هذه الموضوعات صادرة عن :

اللجنة العربية لحقوق الإنسان
اللجنة العربية لحقوق الإنسان

الرئيسية »» دولية و إقليمية »» اللجنة العربية لحقوق الإنسان


تقرير أول عن المراقبة الدولية
في محاكمة نشطاء إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي


2/9/2008

أعده الدكتور هيثم مناع
المتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان

دمشق من 16/8/2008 إلى 30/8/2008

توطئة

بتكليف من اللجنة العربية لحقوق الإنسان والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان والمرصد الفرنسي لحقوق الإنسان، وبالتنسيق مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان ومقرريها المعنيين، وبمساعدة من مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية ومنظمات حقوقية سورية، قصدت في 26-08-2008 قاعة محكمة الجنايات الأولى في العاصمة السورية لحضور الجلسة. وكانت مخصصة للاستماع للإدعاء العام وللدفاع في القضية المعروفة بمحاكمة قياديين من "إعلان دمشق" عقدوا اجتماعا عاديا في 1/12/2007 في منزل السيد رياض سيف.

ننوه بداية إلى أن هذا التقرير هو أولي، أي أنه يشكل مدخلا لتقرير شامل يجري إعداده لتقديمه للسيدة المفوضة السامية لحقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان في جنيف واللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوربي والأمين العام لجامعة الدول العربية والمؤسسات غير الحكومية وبين الحكومية المختصة كذلك نسخة إلى رئاسة الجمهورية العربية السورية.

مدخل للقضية

في 1/12/2007 ، اجتمع 163 ناشطاً من أعضاء إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي لانتخاب مجلس وطني لإعلان دمشق وخمسة أعضاء لقيادة المجلس من المجموعة. ضم الاجتماع طيفاً واسعاً من المعارضة السياسية إضافة لنشطاء قياديين في مجال حقوق الإنسان، والداعمين لوثيقة "إعلان دمشق". هذا الإعلان الذي دعى لمنح الحقوق الأساسية والحرية للسوريين جميعاً، وللتقيد التام بالاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وإحقاق الديمقراطية وسلطة القانون.

على إثر ذلك الاجتماع، تم اعتقال أو استدعاء أكثر من 40 ناشطاً، ومن ثم الاحتفاظ بـ 12 منهم وتحويلهم إلى السجون المدنية، حيث تجري محاكمتهم حالياً. علماً أن هناك رصد ومتابعة لملاحقات وتوقيفات أخرى لأعضاء في المؤتمر خارج هذا الملف القضائي.

قبل الجلسة

قبل جلسة المحكمة، قمت بالإتصال بعدد من محامي الدفاع وعائلات المعتقلين ومسؤولي منظمات سورية لحقوق الإنسان وشخصيات قانونية. كذلك بعدد من المشاركين في الاجتماع نفسه، للتأكد من بعض المعطيات والشكاوى والاعتراضات الواردة في رسائل تلقتها اللجنة العربية لحقوق الإنسان. وهي تتعلق بقضايا جوهرية تشكل مخالفة صريحة للدستور السوري والتزامات سورية في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. بالخصوص فيما يتعلق بالعلاقة بين المعتقل والمحامي، ظروف التحقيق، ظروف الاعتقال والمحيط الطبيعي للسجين السياسي، وبالوضع الصحي والتعامل معه من قبل السلطات الأمنية. كذلك من أجل تحديث المعطيات الخاصة بالتقرير الصادر عن مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية. واستيضاح بعض الجوانب القانونية من استاذين في كلية الحقوق في جامعة دمشق وعدد من القضاة السابقين والمحامين. كذلك التقيت مسؤولاً سياسياً رفيع المستوى للاستماع إلى وجهة النظر الحكومية في هذا الملف والمعطيات المقدمة من مراسل ومحرر موقع النداء.

يمكن تلخيص نتائج جلسات الاستماع التي سبقت الجلسة، بتركيز الأطراف الحكومية على الجانب القانوني وتقديم وثائق ليس لها علاقة بجلسة المؤتمر موضوع الاتهام، والتذكير بذلك بمناسبة وغير مناسبة على القول: (مع العلم بأن سورية مستهدفة من عدة أطراف إقليمية ودولية، وحالة الطوارئ لم ترفع بعد والقضاء العادي في سورية مستقل عن السلطة التنفيذية).

لقد تأكدت لي جملة المعطيات الخاصة بأوضاع المعتقلين، بما في ذلك شهادة من سجين حق عام خرج من السجن وكان في مهجع يضم إثنين منهم. كذلك وفر لي الأستاذان حسن عبد العظيم وهيثم المالح مشكورين جملة المعطيات القانونية المتعلقة بهذا الملف، وتلك الخاصة بملفات مشابهة. أما بالنسبة لما يخص الرأي الرسمي، فقد ذكّرت محدثي بأن السلطات السورية نوهت في لجنة حقوق الإنسان ومجلس حقوق الإنسان أكثر من عشر مرات، أربعة منها في رد مكتوب على مداخلات مكتوبة أو شفهية علّي شخصيا أمام الهيئات المذكورة، بأن قوانين الطوارئ غير مطبقة عملياً في البلاد، وأنها تطبق في الحدود الدنيا في قضايا تمس الأمن الخارجي. كذلك ذكّرت برد الوفد السوري في الأمم المتحدة على مداخلة لي قبل سبع سنوات، أقر بها بأن القضاء في سورية يحتاج إلى إصلاح عميق، وأن مشكلة استقلال الأجهزة القضائية موجودة في المنطقة وليست خاصة بسورية.

الجلسة

وفقاً لتقليد متبع في كل دول العالم، يقوم بموجبه المراقب الدولي بزيارة رئيس المحكمة قبل الجلسة لإعلامه بالمهمة الحقوقية والاستفسار منه عن بعض الجوانب الخاصة بالقضية نفسها. عليه، طلبت مقابلة رئيس هيئة المحكمة القاضي محيي الدين الحلاق، الذي وافق مشكوراً على استقبالي مع الأستاذ هيثم المالح، أول رئيس لجمعية حقوق الإنسان في سورية. بعد التعارف الأولي، وجهت للسيد رئيس المحكمة سؤالاً عن موضوعة إطلاق السراح في القانون الجنائي السوري، لأفاجأ بجوابه حيث قال بأنه كقاض غير مخول بالإجابة أو الحديث في أي موضوع دون كتاب من وزير العدل. قلت للسيد رئيس المحكمة بأنني قمت بأكثر من مئة مراقبة دولية في أكثر من ثلاثين بلدا، ولم يحدث أن طلب مني رئيس محكمة مثل هذه المذكرة للرد على استفسار قانوني عام. بعد أخذ ورّد، وافق القاضي الحلاق على الإجابة على سؤالي هذا. كذلك على سؤال آخر يتعلق بالمقرر الفعلي لإخلاء السبيل وفقاً للقانون الجنائي السوري، حيث أوضح أن القانون يعطي هيئة المحكمة هذا الحق في أية لحظة، ويتعلق الأمر بقناعة الهيئة ورئيس المحكمة.

إثر ذلك توجهت إلى قاعة المحكمة التي كانت مكتظة بالحضور والذين لحظت بينهم دبلوماسيين غربيين وحقوقيين عرب ونخبة من المحامين السوريين وأقرباء المعتقلين وكتّاب وصحافيين من مختلف الأطياف. تقدمت نحو المعتقلين الإثني عشر وطرحت عليهم الأسئلة التقليدية الثلاث التي توجه عادة في أية مراقبة قضائية:

السؤال الأول: هل استفرد أي منكم بمحامي الدفاع عنه؟

السؤال الثاني: هل تُحترم قواعد الحد الأدنى لمعاملة السجناء بما في ذلك المحيط ؟

السؤال الثالث: كيف تم التعامل مع المعتقل في مرحلتي التوقيف والتحقيق؟

وهنا صدمت من غياب أبسط التقاليد التي تسمح للمراقب بالاستماع إلى السجناء. فبعد محاولة أولى لإبعادي عن المعتقلين ومتابعتي الاستماع لهم، طلب مني أحد الأعوان التوقف عن طرح الأسئلة فرفضت وأعلمته بأن هذا ليس من حقه. بعده جاء ضابط من الشرطة وطلب مني الابتعاد عنهم، فرفضت وتابعت عملي. وشرحت لآخر بأن هذا جزء لا يتجزأ من مهمتي، بحيث تابعت توجيه أسئلتي للمعتقلين. بعد قرابة عشر دقائق، سجلت فيها أهم الملاحظات، طلب مني مقدم في الشرطة الذهاب لمقابلة رئيس المحكمة في مكتبه. وهناك قال لي رئيس المحكمة بأنني أتسبب في خلق حالة فوضى وأن المحكمة ليست قاعة مؤتمرات صحفية وأنني تجاوزت حقي كمراقب. شرحت له بهدوء ما الذي يقع في صلب مهمتي، وكيف أنني لم أجب عن أسئلة عائلية كون معظم المعتقلين يعرفونني. كذلك أن الحياد كلمة فضفاضة في المحاكمات السياسية، والأساس في الموضوعية وعدم التجني أو الكذب أو إدعاء أشياء غير واقعة. ثم أعطيته الدفتر الذي دونت عليه الملاحظات، ولم يكن فيه سوى اسم القاضي نفسه. هنا تغير لون رئيس المحكمة وارتبك، وقال لماذا اسمي فقط، أين أعضاء الهيئة؟ فأعطيت الدفتر لأحد أعضاء الهيئة ليكتب اسمه فرفض، كذلك فعل مجاوره. فقلت لرئيس المحكمة: بكل الأحوال لدي الآن الإجابة مدققة على أسئلتي الأساسية.

باختصار شديد، سأفصله في تقرير مفصل يقدم للمفوضة السامية لحقوق الإنسان السيدة نافانتم بيلاي، أود القول بأن الإجابة على الأسئلة الثلاثة تؤكد مخاوف المنظمات غير الحكومية وبين الحكومية السورية والعربية والدولية من غياب أهم قواعد المحاكمة العادلة التي أقرتها الأمم المتحدة وصوتت عليها الجمهورية العربية السورية. كذلك القواعد الدنيا لمعاملة السجناء التي تم تبنيها في المؤتمر الأول للأمم المتحدة حول الوقاية من الجريمة ومعاملة الجنحاء، الذي شاركت به الجمهورية العربية السورية وأقر من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي في 1977. فليس هناك حق الاستفراد بمحام، كما وتخضع زيارة السجناء لتصريح زيارة السجين المستحدث منذ 1978 والذي يتطلب موافقة رئيس فرع نقابة المحامين وتوقيع المحامي العام الأول. ذلك في تدخل سافر في حقوق المحامين وبقرطة أو تقييدات أمنية لم تعد موجودة إلا في بلدان لم تصدق على العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية كالسعودية، أو خارج الجغرافيا القضائية مثل كوريا الشمالية. أما بما يخص السلامة النفسية والجسدية للمعتقلين، فلدي قلق حقيقي، خاصة وأن بعضهم موجود في مهاجع جماعية مع محكومين في جرائم خطيرة. كذلك هناك خوف على أربعة منهم من عقابيل صحية خطيرة للمستقبل، بسبب عدم توفر العناية الصحية الضرورية لهم.

عندما دخل رئيس المحكمة القاعة، وقعت حادثة أخرى خارج العرف القضائي وذلك عندما قرأ رئيس المحكمة مرافعة النيابة. الصدمة الأكبر هي، حسب ما أخبرني به عدد من المحامين، أن هذا الأمر ليس خاصاً بهذه المحاكمة بالذات، بل موجود في قضايا عادية. لكن من أوليات أداء المحكمة، أن مرافعة النيابة العامة شفهية ومباشرة وليس بالنيابة. كان من الملاحظ قرار القاضي رئيس المحكمة بإدارة الجلسة بسرعة فائقة. لقد كنا أمام شبه جلسة اتهام لا يراعى فيها شكل أو مضمون، اقتصرت على تفقد المتهمين، وقراءة نص الاتهامات المعروفة عليهم (جناية النيل من هيبة الدولة وإيقاظ النعرات العنصرية والمذهبية وإنشاء جمعية سرية بقصد تغيير كيان الدولة وترويج الأنباء الكاذبة)، والتأكد من موافقتهم على توكيل فريق الدفاع. كذلك كان السماح للمعتقلين بالحديث شكلياً بحيث منح لخمسة معتقلين سمح لهم، ضمن مقاطعة الرئيس المتواصلة، بأقل من مئة كلمة فقط. نعم، أقل من مئة كلمة لخمسة أشخاص.

كان أول من طلب الكلام المعتقل رياض سيف، حيث قال: "مع كل الاحترام للمحكمة الموقرة، نؤكد أن قضيتنا هي قضية حرية تعبير وليست قضية التهم الموجهة، وأن أي دفاع يجب أن يقوم على هذا المضمون وليس على مجرد الشكل المجرد. فنحن أنكرنا التهم الموجهة لنا ونؤكد موقفنا المطالب بوضع برنامج وطني للإصلاح في سورية يبدأ أولا بحرية التعبير".

تلاه المعتقل أكرم البني الذي قال: "لا جدوى لمثل هذا النوع من المحاكمات وتقديم دفاع قانوني شكلي، حيث المسألة سياسية".

أما المعتقل فايز سارة، فبعد أن أبدى الاحترام لهيئة المحكمة، أشار لموضوع الزيارات وضرورة أن يكون لقضايا الرأي بيئة قانونية تناسبها، خاصة إذا كان هذا الرأي علنياً وسلمياً.

وحين قاطعه القاضي منبهاً إلى أن هذه الآراء ينبغي أن يوكل بها محامو الدفاع، لفت فايز سارة نظره إلى أن المتهمين محرومون من زيارة محاميهم والتشاور معهم على انفراد. فما كان من القاضي إلا أن أنكر مسؤوليته عن ظروف السجن، حاصراً مسؤولية هيئته في ظروف المحكمة.

وتساءل المعتقل وليد البني عن المستندات التي وجهت التهم البشعة استناداً إليها.

أما المعتقل علي العبد الله فقال: "نحن نعتبر أن هذه القضية سياسية، وسيكون الدفاع فيها مسألة شكلية. أما التهم الموجهة لنا فهي ليست مقبولة ولا معقولة في هذا العصر ونطالب بإسقاطها".

عندها توجه القاضي إلى المتهمين سائلا عن قبولهم فريق الدفاع وإحالة أسئلتهم إليه، ليعلن بعد ذلك تأجيل الجلسة لتقديم الدفاع إلى تاريخ 24/9/2008.

استنتاج أولي

لقد تبين لي من جملة معطيات تم التأكد منها: عدم احترام السلطات السورية لإجراءات الاعتقال الطبيعية، ولظروف التحقيق المقبولة في القوانين المرعية والمعايير الدولية. علاوة على غياب القواعد الدنيا لمعاملة السجناء، وعدم توفر شروط أساسية لعمل الدفاع. ومن المؤسف القول، أن معاملة بعض المعتقلين تنم عن موقف كيدي مسبق، يجعل من ظروف السجن عقوبة إضافية على الحرمان من الحرية نفسه.

كذلك، تبين لي من جملة التحركات واللقاءات التي أجريتها، وبالتدقيق في القوانين الجنائية العادية التي يحاكم بموجبها المعتقلين، أن ما قام به كل من 1- فداء الحوراني 2- أحمد صالح الخضر 3- أكرم البني 4- علي صالح عبد الله 5- ياسر تيسير العيتي 6- وليد عيد البني 7- جبر الشوفي 8- فايز محمد ديب ساره 9- محمد أسعد حجي درويش 10- مروان محمد أنور العش 11- رياض سيف بن مسلم 12- طلال أبو دان، لا يشكل جريمة، حتى بالمعنى التقديري لهيئة المحكمة. وبالتالي، نحن أمام حالة عدم مسؤولية جنائية، بحيث بات من الضروري الإفراج عن كل المعتقلين فوراً، وفي أسوأ الإحوال محاكمتهم وهم طلقاء.

ملاحق

1- لمحه عن إعلان دمشق والاجتماع الأخير لانتخاب مجلسه الوطني
2- نص قرار الاتهام
3- نص طعن الدفاع