كتب anhri      
 
د. ياس خضير البياتي © العرب

د. ياس خضير البياتي

الأحد 19 مارس 2017

العرب

تمثل شبكة الإنترنت أداة من أدوات التحرر السياسي وآلة لنشر المعلومات والآراء عبر العالم، يستخدمها الصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان وحركات المعارضة. غير أن حرية التعبير على الإنترنت تُنتهك في العديد من البلدان، فواحد من كل ثلاثة من مستخدمي الإنترنت في العالم لا ينتفع بها بحرية ودون قيود.

وقد شجب عدد من الدول الرقابة والقيود المفروضة على الإنترنت، سواء كانت عشوائية أو عامة، التي تطبق مباشرة (من خلال تشويش المواقع أو حجبها أو تصفية محتواها بصورة تعسفية) أو بطريقة غير مباشرة بذريعة مكافحة التجديف وجرائم الفضاء الإلكتروني والإرهاب.

وبعيدا عن برمجيات المواقع وقوانين الدول والأنظمة والمصالح المشتركة بين المستفيدين سياسيا أو اقتصاديا، فإن المستخدم نفسه لهذه المواقع يعتبر أحد أهم عناصر التقييم لمدى حقيقة هذه الحرية، إذ شاع في المجتمعات العربية على وجه التحديد عدم قدرتها على التعايش مع بيئة حرة كما ينبغي.

ويعكس النشاط الرقمي نوعا من الحراك الاجتماعي والسياسي والحقوقي على الإنترنت من طرف الناشطين، عبر فضاءات التدوين ووسائط ومواقع التشبيك الاجتماعي لحشد تأييد ومناصرة الرأي العام حول قضية ما، أو للضغط على صانعي القرار، أو للتأثير في سياسة الحكومات على نحو يهدد سياساتها ومصالحها الاستراتيجية، خصوصا إذا ما التقى هذا الحشد والضغط مع سياسة جهات خارجية مغرضة، والتي تنطلق من فرضية تكاد تكون مؤكدة بتدخل راسمي السياسة الخارجية وشركات الإنترنت العملاقة ومواقع التواصل الاجتماعي في حقل النشاط السياسي الشعبي وميدان حرية التعبير على الإنترنت.

والناظر إلى حال المستخدمين في مواقع التواصل الاجتماعي يرى أنها بيئة لانتهاك الحريات والأعراض وليست بيئة حرية، سواء أكان ذلك في السب والقذف المستمرين بين الأطياف والأحزاب وحتى بين مشجعي أندية كرة القدم أم عن طريق سرقة المحتوى ونسبه إلى غير مالكه، أو التجسّس على خصوصيات الناس ونشرها أو التشهير بهم.

وعلى هذا النحو لا يمكننا النظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي على أنها بيئة الحرية المثالية وإن كانت مساحة الحرية الافتراضية بها أوسع من الواقعية التي نعيشها في أوطاننا العربية. الأمر الذي يملي استقراء الكثير من المتغيرات الداخلية والخارجية وطبيعة توافقها مع متطلبات الأمن الوطني والقومي بمفهومة الشامل.

ومـن هنـا، تتمثل المشكلة في بحث الضوابط المهنية للإعلام الجديد، التي لا يمكن التغافل فيها عن معايير التقنية والتي أصبح إتقانهـا جانبا من المهنية العالمية في العصر الجديد، كما أن هذه المعايير أصبحت لها في الإعلام الجديد تجليات مضمونية توضـح صحـة المعلومات وصدقيتهـا والثقة بهـا مـن خلال الروابـط والنـص الفائـق والوسائط المتعددة وغيرها، إلا أننا لن نغفل المعايير المهنية المتمثلة في الصدق والدقة والموضوعية أيضـا، ولا سيما في ظل انتشار الشائعات في أدوات الإعلام الجديد، وعـدم التحقـق مـن صدقية الخبر، حيث يتم تقديم السبق الصحفي على معيار الدقة الصحفية، فضلا عن أن صحافة المواطن تُعلّي من قيمة الفردية والموهبة الصحافية على قيمة المؤسسة العالمية والاحترافية.

ودون شك مازالت هناك تحديات رئيسية متداخلة تواجه الدول العربية بهدف مواجهتها في سبيل تعزيز حرية الصحافة والاتصال في العصر الرقمي.

يتمثل التحدي الأول في حماية الإعلاميين، فرغم التنصيص على هذا الأمر بوضوح على المستوى التشريعي، إلا أن هناك حاجة لتطويره، حيث مازالت تُسجل حالات الاعتداء والقتل ضد الصحفيين.

كما يُطرح تحد ثانّ على مستوى التعددية، ذلك أنه لا مستقبل لإعلام حر في غياب تعددية حقيقية، وليست تعددية شكلية أو سطحية أو نمطية، فالتعددية في الإعلام ليست تعددية المنابر بل هي تعددية تيارات الفكر والرأي، وتعددية لغوية وثقافية وسياسية تعكس الجوهر الحي للديمقراطية.

أما التحدي الثالث فهو المرتبط بما يسمّى السلامة الرقمية، وهي القضية التي طرحتها منظمة اليونسكو في الآونة الأخيرة بشكل حاد، وترتبط بسرية المعطيات الشخصية ومواجهة القرصنة وحماية الملكية الفكرية وحماية الحياة الخاصة، ومناهضة الترويج للعنف والتمييز العنصري.

أما التحدي الرابع فهو التحدي الاقتصادي، أي النموذج الاقتصادي للمقاولة الإعلامية في العصر الرقمي، فلا يمكن تصور مستقبل دون صحافة ورقية كما لا يمكن تصوره دون تكامل مع الإعلام الرقمي، بحيث أن المستقبل يكمن في التقارب بين الرقمي والورقي واستمراريتهما معا.

هذا المحتوى نقلا عن موقع: العرب