أوسلو البداية .. أزمة الانقسام الفلسطيني ثقافة وتاريخ

بقلم/ إبراهيم عمر حمدونة

كاتب من غزة

تعتبر الحالة الفلسطينية استثنائيةً فريدةً في تجاذبات صراعات القوى الفكرية عبر التاريخ، وعلى الناظر لحلبة التجاذب الفلسطيني الالتفات قليلاً للماضي لفهم المسرحية السياسية القائمة، ليجد برنامجين ومشروعين قائمين وليس جزءان من الوطن، ففلسطين وطنٌ واحدٌ لا يمكن لأحد مهما كانت قوته أن يجزئ أو يقطع أوصالها أو أن يجرؤ على ذلك، كما سجلَ التاريخ أن بداية الانقسام ليس وليد اللحظة أو الحسم الذي حصل منتصف 2007 كما يدعي قارعي طبول مشروع التسوية، بل هو قديم قدم وجودهم، بدأ مع بداية أوسلو حينما تباينت ردود أفعال الشارع الفلسطيني على تلك الاتفاقية، فالانقسام كان بتخطيط صهيو أمريكي جاء ليمرر عبر أزقة ودهاليس أتباع مشروع التسوية الذي تقوده زمرةٌ متنفذةُ القرار داخل البيت الفتحاوي، صاحب التاريخ النضالي المشرف في زمانٍ ورجالٍ وقادة عظماء غيرَ هؤلاء.

لقد كان تاريخ إعلان الاتفاقية بداية دخول منحدر الانقسام الخطير، فقد تسابق أصحاب مشروع التسوية لتعليق أغصان الزيتون على الجيبات والمواقع العسكرية لقوات لاحتلال، وتبادلوا مع جنوده القبلات والعناق والورود، الذين لم تبرد فوهات بنادقهم التي أراقت دماء عشرات الشهداء على ثرى الوطن وهذا جزء من الصورة، أما الجزء المقابل فقد وقف حماة مشروع المقاومة سداً منيعاً للحول دون غرس هذه الثقافة وتبديل التاريخ في نفوس أبناء شعبنا في الداخل والخارج، ومنذ تلك اللحظة أخذت الأمور تخرج عن نص وسيطرة المخرج – الإدارة الأمريكية- بدخول المشروع المناوئ على المسرح، وظهرت المدافعة والشد بين المشروعين وتبادلا الاتهامات سراً وعلناً، في وقت استند فيه مشروعهم للدعم الدولي العربي والغربي المادي والمعنوي حتى اللحظة، أما مشروع المقاومة فقد اعتمد على إرادة الشعب والتمسك بالثوابت والحقوق والصمود في وجه الاحتلال، واستمرت الأمور سنوات وسنوات، وخلالها ولفرض مشروع التسوية كانت صور الانقسام المؤلم التي لا زالت عالقة في أذهان الكثيرين تتوالى سريعاً عبر تطبيق مشروع الاستلام للإملاءات والأجندات الخارجية بالاعتقالات والملاحقات الأمنية التي طالت كوادر وقيادات المقاومة في الضفة والقطاع إبان حكم فتح لهما، وتصفية بعضهم مباشرة من خلف حجاب، وجهدكم الكبير في الكشف عن شاليط وتحديد أماكن المقاومين والمجاهدين، وقطع رواتب آلاف الموظفين كابتزاز سياسي خطير يضرب النسيج الاجتماعي الداخلي، ونشر أوكار الرذيلة والفساد ككازينو أريحا وغيره كصور للتقدم والازدهار الحضاري، ناهيك عن “التنسيق الأمني” وتبادل الأدوار مع الاحتلال في الزج بشرفاء الوطن وقادته في السجون والمعتقلات كأحد أهم بنود اتفاقيات تسويق مشروعهم الدنيء، وموقفهم من الحرب والعدوان على غزة واستمرار الحصار وإغلاق المعابر بتفاهمات ضمنية وتخطيط موحد، بهدف كسر إرادة الشعب وتحطيم قدراته وإمكانياته، ورغم كل ذلك تدحرج مسرح الصراع ما بين التعنت الإسرائيلي المتواصل والأمل الفلسطيني نحو سراب التوصل لدولة فلسطينية من جهة، وإصرار مشروع المقاومة بالوقوف والتصدي رغم حداثة التجربة وقلة الإمكانيات من جهة أخرى.

بدأ الانقسام الفلسطيني جلياً أمام أنظار العالم ومتابعي الشأن الفلسطيني بُعَيد انتخابات عام 2006 وفوز حركة حماس الذي سجل مفاجأة وزلزالاً أصاب المسرح السياسي في المنطقة، فتلك الانتخابات جاءت لتسويق مشروع التسوية بطريقة أخرى، ومن أجل تذويب أصحاب مشروع المقاومة بالعملية السياسية، وبدأت خطوط الانقسام ترتسم في الأفق بمواقف حركة فتح التي قاطعت تشكيل حكومة الوحدة التي نادت إليها حماس وتوالي التصريحات والقرارات والتهديدات سراً وعلناً لكافة الأحزاب والتكتلات بالمقاطعة رغم دعوات حماس المتكررة للجميع بتشكيل أول حكومة وحدة وطنية، كما كانت التعليمات الصارمة للسفارات والقنصليات بمعظم الدول العربية بفرض وصاية المقاطعة على حماس وحكومتها، الأمر الذي شكل ذريعة وسبباً مباشراً -لا تلام عليه الدول العربية والإسلامية- بمقاطعة حماس.

إن الانقسام بلا شك صفحةٌ سوداءٌ في تاريخ قضيتنا ونضال شعبنا وتضحياته، يجب أن ينتهي وللأبد دون المس بأركان مشروعنا الوطني، وانطلاقاً من فهمنا العميق لثوابتنا وحقوق شعبنا المشروعة نأمل وكل فلسطيني أصيل بأن تصل الرسالة بأنه لن يسمح لأحد مهما كانت توجهاته أن يتلاعب بمقدرات الشعب وأن يزعزع الأمن ويضرب النسيج الاجتماعي ويغرد بعيداً عن طموح الشعب، والتي عبرت عنها حشود الجماهير الواعية – للحراك الشعبي – وفهمت ما يحاك ضد قضيتنا، واستجابت لمسيرات إنهاء الانقسام الذي توافقت عليها الفصائل، ونادت بصدق ضرورة تحقيق المصالحة، وأنه لا يمكن لأحد أن يعيش دون الآخر، ولا يمكن لأحد أن ينفي وجود الآخر، ولا بد من الجلوس على طاولة واحدة، توضع عليها جميع الملفات رزمة واحدة ويتدخل العقلاء والشباب لفتح صفحة جديدة في تاريخ القضية.

إن التحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة العربية في التغييرات والتجاذبات السياسية التي طالت بعض أركان الأنظمة والحكم وكان يتكئ عليها أصحاب مشروع التسوية، وانكشاف عورة السياسة الأمريكية بتخليها مراراَ وتكراراً عن القضية داخل أروقة الاجتماعات الدولية, وتباين الموقف الدولي حيال مطالب الشعوب الثائرة المطالبة حرية الرأي واستقلال القرار، وجب على أصحاب مشروع الاستلام والتسوية بعد هذه السنوات العجاف من الإفلاس السياسي الاستيقاظ من سباتهم العميق لتحقيق مصالحة حقيقية تقوم على أسس وطنية وتؤسس لمشروع الوطن الكبير.

One Response to أوسلو البداية .. أزمة الانقسام الفلسطيني ثقافة وتاريخ

  1. ضمير الامة March 22, 2011 at 9:39 am

    ضرورة انهاء الانقسام عن طريق المصالحة الغير مشروطة ومحاسبة كل المسؤلين عن جرائم انتهاك حقوق الانسان في الضفة وغزةوهذا يتم عن طريق طرح مبادرة المصالحة من قبل المنظمة العربية لحقوق الانسان وانهاء مهزله العبث بحياة الناس وكرامتهم وحقوقهم من قبل السياسيين

    أبلغ عن تعليق غير لائق

Leave a Reply