كتب anhri      
 

تليفون من جهة سيادية

عن حجب ومصادرة الصحف المصرية بعد صدور الدستور

 

مقدمة

في المشهد التقليدي يقتحم أفراد تابعون لجهة أمنية ما دارا للطباعة فيأمرون بوقف الماكينات عن العمل ويطالبون بتسليمهم كافة النسخ التي تم طباعتها من صحيفة ما ثم يذهبون بها إلى حيث لا يعلم أحد كيف سيتم التعامل معها. في المحصلة لن تكون نسخ هذا العدد من الصحيفة متاحة في الأسواق في صباح اليوم التالي، لقد تم ببساطة “مصادرتها”.

هذا المشهد تكرر تاريخيا في دول عديدة ولا يزال يتكرر في بعضها حتى اليوم، ولأنه الأكثر شيوعا فإن مصطلح المصادرة يبقى هو الأكثر استخداما عند الحديث عن تدخل السلطة لمنع صحيفة من الصدور والتوزيع بسبب رغبتها في ألا يصل بعض أو كل محتوى هذه الصحيفة إلى الجمهور. وبسبب شيوع هذا الشكل المباشر للمصادرة ووضوح الجهة المسؤولة عنه فهو أيضا ما تأخذه الدساتير والقوانين في اعتبارها في موادها الهادفة إلى حماية حرية الصحافة. ولا يختلف الدستور المصري في نسخته الأخيرة بعد تعديلاته التي أصبحت نافذة في يناير 2014 عن غيره من الدساتير الحديثة في هذا المجال فهو ينص في المادة رقم 71 على أنه “يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها …” ووفق هذه المادة يكون المشهد التقليدي لمصادرة الصحف على أيدي جهات رسمية في الدولة وبموجب قرار إداري معلن أو ضمني إنتهاك واضح ومباشر للدستور.

في مصر كانت العادة قبل ثورة 25 يناير 2011 ألا تأخذ عمليات حجب الصحف ومنعها من التوزيع هذا الشكل التقليدي. فمع التكامل الوثيق بين أجهزة الدولة الأمنية وبين مؤسسات الصحف القومية المالك الوحيد للمطابع الملائمة لطباعة الصحف وكذا لشركات التوزيع القادرة على توزيع هذه الصحف في أنحاء الجمهورية لم تحتج الأجهزة الأمنية إلا في حالات نادرة إلى التدخل المباشر بواسطة رجالها وبموجب قرار واضح لمصادرة صحيفة خاصة أو قومية بهدف منع نشر بعض أو كل محتويات أحد أعدادها. كان المعتاد هو أنه ليس على الجهة الأمنية أكثر من أن تطلب من المؤسسة المسؤولة عن الطباعة ألا تطبع أو ألا توزع العدد الذي ترى فيه المشكلة.

وفي جميع الحالات كانت الاستجابة فورية ودون نقاش. وعلى مسؤولي الجريدة المحجوبة حينها يقع عبء الاتصال بالجهة الأمنية للتفاوض على ما يمكن فعله للتمكن من إخراج العدد الممنوع إلى النور. وفي العادة كانت المطالب يستجاب لها ويتم التعديل المطلوب لتعود ماكينات الطباعة إلى العمل ويتم توزيع العدد متأخرا بعض الوقت.

لفترة قصيرة في أعقاب ثورة 25 يناير افتقدت السلطة وأجهزتها الأمنية لبعض الوقت هذا التكامل الوثيق مع أليات طباعة وتوزيع الصحف برغم أنها ظلت في مجملها مملوكة للدولة فيما عدا استثناء وحيد غير مؤثر (تمتلك مؤسسة المصري اليوم مطبعتها الخاصة ولكنها لا تمتلك شركة توزيع). وقد استمر هذا الوضع الجديد في ظل حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي حتى تم عزله في 3 يوليو 2013. ومع النظام الناشيء عن تفاهمات يوليو في عهد الرئيس المؤقت عدلي منصور ثم في أعقاب انتخاب الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، استعادت السلطة ما تمتعت به سابقا من تكامل وتوافق تام بين أجهزتها الأمنية وبين المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة وعادت الأوامر الشفاهية بالتليفون من جهة سيادية مجهلة لتلعب دورها السابق في حجب الصحف عن الصدور، في حين يبقى اللجوء للمصادرة المباشرة أمرا نادرا تمليه ظروف خاصة. كأن تصل بعض نسخ الصحيفة إلى الأسواق بالفعل قبل تنبه الجهة الأمنية المعنية إلى أن فيها ما ترغب في منعه من النشر، أو أن طباعة الصحيفة المستهدفة تتم خارج مطابع المؤسسات القومية (ويقتصر هذا عادة على الدوريات ذات تكاليف الطباعة المنخفضة والتي تصدر في عدد محدود من النسخ).

يُدخل هذا المنهج معظم وقائع حجب ومنع الصحف في مصر في منطقة رمادية قانونا. فرغم أن مسؤولية جهة أمنية (سيادية) ما عن المنع تكون معروفة ولا يتردد أغلب ملاك ورؤساء تحرير الصحف المحجوبة عن التصريح بها إلا أنها في حكم القانون تبقى مسؤولية مدعاة في حق جهة مجهولة. فلا يوجد أمر كتابي أو حتى شفاهي رسمي، ومع تنصل المؤسسات القومية من المسؤولية عن حجب أو منع أي صحيفة تطبع بمطابعها إلا أنها لا تنكر صراحة أن استجابتها للأوامر الموجهة إليها من الجهة السيادية المجهولة كانت في الواقع طوعية وربما طبيعية! وعلى جانب آخر يصعب إن لم يكن يستحيل تحديد الجهة السيادية المجهولة على وجه الدقة دون تعاون المؤسسات القومية وهو تعاون لن يتم. ويظل تحديد هذه الجهة رهنا بالتخرصات والتوقعات غير المثبتة، ففي الحقيقة لا وجود لما يسمى بالجهات السيادية بشكل رسمي. يوجد فقط وزارات سيادية هي تلك التي ينص الدستور على إنفراد رئيس الجمهورية بتعيين وزرائها. بخلاف ذلك فإن الجهات السيادية هي مسمى غير رسمي يطلق على عدد من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي قد يعددها المطلعون على الأمور على اختلاف فيما بينهم في تحديدها.

يبقى أن الانتهاك في كل حالة من حالات الحجب أو المنع قائم، ورغم تعذر إقامة المسؤولية القانونية المباشرة للدولة ومؤسساتها في أغلب الحالات بصفتها المنتهك المباشر لحرية الصحافة والنشر، فإن ما لا يمكن للدولة أن تتنصل منه هو مسؤوليتها الدستورية عن حماية حرية الصحافة ومنع تدخل أي جهة رسمية أو غير رسمية بالمنع أو الحجب أو غيرهما مما يعد افتئاتا على الحق في حرية الرأي والتعبير باستخدام سبل العلانية ومنها النشر. ولا سبيل لأن تنكر سلطات الدولة التنفيذية والقضائية ممثلة في النيابة العامة المنوط بها التحقيق في كل انتهاك لمواد القانون يصل إلى علمها، تخاذلها عن أداء ما يلزمها به القانون من التحقيق في وقائع المنع والحجب والكشف عن الجهات التي تورطت فيها وعقابها.

ويفرض علينا هذا النمط الشائع من استخدام مؤسسات السلطة لقنوات غير رسمية توفرها سيطرة الدولة على البنية التحتية للنشر الصحفي، أن نتوسع في تعريف مفهوم مصادرة الصحف مع تعديل المصطلح نفسه ليصبح أكثر تعبيرا عن الواقع المصري. فالشائع في مصر هو الحجب والمنع وليس المصادرة، ويشمل المفهوم بهذا المعنى كافة الحالات التي تم التدخل فيها من قبل جهة ما للحيلولة دون نشر محتوى صحفي، والذي قد يتم بوقف طباعة أو توزيع الصحيفة أو بمنع نشر المحتوى (التقرير الصحفي أو مقال الرأي إلخ) قبل إعداد الصحيفة للنشر أو بوقف نشر مقالات كاتب بعينه توقعا لأن يكون محتوى مقالاته مخالفا لهوى الجهات المعنية. ويدخل في مفهوم المنع والحجب أيضا لجوء بعض المؤسسات للدعاوى القانونية ضد المؤسسات الصحفية كوسيلة لإرغام هذه المؤسسات على ممارسة رقابة ذاتية على ما تنشره من محتوى تجنبا للملاحقات القانونية وما تجره من تكاليف مادية واضرار معنوية.

في إطار التعريف السابق توضيحه تسعى هذه الورقة إلى عرض وقائع الحجب والمنع والمصادرة التي تعرضت لها صحف وصحفيون وكتاب مصريون خلال الفترة اللاحقة على عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، مع التركيز بصفة خاصة على الفترة التي تلت دخول الدستور المصري حيز التنفيز بعد إقراره في يناير 2014. وتقدم الورقة حالات منع طبع وتوزيع الصحف على سبيل الحصر فيما تعرض للأمثلة البارزة لحالات الدعاوى القانونية ضد الصحف من قبل مؤسسات الدولة وكذا لحالات استهداف مقالات بعينها أو لكتاب بذاتهم بالمنع.

“تليفون من جهة سيادية” word

 pdf “تليفون من جهة سيادية”