شوكان.. قصة 5 سنوات حبس بسبب “صورة” لم تلتقط: اشتقت للكاميرا لا تديروا ظهوركم لي.. أنا لست مجرما (بروفايل)

5 سنوات إلا أسابيع قليلة، قضاها المصور الصحفي محمود عبدالشكور (شوكان)، والذي كانت كل تهمه “حب الكاميرا” وحملها لرصد ما يحدث، 5 سنوات لم يستطع شوكان فيها حمل الكاميرا أو “رؤية السماء”.

شوكان مصور صحفي يبلغ من العمر 29 عاما، تخرج من أكاديمية أخبار اليوم “قسم صحافة”، عام 2010، وبدأ بالتدريب لمدة ستة شهور في جريدة الأهرام المسائي بالإسكندرية وهو مازال طالبًا، ثم عمل مصور صحفي حر مع عدد من الصحف الاجنبية.

ومن المقرر أن تحكم محكمة جنايات القاهرة، برئاسة المستشار “حسن فريد”، بعد غد السبت، في القضية المتهم فيها ما يقرب من 739 متهما، بينهم مرشد الإخوان وخيرت الشاطر وآخرين.

تم القبض علي المصور الصحفى محمود عبد الشكور أبو زيد “شوكان” بتاريخ ١٤ أغسطس ٢٠١٣، أثناء قيامه بعمله الصحفي بتغطية أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، بناءً على الدعوة التي وجهتها وزارة الداخلية للصحفيين والإعلاميين والنشطاء المهتمين لمتابعة عملية فض الاعتصام.

اعتقلت قوات الأمن شوكان وعدد من المصورين والصحفيين المصريين والأجانب فى الساعات الأولى من عملية الفض وتعرض لانتهاكات عديدة أثناء القبض عليه، بالضرب، ثم بتجريده من كافة معداته، واعتقل مع كثيرين في استاد القاهرة ثم أطلق سراح المصورين والصحفيين الأجانب لاحقا.

قدم شوكان لأجهزة الأمن وقت إلقاء القبض عليه كل الأدلة والشهادات التي تثبت أنه لم يشارك في اعتصام رابعة، وإنما تواجد بصفته صحفي، وقدم خطابًا من وكالة أنباء “ديموتكس” الذي أرسلته للسلطات المصرية تؤكد فيه أن شوكان كان يغطي الأحداث لصالح الوكالة وليس مشاركًا فيها، إلا أن السلطات المصرية أصرت على تجاهل هذه الحقيقة وقررت مد فترة حبسه.

في سبتمبر 2013، أمر النائب العام بتجديد حبس شوكان في القضية المعروفة إعلامياً باسم “أحداث فض اعتصام رابعة”، والتي تحمل رقم 15899 لسنة 2013، إداري أول مدينة نصر، بعد أن وجهت له النيابة العامة تهما بـ”القتل والتجمهر والإنتماء لجماعة الإخوان المسلمين”.

وحرم شوكان من توفر شروط المحاكمة العادلة، حيث منع محاميه من تصوير أوراق القضية، أو الاطلاع عليها، أو حتى الحضور معه في بعض التحقيقات، فضلاً عن عدم إعلامه بمواعيد بعض التحقيقات أو تغييرها بدون سابق إنذار، واستمر تجديد الحبس تلقائيا دون محاكمة لمدة عامين كاملين بالمخالفة للمادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية.

وبعد أول تجديد، دخل شوكان في موجة من التجديد، ما زالت مستمرة حتى كتابة هذه الكلمات.

وبالتزامن مع جلسة النطق بالحكم، طالبت منظمة مراسلون بلا حدود، بالإفراج الفوري عن شوكان. وقال كريستوف ديلوار: “إن صحافيا شابا يتعرض اليوم لعقوبة الإعدام لمجرد توجهه لتغطية للمذبحة التي جرت في عام 2013”.

وقالت المنظمة إن شوكان يواجه تهما قد تصل للاعدام لمجرد إنه مارس عمله الصحفي داعية لإصدار حكم بتبرئته.

وقالت المنظمة إن الحكم على شوكان بالسجن، سيكون بمثابة هجوم بغيض على حرية الصحافة. أما في حالة صدور الحكم عليه بالإعدام، فسيكون ذلك بمثابة إهانة تشوه نظام السيسي إلى الأبد”.

وتعرض شوكان لعدة مشاكل صحية نتيجة حبسه في ظروف غير ملائمة وحرمانه من تلقي الرعاية الطبية المناسبة، حيث يعاني من التهاب الكبد، والأنيميا الحادة، وانخفاض معدل السكر في الدم، وتقدمت عائلته بما لا يقل عن 17 التماسا إلى النائب العام للإفراج عنه لأسباب صحية، ولكن دون جدوى.

ويواجه هذا المصور الصحفي عقوبة قد تصل إلى  حدَّ الإعدام، حيث وجهت له تهمًا من بينها القتل ومحاولة الاغتيال والانتماء لجماعة محظورة (الإخوان المسلمين).

ومُنح شوكان الجائزة الدولية لحرية الصحافة،  في عام 2016 على مجمل أعماله الصحفية واستمرار اعتقاله، إلى جانب ثلاثة صحفيين آخرين من الهند وتركيا والسلفادور.

وفي 23 ابريل الماضي، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) منح “شوكان”، جائزة اليونسكو الدولية لحرية الصحافة لعام 2018، على أن يتسلمها في مطلع مايو الماضي.

بينما انتقدت السلطات المصرية، اعتزام اليونسكو منح الجائزة لشوكان الذي يحاكم بـ”تهم جنائية”، معتبرة أن هذا الأمر يمثل “استخفافا بدولة القانون وتسيسا للمنظمة الدولية”.

وعبرت الخارجية، في بيان رسمي نشر آنذاك، عن “أسفها الشديد” لنية اليونيسكو منح الجائزة لشوكان، معتبرة أن ذلك يأتي بدافع من “منظمات غير حكومية تحركها دولة قطر المعروفة بمساندتها لجماعة الإخوان المسلمين”.

وهذه مختارات من بعض رسائل شوكان

ثقب أسود

“بعد أكثر من 850 يومًا في ثقب أسود دون إنصاف أو عدالة، ضعت في طي النسيان، فقط لأنني كنت أؤدي عملي كمصور، أنا في السجن دون حتى أن أعرف لماذا أنا هنا، أصبحت شخصًا يائسًا تمامًا، هذه هي شخصيتي الجديدة، لكن مع ذلك سأقاوم بسببكم فقط، بسبب جميع الناس الذين دعموني وساندوني ووقفوا إلى جانبي، أنتم تشعرونني بأنني لست وحيدًا، بكم استمد قوتي وطاقتي، وبدونكم لن أستطيع تجاوز ما أنا فيه”.

صحفي أعاقب بالسجن

“مَن أنا.. شوكان “محمود أبو زيد”. مصور صحفي حر، أعاقب بالسجن لأنني رغبت أن أقوم بعملي التوثيقي، ولأني مصور حر، فلا أحد سمع بما يحدث وحدث لي، وها هي ضريبة أنني أعمل كمصور (حر)، أدفع ثمنها من عمري، لكني واثق من الفرج ومتفائل للمستقبل”.

لا أستطيع رؤية السماء

وفي رسالة أخري لشوكان يصف الحياة داخل طرة قائلاً: “لا أستطيع أن أرى السماء بوضوح دون شَبَكة الحديد والقُضبان، لا يَسَعني رؤية السماء إلّا من ثُقب صَغير في السَقف، الحديد يُسيطر علي المكان هنا، أبواب حديدية ثقيلة و غُرفَة مُظلِمة .. مُظلِمة مِثل القَبر”.

أحلامي بلا ألوان

لقد اشتقت إلي الكاميرا، اشتقت إلي سبب بلائي ومصيبتي، اشتقت أن أمسكها بين يدي لأرى الحياة بها ومن خلالها، اشتقت أن أتركها مساءً علي وعد اللقاء بها صباح اليوم التالي، اشتقت أن أستنشق عبيرها في الصباح قبل قهوتي، نعم -وللأسف- اشتقت إلي عملي، هذا الذي كلفني ولازال يكلفني أياما من عمري”.

وتابع شوكان في رسالته :”هل تعرفون ما يؤلم أكثر من الأربعة جدران والمرض؟ إنها الأحلام ، أحلامي أثناء نومي بلا ألوان سوي الأبيض الذي أصبحت أمقته، وبلا أشخاص سوي زملاء 16-د طرة استقبال وسجانيها، وبلا أي إثارة ومغامرة سوي الأجزاء المتعلقة باشتداد المرض علي والموت، تخلل القهر وقلة الحيلة إلي أحلامي يقتلني، ما أريد قوله أن أحلامي هنا متعلقة بحاضري الذي أعيشه فقط، بلا ماضي، وبلا مستقبل، نعم أحلامي بلا مستقبل”.

كما وجه شوكان في رسالته نداءً لنقيب الصحفيين يحيى قلاش قائلاً: “إلي نقيب الصحفيين يحيى قلاش هل لك أن تنتشل ما تبقى من روحي من هذه المقبرة؟ إلي الصحفيين المصريين هل لكم أن تنقذوني؟”

السجن بمختلف أشكاله

أما عن رؤيتى للصحافة فى مصر، فأصبحت جريمة بكل المقاييس فيعاقب الصحفي بالسجن بمختلف أشكاله وعقوباته، سواء بالمؤبد أو نصف المؤبد أو الحبس الاحتياطي لفترات طويلة، لمجرد أنك تنتمي لمهنة الصحافة”.

فهذا يعنى (فقط فى مصر) أنك طرف في الصراع السياسي، فأنا فقط مصور صحفي، وكنت أغطي المظاهرات من جانب قوات الأمن، وهي ليست المرة الأولى التي أكون فيها واقفا بجانب قوات الأمن، وذلك لتأمين حياتي ومعداتي، وفجأة ألقى القبض علىّ أنا والصحفيين الأجانب، وفجأة تم الإفراج عن زملائي الصحفيين في نفس اليوم، وفجأة أصبحت مجرما.

لفقت لي تهم تصل عقوبتها إلى الإعدام، ليس هذا فقط، بل ووجدت نفسى عضوا فى جماعة الإخوان، والآن البعض يظنون أني محسوب على هذا التنظيم وما زال البعض ينظر إلىّ هكذا، ذهبت لأغطى الفض، إذن فأنا من الإخوان! لم أشعر بحكم الرئيس السيسي بسبب وجودي بين جدران السجن الأربعة، ولكن ما يصلني من أخبار في زيارة أهلي الأسبوعية هي أخبار محزنة، وأيضا ما يحدث معي هنا، فتم التضييق علىّ في السجن، وأعامل كمجرم ولست كصحفي، ممنوع من زيارة الأصدقاء، ممنوع دخول الكتب”.

داعش وممارسات السلطة

أتساءل، ترى ما هو الفرق بين ما تفعله داعش في الصحفيين، وممارسات السلطة من قتل واعتقال وضرب وسحل وسرقة كاميرات واحتجاز وتهديد وتلفيق تهم، وأيضا أتساءل، العالم انقلب على داعش معلناً الحرب ضدها، ولم يدِن ما تفعله السلطات المصرية هنا من انتكاس في حقوق الإنسان واعتقال وقتل”.

أين زعماء العرب؟

“أين زعماء العالم الذين تظاهروا في باريس احتجاجا على مقتل رسامين صحفيين، مطالبين بإصرار على حق حرية التعبير و حرية الصحافة، أنا أعيش فى زنزانة عفنة تحت ظروف قاسية لا يحتملها الحيوان وتم قذفي بتهم لا صحة لها وخلطي مع المتظاهرين ممن تم القبض عليهم، أطلب من كل وسائل الإعلام والصحفيين في كل العالم بدعمي والوقوف جانبي والضغط على الحكومة المصرية لاطلاق سراحي.

أغيثوني.. أثابكم الله

“في طريقي لليوم 550 في الحبس “الاحتياطي”، حبس ليس له لون أو طعم أو شكل ولا حتى رائحة، ولا منطق!، بلا منطق، بلا محاكمة، بلا قانون، مجرد تهم على ورق تم قذفي بها دون تحقيق، وقت يمر ويمضي وعمر ضائع بين أربعة جدران”.

وتابع: “بلا منطق، كنا 900 متهم، وبلا منطق أصبحنا 300 متهم، وبلا منطق خرج زميلي مراسل الجزيرة عبدالله الشامي، الذي كان معي في نفس القضية، بل وفي نفس الزنزانة أيضاً، وبلا منطق مازلت محبوسًا، بينما هو حر طليق، ليس ذلك لعدالة القانون أو وجود تحقيق نزيه، بل لوجود مؤسسة إعلامية كبرى تقف بجانبه”.

وفي 10 أكتوبر 2016، بثت «صحفيون ضد التعذيب»، مقطع فيديو لـ«شوكان»، عرضت فيه جانب من المعاناة التي يمر بها المصور الصحفي بسجن طرة. بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد الـ29 داخل السجن آنذاك.

الفيديو عبارة عن مقتطفات من شعر كتبه شوكان داخل السجن، وجاء فيها:

اشتقت إلى الكاميرا إستقت إلى الكاميرا

اشتقت إليها إلى سبب بلائي ومصيبتي

الحياة داخل السجن كابوس لا يناهي ثقب أسود أنا عالق به

أسألكم ببساطة الآن وقد عر فتوني

لا تديرو ظهوركم أرجوكم

أنا مصور صحفي ولست مجرما