13 ديسمبر ,2012
الدولة
المنظمة

ورقة موقف .. ملاحظات على مشروع الدستور الجديد

مشروع أول دستور مصري بعد الثورة يمثل تراجعا خطيرا في حماية الحقوق والحريات

في قلب حالة الانقسام المنبئ بالخطر، التي يشهدها الواقع المصري حول الاستفتاء على مسودة الدستور الجديد، تبذل أطراف الصراع حول الدستور جهودًا مضنية لاجتذاب الرأي العام نحو موقفها من مسودته. ونظرا لضيق الوقت المتاح لإجراء أي حوار مجتمعي ذو معنى حول مشروع الدستور الذي خرج في 236 مادة، فإن من المستحيل عمليا طرح رؤية تفصيلية معمقة لكافة ما شاب المشروع من أوجه نقص وقصور وربما تراجع متعمد عن توفير الحماية المطلوبة للحقوق الأساسية للمواطنين وحرياتهم، ولذا لا تجد الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بدا من أن تختصر موقفها من مسودة الدستور في عدد محدود من النقاط المختصرة عمدا، وذلك بهدف إضاءة أهم النقاط التي نعتقد أنها من الخطورة بحيث لا ينبغي إغفالها، حيث تمثل إهدارا لحقوق وحريات أساسية للمواطن المصري. وقد راعينا عدم الخوض في التفاصيل بهدف أن تكون هذه الورقة سهلة القراءة في إطار الوقت المتاح.

ما يلي هو أهم ملاحظاتنا على مشروع الدستور المصري المطروح للاستفتاء عليه يوم السبت 15 ديسمبر 2012:

  1. المادة 73: يحظر كل صور القهر، والاستغلال القصري للإنسان، وتجارة الجنس…

تخلو المادة من النص على حظر الرق أو العمل القسري أو الإتجار في النساء والأطفال، رغم أنها في مسودات سابقة كانت تنص بالفعل علي حظر هذه الانتهاكات الخطيرة ولكن لأسباب يبقى أغلبها مجهولا خرجت في صورتها الأخيرة متجنبة الإشارة إلى أي منها بصراحة ومستبدلة ذلك بالنص على حظر (القهر) و(الاستغلال القسري) وهما عبارتان مبهمتان لا يمكن تحديد كيفية تطبيقهما في الواقع العملي.

  1. المادة 33: المواطنون لدى القانون سواء؛ وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك.

تخلو المادة بشكل متعمد من توضيح حظر التمييز بين المواطنين على أساس الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو الرأي أو الوضع الاجتماعي أو الإعاقة، رغم تضمن المسودات السابقة تفصيل هذه التصنيفات المختلفة. إضافة إلى ذلك فإن النص يتضمن المساواة أمام القانون ويفسرها بالحقوق والواجبات العامة ويصر على الإحالة إليها في عدم التمييز حصرا، مما يترك المجال لتفسيرات لا تساوي بين المواطنين في الحقوق الشخصية، وتميز بينهم وفق التصنيفات التي تم حذفها.

  1. مادة 42: (…) ولا يجوز بحال إبعاد أي مواطن عن إقليم الدولة (…)

تخلو مسودة الدستور تماما من حظر التهجير القسري داخل إقليم الدولة لأي جماعة من المواطنين، وهو ما يعنى غض الطرف عن واحد من الانتهاكات شديدة الخطورة التي شهد الواقع المصري ولا يزال يشهد نماذج لها.

  1. القراءة الأولى للدستور (مادة 36 من باب الحقوق والحريات): تلتزم الدولة باتخاذ كافة التدابير التي ترسخ مساواة المرأة مع الرجل في مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وسائر المجالات الأخرى دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية.

تم حذف المادة تماما من المسودة النهائية مما يعفي الدولة بشكل كامل من الالتزام بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل، وجبر الضرر القائم بالفعل تجاه الممارسة الواسعة للتمييز ضد المرأة في المجتمع.

  1. مادة 43: حرية الاعتقاد مصونة. وتكفل الدولة حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة للأديان السماوية؛ وذلك على النحو الذي ينظمه القانون.

إضافة إلى أن اعتبار ديانة ما سماوية أو غير سماوية هو موقف عقائدي يختلف من أتباع ديانة إلى أخرى ومن ثم يعد مبهما إلا في ضوء التبني الصريح للدستور لوجهة نظر عقيدة بعينها، فإن هذا التقييد يتناقض مع النص على المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات العامة (مادة 33)، وهو تقييد يلغى الحق ذاته بالنسبة للمتضرر منه فممارسة شعائر ديانة أو عقيدة لصيق بهذه العقيدة لا تتم إلا به ولا يمكن تصور حرية اعتقاد دون حق ممارسة شعائره.

  1. مادة 36: كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته بأي قيد، (…)، لا يجوز تعذيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيا أو معنويا.

تغفل المادة حماية المواطنين من وقوع الممارسات المذكورة عليهم في غير حالات القبض أو الحبس أو تقييد الحرية، مما يترك حالات تعذيب متكررة في الواقع خارج نطاق التجريم بهذه الصفة.

  1. مادة 198: (…) ولا يجوز محاكمة مدني أمام القضاء العسكري إلا في الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة؛ ويحدد القانون تلك الجرائم، ويبين اختصاصات القضاء العسكري الأخرى.

تتناقض هذه المادة مع المادة 74 التي تحظر (مطلقا) محاكمة أي شخص إلا أمام قاضيه الطبيعي، وتترك للمشرع جرية تفسير المقصود بالجرائم التي تضر بالقوات المسلحة دون تقييده بأي تعريف لمفهوم الضرر شديد العمومية. وعمليا تحصن المادة قانون القضاء العسكري الحالي الذي حوكم بمقتضى مواده أكثر من 12000 مواطن خلال أقل من عامين، وهو قانون مطعون في دستوريته أمام المحكمة الدستورية.

  1. مادة 64: (…) ولا يجوز فرض أي عمل جبرا إلا بمقتضى قانون. (…)

تتيح المادة للدولة من خلال سلطتها التشريعية التغول على الحق الأساسي للإنسان في ألا يدخل في أي علاقة عمل إلا طوعا، وهي تخلو من التقييد الذي كان قائما في المسودات الأولى للدستور، والذي نص على ضرورة أن يكون العمل الجبري للخدمة العامة ومقابل أجر عادل.

  1. مادة 70: (…) ويحظر تشغيل الطفل، قبل تجاوزه سن الإلزام التعليمي، في أعمال لا تناسب عمره، أو تمنع استمراره في التعليم. (…)

لا تحدد المادة حدا أدنى للسن الذي تجيز فيه تشغيل الطفل، وتخلو من أي توضيح للأعمال التي لا تناسب عمره، ولا تلزم بتشريع قانون يبين ذلك، وهي تخالف المواثيق الدولية التي تحظر تشغيل الأطفال مطلقا حتى عمر محدد.

  1. مادة 10: (…) وتحرص الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى تماسكها واستقرارها، وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها؛ وذلك على النحو الذي ينظمه القانون. (…)

يقع الإلزام في نهاية المادة بتشريع قانون ينظم ما ذكرته على غير محل لغياب أي حدود واضحة أو متعارف عليها للمفاهيم التي أوردتها، فهي مفاهيم شديدة العمومية بحيث يمكن لأي إنسان تعريفها حسب اختياره، وهي تتعلق بممارسات تقع في حدود الحرية الشخصية التي لا يحق للدولة أصلا التدخل فيها.

  1. مادة 14: (…) ويجب ربط الأجر بالإنتاج، وتقريب الفوارق بين الدخول، وضمان حد أدنى للأجور والمعاشات يكفل حياة كريمة لكل مواطن، وحد أقصى في أجهزة الدولة لا يستثنى منه إلا بناءً على قانون.

تتناقض المادة مع النص في مادة 64 على ضرورة كفالة الدولة لأجر عادل، فربط الأجر بالإنتاج ينتفي عنه العدل حيث لا يتحمل أي عامل المسؤولية وحده عن الإنتاج من حيث الكم أو الكيف أو القيمة. ولا يحدد النص أي تعريف عملي لمفهوم الحياة الكريمة رغم وجود مؤشرات دولية ومحلية تربطه بمستوي المعيشة من حيث الغذاء والمسكن والرعاية الصحية وتعليم الأبناء ووقت الفراغ. ولا تنص المادة علي ضرورة ربط الحد الأقصى للأجور بالحد الأدنى لها بنسبة ثابتة لتحقيق التقارب بين الدخول، إضافة إلى ذلك يفتح النص الباب أمام المشرع لإفقاد الحد الأقصى للأجر أي قيمة عملية بسماحها بالاستثناء منه بقانون.

  1. المواد 58، 59، 62: (فيما يخص التعليم والرعاية الصحية والبحث العلمي، تنص على) تخصص له الدولة نسبة كافية من الناتج القومي.

تستخدم المسودة عبارة مبهمة وهي “نسبة كافية من الناتج القومي”، فإضافة إلى أن الإشارة كان ينبغي أن تشير إلى الموازنة العامة التي تنحصر فيها سلطة الدولة لتدبير النفقات، فكان ينبغي تحديد النسبة إلي إجمالي نفقات هذه الموازنة أو على الأقل تحديد ترتيبها بين أوجه الإنفاق المختلفة في تلك الموازنة.

  1. تخلو المسودة النهائية للدستور من حظر الحبس في جرائم النشر، كما تسمح بوقف وغلق ومصادرة الصحف بحكم قضائي. وفي حين تسمح بإصدار الصحف وتملكها بمجرد الإخطار فإنها تقيد إنشاء وسائط الإعلام الرقمي (الإنترنت) بتنظيم القانون لإنشائها.

بينما تكفل المسودة للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية والأحزاب بمجرد الإخطار، فإنها تترك إنشاء النقابات والاتحادات والتعاونيات دون تحديد ما إذا كان يتم بالإخطار فقط أم يستلزم تنظيمه بالقانون، ثم تقيد النقابات المهنية بأن ينظم القانون كافة شؤونها وليس مجرد الإنشاء فقط. وفيما عدا النقابات المهنية تجيز المسودة حل أي من هذه الكيانات بشكل كامل وليس الاقتصار على جواز حل مجالس إداراتها فقط، مما يدع حقوق ومصالح أعضاء هذه الكيانات عرضة للضياع في أو وقت رهنا بحكم قضائي، دون أي تحديد للحالات التي يجوز فيها إصداره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *