كتب anhri      
 
كيف تقرأ جريدة ؟

قبل أن تقرأ

مازال للصحف الورقية دورها في مصر ، وفي أغلب بلدان العالم الثالث

كثير من الناس يقرأ هذه الصحف ، حقيقة . لكن هل يصدق كل الناس ما تنشره هذه الصحف؟ هل تصدق أن كل ما تنشره هذه الصحف؟ هل يجب أن يصدق قارئ الصحف الورقية ما تنشره هذه الصحف دون أن يعمل بها ، ويطبق عليها ، قواعد العقل والمنطق وأسس العمل الصحفي؟

لكن ، هل يجب أن يلم القارئ العادي بقواعد وأسس العمل الصحفي؟

هذا الكتيب ، يقدم لك المساعدة في كيفية قراءة جريدة أو صحيقة ورقية ، هو إجتهاد من أصحابه لتزويد القارئ بالأسس التي يجب مراعاتها عند قرائتك لجريدة مطبوعة.

أسس وأوليات ، ينبغي لك أن تتعرف عليها ، لتطبقها على الجريدة التي تقرأها ، أياً كانت هذه الجريدة ، لاسيما وأن الصحافة المطبوعة أقرب لخبر ومعلومة ورأي في إتجاه واحد ، من الناشر إلى القارئ ، حيث تغيب عنها الفعالية والحوار والجدل الذي تتميز به الصحافة الإلكترونية أو صحافة المواطن.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

 

(1)

كيف تقرأ جريدة؟

كل من لا يقرأ الصحف إطلاقا فهو أحمق،‏  وأشد منه حماقة

 من يصدِّق ما يقرأه  لمجرد وروده في الصحيفة

أوجست فون مؤرخ وصحفي ألماني

‏((  لم يعد لأحد منا القدرة على الهروب من الأخبار أو حتى البحث عنها.. فالأخبار تعد الخبز اليومي المغذى لفضول الإنسان لمعرفة ما يدور حوله من أحداث تؤثر فيه شاء أم أبى.. ومع كثرة وسائل الاتصال وتعددها مازالت الجريدة تحتل مكانا بارزا نستقى منه الأخبار المختلفة بداية من الأخبار السياسية حتى الأخبار الفنية والرياضية والفنون الإخبارية الأخرى.. ومع اللهاث وراء الخبر وتغطيته ومحاولة انفراد الوسيلة الإعلامية به تقع الكثير من الأخطاء من الجريدة نفسها ومن القارئ الكسول الذي يتلقى الخبر دون تحرى مطلوب من صدق ما يقرأه.

 وهناك قاعدة أساسية نضعها أمام عين قارئ الأخبار حين يتصفح ذلك السيل المنهمر من الأخبار طوال الاربع والعشرين ساعة بفعل وسائل الاعلام المتطورة دائما والتي تلاحقه فى كل مكان فى المنزل والشارع والسيارة والعمل وهى  “ما من أحد معصوم من الخطأ،‏ حتى أكثر المحترفين نزاهة وخبرة”.. وغالبا ما يكون تشويه الحقائق في الأخبار مردّه إلى المعلومات الخاطئة أو التسرُّع في نقل الأخبار..  وللأسف يكون ذلك‏ مصدرا لانتشار الأكاذيب فى المجتمع وتشويه الحقائق من جهة أخرى.. ولا نغفل انه ربما يكون هناك سعي متعمد لوضع معلومات خاطئة،‏ كما حدث في المانيا النازية حيث نُشرت الشائعات المغرضة عن شعوب من عرق معين أو دين معين.

  يذكر أحد الصحفيين الكبار:‏ «إن نمط العمل في الصحافة هو نمط محموم‏ فالمنافسة شديدة بين الصحف وكل صحيفة تريد ان تكون السباقة إلى نشر الأخبار.‏ فيحرر كثيرون منا،‏ دون تعمُّد،‏ مقالات دون القيام بأبحاث وافية».‏

ولذلك عليك عزيزي القارئ الا تتوقع الكمال والبعد عن الخطأ والسهو أو التعمد لأن هنالك عوامل كثيرة تمنع الصحف من عرض الأخبار والقضايا بموضوعية تامة.. ومع ذلك  الصحف تساهم في إبقائنا مطلعين على ما يجري في العالم ومواكبين للأحداث المحلية والعالمية.. من هنا يبرز دور القارئ النشط الذي يقلب الخبر على وجوهه المختلفة حتى يتحقق من اكتماله وصدقه أو كذبه وادعائه.. وليس مطلوبا منا تصديق أو تكذيب ما نقرأه فى الصحف من أخبار أو ما نسمعه عبر القنوات الفضائية قبل ان نجرى عملية عقلية بسيطة فيما نقرأه أو نسمعه .. والمقصود بالعملية العقلية البسيطة هنا التفكير فيما نقرأ واستخدام أدوات بسيطة تعين القارىء على تفحص الخبر واختبار صدقة وتحلى دائما بفضيلة أنت تكون  شكّاكاً عندما يبدو شيء ما بأنه جيد لدرجة لا تصدق.

الخبر وكيفية التحقق منه

 بداية حتى نتحقق من الخبر لدينا مقياس بسيط يعرفه كل العاملين الصحافة حتى نتحقق من اكتمال الخبر نعرضه فيما يلى :

 الخبر ببساطة يعنى محاولة اخبارنا بحدث وقع أو سيقع سواء كان خبرا  معنويا أو ماديا  وقد تعارف العاملون فى مهنة الصحافة عموما ان الخبر لابد ان يجيب على خمسة أسئلة أساسية:

 ”من” أدلى بالخبر أو التصريح ؟ فعل ماذا ؟ متى ؟ أين ؟ لماذا ؟ويُضاف إليها كذلك سؤال كيف ؟ ..والخبر الذي لا يحتوي على واحدة من هذه الإجابات تنقص مصداقيته وفرصته لأن يكون دقيقًا وموثوقًا لكنه لا يكون كاذبا.. إلى هنا يكون الخبر مكتمل شكلا  اى من ناحية الكتابة أو تحديدا من ناحية الإجابة عن علامات الاستفهام الخمس السابقة .

مصداقية الخبر:

  لكن من حيث المصداقية كيف لنا التأكد من مصداقية الخبر؟!.. هنا  لابد ان نبحث عن مصدر أخر يكون قد أورد نفس الخبر حتى نتأكد من صحته.. وعلى القارئ أن يلاحظ مصدر الخبر ، أى من الذي أدلى به هل مسئول له علاقة بالخبر وذكر اسمه وصفته أم علاقته بعيدة بالخبر لان ذلك يشكل مصداقية كبيرة للخبر.. ثم أحيانا نجد عبارات مثل صرح مصدر مسئول أو مصدر سيادي أو مصدر أمنى .. كل هذه العبارات تُشكل خطرًا على مصداقية الخبر..في معرفة مصدر المعلومة، ودرجة موثوقيتها، والهدف من نشرها. صحيحٌ أن كثيرًا من المسؤولين الرسميين وغيرهم يرفضون التصريح بأسمائهم، لكن ذكر جهة عمل المصدر، أو حيثيته يساهم فى مصداقية الخبر والوسيلة الإعلامية.

معقولية الخبر:

 ثم يتبقى ما نسميه معقولية الخبر ومعقولية حدوثه أى على القارىء النشط ان يتفكر قليلا ويتساءل هل يمكن تصديق مثل هذا الخبر أى يمكن حدوثه.. ولماذا؟! ..وهل مصدر الخبر أى من أدلى به ممن نثق بهم ومعروف لدينا أو حتى من المسئولين مسئولية مباشرة بالخبر.. وهل توقيت نشر الخبر له علاقة بما يجرى من احداث ؟ ام انه خبر ليس له صلة بما يجرى فى الواقع؟ وهل الخبر يعد رسالة تبلغ الجماهير عكس ما يقوله.. وان الخبر هو مجرد غطاء لما يراد قوله.

 مثال لخبر مكتمل الاركان :

((قالت فاطمة فؤاد، رئيس النقابة المستقلة للعاملين بالضرائب على المبيعات، إن النقابات المستقلة للعاملين بالضرائب عقدت اجتماعاً طارئاً بالإسكندرية مساء أمس الأول: إن هناك اتجاهاً قوياً للعودة للشارع كرد فعل على التجديد لوزيرى التخطيط د. أشرف العربى، والمالية هانى دميان، فى الحكومة الجديدة، وأشارت إلى أنها طرحت على المجتمعين دخول العاملين بالضرائب فى إضراب جزئى عن العمل يومى الاثنين والثلاثاء 28 و29 من سبتمبر الحالى[i]، من خلال الحصول على إجازة فى هذين اليومين من رصيد الإجازات، احتجاجاً على التجديد للوزيرين. من جهتها، عبرت «تنسيقية تضامن لرفض قانون الخدمة المدنية» عن استيائها من إعادة تكليف وزيري التخطيط والمالية)).

عزيزي القارئ درب عقلك هنا وامتحن قراءتك فى محاولة الإجابة عن الأسئلة الخمسة التي بها يكتمل الخبر والتى ذكرناها فى البداية ثم المصداقية والمعقولية.

مثال لخبر ناقص الاركان :

((كشفت مصادر حكومية أن د. أحمد زكى بدر سيجرى حركة تغيير فى المحافظين بعد إجازة عيد الأضحى المبارك تشمل 7 محافظين على الأقل من المحسوبين على المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء المستقيل)).

وأيضا هنا تستطيع التدريب على إيجاد ما يؤكد إن الخبر هنا ناقص الأركان.

ملاحظات اخرى حول الخبر:

كثيرا ما تقع وسائل الإعلام في الأخطاء التاريخية والإحصائية..كما لا تراعى الدقة في الأسماء والأحداث،..وكل ذلك مؤشرات تضعف الخبر وتبعده عن محل الثقة ويرفضه القارئ.

 ثم هناك العناوين المُضللة والتلاعب بالتصريحات.. فلا شك ان هناك من يكتفون بقراءة عناوين الجرائد اى عناوين الاخبار ولا يهتمون كثيرا بالتفاصيل.. مما يلقى بمسئولية كبيرة على واضع العناوين بالوسيلة الإعلامية فأي تلاعب بالعناوين بحيث تلعب على جذب القارىء دون مراعاة الدقة يتسبب ذلك فى معلومة مغلوطة تضلل الكثيرين واى محاولة بعد ذلك للتصحيح مشكوك في نجاحها..فهناك قاعدة تقول المعلومات الأولى لها صفة الثبات وتقاوم اى معلومة جديدة فى نفس المجال.. ونكرر العناوين المثيرة والنارية ربما كتبت بالنيات الحسنة لكن الطريق لجهنم مفروش بالنيات الحسنة أيضا.

 كتبت آرييل هارت في مجلة كولومبيا للصحافة ‏(‏بالانكليزية)‏:‏ «في سنوات عملي الثلاث التي كنت اعمل فيها لحسابي الخاص كمدققة للوقائع،‏ لم أر قصة خالية من الأخطاء،‏ سواء كانت مؤلفة من خمس صفحات أو من فقرتين».‏ ومن هذه الأخطاء مثلا «تاريخ غير دقيق؛‏ بيانات قديمة؛‏ أخطاء في التهجئة؛‏ معلومات منتشرة جدا انما خاطئة لعدم اعتمادها على مصادر أصلية))

دقة اللغة ومصداقيتها:

من الأمور المهمة وصاحبة الدلالة على جدية واهتمام وسيلة الإعلام الاهتمام بالتدقيق اللغوي لما يكتب بها أو يقال.. فالأخطاء المتكررة تدل على عدم اهتمام وإشارة صريحة إلى عدم التدقيق بالتالى فى جدية ما ينشر من تصريحات وأخبار.. فقواعد الكتابة السليمة ليست رفاهية لكنها الوسيلة الحقيقية التى تعبر عن شخصية الوسيلة الاعلامية ومدى اهتمامها بكل ما يكتب بها فالصحافة الجيدة يصنعها مراسلون وصحفيون محترفون، وأيضًا مُحررون ومُدققون أصحاب دراية عالية باللغة وباللغة الصحفية.. من هنا لا بد للقارئ من ملاحظة اللغة حتى تكتمل الصورة لديه عن وسيلته التى يتلقى عنها الأخبار.

طرق أخرى للتأكد من صحة الخبر:

 وان كان لديك وقت –ولا اشك فى ذلك – فيمكن  لك التحقق من صحة الخبر عن طريق  موقع «جوجل» الشهير فهو يقدم خدمة للبحث عن الأخبار، والتحقق منها. ادخل إلى «أخبار جوجل»، وابحث عن الخبر الذي تشك فيه بكلمات مفتاحية مثل «مصر – روسيا – ميركل –داعش…»، وأضف الاختيارات التي تريدها مثل نطاق البحث، وطريقة ترتيبه . .كما يمكن الرجوع لتدوينة “شبكة الصحفيين الدوليين” على الانترنت لتجد فيها ما يقرب من 40 نوعا من انواع الانحيازات التى يمكن ان يقع فيها صانعو الأخبار.

الصورة

 التحقق من مدى جودة الصورة:

لاشك ان الصورة فى عصورنا الحديثة من اهم أساسيات الإعلام .. والصورة تقرأ كما يقرأ الخبر ..والقارىء النشط عليه ملاحظ الكثير حتى يتأكد من جدية الصورة وتمثيلها لما صورت من أجله ولم يتم اللعب والعبث بها حتى تؤثر على القارىء بغير حق.. فعليك عزيزى القارىء التأكد من ان الصورة ليست أرشيفية.. وهل ذكر ذلك تحت الصورة أم لا.. ويمكن التأكد من ذلك اذا لم يذكر عن طريق العديد من البرامج على الانترنت خاصة الموقع الشهير جوجل.

ثم التأكد هل خضعت الصورة للبرامج الحديثة التى يمكن لها تغير معالم الصورة  ويمكن ببساطة عن طريق العديد من البرامج اكتشاف ذلك مثلا عن طريق برنامج ، أو بتحميلها على الموقع، سيساعدك في هذا دائمًا؛ لتعرف وقت التقاط الصورة، ومن نشرها لأول مرة، من هنا FotoFornesics.com  أو izitru.com.

نصيحة لقارىء الاخبار  :

 لا تحاول نقل خبر لمجرد انه مثير وغريب قبل ان تتأكد من صحته ..ربما بنقلك  هذا الخبر تساهم في كارثة كبرى وتبلبل الرأي العام وما يصيبك أنت مكروها من ذلك الخبر دون أن تدرى ..فدائما كن حذرا في نقل الأخبار وتأكد منها بكل الوسائل الممكنة .. واعلم انك حين تحاول التأكد من صحة الخبر أن ذلك يفيدك  وينشط ذهنك وعقلك ويبعد عنك خرف الزهايمر.

د.محمود عطية

 

(2)

كيف تقرأ جريدة ،، مصرية؟

4 دروس للقارئ المهتم

فجأة ودون مقدمات وجد متابعو الصحيفة الخاصة المقربة جداً من النظام والمؤيدة للسياسات الأمنية تأييداً مطلقاً ، الصحيفة التى اعتادوا منها أن تهاجم الدولة وأجهزتها الأمنية، وتقول لقرائها إن الشرطة عادت لسابق عهدها قبل 25 يناير، وتزيد فى ذلك بفتح ملفات التعذيب فى أقسام الشرطة والسجون، وتفرد لذلك المانشيتات الحمراء فى الصفحة الأولى والصفحات الداخلية بمساحات كبيرة زاخرة بقصص الانتهاكات الشرطية فى حق المواطنين.

قد تكون المسألة عادية جداً، بالنسبة لقارىء يقرأ هذه الجريدة للمرة الأولي، فالحديث عن انتهاكات الشرطة كثير والقصص المتداولة عنه قد تجدها فى صحف ومواقع كثيرة، لكن من اعتاد على مطالعة هذه الصحيفة لابد أن يجد “إن” فى أدائها مع اعتياده على دفاعها عن الشرطة ظالمة أو مظلومة.

هذا ربما يكون الدرس الأول:

1 – لا تثق أبداً فى صحيفة تقرأها للمرة الأولى.

الصحيفة مثل الصديق تحتاج دائماً إلى مزيد من الوقت والتجارب لكسب الثقة.

لكن هل معنى ذلك أن ما أوردته الصحيفة “إياها” عن انتهاكات الشرطة ليس صحيحاً، ومنقولاً فى أغلبه من محاضر رسمية وتحقيقات تباشرها النيابة، وتقارير لمنظمات حقوقية؟

ستكتشف إن هذه ليست قضية الصحيفة، خصوصاً حين تجد وسط تقارير التعذيب والانتهاك والموت فى أماكن الاحتجاز تقريراً لا يبدو منافساً يجرى طرحه كل يوم من أيام الحملة بأسلوب مغاير ومضمون واحد عن ضابط فى أحد الأكمنة المرورية يتعمد إساءة معاملة المواطنين وإهانتهم.

ما كان غامضاً لم يعد سراً، فالحقيقة إن نجل مالك الصحيفة تشاجر مع ضابط فى أحد الأكمنة المرورية بشرق القاهرة، بعد أن استوقفه الأخير واكتشف أنه يقود سيارة بلا لوحات، وحاول نجل الناشر إرهاب الضابط على طريقة “متعرفش أنا مين وابن مين”، وحين أصر الضابط على إعمال القانون، حاول مالك الصحيفة أن يشكوه عند رؤسائه وينقله من موقعه، ولما رفض المسؤولين فى وزارة الداخلية هذا الضغط، شن هذه الحملة بذات القصص المعروفة سلفاً، وفى قلبها انتقامه الشخصى من الضابط، وكأنه يقايض الشرطة عليه.

أحياناً تخوض الصحف معارك شخصية تخص ملاكها أو القائمين عليها ثم تقدم لك هذه المعارك فى ثوب واسع وكأنها حملة للدفاع عن الصالح العام، أو انحياز منها لقضايا جماهيرية.

وهنا يمكن أن نتحدث عن الدرس الثانى:

2 – اعرف الكثير عن صحيفتك المفضلة

إذا ارتبطت كقارئ بصحيفة من الأنسب لك أن تعرف كل ما تستطيع أن تعرفه عنها، من هو مالكها الأهم؟ وما هو نشاطه فى عالم الأعمال؟ ومن هو رئيس تحريرها؟ وما مدى تدخل الإدارة فى أعمال التحرير أو فصل الإدارة عن الملكية إن حدث، وهل رئيس تحريرها متفرغ أم يعمل فى وظائف آخرى لدى أصحاب أعمال آخرين؟ أم له أعمال تجارية خاصة؟ وهل تمنع الصحيفة محرريها من جلب الإعلانات أو العمل كمستشارين إعلاميين فى الوزارات أم تسمح لهم بذلك؟

صحيح أن كثير من هذه المعلومات غير متاح، لكن البعض من السهولة الوصول إليه من خلال المتابعة طالما قررت الارتباط بصحيفة، ونالت بجهد محرريها وبأسلوب صياغتها للأخبار، وبانحيازاتها فى عرض الأخبار قدراً من ثقتك.

لماذا يبدو ذلك مهماً؟

ببساطة تستطيع أن تفهم إذا امتلكت معلومة واضحة إن صحيفتى “الشرق الأوسط” و”الحياة” اللندنيتين، مملوكتين لاثنين من أمراء العائلة السعودية المالكة – الأولى مملوكة للملك شخصياً، أن تغطيتهم للشأن السعودى أو للقضايا الرئيسية التى تبدو حكومة الرياض لاعباً رئيسياً فيها، تعبر بقدر كبير عن هذه المواقف الرسمية رغم تقديمها فى قالب مهنى مميز. هنا يمكنك أن تعتمد على الصحيفتين فى الأخبار الدولية، وأن تحتاط خطوة فى أن تكون الصحيفتين مصدرك الوحيد لأى أخبار يمثل الدور السعودى فيها محور رئيسى.

بطبيعة الحال لا تملك الصحف المصرية جميعها حرفية الصحيفتين اللندنيتين فى ترويج انحيازاتها فى قالب مهنى، وبالتالى يسهل ضبط ذلك بقليل من المعرفة.

يكفى أن تعرف إن مالك صحيفة يعمل فى مجال البترول لتمنح نفسك قدراً من الشكوك فى استقبالك لأخبار الجريدة عن قطاع البترول، ربما تكون هذه الأخبار موجهة بالسلب أو الإيجاب لخدمة أغراض مالك الصحيفة.

هناك ملاك للصحف يعملون فى مجالات الزراعة والدواء والمقاولات والسياحة والمدارس والجامعات الخاصة وغير ذلك من الأنشطة الاقتصادية، وامتلاكك معلومة واحدة عن نشاط المالك يكفى أن تقرأ بقدر كبير من الحذر تغطيات الصحيفة لهذا القطاع.

وهنا يأتى الدرس الثالث:

3- ثق بقدر من الحذر فى صحيفتك المفضلة.

قبل أشهر تفجر جدل كبير حول خبر إقالة الرئيس السابق لإحدى الشركات العامة الكبرى، وزخرت الصحف بتعليقات وتكهنات وسيناريوهات حول الصراعات داخل الوزارة التابعة لها الشركة، وبين الرئيس السابق للشركة وشركات القطاع الخاص العاملة فى المجال، وسط هذا الجدل نشر رئيس تحرير صحيفة خاصة بنفسه تقريراً مفصلاً على صفحة كاملة عن هذه الأزمة اتخذ بوضوح صف الرئيس السابق للشركة.

ليست القضية الآن هى تفاصيل القضية وهل الرجل ظالماً أم مظلوماً، لكن القضية تكمن فى أن مالك الجريدة التى كتب رئيس تحريرها صفحة كاملة فى صف أحد أطراف القضية، يرتبط بصلة قرابة وثيقة جداً بالرئيس السابق للشركة، وهذه الصلة معروفة وسط قطاع العاملين فى المجال على الأقل.

هذه المعلومة إن كنت تعرفها ستحول تقرير رئيس التحرير إلى صفحة شبه دعائية، وإذا كنت لا تعرفها ستستقبل ما فيها من معلومات باعتبارها جهد صحفى نزيه تماماً، لكن شبهات خدمة المصالح الخاصة تبقى قائمة، فمن ناحية لم تعلن الصحيفة علاقة القرابة بين المالك وأحد أطراف القضية، وبات معروفاً مصدر المعلومات التى حصل عليها رئيس التحرير، ولماذا يكتب صفحة كاملة بنفسه؟

بذات المنطق يمكنك أن تسمع عن محرر مكلف بتغطية نشاط وزارة ما، وفى الوقت نفسه يعمل لدى نفس الوزارة مستشاراً إعلامياً أو مسؤولاً عن إصدارات تصدر عن هذه الوزارة، وهى معلومات أغلبها معلن، ما يجعلك مقتنع أن مثل هذا المحرر لن يحاول أن ينشر خبراً سلبياً واحداً عن الوزارة التى يعمل بها، وربما يروج لها ويدافع عنها بين سطوره لتمرير معلومات مقصودة إلى عقل القارئ.

وهذا يعنى إنه مطلوب منك أن تمارس لعبة الاستبعاد من جريدتك المفضلة، فتحدد قطاعات بعينها لا يجب أن تسلم عقلك كاملاً فى متابعتها، ويمكن أن تحاول تعزيز مصادر معلوماتك فى هذه القطاعات بمصادر آخرى غير الجريدة سواء صحف آخرى أو مواقع الكترونية، وأن تستبعد مواد بعينها أو تمر عليها باعتبارها مواد دعائية أو غير ذات تأثير، كأن تجد صحيفة تنشر أخباراً أو حوارات أو تصريحات تخص أحد ملاكها أو المرتبطين بمصالح معها، أو تجد رئيساً للتحرير يعمل فى الوقت نفسه مقدماً للبرامج فى قناة مملوكة لمالك غير مالك صحيفته، فينشر أخباراً عن مالك القناة أو يجرى حوارات معه.

وإذا كان كل ذلك يحتاج إلى توافر معلومات كثيرة قد لا تجدها متوافرة بسهولة أمامك، هنا يمكن أن تتصرف كطالب فى كلية صحافة وهذا هو الدرس الرابع:

4- طبق قواعد الخبر على المنشور أمامك

يدرس طلاب الصحافة عناصر ومكونات أساسية للخبر جرى تلخيصها فى الاستفهامات التالية:

- ماذا؟ – من؟ – متى؟ – أين؟ – كيف؟

يضاف إلى ذلك ما يسمى الخلفية والسياق، وكما ترى فهذه الاستفهامات تبدو كخارطة طريق للخبر، تحدد ماذا جرى، ومن الفاعل أو الفاعلين فى الحدث، وزمن وقوع الحدث ومكانه، وكيف جرى ما جرى، وما سياق ذلك وخلفيته إن كان الخبر تداعياً لأحداث سابقة.

إذن ما عليك سوى أن تقرأ الخبر بعين فاحصة، لتحدد هل تكتمل فيه العناصر كلها أم غاب بعضها، وما تأثير هذا الغياب، فلا يمكن أن تقبل خبراً عن حدث لا تذكر لك الصحيفة زمانه أو مكانه أو الفاعلين فيه، أيضاً لا يجب أن تثق كثيراً فى خبر يتحدث عن طرف دون أن يسمح له بالرد داخل ذات الخبر، أو يحدثك عن صراع بين طرفين فيما هو يتحدث لطرف واحد فقط ويتجاهل الثانى.

يمكنك بهذه الآلية أن تكشف الكثير من الأخبار المدسوسة، وسأذكر لك مثالاً:

- ظهر فى صحف ومواقع تصريحاً منسوب للبروفيسور والفيلسوف الأمريكى نعوم تشوميسكى، يظهر فيه دعماً واضحاً لنظام الإخوان ويهاجم بعنف حكام الإمارات فى وقت كان هناك تراشق تصريحات بين قيادات إخوانية ومسؤولين إماراتيين.

لكن ما لاحظته لدى القراءة المبدئية، إن الخبر لم يتضمن الزمن الذى خرجت فيه هذه التصريحات ومكانها، ولم يظهر إن كان قد قال ذلك كتصريح خاص، أو فى محاضرة، ولم يظهر عن من نقلت هذه الصحف والمواقع هذا الخبر، وبمجهود بسيط دخلت على موقع تشوميسكى فلم أجد أثراً لمثل هذه التصريحات، ودخلت على موقع جامعة كولومبيا فلم أجد محاضرة تخص الشرق الأوسط للفيلسوف الكبير، وتتبعت المصادر التى نقلت الأخبار، فوجدت أنها جميعاً تنقل عن موقع صغير تابع لحركة حماس فى قطاع غزة، وكانت كل تلك عوامل تجعلنى أشك فى الخبر، لكنها بدأت بملاحظة غياب أحد العناصر الرئيسية عن الخبر (الزمان والمكان والمصدر).

قس على ذلك الرسالة التى نُسبت لنيلسون مانديلا عقب ثورتى تونس ومصر وتدعو الثوار فى البلدين الى التسامح مع أفراد النظامين المخلوعين، ونفاها مكتب مانديلا بعد ذلك بعد أن راجت فى الصحف العربية، وكانت أيضاً خالية من الزمان والمكان وغير منسوبة لمصدر محدد، فلم تحدد هل قال مانديلا ذلك لأحد أم أصدر بيان أم أجرى حواراً؟

الخلاصة إن الصحافة فى مصر كما تحتاج إلى تدريب المنسوبين لها على الممارسات المهنية والنزيهة فى بناء القصص الإخبارية، تحتاج أيضاً إلى تدريب القارئ والمتلقى على بعض المهارات التى تسمح له بفرز الأخبار إن كان يريد من الصحافة الحقيقة، وليس مجرد دعم انحيازاته بأي شكل حتى لو كانت أكاذيب صارخة أو بعض الحق مع كثير من الأباطيل.

ويبقى الدرس الأهم.. قليل من الحذر يكفى.

أحمد الصاوى


[i] كتب هذا الموضوع في سبتمبر 2015

للاطلاع علي النسخة pdf أضغط هنا

للاطلاع علي النسخة word أضغط هنا