أو عندما تفجر تناقضات طائفية أو عنصرية أو إقليمية. وفي مشهد ثورات الربيع العربي يمكننا تلمس نماذج واضحة لهذه المظاهر المختلفة:

  • القوى التقليدية المعارضة للنظم الاستبدادية ليست ثورية بالضرورة. في حالة دول الربيع العربي وبشكل واضح فيما يخص مصر وتونس وبشكل أقل وضوحا في اليمن وليبيا يتمثل البديل التقليدي للنظام في جماعات الإسلام السياسي وبصفة خاصة في جماعة الإخوان المسلمين التي حققت من خلال الثورة في مصر وتونس نجاحها الأول في الوصول إلى الحكم. ونظرا لتناقض الأهداف التقليدية لهذه الجماعة المحافظة واليمينية بطبيعتها مع الأهداف المعلنة للثورة نشأ بشكل واضح تناقض بين سعي الجماعة لتحقيق أهدافها بأدوات العدالة الانتقالية، وبين الأهداف الطبيعية الذي أعدت هذه الأدوات لتحقيقها من جانب وبين مقاومة فصائل ثورية وقوى سياسية مدنية أخرى على الساحة مما جعل بلورة منظومة حقيقية للعدالة الانتقالية تحت حكم الجماعة أمرا تحفه عوائق عدة أدت إلى تعثره في تونس وإلى ما يكاد يكون اختفاءا تاما له عن المشهد في مصر.
  • تطور الثورة إلى حرب أهلية كاملة في ليبيا ترتب عليه تورط الفصائل التي حملت السلاح ضد أو مع العقيد القذافي في انتهاكات حادة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. أدى ذلك من جانب إلى أن الفصائل الثورية المنتصرة أصبحت مصالحها المباشرة تتناقض مع هدف بناء منظومة عدالة انتقالية حقيقية كونها طرف سيتعين عليه دفع ثمن ما ارتكبه من انتهاكات وجرائم. من جانب آخر فضل بعض هذه الفصائل تصفية حساباته مع القوى التي دعمت النظام السابق وظهيرها القبلي والمدني بشكل مباشر دون استخدام أي أدوات للعدالة النظامية، مما أدى إلى استمرار ارتكابها للمزيد من الانتهاكات والجرائم بعد الحرب، فأصبحت عاملا سلبيا في معادلة تحقيق الأمن والاستقرار يفاقم من صعوبة بناء المؤسسات المطلوبة لتنفيذ إجراءات العدالة الانتقالية.

الإفلات من العقاب كسياسة

المظاهر السابق المرور بها تتقاطع جميعا وتصب في تطوير ظاهرة الإفلات من العقاب إلى سياسة متعمدة وليس مجرد عرض لأوضاع مختلة. يتلاقى في هذه السياسة عداء المؤسسات للثورة ومحاولاتها تجنب التطهير وإعادة الهيكلة، مع ترهلها وانعدام كفاءتها وفسادها، مع تقليدية القوى الصاعدة على أكتاف الثورة ومحافظتها ورغبتها في ترسيخ أقدامها في السلطة بالتحالف مع قوى مجتمعية ذات علاقات قديمة بالنظم المستبدة ومن ثمة تورط رموزها في جرائم هذه النظم، ومع تورط قوى ثورية في العنف وخاصة في إطار حرب أهلية وصراع مسلح وتناقض مصالحها مع توقيع العقاب العادل على كل من اقترف جريمة بغض النظر عن انحيازه في مرحلة الثورة.

تحول الإفلات من العقاب إلى سياسة منهجية هو العنوان الرئيسي الذي تندرج تحته كل العناصر السابق عرضها، وهو يكشف عن نفسه بوضوح في اضطراب أداة المحاكمات الجنائية بصفة خاصة وكمثال في الحالة المصرية نلمس المظاهر التالية:

  • يظهر عداء المؤسسة الأمنية المصرية في مقاومتها الشرسة لتوقيع أي عقاب على أفرادها وقياداتها المتورطة في جرائم قتل المتظاهرين، فتدمير وإخفاء الأدلة وتلفيق أدلة عكسية والضغط على الشهود وأهالي الضحايا إلخ كانت جميعها أدوات للمؤسسة الأمنية لعرقلة عمليات التحقيق والمحاكمة.
  • تدني كفاءة أجهزة التحقيق (النيابة العامة) وتواطئها المبطن أحيانا كان مكملا لدور المؤسسات الأمنية في طمس الأدلة والحقائق؛ فعلى سبيل المثال لم يتم بذل جهود حقيقية في الضغط للحصول على الأدلة المادية (لم تتم مصادرة الأسلحة الخاصة بالمتهمين مثلا)؛ وتم إطلاق سراح العديد من المتهمين رغم أن مواقعهم الوظيفية التي استمروا فيها تجعل قيامهم بالتلاعب في الأدلة والضغط على الشهود أمرا شبه مؤكد؛ وفي النهاية أحالت النيابة العامة إلى المحاكم أوراق هزيلة وقضايا مليئة بالثغرات إلى الحد الذي كان فيه الحكم بالبراءة أمرا مقطوعا به سلفا.
  • وصول الإخوان المسلمون إلى السلطة عبر المجالس النيابية أولا ثم من خلال الرئاسة والسلطة التنفيذية ثانيا لم يغير من مسار المحاكمات الجنائية رغم وعودهم السابقة بتحقيق العدالة الناجزة في هذه القضايا. أملت مصالح السلطة الجديدة على الإخوان ضرورة بناء علاقات ودية مع الأجهزة الأمنية ومن ثم فإن أي حديث عن إعادة هيكلة حقيقية لم يعد له مكان. و كان بناء العلاقات الودية مع رموز قوى الرأسمالية المحلية بدوره سببا في الالتفاف حول محاسبة رجال الأعمال المتورطين في جرائم النظام من خلال قوانين التصالح التي فرغت دعاوى التربح والفساد المالي من محتواها. في المقابل استخدم الإخوان شعارات “القصاص للشهداء” و”حماية الثورة” كغطاء لتمرير قوانين استهدفت فقط تحقيق مصالح ترسيخ وجودهم بالسلطة، فمن جانب أصبح استلحاق القضاء بالسلطة الجديدة هو الهدف الحقيقي من ادعاءات تطهيره والتي بررها فشل المؤسسة القضائية في تحقيق العدالة من خلال المحاكمات. ومن جانب آخر استخدم قانون حماية الثورة في ملاحقة المعارضين للإخوان وأداة لعقابهم من خلال الصلاحيات الاستثنائية لنيابة حماية الثورة المنشأة من خلاله.

في الحالة اليمنية كان التدخل الخارجي هو العامل الأساسي في إرساء أساس مؤسسي لسياسة الإفلات من العقاب متمثلا في قانون حصانة علي عبد الله صالح وأعوانه ضد الملاحقة القانونية والذي أملته اتفاقية نقل السلطة بشكل واضح، ومن ثم فإن مجرد الشروع في محاكمات جنائية لقتلة المتظاهرين، قد تعرقل وفي الحالة الوحيدة لبدء أحد هذه المحاكمات فعليا فإن عائق قانون الحصانة ظل لفترة طويلة سببا في مراوحتها في مكانها دون القدرة على التقدم.

في الحالة الليبية ما زالت المحاكمات قاصرة فقط على عدد من رموز النظام السابق ولم يتحرك معظمها بخطوات حقيقية نظرا لعدم إعداد أجهزة التحقيق لملفات القضايا برغم بدء المحاكمات نفسها. في المقابل يعيق تحريك دعاوى جنائية بخصوص كثير من جرائم نظام القذافي حقيقة أن عديد من المنشقين عليه ومن كانوا سابقا جزءا من هذا النظام هو عناصر ذات نفوذ في السلطة الحالية. في النهاية محاولة تحريك دعاوى جنائية لتعقب مرتكبي انتهاكات وجرائم خلال الحرب الأهلية من المنتمين للقوى الثورية يعيقه وجود ممثلي بعض هذه القوي في السلطة، واحتفاظ البعض الآخر بسلاحه واستخدامه له في الضغط لمنع أي ملاحقة له.

سبل الخروج

ما يدركه القابضون على جمر ثوراتهم في تونس ومصر واليمن وليبيا وكذلك في البحرين وسوريا الذين لم تشملهما هذه الدراسة هو أن عنوان السبيل إلى الخروج من المرحلة الحالية هو استكمال الثورة ذاتها. لن تكون أي إجراءات نظامية للعدالة الانتقالية بديلا عن ذلك، والمؤكد أن هذه الإجراءات ذاتها مستحيلة إن لم تندمج مع سبيل الثورة ويكون الضغط في سبيل تحقيقها أحد أدوات المقاومة لترتيبات ما بعد نظم الاستبداد التي تعيد إنتاج هذه النظم.

منظومة العدالة الانتقالية وإجراءاتها توفر إطارا صالحا لتحديد أهداف واضحة لجهود استكمال الثورة، فسيبقى فشل أنظمة ما بعد الثورات في بناء هذه المنظومة دليلا واضحا على كونها امتداد لما انقلبت الثورات عليه، كما أن الضغط في سبيل تصويب إجراءات العدالة الانتقالية والوصول بها إلى أهدافها النظرية الصحيحة يوفر ساحة للصراع أرحب وأكثر تماسا مع تطلعات الجماهير مما توفره ساعة الصراع السياسي التقليدي. في المقابل أن تكون العدالة الانتقالية هدفا لجماهير الثورة يبث في منظومتها جانبا تفتقد عادة إليه وهو أن تكون معبرة بشكل مباشر عن تطلعات هذه الجماهير وليس عن توازنات القوى و الطبيعة المحافظة للمؤسسات التقليدية.

إن ما نطرحه في السطور التالية إذن ليس بالضرورة توصيات موجهة للحكومات بقدر ما يمثل أهدافا يمكن للمؤمنين باستمرارية ثوراتهم أن يجدوا فيها أدوات لتطوير مقاومتهم وبعضها بالفعل سبق لهم استخدامه في سعيهم لتحقيق العدالة التي اندلعت ثوراتهم للوصول إليها في الأساس.

التوصيات

  • ينبغي إعادة التأكيد على أن العدالة الانتقالية هي منظومة متكاملة ومن ثم فإن الخطوة الأولي ينبغي أن تتمثل في وضع الأساس التشريعي المتكامل لهذه المنظومة ومن خلال هذا الأساس يمكن وضع الضوابط الخاصة بكل عنصر من عناصر هذه المنظومة بشكل لا يتناقض مع أهداف المنظومة ككل أو مع غيره من العناصر.
  • في حين طرحت بالفعل مشروعات قوانين للعدالة الانتقالية في اليمن وليبيا وتونس فإن هذه المشروعات افتقدت في معظم الحالات للمشاركة المجتمعية الواجب توافرها في صياغتها أو أن هذه المشاركة كانت في معظمها شكلية ولم تترجم نتائجها في الصيغة النهائية للمشروعات، إلى جانب ذلك أتت هذه المشروعات ناقصة ومليئة بالثغرات في تفاصيلها.
  • لجان الحقيقة:
  • ينبغي أن تتوافر لها الاستقلالية الكاملة وهو ما يمكن أن يتأتى من خلال مراعاة مشاركة المجتمع المدني في تشكيلها بنسبة معتبرة.
  • ينبغي أن تختار منظمات المجتمع المدني ممثليها في هذه اللجان بنفسها وينبغي أن ينص القانون على نصاب أدنى لآلية اتخاذ القرار فيها يمنع تحييد دور ممثلي المجتمع المدني فيها.
  • توفير مصادر تمويل يضمنها القانون ولا تتعلق بموافقات جهات إدارية.
  • أن يترك لها تنظيم قواعد العمل الداخلية الخاصة بها؛ أن يلزمها القانون بالشفافية التامة والعلانية في كل إجراءاتها فيما عدا ظروف الضرورة القصوى لحماية حقوق المتعاملين معها.
  • أن يلزمها القانون بنشر نتائج أعمالها مباشرة ولا يكتفي بأن تقدم تقاريرها إلى جهة تنفيذية أو نيابية أو قضائية وحسب.
  • أن ينص القانون على سبل واضحة لتطوير النتائج التي تصل إليها هذه اللجان إلى إجراءات عملية سواء بالإحالة إلى القضاء أو تقرير تعويضات إلخ ويضمن هذا السبيل إلزام جهات الدولة المعنية بتنفيذ هذه الإجراءات ويرتب عقوبات رادعة في حالة امتناعها عن ذلك.
  • الدعاوى الجنائية:
  • ينبغي أن يكون للجان الحقيقة أولوية التحقيق في الشكاوى والمنازعات والمطالبات والدعاوى المتصلة بمنظومة العدالة الانتقالية والمتعلقة بالانتهاكات والجرائم موضع بحثها.
  • تختص المحاكم المدنية دون غيرها بالنظر في كافة الدعاوى المتعلقة بالانتهاكات والجرائم التي يمتد إليها نطاق منظومة العدالة الانتقالية بغض النظر عن صفة مرتكبها أو ظروف وقوعها التي قد تستدعي خلاف ذلك.
  • توفير آلية لمراقبة مسار التحقيقات التكميلية التي تجريها النيابة العامة أو قضاة تحقيق وإجراءات المحاكمة من خلال ممثلين للجان الحقيقة وللمجتمع المدني وتوفير آلية للنظر فيما يرفعه هؤلاء من ملاحظات أو شكاوى من قبل هيئة قضائية أعلى يمكنها التدخل لتصويب مسار التحقيقات أو المحاكمة عند الحاجة.
  • التعويضات وسبل جبر الضرر:
  • يكون تقدير التعويضات المادية والمعنوية وغيرها من سبل جبر الضرر الواقع على ضحايا الانتهاكات أو ذويهم مسؤولية لجان الحقيقة أو هيئة مستقلة تنشأ لهذا الغرض.
  • يكون ما تقرره لجان الحقيقة أو الهيئة المستقلة من تعويضات وغيرها من إجراءات موضع تنفيذ بذاته دون الحاجة إلى موافقة أو اعتماد أي جهة تنفيذية أو تشريعية أو قضائية، وتلزم السلطة التنفيذية بتدبير المتطلبات المالية المطلوبة لهذا الغرض وتضمين الموازنة العامة للدولة لها.
  • إصلاح المؤسسات وإعادة هيكلتها:
  • تنشأ هيئة مستقلة يتوافر فيها تمثيل شعبي وتمثيل لمنظمات المجتمع المدني بهدف وضع خطط إصلاح وإعادة هيكلة المؤسسات والأطر الزمنية لتنفيذها، وكذا بحث دعاوى الفساد المالي والإداري بها وتحديد ما يلزم من إجراءات بخصوصها بما في ذلك الإحالة إلى النيابة العامة أو التأديب الإداري.
  • تختص هذه الهيئة باقتراح مشروعات القوانين اللازمة لتحقيق أهدافها وتمنح صلاحية رفعها إلى السلطة التشريعية مباشرة.
  • تكون قرارات الهيئة بخلاف اقتراحات مشروعات القوانين ملزمة للجهات الإدارية بذاتها دون الحاجة لموافقة السلطة التنفيذية أو التشريعية ويعاقب القانون من يمتنع عن تنفيذ هذه القرارات.

للأطلاع على التقرير كامل نسخه “pdf” أضغط هنا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *