ifex English:: إيران ..... عن الشبكة |الإمارات |الأردن | البحرين | تونس |الجزائر | السعودية | السودان | سوريا | الصومال |العراق |عُمان | فلسطين | قطر | الكويت | لبنان | ليبيا | مصر | المغرب | اليمن | دولية و اقليمية
الرئيسية
ANHRI.NET.English Share
الحصول على مدونة
الرئيسية راسلنا جوائز أسئلة وأجوبة عن الشبكة الأجندة خدمات حملات خطوة للأمام مواثيق وإتفاقيات
انضم لقائمة افيكس
انضم لقائمة  الشبكة
¤ بيانات صحفية
¤ تقارير
¤ موضوع للمناقشة
¤ مواثيق دولية
افيكس
¤ أرشيف الشبكة

¤ قائمة الحقوق

¤ النشرة الاسبوعية

¤ اصدارات حقوقية
ضع وصلتنا بموقعك
ضع وصلتنا بموقعك
مبادرات الشبكة العربية

كاتب
المبادرة العربية لإنترنت حر
جهود
إفهم دارفور
مبادرة هموم
موقع قضايا



الشبكة العربية على facebook

  
هذه الموضوعات صادرة عن :

اللجنة العربية لحقوق الإنسان
اللجنة العربية لحقوق الإنسان

الرئيسية »» دولية و إقليمية »» اللجنة العربية لحقوق الإنسان


التعذيب في سجون الجزائر


8/12/2007



أعد هذا التقرير وفق شهادات مباشرة
لعدد من الحالات الموثقة لدى اللجنة العربية لحقوق الإنسان


يصدر في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 10/12/2007

C.A. DROITS HUMAINS
5 Rue Gambetta - 92240 Malakoff - France
Phone: (33-1) 4092-1588 * Fax: (33-1) 4654-1913
E. mail [email protected] , www.achr.nu , www.achr.eu



مقدمة في التعذيب والقانون الدولي لحقوق الإنسان

لا شكّ أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعب الدّور الأكبر في وضع النقاط على الحروف ولو بصفة طوباوية. أهمّ كلمة فيه ليست الحقوق ولا حتّى الإنسان، وإنّما التركيز المتواصل الذي يفتتح كلّ فقرة: " لكلّ شخص". أي تحقيق النقلة الحقوقية من الفرد إلى الشخص. أما المعنى الأكبر له فهو الانتقال من البلد والقارة إلى البشر جميعا. وكالوصايا العشرة، ثبتت المادة الخامسة الموقف من هذه الجريمة: "لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو المحطة بالكرامة."

لم يتوقف البشر عند إعلان المبادئ هذا، بل نجحت المجتمعات المدنية على الصعيد العالمي والأمم المتحدة في التأكيد على أن عالمية التعذيب تستلزم عالمية تحريمه وتجريمه. ذلك بجعل الاعتراف بحظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة المشينة أو اللا إنسانية قاعدة في القانون الدولي العرفي. وصيرورة الاعتراف بحظر التعذيب معيار قطعي في القانون الدولي العام ملزم لجميع الدول، سواء كانت طرفاً في المعاهدات التي تتضمن الحظر أم لا.

يشكل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المعاهدة الدولية الأبرز حول الحقوق المدنية والسياسية. وهو ملزم للدول الأطراف التي فاق عددها 148 دولة، منها الجزائر. تنص المادة السابعة منه على أنه:

"لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة. وعلى وجه الخصوص، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر". كذلك تتضمن المواد الأخرى الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تتعلق بالقضاء على التعذيب، المادة الثانية الخاصة بواجب احترام حقوق الإنسان وضمانها، والمادة السادسة الخاصة بالحق في الحياة، والمادة التاسعة بشأن الحق في حرية الشخص وأمنه، والمادة العاشرة المتعلقة بحق الأشخاص المحرومين من حريتهم في أن يُعاملوا بإنسانية واحترام لكرامتهم الإنسانية، والمادة الرابعة عشرة المتعلقة بالحق في محاكمة عادلة.

إلا أن أهم ما يتعلق بجريمة التعذيب في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان نجده في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب). فهي ملزمة للدول الأطراف وقد وقعتها الجزائر. تنص المادة الثانية في هذه الاتفاقية على ما يلي:

"1- تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.

  • لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت، سواء كانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب.
  • لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب."

    هذه المادة تؤكد أن جريمة التعذيب غير قابلة للمساس أو التصرف من قبل أي حاكم أو إداري في أي زمان ومكان. وأن فعالية الإجراءات القضائية والإدارية جزء لا يتجزأ من احترام الاتفاقية.

    تتعزز هذه المادة بمادة أخرى تدخل جريمة التعذيب في حيز الاختصاص القضائي العالمي Universal Jurisdiction. إنها المادة الثامنة التي تسمح لأي قضاء في دولة وقعت على اتفاقية مناهضة التعذيب بقبول دعاوى ضد من ارتكب هذه الجريمة أثناء وجوده على أراضي هذه الدولة. بتعبير آخر، يمكن لضحية تعذيب من الجزائر أن يقيم دعوى قضائية على أي مسئول جزائري شهد أو شارك أو أصدر توجيهات أو مذكرة أو شاهد في أقسام تقع تحت مسئوليته وقوع جريمة التعذيب. جاء في هذه المادة:
    1. تعتبر الجرائم المشار إليها في المادة 4 جرائم قابلة لتسليم مرتكبيها في أية معاهدة لتسليم المجرمين تكون قائمة بين الدول الأطراف. وتتعهد الدول الأطراف بإدراج هذه الجرائم كجرائم قابلة لتسليم مرتكبيها في كل معاهدة تسليم تبرم بينها.
    2. إذا تسلمت دولة طرف طلبا للتسليم من دولة لا تربطها بها معاهدة لتسليم المجرمين، وكانت الدولة الأولى تجعل التسليم مشروطا بوجود معاهدة لتسليم المجرمين، يجوز لهذه الدولة اعتبار هذه الاتفاقية أساسا قانونيا للتسليم فيما يختص بمثل هذه الجرائم. ويخضع التسليم للشروط الأخرى المنصوص عليها في قانون الدولة التي يقدم إليها طلب التسليم.
    3. تعترف الدول الأطراف التي لا تجعل التسليم مرهونا بوجود معاهدة بأن هذه الجرائم قابلة لتسليم مرتكبيها فيما بينها طبقا للشروط المنصوص عليها في قانون الدولة التي يقدم إليها طلب التسليم.
    4. وتتم معاملة هذه الجرائم لأغراض التسليم بين الدول الأطراف، كما لو أنها اقترفت لا في المكان الذي حدثت فيه فحسب، بل أيضا في أراضي الدول المطالبة بإقامة ولايتها القضائية طبقا للفقرة أ من المادة 5".
    هذه الاتفاقية، تحدد بشكل متقدم سلسلة من التدابير المتعلقة بمنع التعذيب والتحقيق فيه وتقديم المسؤولين عن ارتكابه إلى العدالة سواء محلياً أو عبر الحدود، وتقديم تعويضات إلى الضحايا. وتنطبق بعض بنودها على كل من التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة. بينما لا تنطبق بنود أخرى، مثل تلك التي تشير إلى التجريم والمقاضاة وممارسة الاختصاص القضائي العالمي، إلا على التعذيب فقط.

    إضافة إلى هذه الترسانة الحقوقية، يحظَّر التعذيب وسوء المعاملة بموجب المعاهدات الإقليمية العامة الأربع لحقوق الإنسان المعتمدة حتى اليوم : الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (المادة 5)، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (المادة 5)، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (المادة 3)، والميثاق العربي لحقوق الإنسان (المادة 13). ومن الضروري التذكير بأن الطابع المنهجي والمنظم لارتكاب هذه الجريمة يثقل طابعها الجرمي حيث تصنف حينئذ جريمة ضد الإنسانية (إعلان روما 1998).

    الحقوقيون الجزائريون وجريمة التعذيب

    يمكن القول، أن المدافعين عن حقوق الإنسان في الجزائر قد قاموا بجهود ضخمة نظرية وميدانية من أجل فضح هذه الجريمة ووضعها في العراء.

    فمنذ "الكتاب الأبيض"، أول كتاب حقوق إنسان يمنع في فرنسا منذ سقوط حكومة فيشي، قام المحامون والمناضلون والمناضلات من هذا البلد، بالتوثيق للجرائم التي ارتكبت منذ وقف العملية الانتخابية في البلاد. منها على سبيل المثل لا الحصر، "تحقيقات في المجازر التي ارتكبت في الجزائر" (بالانجليزية)، مجموعة تقارير ودراسات Algeria Watch ، العمل الموسوعي الذي أصدره معهد الهوغار ( تحقيق عن التعذيب في الجزائر)، والندوات التي نظمتها المنظمات الجزائرية غير الحكومية. من جهتها حاولت اللجنة العربية لحقوق الإنسان الإسهام بما تستطيع، فأصدرت وثائق من السجن حول التعذيب منها رسالة المحامي رشيد مصلي أثناء اعتقاله، كتاب الفقيد محمود الخليلي وأمينة قاضي: "الاختفاء القسري والتعذيب في الجزائر" (بالفرنسية)، وكتاب "تاريخ التعذيب وأصول تحريمه في الإسلام (لمحمد بن طارية وعباس عروة ويوسف بجاوي). واليوم تنشر هذا التقرير لتذكر بأن هذه الجريمة ما زالت حاضرة ناضرة في مراكز التحقيق والسجون الجزائرية وبأبشع صورها.

    معطيات جديدة

    تكشف عدة تقارير لمنظمات حقوق إنسان عن حالات تعذيب تمارس بطرق وحشية على السجناء وعن اختفاء بعض من دخلوا السجون الجزائرية. كذلك ما أضيف مؤخراً لهذه المعطيات تقرير جديد للأمم المتحدة يتناول وجود سجون سرية في أماكن عدة في البلاد. وهذا لا يعني التوقف عن استقصاء ومتابعة ورصد حالات التعذيب في الجزائر, فكل حالة تعذيب تعد جريمة جديدة. وحيث كانت قد وردتنا مؤخرا عدة معطيات من داخل السجون تلقي المزيد من الضوء على دور الحراس والأعمال الشنيعة التي ترتكب بعلم إدارة السجون وتحت رعاية المديرية العامة للسجون، رأينا تجميعها في هذا التقرير لتوجيه الأنظار لقضايا ما زالت بعيدة من مرمى الإعلام. يتناول هذا التقرير عمليات التعذيب التي تقوم بها المخابرات الجزائرية، أو ما تسمى بدائرة الاستعلامات العسكرية، باختراقها السجن، ضاربة بعرض الحائط ليس فقط صلاحيات الجسم الاداري والطبي، وإنما أيضاً القوانين والأعراف والإتفاقيات الدولية التي وقع عليها هذا البلد.

    لقد استطعنا في اللجنة العربية لحقوق الإنسان أن نصل لأشخاص عذبوا بطرق وحشية، وفي هذا التقرير نتعرض لأحداث وقعت خلال عامي 2005 -2006. الأمر الذي لا يستثني ما كان يحدث من قبل ويندى له جبين البشرية. الإضافة في هذه الأوراق هو شهادات عن ولضحايا تعرضوا للتعذيب في سجون الحراش وسركاجي والبليدة. منهم من تم نقله دون أمر من النيابة الى مراكز الإستنطاق بحيدرة أو بن عكنون (الجزائر العاصمة)، وآخرون استنطقوا على يد رجال المخابرات للتحقق من وشايات وصلتهم عنهم. ذلك علاوة على حالات عملوا على ترهيبها بشتى الطرق من اجل الحصول على مزيد من المعلومات، خاصة عندما تعلق الأمر بنشاط مسلح في منطقة يتحدر منها سجين إسلامي. في هذه الحالات كانوا يقومون بتبليغ المعني باستدعاء المحامي أو العيادة له. والاستدعاء يحمل ختم الطبيب أو أمر التنقل لمقابلة المحامي. وعند حضور المستدعي كان يؤخذ لعيادة الطبيب بعدما يتم إفراغها من البشر المتواجدين فيها، سواء كانوا حراسا او مساجين مرضى. بعد ذلك تبدأ عمليات التعذيب من استعمال الكهرباء، الى "الشيفون"، الى الحقن بأدوية خطيرة تنتهك السلامة الجسدية والنفسية للسجين، وصولاً للتهديد بحقن فيروز الايدز. من الحالات التي تبلغنا بها نذكر فيما يلي:

    - سعادو الياس ومرابط محمد

    بتاريخ 25 فيفري/شباط 2006 حيث كان المساجين في القاعة (A bis 1) يستعدون لمغادرتها نحو الساحة، وإذ بحارس، هو بمثابة نائب رئيس الجناح يدعى العون رشيد، يحضر استدعاءا من المحامية بومرداسي حسيبة، تطلب فيه السجينين سعادو الياس ومرابط محمد المدعو كمال. هما متهمان في قضية سطو مسلح على بنك البدر ببئر خادم، حكم عليهما بـ 10 سنوات سجن نافذة في الدورة الجنائية الأخيرة بالعاصمة الجزائرية. بعد اخذهما لم يعرف عنهما شيئا حتى ساعة متأخرة من الليل، أي الساعة 3 صباحا، عندما أعادهما الحراس، برفقة مساجين حق عام، محملان على بطانيات في حالة يرثى لها. وبعد يومين من مصارعة الآلام والجروح، استطاعا أن يؤكدا بأنهما أخذا إلى ثكنة واد حيدرة (الجزائر) حيث عذبا تعذيبا شديداً، وذلك للحصول على مزيد من المعلومات عن الأموال التي سلبت من البنك. جرت مواجهتهما مع المتهم شمامي مراد الذي كان في حالة فرار واعتقدت مصالح الأمن أنه قام بنقل الأموال الى معاقل الجماعة السلفية للدعوة والقتال، غير أنه قبض عليه في وهران.

    لقد استعمل معهما ضباط المخابرات الكهرباء والشيفون وخراطيم المياه. وعندما تم استدعاءهما بعد حوالي أسبوعين من قبل قاضي التحقيق في الغرفة الثانية لمحكمة بئر مراد رايس، سأل سعادو الياس عن سبب الخدوش العميقة الموجودة في وجهه ورقبته. بعد جوابه على أن ذلك نتج عن التعذيب الذي تعرض له قبل اسبوعين، طلب منه القاضي اطلاعه على أسماء الحراس الذين عذبوه. مما قد يؤكد أن القاضي الذي أودعهما السجن والمسئول قانونيا عنهما لا يعلم بما قام به ضباط المخابرات. عندما ذكرا له القصة الكاملة وعدهما القاضي بأن ينظر في القضية. لكن مع مرور الأيام ذهبت وعوده أدراج الرياح، وعاد الضباط من جديد لتعذيب آخرين.

    هذه المرة كان الضحية المتهم مرداسي محمد (القبة) الذي استدعي لغرفة الطبيب لأخذ حقن الأنسولين، كونه مريض بداء السكري لدرجة خطيرة للغاية. وكانت نتيجة التعذيب، أسبوعا كاملا بقي خلاله المعتقل ممدداً على فراشه لا يتكلم مع أحد. لقد خضع خلال تعذيبه لما يعرف بعملية الشيفون. يقضي هذا الأسلوب بأن يتم سد الأنف والفم بقطعة قماش، غالبا ما تكون لباسا داخليا قطنيا، يتم منه ضخ الماء عن طريق خراطيم من حنفية قوية إلى أن يخرج من دبره.

    - أنور مالك

    حالة أخرى وردتنا للكاتب الصحفي أنور مالك الذي تعرض في السجون الجزائرية للتعذيب الوحشي لمرتين. الأولى عام 2001 عندما القي القبض عليه على الحدود الجزائرية محاولا الفرار إلى تونس. كانت وراء ذلك مصالح المخابرات بولاية تبسة وقسنطينة، حيث تعرض للتعذيب الذي أدى لإصابته بعاهة في رجله اليسرى، جعلته معوقا بنسبة 70 بالمئة. أما الثانية ففي حزيران/ تموز 2005 من قبل مصالح الدرك الجزائري بني مسوس ومن طرف ضباط مخابرات ثكنة الشاطوناف. بدأت قضية أنور مالك مع قصة حجز مصالح الأمن لمخدرات داخل السيارة الشخصية والمصفحة للوزير بوقرة سلطاني (وزير دولة وزعيم حزب "حمس" الاسلامي) والمعروف بـ: "أبوجرة سلطاني". كان على متنها شقيقه مولود وابنه أسامة.

    حسب تصريحات الصحفي أنور مالك، القضية حيكت ضده لأسباب سياسية وأيضاً شخصية، بعدما تم اطلاق سراح ابن الوزير وشقيقه وداهمت مصالح الدرك بيته في سطوالي (العاصمة). كان ذلك بقيادة قائد كتيبة بني مسوس المساعد الأول ملوك فضيل، الذي عمل من قبل بالشريعة في ولاية تبسة وتربطه علاقة صداقة بعائلة الوزير وخاصة بشقيقه عفافة. حينها صودرت مقالات وروايات له لم تكن قد نشرت بعد، ثم سيق مقيدا إلى مركز الأمن حيث تعرض لأبشع أنواع التعذيب من كهرباء وشيفون وضرب واستعمال أسلاك كهربائية في جهازه التناسلي، إضافة للبصق والشتم والإعتداء على أماكن حساسة في جسده. وقد علق من رجله اليسرى المعوقة في سقف الزنزانة لساعات طويلة، كما رمي مقيدا في قاعة شديدة السخونة لساعات. وعندما كان يصاب بالغثيان والإختناق كان ينقل لغرفة أخرى شديدة البرودة، مع المنع من النوم وغيره. الأمر الذي زاد من إصابته في رجله اليسرى لتبلغ إعاقته نسبة 90 بالمئة، فضلا عن أمراض الضغط الدموي الذي أصيب به حينها. خلال هذه الفترة وبالضبط صباح يوم 01 جويلية/تموز 2005 نقلته المخابرات الى مكان سري في الشاطوناف، حيث حضر الوزير سلطاني بوقرة شخصيا برفقة قيادات في المخابرات، وتم تعذيبه على مرأى منه. كان يريد معرفة من يقف وراء المؤامرة التي استهدفته من طرف مناوئين له من داخل حزبه وخارجه. فذكر السيناتور هباز فريد والنائب البرلماني أحمد الدان، عن حركة حمس التي يتزعمها الوزير سلطاني خلفا للراحل محفوظ نحناح، وكذلك النائب البرلماني عبدالغفور سعدي عن حركة الإصلاح الوطني، وأيضا الصحفي انيس رحماني (محمد مقدم). ثم وقع على المحاضر مكرها. إلى أن عرض على محكمة بئر مراد رايس يوم 04 تموز 2005، حيث تم الإعتداء عليه من قبل المساعد الأول ملوك فضيل وأعوانه. كما ومورست بحقه ابشع أنواع التعذيب بفعل أوامر جاءته من طرف الضابط قائد المجموعة - الذي كان يحمل رتبة نقيب ورقي حينها الى رتبة رائد- والذي بدوره تلقى تعليمات من الوزير سلطاني شخصيا. هذا الإعتداء كان نتيجته جروح عميقة في رأسه أسالت منه الدم الغزير (توجد اشارة لذلك في جريدة الخبر 05 جويلية 2005). عندما نفى كل ما نسب له، تمت متابعته بتهم تتعلق بقضايا إرهاب من خلال روايات كتبها، على اساس ان أحد أبطال رواية "دموع أمريكا"، وهو ارهابي، تحدث الكاتب على لسانه في روايته. عندما أودع سجن الحراش من طرف قاضية التحقيق بوحلوان فتيحة (الغرفة الخامسة) فحصه طبيب السجن وأفاد في شهادة طبية بأن حالته الصحية متدهورة.

    بعد ذلك، وبتاريخ 03 أكتوبر/تشرين الأول 2005 نشر ملف اعتبر خطيرا، وهو يتعلق بحياة الإسلاميين في سجن الحراش، ومواقفهم من ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي أعلنت عن نتائجه النهائية وبمصادقة أغلبية مطلقة للشعب الجزائري، نشرت الملف ووقعت عليه الصحفية نائلة بن رحال في صحيفة (الجزائر نيوز) تحت عنوان: "الجزائر نيوز تخترق سجن الحراش". كان قد تم تسريب الملف عن طريق هاتف نقال، حيث أن الهواتف النقالة كانت منتشرة بكثرة بين المساجين. اثر ذلك اتخذت مصالح ادارة وزارة العدل اجراءات صارمة ضد السجن ومديره حسين بومعيزة الذي تمت اقالته ومتابعته بتهم تتعلق بالفساد. خلفه عزوز الجيلالي الذي شنّ حملة واسعة ضد القاعات لمصادرة الهواتف والشرائح. في اطار الحملة هذه استدعي مساء 12/10/2005 أنور مالك الى العيادة حيث كان يعالج من مرض الضغط. فوجد في حجرة الطبيب 5 أشخاص قدموا أنفسهم على أنهم من مصالح الإستعلامات العسكرية، وكان بحضور ضابط العيادة المسمى سيد علي. كانت العيادة خالية من المرضى وحتى الموظفين. في البداية حاولوا معرفة سر الملف الصحفي، لكنه نفى علاقته به. غير أنهم أكدوا أن الصحفية نائلة بن رحال اعترفت للنائب العام لدى مجلس قضاء العاصمة باسم الشخص المتورط. ولما نفى كل ذلك قاموا بربطه ممددا على سرير الكشف وراحوا يربطون جهازه التناسلي بأشياء تستعمل في نقل السيروم للمريض وحتى بأسلاك كهربائية. اذاقوه من الكهرباء والضرب حتى أغمي عليه، فتركوه وغادروا العيادة ليقدم له الطبيب الإسعافات. بقي في العيادة يوما كاملا.

    غير أنه عاد واستدعي في 23/10/2005 من طرف ضابط الحيازة للتحقيق في قضية جديدة. فوجد سيارة من نوع كونغو، أركبوه فيها مصفد اليدين للخلف. بعد مغادرة بوابة السجن غطوا رأسه كي لا يتعرف على وجهة السيارة. وبعد حوالي عشرة دقائق وجد نفسه في مكان سري لا يبتعد كثيرا عن السجن. كانت زنازين تحت الأرض تتسرب منها أصوات أنين لأشخاص يظهر أنهم عذبوا تعذيبا بشعا. وضع أنور مالك في زنزانة مجردا من ثيابه حيث قاموا بضربه بسلك كهربائي متين فضلا عن الشتم والصفع. الهدف من ذلك التعاون معهم وارسال تقارير عن أحوال المساجين الإسلاميين، خاصة وان مصالحهم تخشى عودتهم للعمل المسلح بعد الإفراج عنهم. عندما رفض كل العروض تم ربطه مرة أخرى في سلم معلق في الجدار ورأسه للأسفل. بقي على هذه الحال ساعات عديدة. مما اضطره للموافقة على التعاون معهم واعطائهم معلومات كاملة عن قصة التعامل مع جريدة الصحفي حميدة العياشي، وعما يتعلق بالوزير سلطاني بوقرة. عندما ترك بمفرده في الزنزانة، كانت قبالته زنزانة أخرى يسمع فيها صوت شخص يناديه بصوت خافت: يا أخ... يا أخ. عندها نهض وتحدث معه من الثقب بضعة ثواني، خوفا من تسرب الصوت للحراس الذين كانوا يتناولون وجبة الغداء. مما ذكره له ذلك الشخص أنه موجود منذ سنوات عديدة في هذا المكان السري الذي يجهله، وأن اسمه معمر من ولاية قالمة (الشرق الجزائري) ولقبه اما "معوط" أو "جلوط" أو "عطوط" أو شيء من هذا القبيل لم يفهمه جيدا، كون الشخص كان يتحدث بصوت جد منخفض، وأنه يوجد الكثيرون ممن لا يعلم أهلهم عنهم شيئا.

    حتى اللحظة لم يفهم بعد أنور مالك ما كان المقصود من تلك العملية وذلك التحويل الى هذا المكان الرهيب. لقد هدده ضباط المخابرات أنه في حالة عدم تعاونه الجيد معهم، سوف يختطف عندما يفرج عنه من باب السجن ويرمى في هذا المكان لسنوات لن يصل له الذباب الأزرق حسب قولهم. اخبروه بأنهم على علم بما يريده، وهو الإتصال بقناة الجزيرة القطرية من السجن للكشف عما تعرض له من طرف الوزير سلطاني بوقرة. لكن لو فعلها سوف يذبح. لقد أفرج عن أنور مالك في 04 تموز/جويلية 2006 فعاد لأهله بالشريعة ولاية تبسة (الشرق الجزائري). وقد داهم حراس الوزير - وهم من المخابرات - بيته عندما زار سلطاني أسرته في الشريعة، ولحسن حظه لم يكن موجودا.

    - علالو حميدة (دلس)

    أعتبر الذراع الأيمن لحسان حطاب (مؤسس تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال). قبض عليه وقضى أكثر من 4 أشهر في ثكنة وادي حيدرة بالعاصمة. تعرض لأبشع أنواع التعذيب حيث كسرت أسنانه، على يد العقيد بشير طرطاق شخصيا. بعد ذلك وضع في سجن سركاجي، ومن ثم نقل لسجن الحراش بسبب إضراب عن الطعام قام به. فعزل في زنزانة انفرادية طولها 14 شبرا وعرضها 9 أشبار وإرتفاعها 18 شبرا، وبأمر من النائب العام، منذ أكثر من 3 سنوات حيث يعيش في الزنزانة 9 بجناح المحكوم عليهم بالإعدام. لقد زاره ضباط المخابرات مرات عديدة، بل وعدوه بأنه سيستفيد من قانون المصالحة الوطنية. وقد تعرض للمعاملة القاسية والتعذيب في عدة زيارات، منها زيارة قاموا بها في 07 ماي/أيار 2006 حيث أخرج من زنزانته بعد الساعة الخامسة مساء وبعدما جرى دخول المساجين إلى القاعات والزنازين ولم يبق سوى الحراس. فأخبروه بأنه مستدعى من محاميته بومرداسي حسيبة مستعجلا، لكنه كالعادة وجد نفسه بحضرة مجموعة من ضباط المخابرات. أرادوا ان يعرفوا منه معلومات جديدة عن شبكة تهريب السلاح نحو الجزائر من طرف مجموعات تهريب بالجنوب يقودها مختار بلمختار. وحيث أعلمهم بأنه لا يعرف شيئا، عاملوه بوحشية قضى على إثرها أكثر من خمسة أيام لا يغادر زنزانته. فقد استعمل معه الضرب والكهرباء في غرفة الطبيب التي صارت غرفة للتعذيب وليس للعلاج.

    المرة الثانية كانت في 24 ماي/أيار 2006 عندما استدعي على أساس إجراء تحاليل طبية ليجد أيضا مجموعة أخرى بانتظاره. فعومل بالطريقة نفسها وهدد أنه في حالة عدم اتهامه رسميا لمحامي جزائري لاجئ بسويسرا (ويتعلق الأمر برشيد مسلي، المتابع معه في قضية من قضاياه برفقة حسان حطاب أيضا)، سوف يتم أخذه إلى أماكن سرية لن تصل لها الشمس. بل أكثر من ذلك، طلبوا منه أن يجعل من المحامي المسئول والممون الأساسي لشراء الأسلحة.

    المرة الثالثة، عندما راح يطالب بحقه في المصالحة الوطنية وهدد بشن إضراب عن الطعام. فاخرجه الحراس من زنزانته ليلا في 19 جوان/حزيران 2006 بالعنف بعدما رفض الخروج معهم كونه يعرف ما ينتظره. فقضى ليله مع أفراد من رجال المخابرات ذكر منهم: مجيد عضيمي الذي يعمل في مصلحة الإعلام بثكنة تابعة للإستعلامات العسكرية ببن عكنون، ونجل ضابط سامي سابق في الرئاسة وهو العميد محمد عضيمي. استعملت مع علالو حميدة كل الطرق البشعة التي يندى لها الجبين، خاصة وأنه سبق له تقديم شكوى لوفد زار السجن من الصليب الأحمر الدولي.

    - لحمر عواد

    يتحدر لحمر عواد من ولاية وهران، وهو من مواليد عام 1963، تقني سامي في سوناطراك بحاسي الرمل (الجنوب الجزائري). التحق بالعمل المسلح عام 1993 بجبال التلاغ (ولاية سيدي بلعباس)، بعد مضايقات ومتابعات تعرض لها من قبل مصالح الأمن. تكشف التقارير الإستخباراتية التي قدمت للقضاء بأنه قام مع قادة بن شيحة (أمير تنظيم حماة الدعوة السلفية) بعملية هجوم على ثكنة عسكرية بتلاغ (الغرب الجزائري) حيث قتل 80 عسكريا. هجوم آخر إستهدف عسكريين بغليزان عام 1999. إلى أن قبض عليه في 02 جويلية/تموز 2005 مع المصري ياسر سالم المدعو أبوجهاد والجزائري حاج نعاس، وتمت متابعتهم في قضية تجنيد جزائريين للقتال في العراق. حكم على لحمر عواد في 05/11/2007 بالمؤبد برفقة حاج نعاس و15 سنة في حق المصري ياسر سالم.

    يعاني لحمر عواد من إعاقة في رجله اليمنى، وهو متواجد حاليا بالقاعة 2 bis A بسجن الحراش. ظل رجال المخابرات يترددون عليه من حين لآخر، وفي كل زيارة يتعرض لمعاملات قاسية ولتعذيب وحشي. نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الزيارات، حيث في 28 أوت/آب 2005 عند العاشرة صباحا جاءه استدعاء من دائرة المحامين على أساس أن محاميه عيساني حميد يطلبه. فذهب وكله أمل أن يأتيه بجديد يغبطه، لكنه لم يعد إلى قاعته 1 bis A التي كان بها من قبل، الا حوالي الساعة 11 ليلا. كان في حالة يرثى لها، بالرغم من الساعات الطويلة التي قضاها في العيادة حيث قدمت له إسعافات. وقد قضى أسبوعا كاملا لا يغادر فراشه ولا يستطيع ان يهضم ما يأكله رغم أن وجبته تتكون من بعض الخبز المذوب في الماء.

    مرة أخرى، في 17 ديسمبر/كانون الأول 2005 وصله استدعاء لإجراء أشعة لرجله حوالي الساعة الثالثة مساء، فذهب لغرفة الطبيب ليجد من ينتظره من المخابرات. أخبروه بأنهم التقوا قبل يوم مع المصري ياسر سالم في سجن سركاجي، الذي اعترف لهم - بعدما أشبعوه ضربا - أن عواد يعرف شبكة عراقية- سورية- جزائرية تقوم بمهمة تجنيد الجزائريين للعراق. عندما نفى ذلك، عذبوه بالكهرباء حتى راح يهذي بأسماء يعرفها ولا علاقة لها بما يريدون. كان احدهم يحمل حقنة فيها دم أخبره بأنها ملوثة بفيروسات الإيدز وإن لم يعطهم كل المعلومات سوف يحقن بها. والمستغرب أن طبيب السجن كان حاضرا معهم ووافق على ما يفعلون، بل ظل يشجعه على التعاون معهم.

    زيارات أخرى له جرت في شهري مارس/آذار 2006 وجوان/حزيران 2006. حصلت الأولى بعدما عثرت مصالح إدارة سجن الحراش على هواتف نقالة بالقاعة التي يتواجد بها، فاستدعي على أساس أن محاميه حميد عيساني قدم لزيارته. لكنه وجد 5 ضباط مخابرات في إنتظاره كان يراهم لأول مرة. أخبروه بأنه تم ضبط مكالمات هاتفية من خلال الشرائح التي صودرت وقد اتصل صاحبها بأرقام سورية. ولما نفى ذلك نفيا قاطعا، أعلموه بان المكالمات تم تسجليها، وقد تعرف ياسر سالم على أصحابها واخبرهم بان الشخص المتصل به يعرفه لحمر عواد المدعو حمزة. لكن اصراره على موقفه جعل الضباط يلجأون للتعذيب بالكهرباء. كانوا قد احضروا معهم شخصا يبدو انه سجين أيضا وطلبوا منه ممارسة اللواط معه، بعدما جردوه من ملابسه كاملة. لكن عواد قاوم حتى خارت قواه ففعل به ما فعل. الأمر الذي جعله يصاب بصدمة عصبية قضى إثرها أكثر من شهر في الفراش لا يتكلم ولا يغادر مكانه.

    - مباركي حميد

    السجين مباركي حميد، حارس سجن سابق والمتهم الرئيسي والوحيد في مجزرة سركاجي الشهيرة التي حدثت بين ليلتي 21 و22 فيفري/شباط 1995 وأدت لمقتل أكثر من 95 سجينا، بينهم قيادات في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة. كان قد حكم عليه بالإعدام عام 1997، غير أنه استأنف لتعاد محاكمته ويصدر بحقه حكم بالمؤبد في 03 أفريل/نيسان 2001. للمرة الثالثة برمجت محاكمته في 07 نوفمبر/تشرين الثاني 2007، لكنها أجلت للدورة الجنائية القادمة، ولم يستفد من ميثاق السلم والمصالحة. مما طرح الكثير من نقاط الإستفهام لدى محاميه حسيبة بومرداسي وبشير مشري وعبدالحميد لعمارة، الذين أيضا اتهموا النيابة بالمماطلة في القضية وعدم إستدعاء الشهود ومنهم هداوي أحمد مدير سجن سركاجي السابق وآخرين كوزير العدل والنائب العام.

    تنقل السجين مباركي بين عدة سجون من البرواقية الى تيزي وزو، والحراش، وآخرها سجن لامبيز بولاية باتنة. تعرضه للتعذيب أدى إلى فقدانه لجهازه التناسلي بصفة تامة، عندما تم تعليقه منه بحبل في السقف بطريقة بشعة. كذلك استعمل الكهرباء عبر قضيب حديدي ساخن تم ادخاله في ثقب جهازه التناسلي، إلى أن دخل في غيبوبة أوصلته الى عملية جراحية. هذا إلى جانب إصابته بثلاث رصاصات قاتلة. هذا الأمر لم يبلغ به والديه العجوزين خوفا على حياته وحياتهما. زيارة أخرى له بتاريخ 27 جويلية/تموز 2005 تمت إثر اضراب عن الطعام قاده بعد وفاة السجين العذاوري محمد الذي تعرض لإهمال كبير من أطباء السجن، حيث رفض الضابط المداوم ليلة اشتداد المرض عليه إخراجه من القاعة إلا بعد فوات الآوان واثارة المساجين الفوضى. كان مباركي برفقة المساجين في الساحة حين إستدعائه، وإذ بضابط السجن عبيد ينادي عليه. فخرج معه ولم يعد إلا في وقت متأخر من المساء في حالة يرثى لها. مما رواه أنه وجد أربعة ضباط مخابرات تعرض على يدهم للضرب والتهديد بالتصفية. وقد هددوه إن حاول تسريب معلومات حول قضية سركاجي للصحافة أو نشر ما تعرض له خلال السنوات العشر في السجن، حيث لدى مصالح المخابرات أسرارا لم تعرف عن حقيقة الجريمة الرهيبة التي ظلت غامضة على مدار السنين التي مضت.

    أما في 6 أوت 2005 أي بعد أيام معدودة فقط، فقد قضى ما يزيد على عشر ساعات لدى المخابرات وعاد منهارا نفسيا وآثار الضرب بادية على وجهه. بعد ذلك مباشرة تم تحويله إلى سجن البرواقية. وهناك زارته المخابرات بعدما تسرب لهم حصوله على هاتف نقال. وقد ادعت إدارة السجن، وعلى رأسهم المدير حكيم بن شادي، أنه في اتصال مع صحفي مقيم في الخارج. فتعرض لأبشع أنواع التعذيب جعلته يرقد بالمستشفى 15 يوما. بعد ذلك ومن دون أن يتماثل للشفاء، تم تحويله لسجن لامبيز (ولاية باتنة). كانت الأوامر بإنتظاره لدى مدير لامبيز السيد عبدالحق بتشديد الخناق عليه، وهو ما حصل بالفعل حيث ضربه رئيس الحيازة الضابط يزيد ضربا مبرحا يوم وصوله بالرغم من حالته المزرية.

    - جمال الدين بوذراع وشقيقه رضا بوذراع

    السجين جمال الدين بوذراع لا يزال موقوفا بسجن سيدي بلعباس (الغرب الجزائري). أما شقيقه رضا فقد أفرج عنه من سجن البرواقية في 07 ماي 2006 بعد نهاية مدة عقوبته المتمثلة في ثلاث سنوات كاملة. جمال الدين بوذراع من قدماء المقاتلين في الشيشان. كان مقيما بألمانيا، إلا انه قرر الذهاب الى الشيشان للدفاع عن شعبها ضد المحتل الروسي. فالتحق بجورجيا عام 2000، ومن ثم تم تهريبه عن طريق جماعات التهريب حيث تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة في 2001 ونجا منها بأعجوبة بعدما اخترقت رصاصات قاتلة بطنه. عام 2002 حيث كان على جسر الدويسي الرئيسي بصدد مفاوضات مع مهربين لإستعادة مقاتلين عرب معتقلين في هولندا، نصب له كمين من طرف عملاء المخابرات الأمريكية. فألقي عليه القبض وقتل صهره الذي كان يرافقه. إثر ذلك تم نقله إلى افغانستان حيث قضى أكثر من سنتين أسيرا في أحد سجون كابول الأمريكية السرية. كاد أن ينقل إلى غوانتانامو، لكن لحسن حظه أو لسوئه نقلته طائرة أمريكية عسكرية خاصة إلى العاصمة الجزائرية في 2004. بعد تحقيق مضني وتعذيب على يد ضباط مخابرات في ثكنة وادي حيدرة، أودع سجن الحراش وحكم عليه بست سنوات نافذة. خلال هذه المدة، حيث كان شقيقه رضا معه، ظلت المخابرات الجزائرية تزوره من حين لآخر، للاستعلام خاصة عن شقيقهما الثالث الفار بألمانيا والمتابع في الجزائر قضائيا أيضا.

    كانت المخابرات تزور جمال الدين عدة مرات في الأسبوع أحيانا. لقد كتب البعض عما حدث له وسلمه لمحاميته بومرداسي حسيبة، علها تستعين بذلك في ما ينفعه. إلا أنهم علموا بذلك فزاروه بعد يومين وكان ذلك في 3 جويلية/تموز صباحا، عندما تسلم استدعاء بإسم المحامية. عندما ذهب وجد الضابط العمري في انتظاره حيث حوله إلى العيادة. قام الرائد سامي، أحد ضباط المخابرات، بركله على خصيتيه حتى سقط على الأرض، وهو يتلفظ بكلام قبيح مفاده أن جمال الدين يريد أن يسرب معلومات لوسائل الإعلام، منها ما يتعلق بالصفقة الجزائرية الأمريكية حوله، وحول ما جرى له لدى المخابرات الجزائرية، وقصص عن السجون السرية الأمريكية بأفغانستان. كان هذا بالفعل ما كتب بعضا منه في أوراقه التي سلمها للمحامية بومرداسي حسيبة. وقد شك بوجود أجهزة تنصت بقاعات المحامين التي يستقبلون فيها موكليهم. ضرب جمال الدين ضربا مبرحا لمعرفة محتوى تلك الأوراق التي سلمها للمحامية. حتى أنه بعدما استعملوا معه أساليب مختلفة أجلسوه على كرسي ووضعوا أمامه رزمة من الأوراق. وبصيغة الأمر التي لو خالفها لتعرض لما لا يحمد عقباه، طلبوا منه إعادة تحرير كل ما كتب في تلك الأوراق. لكنه ظل ينفي كل ما نسب إليه. فأعادوه ليلا إلى القاعة 1 bis A وهو ينزف دما من جروح غائرة في كل جسده. وبسبب الشيفون وخراطيم المياه التي كادت تفجر بطنه، صار الماء يخرج من دبره، وبقي أكثر من أسبوع لا يأكل بحيث توقف الأمر على الماء وشيئا من الحليب. الزيارة الثانية له كانت في 6 أوت/آب 2005 حيث تم استدعاؤه مع شقيقه رضا. عُلم عنهما أن المخابرات جردتهما من لباسهما كاملا وهددتهما بأكراههما على ممارسة اللواط معا ان لم يتم تعاونهما جيدا وبالصيغة التي يريدونها. وقبل أن تحدث الواقعة أجبر كل واحد منهما أن يشد عضو شقيقه بيده. الأمر الذي اضطرهما للتصريح بأشياء مختلفة وملفقة للنجاة مما هو أكبر. تم تحويل جمال إلى سجن الشلف ومن ثم إلى سجن سيدي بلعباس، ولم يستفد من قانون المصالحة بالرغم من إستيفائه جميع الشروط.

    رضا بوذراع تعرض للتعذيب مرات عديدة وفي كل مرة يزوره ضباط المخابرات كانوا يلجأون للعنف معه. قضى عدة مرات الليالي خارج السجن بثكناتهم، ليعود إلى زنزانته في حالة يرثى لها. واحدة من هذه الزيارات جرت في 9 جويلية/تموز 2005 حيث كالعادة تسلم ورقة لإجراء تحاليل طبية. كان قد طلب بالفعل من الطبيب إجراء تلك التحاليل المشار اليها، مما جعل المساجين يشكون في وجود علاقة بين عيادة السجن والمخابرات. غير أن حضور ضابطها المدعو سيد علي في عدة حالات تعذيب أكدت وكشفت كل الأمور. كانت الساعة في حدود العاشرة والنصف صباحا أي قبل وقت دخول المساجين الى القاعات بنصف ساعة، لكنه لم يعد إلا في منتصف الليل. لقد استعملت معه طريقة الشيفون المعروفة، إلى أن أغمي عليه. الأمر الذي استوجب ابقاؤه في العيادة إلى أن استعاد قواه. الزيارة الثانية جرت في 6 اوت/آب 2005 حيث حدث له نفس السناريو. كانت المخابرات تريد الحصول على معلومات عن شقيقه من مثل عنوانه وأرقام تلفونه وكل ما يتعلق به. نذكر أن رضا مقاتل شيشاني سابق ومتزوج من شيشانية.

    - حمدي باشا سمير

    يتحدر حمدي باشا سمير من ولاية تبسة (الحدود الجزائرية - التونسية). كان يقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، وقبض عليه ضمن مجموعة أشخاص تلقوا التدريبات العسكرية في ثكنة تبتعد عن العاصمة طهران 160 كم جنوبا، على يد قيادات بارزة من الحرس الثوري (الحياة اللندنية: 28/06/2005). تتكون المجموعة من بن دحمان عبدالرحمان، م-خالد، ب-رضا، ح-نورالدين، ب-محمد، شريف الدين بوعلام، إضافة له، حيث كان قد دخل ايران تحت اسم مالك بوعكوير. تعرض حمدي باشا لأبشع أنواع التعذيب عندما قبض عليه في 15 أكتوبر 1999، وقضى شهرا كاملا في ثكنة بن عكنون التابعة للمخابرات. وجراء التعذيب أصيب في عموده الفقري حيث بات لا يقوى على التربع على الأرض. عندما كان في سجن الحراش ظل رجال المخابرات يترددون عليه، إلى أن تم تحويله إلى سجن تيزي وزو في 09/08/2005، حيث أفرج عنه في 15 /11/2005 بعد انقضاء مدة عقوبته. الزيارات لم تتوقف عنه وعن رفيقه في القضية رضا، وان كانت أغلبها استهدفت سمير حمدي باشا. كان طبعا في كل مرة يتعرض للتعذيب وخاصة عندما يحصل رجال المخابرات على معلومات جديدة يريدون التوسع في حيثياتها أو التأكد منها. خاصة وأن الرجل كان مقيما بأمريكا وتربطه علاقات واسعة بقيادات في جبهة الإنقاذ المحظورة مثل: أنور هدام وأحمد الزاوي ومراد دهينة وغيرهم.

    واحدة من الزيارات جرت بتاريخ 18 ماي/أيار 2005 وكانت قد سبقتها زيارات في 01/ 2005 و03/ 2005. قبل هذه الزيارة تلقى حمدي باشا سمير استدعاء من الطبيبة النفسانية التي تعالجه جراء التعذيب الذي تعرض له والذي سبب له متاعبا جمة جعلته يفضل العزلة لأشهر في زنزانة انفرادية لا يغادرها، ولا يتكلم مع أحد بما فيهم الحراس، قبل أن يعود لحالة شبه طبيعية. خلال هذه الزيارة أراد رجال المخابرات معرفة أمور تتعلق بأحمد الزاوي وعلاقاته في الداخل والخارج، وأسرار بعض الصفقات الخاصة بالتسليح التي تنسبها له المخابرات. ولما نفى معرفته وعلاقته بالشخص وأكد لهم أنه لا يعرف شيئا عن الموضوع، قام ضابط اسمه المهني مداني بركله ركلة قوية على ظهره وهو يعلم مسبقا بأنه يعاني من مرض عضال به. فسقط على وجهه ممددا على بطنه يصرخ من الألم. حينها وضع مداني رجله على ظهر سمير وراح يضربه بقوة حتى أغمي عليه. زملاؤه الذين كانوا بالقاعة أكدوا على أن الرجل بقي حوالي شهرين لا يستطع الحراك.

    زيارة جرت مجددا له في 30 جويلية/تموز 2005 أي قبل أسبوع من ترحيله لسجن تيزي أوزو. أرادوا أن يتحققوا منه عن بعض الملفات التي تتعلق بعلي بن حجر. وهو أمير ما كان يعرف بالرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد التي تم حلها واستفادت عناصرها من قانون الوئام المدني في جانفي/كانون الأول 2000. وحيث تعجب سمير من أسئلتهم التي تتعلق بعلي بن حجر الذي صار وئاميا وتوقف عن العمل المسلح، أجابوه بأنهم لا يؤمنون بالوئام مع أحد، والإرهابي يبقى إرهابيا مهما حاول أن يظهر التغيير. حينها قام احدهم بشتم أم سمير ليرد عليه شتيمته، الأمر الذي انزل به الضرب وهذه المرة عن طريق استعمال الكهرباء في دبره، للتأثير على عموده الفقري. بعد ساعات جنونية من ألوان التعذيب، حمله مساجين الخدمات من الحق العام على بطانية ورموه في زنزانة انفرادية بقي فيها ثلاثة أيام، دون أن يعرف زملاؤه المساجين مصيره. تعمدت الإدارة إخبارهم بأنه موضوع في العزلة بطلب منه، لكن ذلك لم ينطل عليهم كونه لم يأخذ شيئا من أغراضه. الأمر الذي نتج عنه احتجاج حيث توافق مع إضراب شامل عن الطعام بسبب وفاة غامضة للسجين العذاوري محمد. مصادر أخرى من سجن تيزي وزو أكدت أنه جرت زيارته قبل الإفراج عنه بأيام وتم تهديده بالخطف والتصفية ان فكر يوما أن يكشف ما تعرض له أو أن يعود لنشاطه من جديد.

    - أحمد مخلوفي

    أحمد مخلوفي متهم في قضية الأمير الوطني لتنظيم الجيا نورالدين بوضيافي. تم تجريد زوجته المتجلببة من ثيابها أمامه في مكتب المدير السابق لسجن الحراش بومعيزة حسين، وراح ضباط مخابرات يعبثون بجسدها من دون ادنى شعور إنساني وهو يتفرج على ذلك مع شقيقه المسجون معه في القضية نفسها. السبب يتعلق طبعا بمعلومات جديدة في ملف الأمير بوضيافي. حدث ذلك في جانفي/كانون الثاني 2006، حيث هددوه ان لم يتعاون معهم ستتعرض زوجته للإغتصاب أمامه. مما أجبره على إعطائهم معلومات فيها الصحيح ومنها الكاذب.

    زيارة أخرى حدثت في 25 ديسمبر/كانون الأول 2005 وكانت نتائجها جد قاسية استدعت بقاءه اسابيعا كاملة على فراش المرض. صادف استدعاؤه مع وقت زيارة عائلته له يوم الأحد (كان موعدها كل يوم إثنين في عهد المدير السابق بومعيزة حسين الذي سجن بتهم الفساد). وبعد انتهاء زيارة العائلة توجه، بدل أن يعود للجناح الأول، نحو مكتب مدير الحيازة (وهي المصلحة التي تتكفل بالمساجين) الذي يقع بالجناح الثاني. وجد هنالك ضباطا بانتظاره طلبوا منه أن يشرح لهم طبيعة الحديث الذي دار بينه وبين زوجته. كان قد تحدث لها عن أسرته ودعاها لأن تستعد لمفاجأة الإفراج القريب إذا بقي الرئيس بوتفليقة على قيد الحياة. كان الرئيس حينها في رحلة علاج إلى باريس حيث أجريت له عملية جراحية بمستشفى فال دوغراس العسكري. وكان احمد مخلوفي حينها ينتظر تطبيق ميثاق السلم والمصالحة الذي صادق عليه الشعب الجزائري بإجماع في إستفتاء 29 سبتمبر 2005. بحيث لم تبق سوى القوانين التطبيقية التي تأخرت كثيرا، وطرحت حولها أسئلة مختلفة من طرف جهات متعددة. لم يكن يتوقع أن الحديث مع زوجته حول المفاجآت التي قالها لمن عانت كثيرا من غيابه وما تلفظ به عن الرئيس بوتفليقة، وهو كلام تناقلته كل الألسن وليس له علاقة بمعلومات عن محاولة إغتياله، سيجرّ عليه كل هذا الغضب.

    الضباط الذين لم يستسيغوا كلامه، قاموا بربط يديه ورجليه معا للخلف، ثم راحوا يصبون البنزين على رأسه ويهددونه بالحرق إن لم يخبرهم ما يعرف. لكن السجين الذي لا يعرف شيئا ظل يترجاهم ويؤكد أن ما قاله ليس إلا حديثاً بينه وبين زوجته غايته رفع معنوياتها التي كانت منهارة. عندها فك وثاقه وطلب نقله إلى مكتب المدير، وهناك تفاجأ بوجود زوجته مع ضباط آخرين وهي عارية من ملابسها. حينها انهار نهائيا عندما وجدها تبكي وعلامات الصفع على وجهها بارزة. لم يكن منه إلا أن يطلب منهم التوقيع على أي شيء يريدونه بشرط إطلاق سراح زوجته. فأمروا الزوجة بأن تلبس ثيابها وأخرجوها. أما هو فكان منه إلا أن يوقع على محاضر ضد أشخاص آخرين لم يقرأ ما فيها. أمروا بعدها بتحويله إلى الجناح بعدما حذروه من أن يحكي أي شيء للمساجين. غير أنه أخبر بذلك مقربين منه والمتورطين معه في قضيته البالغ عددهم 12 فردا.

    أما الزيارة الأخيرة فكانت في 3 مارس/آذار 2006 وجاءت فقط لتحذيره من أن لا يبوح بشيء ما إن يخرج من السجن، وأن لا تلجأ زوجته للقضاء أو الإعلام لردّ الإعتبار لها ومحاسبة من تورط في إهانتها وإغتصابها. لكنه تفاجأ بالإفراج عن رفاقه في القضية من الإخوة لعريبي، وبينهم محمد لعريبي المتهم الرئيسي في القضية وهو صهر أمير التنظيم الأكثر دموية في الجزائر نورالدين بوضيافي (حكم عليه بالإعدام في 03/12/2007)، والذي أثار الجدل الكثير حول تأسيسه ومن يقف وراءه. التأخر بلغ أسبوعين كاملين سبب له إنهيارا عصبيا خاصة عند تذكر ما مر عليه، وبدأ يشك بأن المخابرات رفضت الإفراج عنه. وبعد تهديدات بالإضراب عن الطعام أفرج عنه في 21 مارس/آذار 2006 .

    - جمال مكراز

    جمال مكراز، أفغاني جزائري سابق شارك في حرب البوسنة ويتحدر من القبة بالعاصمة الجزائرية. اعتقل جمال أكثر من تسعة أشهر في ثكنة المخابرات ببن عكنون. التقى خلالها بأشخاص مساجين منذ سنوات لا أحد يعلم بهم من أهلهم، حيث جيء بهم من أماكن في الصحراء الجزائرية، تتواجد في نواحي أدرار حسب قوله. وتبدو أنها سجون سرية لا يصل لها القضاء ولا المنظمات الدولية. أما هو فظل بدوره ضحية الزيارات غير القانونية منذ وجوده بسركاجي، وحتى بعد تحويله للحراش حيث قضى أشهرا، قبل أن يعاد من جديد إلى سركاجي، بعدما ضرب ضابط سجن إثر رفض إدارة السجن تقبّل شكواه. كان هذا الضابط قد أهان زوجته المغربية الأصل أثناء زيارتها لها، حيث استعمل معها القوة ونزع عن وجهها النقاب أمام الناس. أدى ردّ فعل جمال لتعرضه لضرب جماعي من طرف الحراس أدخل على إثره المستشفى حيث كسر عظم خده.

    من بين الزيارات الأخرى واحدة وقعت في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2005 عندما قدم طلبا للإدارة لتغيير القاعة التي ينزل بها. ومن عادة الإدارة أن تستقبل السجين في رئاسة الجناح بعد استدعائه. وحيث بقي طلبه أكثر من 10 أيام دون جواب، أرسل آخر من جديد، وجاءه إستدعاء من رئيس الجناح. عندها ظن أن ذلك للبت بطلبه، لكنه وجد أمرا آخرا ينتظره، حيث حوّل للقاعة المخصصة لطب الأسنان، ليجد فيها ستة أفراد من ضباط المخابرات. كالعادة، طرحت عليه أسئلة أمر بالجواب عليها وهي تتعلق بمعلومات عن بعض الجزائريين المتواجدين في الخارج، وعن بعض المقاتلين السابقين في أفغانستان والبوسنة. وعندما نفى معرفته بتلك الأسماء، جردوه من ملابسه كاملا وربطوه على الكرسي الخاص بالعلاج ثم هددوه باقتلاع أسنانه ان لم يفعل ما يريدونه. وحيث ظل مصمما على كلامه وإجاباته، استعملوا بطرق فظيعة الأجهزة الطبية المخصصة لتطهير الأسنان واقتلاعها في جهازه التناسلي. لا بل أكثر من ذلك، عندما راحوا يدخلون في دبره جهاز خاص بثقب الأسنان جعله يأكل لحمه الداخلي. وطبعا ما خفي أعظم، كونه لم يتكلم عن كل ما جرى له. لكن المتعارف عليه أن مساجين القانون الخاص أو الإسلاميين يتحدثون لأمرائهم أو لمن يثقون بهم بكل ما يحدث لهم، كي يبقى ذلك عبرة تزيدهم حقدا على ما يسمونه بالطاغوت. هذا التعذيب جعله قضى شهرا كاملا دون أن يستطيع الجلوس حيث كان دبره ينزف دما.

    - شامة محمد

    السجين شامة محمد، المعروف بالقعقاع، هو أحد العناصر البارزة في تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA)، من مواليد 1963 ببوفاريك ولاية البليدة. كان مقربا من عنتر زوابري أحد أمراء الجيا (GIA) المثيرين للجدل. حسب الرواية الرسمية، ألقي القبض عليه بتاريخ 17/04/2005 لكن مصادر أخرى مقربة من السجين تؤكد أنه سلم نفسه قبل التاريخ المشار إليه بكثير. ذلك على أمل الاستفادة من المصالحة الوطنية التي بدأ حينها الترويج لها إعلاميا وسياسيا من الرئيس الجزائري شخصيا. كانت قد نسبت له تصفية امير الجيا (GIA) الأسبق رشيد أوكالي، المدعو أبو تراب، لصالح نورالدين بوضيافي. شامة محمد هو معوق من رجله اليمنى بسبب إنفجار لغم فيها، ونسبة إعاقته متقدمة جدا. وقد أودع سجن الحراش في أواخر ماي/أيار 2005 بعد تحقيقات كبيرة معه. وليس من عادة الأجهزة الأمنية ايداع شخص مثل القعقاع في السجن بعد حوالي 40 يوما من التحقيق. مما يفيد بأن التاريخ الذي ذكر أعلاه وأكده ملفه القضائي يحوم حوله شكوك عديدة. وهو منذ إيداعه السجن والزيارات لم تنقطع عنه، وإن كان لم يتعرض للتعذيب الا في حالات قليلة بسبب تعاونه الكامل، ووعود المخابرات له بالاستفادة من قانون السلم والمصالحة. مع ذلك لم يسلم من تلك التصرفات البشعة والمنافية للإنسانية.

    ففي الزيارة الأولى التي سجلت بتاريخ 31 ماي/أيار 2005، أي بعد أيام قليلة من دخوله السجن، جرى ضربه بقضيب حديدي على رجله المعوقة التي كانت متعفنة لدرجة متقدمة. وقد رفضت المصالح الصحية للسجن معالجته سوى ببعض الضمادات التي لا مفعول لها. اتهمته المخابرات بإخفاء معلومات مهمة، خاصة ما يتعلق بقيادة التنظيم وشبكاته وأمواله. أيضاً في الزيارة التي جرت في 22 جوان/حزيران 2005، تعرض شامة للضرب المبرح واستعمل معه الشيفون والكهرباء. الأمر الذي تسبب له بقضاء عشرين يوما في فراشه لا يغادره. وقد راسل بذلك قاضي التحقيق لدى محكمة الحراش ليعلمه بما يجري. لكن يبدو أن جهات في السجن أو في المحكمة قامت بتحويل الرسالة للمخابرات. مما جعله ضحية زيارة أخرى في 10 جويلية/تموز 2005، جرى فيها ضربه بالسكين على رجله المعوقة التي لا تزال الجراح تنزف منها. هذا فضلا عن الكهرباء حيث ربطت الأسلاك بلسانه، فتوقف عن الحديث لمدة تفوق الشهر. وقد تعددت الزيارات له بكثرة، خاصة في الفترة الممتدة من ما بعد إستفتاء 29 سبتمبر/أيلول 2005 لغاية مارس/آذار 2006 عندما بدأ التنفيذ الفعلي للميثاق والإفراج عن المساجين المستفيدين منه بدءا من 04 مارس/آذار 2006. كان يتلقى الوعود بالإستفادة من ذلك خاصة أنه في بداية الأمر لم تتم متابعته بقضايا منها الإغتصاب والمجازر الجماعية والقنابل في أماكن عمومية. وهي الإستثناءات الثلاث في ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح وحكم عليه بالمؤبد في 21 مارس/آذار 2007.

    - قليل لخضر

    يتحدر قليل لخضر من ولاية الجلفة وعمره يتجاوز الستين عاما. كان سائق سيارة أجرة. وفي إحدى المرات جاءه زبائن نقلهم إلى ولاية الأغواط التي تبعد حوالي 100 كم عن ولاية الجلفة (الجنوب الغربي للجزائر). بعد أيام قبض عليه بتهمة مساعدة مسلحين. لكنه أكد أنه لم يكن يعرف حقيقتهم. مع ذلك تعرض للتعذيب من مجموعة الدرك الوطني لولاية الجلفة. وتم إيداعه السجن عام 1998. خلال اعتقاله زارته المخابرات وتعرض لتعذيب سبب له جراحا عميقة في ذراعه اليسرى. وبسبب داء السكري الذي يعاني منه، إلى جانب قلة العلاج في السجن، حدث له تعفن بذراعه دفع الأطباء لبتر ذراعه من فوق المرفق. قدم قليل لخضر شكوى للرئيس بوتفليقة يتحدث فيها عما تعرض له من طرف الدرك الوطني والمخابرات التي عذبته وهو في السجن. فبلغ الأمر الجهات المشتكي منها التي ما كان منها سوى تجديد الزيارة له في سجن الشلف. كان ذلك في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2005 حيث عذب في مكتب الطبيب النفسي. وبواسطة الكلاليب ومفكات البراغي راحوا يقطعون لحم ذراعه المبتورة. كما تم نزع أظفار من أصابع يده اليمنى السليمة. الأمر الذي سبب له تعفنا آخر كاد أن يؤول لبترها هي أيضا قبل أن ينقذ في اللحظة الأخيرة.

    - شنايفية أحمد وزوجته

    السجين شنايفية أحمد متهم أيضا في قضية الأمير الوطني لتنظيم الجيا نورالدين بوضيافي، المعروف بـ "حكيم ار- بي - جي". أودع سجن الحراش في جانفي/كانون الثاني 2005، برفقة 11 متهما منهم زوجته التي هي شقيقة هذا الأمير، الذي ألقي عليه القبض في الجزائر في آواخر 2004 ويعتبر آخر أمرائها، والذي خلف رشيد أوكالي المدعو أبو تراب الذي لقي حتفه على يد خصومه. وكان خلف عنتر زوابري بعد قضاء مصالح الامن ببوفاريك (البليدة) عليه في فيفري/شباط 2002. جرى إغتصاب زوجته السجينة بالحراش أيضا أمامه في غرفة بالعيادة أكثر من ثلاث مرات من قبل ضباط المخابرات، عندما كان ينفي علمه بنشاطات صهره الأمير. زوجته أهينت على خلفية اتصالاتها بشقيقها، وعلى أساس أنها تعرف الكثير عن الذهب الذي سرقته جماعات التنظيم في مجازر بن طلحة والرايس ومجازر أخرى كثيرة اتهم النظام الجزائري التنظيم بارتكابها. لقد أصبح هاجس أموال التنظيم يشغل بال الأجهزة الأمنية حيث قدرت بملايين الدولارات.

    ظلت الشبهة تحوم حول السيدة شنايفية بسبب تردد شقيقها على بيتها، قبل أن يلقى القبض عليه في نواحي باب الزوار بالجزائر العاصمة. رحلة السيدة مع الإغتصاب بدأت في الأيام الأولى للتحقيق حيث اعتدي عليها على مرأى من زوجها وشقيقها. لقد مورس معها الجنس من قبل الجلادين بطرق بشعة للغاية. والأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، بل تواصل وهي سجينة في جناح النساء بسجن الحراش. المرة الأولى كانت بتاريخ 19 مارس/آذار 2005 حيث تم نقلها إلى مكتب المدير السابق بومعيزة حسين لتجد في إنتظارها 4 ضباط. فقد حققوا معها عن الحلي وقطع الذهب وغيرها من الأشياء الثمينة التي خبأها عندها شقيقها الأمير حسبما يزعمون. إلا أنها كانت تنفي ما يزعمون وتؤكد أن ما وجد عندها وتمت مصادرته هو ذهبها الشخصي. حينها لجأوا للعنف حيث جردوها من ثيابها وراحوا يعبثون بجسدها وأماكن حساسة فيه بطرق مقززة،. ثم استدعي زوجها أحمد ليشاهد ما يحدث لزوجته. وحين اندفع بقوة نحو الضابط الذي كان يفعل ذلك، ضرب بقضيب حديدي على رأسه أوقعه مغميا عليه. بقي على تلك الحال ساعات طويلة، مما أجبرهم على نقله للعيادة وتقديم الإسعافات الأولية له. المرة الثانية التي اعتدوا فيها على السيدة شنايفية كانت في شهر ماي/أيار 2005 عندما أدخل ضابط إسمه كمال خميسي يحمل رتبة نقيب عصا في فرجها حتى أغمي عليها. المرة الثالثة عندما تم نقلها إلى ثكنة بن عكنون في أواخر شهر ماي/أيار 2005 حيث مورس معها الجنس بالتداول بين مجموعة من الضباط.

    - عبدالمجيد دحومان وآخرون

    في سجن سركاجي نجد حالات متعددة، نذكر منها ما حدث مع عبدالمجيد دحومان المطلوب أمريكيا، ومع السجناء عادل بومزبر ومراد يخلف، اللذان توبعا بشبهة علاقتهما بأحمد رسام الذي أوقف في 15 ديسمبر/كانون الأول 1999 عند الحدود الكندية الأمريكية وبحوزته متفجرات واتهم بالتخطيط لما صار يعرف بتفجيرات الألفية بأمريكا. تم ترحيل مراد يخلف من كندا في 2004، أما الآخران فقبض عليهما بالجزائر. بما يخص عبدالمجيد دحومان (41 عاما) المتواجد حاليا بسجن المدية، والمعروف بإسم هشام الروجي، فقد أعتقل في الجزائر في 25 مارس/أيار 2001، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد رصدت عام 2000 مكافأة فاقت 5 ملايين دولار لمن يساعد في القبض عليه. إلى أن أفرج عنه برفقة الآخرين المتابعين معه في القضية نفسها، إلى جانب محمد بن يمينة المطلوب فرنسيا، وذلك في مارس 2005 في إطار قانون ميثاق السلم والمصالحة. غير انه تم اعتقالهم مجددا في أبريل/نيسان 2005 وأدرج ذلك في إطار "الأخطاء القضائية"، حسب تصريح وزير العدل الجزائري الطيب بلعيز إثر الضجة الإعلامية التي نشأت.

    يذكر أن الولايات المتحدة تقدمت رسميا بطلب للجزائر لحضور محققين أمريكيين في جلسات الإستماع لدحومان. لا بل طلبت استجوابه في 2001 وتحقق لها ما ارادت في 13 مارس/آذار 2001 بثكنة بن عكنون بعد نقل دحومان إليها. خلال تواجده بسجن سركاجي (الجزائر العاصمة) ظل ضباط المخابرات يترددون عليه لإجباره على التوقيع على إفادات ظل يرفضها ويلتزم بالصمت بالرغم مما تعرض له من تعذيب عند إعتقاله. تتحدث مصادرنا من داخل المؤسسة العقابية التي كان يتواجد بها، على أنه تعرض للتعذيب في مكتب أعد له خصيصا في الرواق الذي يتواجد به مكتب المدير. ومن بين الزيارات التي سببت له المرض ما حدث له في 15 مارس/آذار 2001 بعد يومين من استجوابه من قبل عملاء المخابرات الأمريكية، حيث استعمل معه الكهرباء حتى أغمي عليه. لكنه ظل يرفض التعاون أو حتى الإجابة على أسئلتهم، وبقي يردد انه لا يحق لأحد أن يستجوبه سوى الله. فعاودوا تعذيبه في السجن من دون علم محاميه أو النيابة العامة لدى محكمة سيدي امحمد (الجزائر العاصمة) حيث يتابع قضائيا.

    زيارة أخرى جرت في أبريل/نيسان 2003 بحضور ضباط من المخابرات المركزية الأمريكية. وحيث رفض دحومان الإجابة على أسئلتهم التي تبحث عن معلومات عن شبكات أحمد رسام وعلاقاته مع تنظيم القاعدة، خاصة وأنه أفغاني سابق، فقد جرد من ثيابه وتم استعمال طريقة الشيفون معه. كان ذلك بالتعاون مع الأمريكيين الذين حقنوه بمادة مخدرة دفعته ليتكلم دون أن يدري ما يقول. بعد ذلك بقي طريح فراشه فاقد الوعي أكثر من 3 أيام. حصل الأمر نفسه مع الآخرين في سجن سركاجي وحدثت مرات منها تحت إشراف أعوان أمريكيين. منها ما جرى مع عادل بومزبر في فيفري/شباط 2002 وأدى لدخوله المستشفى لأسبوع كامل. لقد ظلت الجهات الرسمية في الجزائر ترفض تسليم هؤلاء للقضاء الأمريكي، في حين تقدمت جهات أخرى بمقايضة لتبادله بقيادي الجبهة الإسلامية المحظورة الدكتور أنور هدام. فهو لاجئ بالولايات المتحدة ورئيس ما كان يعرف بالبعثة البرلمانية في الخارج، كانت الجزائر قد حكمت عليه بالإعدام.

    - أحمد خليفي

    السجين أحمد خليفي الملقب بـ "الشيخ داود" كان مسجونا في هولندا وإستطاع الفرار من حكم يطارده. غير أنه أعتقل بباريس وأودع السجن ليقضي أكثر من ثلاث سنوات توبع خلالها في قضية اغتيال القائد الأفغاني أحمد شاه مسعود. سلمته فرنسا للجزائر في مايو/أيار 2005 على متن طائرة خاصة وهو مقيد. عند وصوله وجد المخابرات الجزائرية في إنتظاره واقتيد لثكنة وادي حيدرة (العاصمة). هناك تعرض لأبشع أنواع التعذيب، مما سبب له نزيفا حادا في أذنه افقده حينها شيئا من سمعه إلى أن فقده الآن بشكل كامل. لقد تعرض إلى الضرب المبرح والتعذيب بالكهرباء لدرجة أنه عندما أودع السجن كان جسده أزرقا وينزف قيحا بسبب تعفن الجروح. قضى في زنزانة تحت الأرض أكثر من أسبوعين، وأودع في منتصف مايو/أيار سجن الحراش وهو في حالة يرثى لها. في 28 مايو/أيار 2006، نشر خبر تسليمه للجزائر والبعض من قصته في إحدى الصحف الجزائرية الناطقة بالعربية، تحت توقيع الصحفية نائلة بن رحال. الأمر الذي أتهمه بالتورط في ذلك مع الصحفي أنور مالك الذي كان يجالسه كثيرا. وفي اليوم نفسه كان المساجين في الساحة لقضاء ما يطلق عليه بالراحة المسائية، حضر العون إلياس يحمل استدعاءا له من العيادة، فذهب مسرعا حيث اعتقد أن السبب النزيف في أذنه اليسرى. غير أنه وجد في إنتظاره ضباط مخابرات من الذين كانوا قد عذبوه من قبل. فقاموا بضربه ضربا مبرحا مما سبب له نزيفا آخر إنتفخت على أثره أذنه حتى صارت كأنها رأس جديد يلتصق برأسه. ولم ينسوا أن يحذروه من البوح بقصته للمساجين. ثم قامت إدارة المؤسسة العقابية بعزله في زنزانة إنفرادية بأمر من المخابرات.

    - ضحايا آخرون

    تعرض السجين صخري علي لزيارة في سجن البليدة وهو متهم بتموين الجماعة السلفية للدعوة والقتال. كذلك السجين قاسة محمد بغدوش والمتهم بمحاولة إغتيال عقيد في المخابرات الذي تعرض للتعذيب في سجن البليدة في 23 جانفي/كانون الثاني 2006. حدث ذلك بالعيادة حيث كان يعالج من مرض في عموده الفقري بسبب ما تعرض له على يد المخابرات العسكرية بالبليدة. بوعبدالله سليم وشقيقه بوعبدالله السعيد تعرضا أيضا لتصرفات لا أخلاقية. السعيد حدث له ذلك في نوفمبر 2004، اما سليم فقد تم إستنطاقه بعدما عثر معه على هاتف نقال وشريحة ضبط من خلالها إتصالات بالخارج، وذلك في 20 فيفري/شباط 2006.

    زيارات أخرى إستهدفت مساجين ينتمون الى ما يعرف بجماعة أبو تراب بعضهم متواجد في سجن الحراش، وهم عزوق مقران وعوار محمد وسلمان جمال وصدوقي محمد. تعرضوا جميعهم للتعذيب في العيادة وخاصة في الفترة الممتدة من ماي/أيار 2005 إلى جوان/حزيران 2006. الأمر الذي أوصلهم لحالات إغماء ومرض كانت أطولها ما جرى لعوار محمد الذي بقي ملازما فراشه أكثر من 32 يوما، وكان ذلك في 14 جوان/حزيران 2006 عندما أعادوه من سجن البليدة إلى الحراش. الشئ نفسه حصل للمتهمين الآخرين في قضيتهم والمتواجدين بسجن سركاجي وهم: بوطاف أعمر ومهدي شمس الدين والعروي سمير وكركار رشيد وقبي حسين.

    خلاصة

    هذه بعض الحوادث التي تم تسجيلها في السجون المذكورة، وهي ليست سوى غيض من فيض. لكنها مثال صارخ على التعذيب والمعاملة اللاإنسانية التي يتعرض لها السجناء في الجزائر. وهنا نلفت إلى أن المساجين لا يتمكنون من التقدم بشكاوى ضد جلاديهم لما يلاقونه على يدهم من انتهاك لحقوقهم وكرامتهم، كون شكاويهم تحوّل إلى الجهات المعنية. الأمر الذي يعرّضهم للتنكيل بهم ولجلسات التعذيب من جديد. فضلا عن أن تحركات محاميهم تؤثر سلباً على قضاياهم. فالأجهزة الأمنية التي تقوم بتعذيبهم تحذرهم من البوح بشيء للمحامين أو لأهاليهم وإلا فسيلحقون الأذى بأنفسهم وسيجلبون لأنفسهم متاعب جديدة وشديدة قد تصل بهم لحد الإعدام. وهذا الذي جعلهم يسكتون، خاصة وأن إغراءات قانون ميثاق السلم والمصالحة الوطنية تفتح لهم أبواب الأمل بالعودة لعائلاتهم وأبنائهم. وبعدما صادق الشعب الجزائري في 29 سبتمبر/أيلول 2005 بأغلبية مطلقة.

    نلفت كذلك إلى أنه خلال الفترة التي تحدثنا عنها حصلت زيارات للصليب الأحمر الدولي لسجن الحراش، منها مثلا زيارة في 13/12/2005 وأخرى في جوان/حزيران 2006. غير أن الإدارة حذرت المساجين، خاصة الذين تعرضوا لهذه الحوادث، من أنهم سيتعرضون لعقوبات أكبر لو تحدثوا عما جرى معهم. ولا ننسى الحالات التي تم فيها وضع مساجين الحق العام في الساحات، وفي أوقات يمنع فيها خروج المساجين الإسلاميين من القاعات، حيث تحدثوا للزوار على أساس أنهم مساجين متابعين في قضايا الإرهاب. كذلك نلفت إلى أن الأفراد الذين يُخشى أن يكشفوا أشياء للمنظمة الإنسانية يستدعوا للعيادة في الصباح ويستبقوا في قاعة خاصة حتى نهاية زيارة وفد الصليب الأحمر الدولي. وقد حدث أيضا أن بعض المنظمات التي أرادت أن تتحدث للمساجين قابلت في مكتب المدير حراسا بلباس المساجين بحيث تخرج الاجابات لصالح إدارة السجون ووزارة العدل. والفضائح على هذه الشاكلة كثيرة ومختلفة، ذكر لنا منها ما يحدث عند التقدم لشهادة البكالوريا، حيث تم إحضار أساتذة للسجن لاجراء الامتحان بدل المساجين، كون النتيجة العالية تصلح لصنع ضجيج إعلامي.

    نخلص للاستنتاج أن التعذيب في الجزائر ليس وحده الجريمة التي تقترفها الأجهزة الأمنية بحق مساجين أو موقوفين أو مشتبه بهم. فتجربة ما يسمى بمكافحة الإرهاب عرفت الكثير من التجاوزات البشعة من قتل خارج إطار القانون واختطاف قسري والتمثيل بالجثث وإبادة للمدنيين. وما نود الإشارة له هنا هو ما أطلق عليه بتورط الأجهزة الأمنية في المجازر. هذا الموضوع يحتاج لافراد ملف آخر له. وباختصار نقول أن هذا التورط حصل بطرق مباشرة، حيث تقوم كتائب من العسكر أو المخابرات بالفعل المباشر، مثل وضع قنابل في أماكن عمومية ونسبها للإسلاميين، أو قتل لأبرياء كما حدث على يد الرائد رماضنية محمد الذي قتل عدة مرات أشخاصا وتركهم في مكانهم دون تقديم الإسعافات لهم. هذه الأعمال وغيرها نسبت إلى الجماعات الاسلامية المسلحة.

    كذلك يجب الإشارة إلى أن أخطر تلك العمليات التي إقترفها تنظيم الجماعة الاسلامية المسلحة (الجيا)، جاءت بإيعاز من المخابرات عن طريق الضباط الشرعيين المنتمين لدوائر الأجهزة الامنية. ففي عام 1993 جرى تكوين عدة ضباط بثكنة بلعروسي ببن عكنون تكوينا جيدا في الفقه والشريعة الاسلامية والعقيدة، وبرع المؤطرون في اعطائهم أطروحات وافية حول قضية التكفير وخاصة تكفير العوام ومقتضيات ذلك في كتب الفقه والعقيدة الاسلامية عبر مختلف العصور والمذاهب. بعد ذلك تم ايداعهم سجن لامبيز بتازولت ولاية باتنة، كمتهمين متورطين في قضايا ما يعرف بالارهاب. وهناك استطاعوا اثبات وجودهم وكسب قلوب المساجين الاسلاميين بأخلاقهم وتدينهم وتقواهم وعلمهم، اضافة الى ثورتهم على النظام الذي كانوا يتشددون في تكفيره. إلى أن قامت السلطة، بتورط مباشر للمديرية العامة لادارة السجون، بتسهيل عملية فرارهم والتي تعتبر أكبر عملية شهدتها الجزائر. فهربوا للجبال واخترقوا التنظيمات،.وكي يتمكنوا من السيطرة على مركز المفتي أو ما يعرف بالضابط الشرعي، وجب التخلص من الضباط الشرعيين السابقين.

    هذا ما حدث لزرفاوي بوبكر في أعالي الشريعة حيث عذب حتى الموت على يد جمال زيتوني بسبب العمالة للمخابرات. وهذا ما يبثه الوافدون الجدد، حيث سيطروا على أهم شيء يتم منه تحريك الجماعات والتحكم في اعمالهم وعقولهم وعواطفهم الدينية المتأججة. فيصدر بيان يعرف بردة عموم الشعب، وتبدأ رحلة المجازر في حق المدنيين والشعب. فما حدث ولا يزال يحدث وسيبقى مستمرا في الجزائر، بسبب الاستغلال البشع لحالة الطوارئ ، لن يتوقف طالما استمر المتورطون بتلقي حماية النظام، والتي زادها ترسيخا ميثاق السلم والمصالحة الوطنية المصادق عليه في استفتاء شعبي.

    أمر أخير وجب التنبيه له ألا وهو الحالة النفسية التي وصل اليها المساجين بعد تعذيبهم. منهم من حاول الانتحار، ومنهم من اصيب بخبل في عقله جعله يعيش حالة مستعصية، كما جرى للسجين مريني فضيل المتواجد بسجن سركاجي. والأخطر من ذلك أن تتكون مصلحة الطب النفسي على مستوى المؤسسات العقابية من أطباء أغلبهم مجندين لصالح المخابرات. حيث يقدمون بصفة دورية تقارير عن المرضى تتضمن المعلومات التي يدلي بها هؤلاء للطبيب. الأمر نفسه يصح بالنسبة لمحامين يستغلون ظروف المساجين النفسية ويطلبون منهم كل المعلومات، على عكس ما يفعلوه مع المحكمة أو مع الضبطيات القضائية. وهذه المعلومات تسرب للجهات المعنية. وهذا ما يتنافى بالطبع مع اخلاقيات هذه المهن التي تفرض الحرص على السر المهني للموكل او المريض.

    توصيات
    • نطالب في اللجنة العربية لحقوق الإنسان بتشكيل لجنة دولية مكونة من منظمات حقوقية وقضائية للقيام بزيارة هؤلاء السجناء المذكورين بالإسم والإستماع لشهاداتهم،
    • طلب ضمانات من السلطات الجزائرية تقضي بحماية هؤلاء الأشخاص وعدم التعرض لهم في حال تقديمهم تصريحات تكشف عن هذه الجرائم،
    • نسجل من جديد طلب اللجنة العربية لحقوق الإنسان زيارة السجون الجزائرية بما فيها تلك السرية التي يتواجد بها مساجين منذ سنوات ولا أحد يعلم عنهم شيئا،
    • معاقبة كل من ثبت ارتكابه لهذه الأفعال أو من سهّل لها، بغض النظر عن مكانته في النظام الحاكم.


  • الرئيسية | عن الشبكة | بريد | بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | حملات | النشرة الأسبوعية | مواثيق وإتفاقيات | أجندة حقوق الإنسان | خدمات | دليل المواقع | اصدارات حقوقية | جوائز حقوق الانسان | مؤسسات على الشبكة
    الرئيسية
    جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر عنها المواد المنشورة
    مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2009
    المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

    ifex