*أنور القوصري

أصدرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بامضاء رئيسها المناضل جمال مسلم، وهي من بين المنظمات الوطنية الأربعة الراعية للحوار الوطني الذي أخرج البلاد من نفق حكم الإخوان و الحاصلة  على جائزة نوبل للسلام معها، بيانا شديد اللهجة قالت فيه إن خطاب رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي، التي توجه به للشعب التونسي يوم الاربعاء 10 ماي 2017، تضمن اصرارا عنيدا على تمرير قانون المصالحة الإقتصادية بقطع النظر عن مواقف القوى المدنية والشعبية الرافضة له وتهديدا بتطبيق  القانون إذا ما أصرت على التعبير عن رفضها بالنزول إلى الشارع.

كما أعلن عن الزج بالجيش الوطني لتأمين إنتاج ونقل الفسفاط(الفوسفات) والبترول والغاز في مناطق الجنوب التونسي،  وشدد على وجوب الالتزام بقرارات هيئتي الرئاسة ومجلس نواب الشعب، ويقصد الأغلبية فيه المتكونة من توافق بين حزبه حزب نداء تونس الحاكم مع حزب حركة النهضة الفرع التونسي للإخوان،  باعتبارهما الهيئتين المنتخبتين اللتين يخول لهما القانون أخذ القرارات، ضاربا بعرض الحائط كل حوار مجتمعي خارج هذين الإطارين.

واعتبرت الرابطة أن هذا الخطاب يمثل منعرجا خطيرا قد تؤول إليه الأوضاع نتيجة هذه القرارات وعن ردود الأفعال الشعبية الممكنة الناتجة عنها.

ولذلك ذكرت الرابطة الجميع بضرورة الحفاظ والتمسك بمدنية الدولة، بما يعني عدم إقحام العسكر في السياسة وفي مواجهة التحركات الاحتجاجية الاجتماعية المطالبة بالتشغيل والعدالة في التنمية بين الجهات المهمشة والجهات التي تنفعت من التنمية أكثر من غيرها طيلة عقود من الاستقلال، وهو خطر تجنبته تونس منذ الاستقلال بعزل العسكر عن الاقتراب من الشأن السياسي. وطالبت الرابطة بضرورة احترام  مكتسبات الثورة كحد أدنى للتعايش بين أفراد الشعب التونسي.

وشددت على ضرورة التمسك بهامش الحرية كمكسب وحيد حققته الثورة ورفضت بشدة أي سطو قد يهددها من المؤسسة التنفيذية الحاكمة.

ونبهت السلطة التنفيذية برفضها القطعي للتهديد تحت أي مسوغ كان للتحركات الإجتماعية والمدنية السلمية التي يعبر عنها أصحابها في الساحات العامة وفي الشوارع.

وأكدت مرة أخرى رفضها المبدئي لقانون المصالحة غير الدستوري الذي ينسف مسار العدالة الإنتقالية ويؤسس لعقلية الإفلات من العقاب.

وفي الأخير دعت رئيس الجمهورية إلى سحب قرار العسكرة بدعوى تأمين وحماية الثروات، لما في ذلك من مغزى لتقسيم الوطن والمواطنين، لم تشهد له تونس مثيلا إلا في أحلك فترات الحكم الإستعماري الفرنسي، وما يعنيه ذلك من تهميش وانتقاص من دور قوات الأمن الداخلي في القيام بواجبها، ومن تهديد للتحركات المطالبة بالتنمية والتشغيل.

هذا البيان شديد اللهجة، على خلاف عادة الرابطة، منذ الثورة، أتى ردا على خطاب ألقاه رئيس الجمهورية في قصر المؤتمرات في العاصمة، بعد أن جمع أمامه الحكومة وأعضاء الهيئات الدستورية ومجلس نواب الشعب والأحزاب والمنظمات الوطنية.

وقد قاطعه بعضها مثل أحزاب الكتل المعارضة ككتلة الجبهة الشعبية ونوابها في البرلمان، والعديد من النواب المعارضين مختلفي المشارب من الأقلية بمجلس نواب الشعب.

لم تلجأ الرابطة لمثل هذا البيان إلا بعد أن نفذ صبرها، هي والاتحاد العام التونسي للشغل، منظمة الشغيلة الوطنية والطرف الهام في منظمات الرباعي، والذي كان  أيضا غير راض على محتوى الخطابوإن لم يكن شديد اللهجة مثل الرابطة، ولكنه دافع على نفس المضمون مثلها حفاظا على شعرة معاوية، لأنه في مفاوضات اجتماعية متواصلة مع الحكومة.

وقد تخوفت قيادة الرابطة التي من تقاليدها  أنها

لا تعادي، ولكنها لا تجامل أبدا عندما يتعلق الأمر بانتهاكات جسيمة أو بخطر وقوعها،  ففزعت من لهجة خطاب الرئيس ونبرته القمعية، مما من شأنه أن يشكل منعرجا خطيرا أما تفاقم وتنوع الاحتجاجات الاجتماعية في مختلف الجهات التي كانت عاملا أساسيا في الثورة منذ ستة سنوات خلت.

وهو مؤشر خطير بالنسبة للسلطة المنبثقة عن انتخابات 2014، التي عجزت عن التقدم في تحقيق أهداف الثورة خصوصا تلك المتعلقة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالتشغيل والتنمية في الجهات المحرومة، رغم تعاقب مختلف الحكومات.

في هذا الخطاب أعلن الرئيس جملة من الإجراءات منافية لحقوق الإنسان المدنية والإجتماعية، من أهمها:

* التمسك بمشروع ما سمي بقانون “المصالحة” الذي يهدف إلى الالتفاف على مسار العدالة الانتقالية المكرس في الدستور، وهيئة الحقيقة والكرامة، وتبييض الفساد، بتمكين من استنفعوا من منظومة الفساد بدون وجه حق والموظفين الكبار في أجهزة الدولة والشركات العمومية الذين خدموهم، من الإفلات من المحاسبة عما اقترفوه من جرائم خطيرة في حق المجموعة الوطنية، مقابل إبرام صلح مع الدولة لا علاقة له بجسامة مع نهبوه من المال العام.

وهؤلاء التصقت بهم قضايا وشبهات فساد جديدة مختلفة وخطيرة إثر الثورة،  بتمويلهم للحملات الانتخابية للأحزاب

الفائزة في الانتخابات، بما يتجاوز بكثير سقف الإنفاق الانتخابي المحدد بالقانون، لشراء الأصوات وتشغيل اليد العاملة الانتخابية في الميدان والإعلام خارج نطاق القانون، وهي جرائم انتخابية، لم تلتفت لها الهيئة المكلفة بالانتخابات، مما ينتفى معه شرط نزاهة الانتخابات رغم حصولها في كنف الحرية من حيث الدعاية والشفافية فيما يتعلق بنتائجها

*كما تعمد الرئيس في خطابه التعميم، عندما شبه، ضمنيا، الشباب المتظاهرين والمحتجين الاجتماعيين السلميين،  بقطاع الطرق، متعللا بحصول بعض التجاوزات أحيانا، من بعض المشاركين فيها.

وهذا تشبيه غير واقعي فالجميع يعلم أن نسبة التظاهرات التي تشهد تجاوزات في تونس قليلة جدا، وهي في كل الأحوال لا تمثل خطرا على الأرواح والأملاك.

فعل الرئيس ذلك ليبرر الإقدام على اتخاذ قرار خطير يتمثل في  إقحام المؤسسة العسكرية في السياسة وتأليب قياداتها غير المسيسة ولا تفهم في التناقضات السياسية والاجتماعية، ضد الاحتجاجات الاجتماعية. وذلك بعد أن عبرت نقابات أمنية رفضها توظيف الأمن في الخلافات السياسية وضد الاحتجاجات الاجتماعية كما كان يفعل بن علي.

وقد قرر الرئيس هذا التوجه الخطير لعجزه وعجز حكومته على تلبية الحقوق الاجتماعية و إقناع المحتجين، لتمسكه بمنوال تنمية فاشل قرره بن علي وكان من أسباب الثورة، ورفض ضرورة تعديله حتى يأخذ بعين الاعتبار استحقاقات التنمية المستدامة.

استشاط المجتمع الأهلي غضبا من ذلك، ومن بينهم الرابطة، لأن سلمية الاحتجاجات الاجتماعية والمدنية في تونس هي من تقاليد الشعب التونسي العريقة. فحتى بن علي لم يواجهها بالعسكر. وإنما حاصرها بالبوليس طيلة فترة حكمه.

وهذه السلمية هي التي جعلت العالم  يعتبر الثورة التونسية والانتقال الديمقراطي الذي حصل إثرها قد حققت نسبة محترمة من النجاح ولم تسقط في العنف.

ولكن الرئيس يتجاوز اليوم الخطوط الحمراء باقحام العسكر الذي لا يتمتع بالحرفية في مواجهة المواطنين المحتجين،  ويمكن أن يسفر ذلك عن مواجهات قد لا تحمد عقباها إن أصر في هذا المنهاج.

* كما أكد الرئيس مرارا على ان التظاهرات والاحتجاجات لا بد وأن تخضع “للقانون”. ولم يذكر ولو مرة واحدة ان حق التظاهر مكرس بالدستور، وهو مكسب أساسي من الثورة.

والقانون المقصود هو قانون الاجتماع والتجمع والتظاهر ذ لسنة 1969، الذي يخضع حق التظاهر لرخصة من وزارة الداخلية، تطلب قبل 3 أيام من موعدها، و يعاقب من يتظاهر بدون التحصل عليها  بسنوات سجن، وهو القانون الذي استعمل طيلة عقود وزج بمقتضاه في السجون بالآلاف  من التونسيين إثر محاكمات جائرة، ولم تقع ملائمته إلى حد هذا التاريخ مع الدستور الذي ضمن ممارسة حق التظاهر والتجمع بدون ترخيص من الحكومة.

*وطالب باحترام القوات الأمنية، وكان يقصد بذلك الانتقادات التي توجه لبعض أعضائها في شبكات التواصل الاجتماعي من جراء استشراء ظاهرة التعذيب من طرف الضحايا ومن منظمات المجتمع الأهلي، والحال أن هذه الجريمة أصبحت لا تسقط بمرور الزمن بمقتضى الدستور الجديد، وكان عليه تنبيه الموظفين بعدم اعترافها، عوض التغطية على من يقترفها.

فكان الجواب مدويا،  بمظاهرة كبيرة في الشارع الكبير الذي حصلت فيه ثورة 14 جانفي، مظاهرة عارمة ضد قانون المصالحة، يوم السبت 13 ماي، تناقلتها مختلف وسائل الإعلام الداخلية والعالمية. وقد بينت مرة أخرى أن المجتمع المدني التونسي حي وقادر على مواجهة رجوع الاستبداد واستشراء الفساد.

نائب سابق لرئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان*