10 سبتمبر ,2012

وجوه من الثورة

 تقديم
حين حدثني رضوان أدم عن رغبته في الكتابة عن بعض الشخصيات التي أثرت فيه وساهمت في وجدان كثير من المصريين، رحبنا بالفكرة في الشبكة العربية، ولكن كانت المشكلة، أن تختار من ضمن الملايين الذين يستحقون الكتابة والتكريم!؟.
فقال أنه سوف يكتب عن بعض الوجوه المصرية كأمثلة، بعضهم معروفون لأغلبنا سواء لأن حياته باتت جزءا من عملية تغيير مستمرة نحو الأفضل، وبعضهم ساهم عند الجد في إشعال مصابيح الحرية، دون انتظار لتكريم أو مكافأة أو منصب.
قد تقابلهم في ميدان التحرير ولا تنتبه إليهم، قد تراهم يسيرون بجانبك في القائد إبراهيم أو حي الأربعين ولا تتعرف عليهم، قد تتذكر وجوههم التي رأيتها في صعيد مصر أو قرى الدلتا، ولا تتذكر أسماءهم، أو العكس.
بعضهم كشفت ثورة 25 يناير عن معدنهم وجوهرهم الثمين، والبعض الآخر كانت الثورة حلقة ضمن سلسلة نضالهم من أجل بلد وغد أفضل.
فإليهم،،،
لكل من أضاف حجر ًا في بناء ديمقراطي لم يكتمل بعد،
لكل المصًرّين على استكمال البناء،
لكل من رسم بصوته أو بكلمته أو بريشته أو بعرقه صورة لدولة ذات كرامة إنسانية وعدالة اجتماعية.
لكل المؤمنين بحلم الدولة المدنية والعادلة والديمقراطية ويسعون لتحويل الحلم إلى حقيقة.
نهدي هذا الكتاب،
وجوه من الثورة، بعض من وجوه المصريين.
جمال عيد

مُفتتح
الدرّاجة المُهملة لا تتعاطف مع الأب وليام سيدهم الذي يُهملها. القفص المتهتك سيبقى تعيسا إلى نهاية عُمر بائعة الجرجير لأن الطلب أقل من العرض. الطفل جورج البهجوري، الذي يمنحك، قطعة ساخنة من الفرح، يغْرِف من طبق كبير، غرف منه، طه القرني وعماد عفت.
الشبح الطيب (جنزير)، الهاديء (50% )، المجنون ( 50% )، الثائر (100%)، يجثو على ركبتيه، يرسم كل تفصيلة (حتى تفاصيل الروح) لرفاق الشهيد مينا دانيال الذي كان يجلس في الميدان (أواخر يناير).
الثائرة السبعينية  الاستثنائية (شاهندة مقلد) حيّاها جيفارا ووّلى، على أن الرفيقة (عطيات الأبنودي) لم تتوقف عن الركض وراء صور العاديين الذين داستهم أحذية المؤرخين. كانت تقصد “سامبو” الذي لا يعرفها. الفتاة الكبيرة (فتحية العسال)  تدين لأنبل رفيقاتها: البهجة، وتتقاسم كثيرا من  التمرد والالتزام الإنساني مع سمير عبدالباقي.
أم الميدان (خديجة الحناوي) التي تحمل الجين الشعبي للثورة،  تنبأ بقدراتها المتميزة، الرجل الذي كان يُنّقب، في أدغال أفريقيا بحثا عن إنسان البلاد المظلومة (أحمد أبوزيد)، وهو وصل إلى الإيمان بقدرة الشعوب قبل أن تصل غالبية هذه الوجوه  إلى ميادين التحرير.
بطل حرب؟!. أنس محيي الدين، الذي كان مُلهبا لحماس من سقطوا ومن نجوا في استاد بورسعيد، لم يترك سلاحه (الطرمبيطة). رفض أن يخلع فانلة النادي الأهلي، ويجري باتجاه جماهير بورسعيد، فيذوب بينهم، فما كان من القتلة  إلا أن شنقوه. أنس بطل، حتى اسألوا علبة الكولا.!
الوجوه التي رُسم بعضها في دورية الأخبار اللبنانية، بطلة، والعُهدة عند شمروخ الأراجوز الذي يقول ضاحكا ناصحًا “قوم رجِّع حقك/ وكرامتك/ مصر مش أمك/ مصر بتاعتك/ ارفع رأسك/ انت صاحبها/ صمتك عن حقك/ غربها/ أرض وميه/ وشمس ونور/ وبراح حر/ ومن غير سور/ دم الشهدا خلاص قربها»

رضوان  آدم

(1) بائعة الجرجير

كمن أذل الوجع أفكارها، فصارت تشحذ  نهاية. وليس مهما أن تكون لائقة. إلى قفصها تسير، ببطن قدم ملآنة  بالصليل. حتى إذا حملت فوقها جسدها الواهن  المثقل بخوف السنين،  وقعت مرات، لتبتلعها الأرض على بطن فارغة. في كل محاولاتها المتكررة  لتفادي سيناريو كل صباح (البلدّية المُتغطرسة) كان الفشل أسبق من تفكيرها، وأسرع من قفصها الذي يتحطم في كل مرة.
ليس بمقدورها  أن تطل في وسائل الإعلام كل ليلة، وتقول إنها تمثل ائتلاف النسوة في الثورة. لم تكافح أبدا لقضاء ليلة في صالة جيمنزيوم أوspa.  لن تفكر في هذا وذاك. كان عليها أن تنتبه (صباح 25 يناير 2011)  لذلك الأفندي الذي يُقلب من خمس دقائق لشراء حزمتي جرجير، ثم كان عليها أن تنتبه لحشود اللحم البشري القادمة من هناك.
أجهزت أم محمود، على أصحاب الشعارات السياسية في مصر قبل ثورتها الشعبية. بائعة الجرجير والبصل في شارع ناهيا (حي بولاق الدكرور الشعبي)، صرخت في وجه نشطاء اليسار الذين سّيروا أولى تظاهرات الثورة المصرية عند الحادية عشرة صباحًا. مرّ الثوّار أمام قفصها الخشبي، فأوقفتهم. رفعت رغيفًا من الخبز  «قولوا عيش. قولوا حرية يا أولاد مصر». لا تملك المرأة الفقيرة ما تخاف عليه. نادت كل البائعات في السوق الشعبي. لم يسألنها شيئًا. انطلقن وراءها، وتقدّمت هي تظاهرة الشباب رافعة رغيفًا في يد، ومطلقة بالأخرى هتاف الثورة الأوّل: “عيش. حرية. كرامة إنسانية”
في الثانية عشرة ظهرًا، انضمّ عشرات الآلاف من المواطنين إلى المسيرة الحاشدة. كان طرفها الأوّل يبدأ عند قفص أم محمود، ويصل طرفها الآخر إلى كوبري قصر النيل المقابل لميدان التحرير. راحوا يرددون: “الحرية لشعب مصر”و”يسقط مبارك”، و”عيش. حرية. كرامة إنسانية”
تتذكر أم محمود (60 عاما) التي بلّغت وصيتها. لملمت قفص الخُضرة بسرعة “الحكومة هتحبسني”. ابتسامتها العريضة تكشف عن أسنان أكلها السوس، وشفاه شققها زلزال الفقر، وجبهة تحتلها خطوط نظام مبارك الهيكلية. لم تركض مثل كل مرة خوفا من الحكومة.  ودعتهم  حتى نهاية شارع ناهيا “فاكرة وشوشهم. واد كان شعره طويل زي البنات، بيهتف ضد (الحاكومة)، وحسني مبارك، وبنات كتيرة، وولاد بيغّنوا  وراه.  آه.  كان فيه شباب وبنات معاهم ورق كتير، وزعوه علينا في السوق.”
لا وقت للقراءة. هتفت بائعة الجرجير معهم. لكن كان هناك ثمة إحباط جانبي. نسوة السوق تعترضن “ارجعي يا أم محمود. إحنا مالنا يا اختي”. قبل أن تبرد أطرافها من الخوف، كنّ جميعهن في قلب المظاهرة الأولى (ظهر أول يوم ثورة شعبية). تقهقه “والله العظيم ما مصّدقة اللي حصل. العيال دول سّقطوا حسني مبارك؟”
تهتم كثيرا بما يجري حولها. تتمسك بكبرياء الجنوب الذي ولدت فيه “قنا”. تجلس  كل صباح  أمام قفص الجرجير والكُزبرة، تصور حركات المارة “لمّا بيشتري واحد أفندي من عندي جرجير، وأحس إنه من الثوار، ممكن أديله حِزمة زيادة.”
رغم أنها لا تجيد القراءة والكتابة، تُعرب عن حزنها الشديد لما يجري حولها من تطورات سياسية “أنا بابقى فاهمة حاجات كثيرة، بس مش عارفة أعبر عنها زي الناس المتعلمين اللي بيطلعوا في التليفزيون، فيهم ناس كويسة، وناس ولاد كلب، بس دول قليلين”. تقهقه بأعلى صوتها  “فلول وطعمية يا أخويا!.”
ضاعت كل مشاريعها الكونية “كنت عايزة أطلع دكتورة، أو ناظرة في مدرسة. طب والله كنت عايز أغني زي أم كلثوم، بس  الفقر عِفش”. جيب أم محمود خاو إلا من خمسة جنيهات معدنية (صباح أبريل 2012) لكنها تمتلك صبر الأمل. معدتها تعاني من تهتك على أنها لا تتناول لها دواء “كل الدكاترة اللي رُحت لهم بيدوني دوا غالي، العيلة بتاعتنا عمرها طويل، جدي كان بياكل تُراب وعاش 90 سنة، وأنا مش هاموت دلوقتي. متأكدة من ده.”

(2)مينا  دانيال

ماذا دهاك تجلس وحيدا في برد يناير؟. ملابس خفيفة يا مينا؟. مجنون!. اعطني سيجارة كليوباترا. نعم كليوباترا.. وإذا لم تكن سيجارة وطنية، فإلىّ بواحدة إمبريالية: مارلبورو مثلا؟. أراك تضحك. لا أريد منك سجائرا يا مينا، لكن اظهر يا مراوغ، وسوف أعطيك أنا واحدة اشتريتها من العم حامد عند ناصية شارع محمد محمود. يسأل عنك دائما: مسافر؟!. وأنا أكذب عليه بكلام فارغ!.
يقرأ ميشيل عادل، السطور السابقة، وهو  ناشط في حركة مينا دانيال من داخل ميدان التحرير (نهاية ديسمبر 2011 ).
كانت مقدمة موضوع منشور على “face book” عن مينا. لم يُكمله. بكت ميري. تحركت خارج الخيمة البيضاء في الميدان. لم يُخف جسدها الهزيل نقش كلمات الشاعر محمود درويش على الخيمة (عندما يذهب الشهداء الى النوم أصحو.. وأحرسهم من هواة الرِّثاء.. أقول لهم: تُصبحون على وطن).
في ميدان التحرير. في نفس المكان الذي كان يجلس فيه مينا دانيال، لتدخين سيجارة كليوباترا، بعد كل غارة من الفلول، تقف خيمته البيضاء (فبراير 2012) تشع بأبيات قصيدة “تصبحون على وطن”. بين درويش ومينا، رابط. كلاهما اختار المقاومة، ثم الرحيل الكبير. لا يعرف الشاعر الفلسطيني، مينا، الذي يعرفه. فعلى هداه، كتب عدة خواطر، لم يفلح بحث ميري (شقيقته) عنها، “شكله حاططها في حتة معينة في البيت، دايما بيخبيها لأنه فاكر إنه بيكتب شعر ضعيف. أنا قريت وعارفة. رائع.”
لون وجه ميري دانيال، ليس أسمرا، كما يبدو داخل الخيمة. تتمسك بعزيمة كبيرة. تحاول ردع أحزان تتسابق للوصول إلى جلد خديها، الذي ذبُل. تتألم بكلمات من الإنجيل. بصوت، تساوى فيه النواح، مع حشرجة الصدر. منذ أكتوبر (2011) لا تبتسم، “أحاول، لكن تمثيل. هو ينفع؟!”. الصورة الصغيرة التي تتدلى من سلسلة ذهبية، حول رقبتها، وتستقر بالضبط فوق ما يمكن تسميته، نظريا، قلبها، هي للرضيع مينا، “أنا اخترت اسمه”. تقّبل الصورة بطريقة مؤثرة، “حظه من      ربنا، على اسم القديس مار مينا العجايبي، أخويا اسحاق كان عايز يسميه بيشوي.”
من الصعب على أي شخص لم يجرب لغة الفقد أن يفهم ابتسامة ميري غير المفهومة. في لحظة تشعر أنها ستبدأ برسم ضحكة، تنتهي بقهقهة، فتكتشف أنها تسكت. وبينما تظن أن ابتسامتها بالغة الحزن، تقص لك نكتة من نكات مينا الطفل.
تتحدث عن ثلاث رعشات قلق كبيرة، تركها مينا في قلب أمه وشقيقته الكبرى، “كانت كلها صعبة”. الرجفة الأولى (1995) رنّت في حي عزبة النخل، ذي الأغلبية المسيحية الصعيدية. تقول ميري: “كانت الدنيا زحمة جدا في العزبة في هذا اليوم. أكثر من حادثة حصلت بسبب زحام الميكروباص،  فوجئت به قادما، ينظر إلىّ ببراءة ومراوغة، بعد أن رآني غاضبة جدا، صرخت فيه: إيه اللي نزلك م البيت؟. رد بهدوءه المعتاد: رجليّا يا ماما، أخذته في حضني، فضلت أضحك حتى وصلنا إلى البيت .”
بعد ثلاثة عشر عاما (2008)، ولدت الرجفة الثانية من بين ركام حرب الحجارة بين قوات الأمن المركزي والأقباط الغاضبين في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية. باب الكاتدرائية كان سيتحطم، يصعد مينا دانيال فوق سور الكاتدرائية، فيلتقط بصوته مكان ميري، “ما تخافيش يا ماما”. ينزل من فوق السور في خفة شديدة، ويخلصها من قبضة أحد القساوسة الذين كان على اتصال مع ضابط أمن دولة لتسليمها لأنها شقيقة مينا، المشاغب الذي يهتف ضد وزارة الداخلية. تستطرد: “نفس اللي حصل في مسيرة عيد الحب (2010). نزلنا فيه معا، نهتف ضد من قتلوا اخوتنا في حادث نجع حمادي”. تشير باصبعها الصغير جدا، من فتحة صغيرة في خيمة مينا، “هناك كده. جنب الجامعة الأمريكية، أول شارع محمد محمود. كانت هذه أكبر مظاهرة هتف فيها مينا ضد أمن الدولة وحبيب العادلي، وزير الداخلية السجين، أنا ما خفتش، وهتافاته شجعتني، فهتفت معه ضد أمن الدولة والكنيسة الساكتة”. كانت رجفتها الثالثة التي تصورت بعدها ميري أن مينا كان لديه كل الحق عندما رفض أن يحلق شعره الطويل بناء على طلب القس في كنيسة عزبة النخل! 2005.
الشهيد الحي، كما تقول عنه ميري ويحب رفاقه، وضعت النيابة العسكرية اسمه في صدر قائمة المتهمين باستخدام القوة في مواجهة القوات المسلحة في أحداث ماسبيرو، رغم أن كل الشواهد قالت إن قوات الجيش هي التي قتلته (9 أكتوبر 2011) تبتسم ثم تبكي “كان ابن موت. كان بيقول لي يعني هتحنطيني يا ماما. ما أنا كده كده هاموت”. أصيب برصاصتين في موقعة الجمل، لكن رصاصة اخترقت صدره من العسكر الذين خرج ضدهم في عشرات المسيرات.”
كأنه كان يعرف. ودع  كل أصدقاءه، ووزع أكبر قدر من الضحكات والابتسامات على رفاقه في المسيرة التي خرجت من دوران شبرا (القاهرة) مع الآلاف الذين حملوا أكفانهم  تنديدا بالعنف  الطائفي. ترمي ميري قدميها على قطعة من  الحصير المتهالك في خيمته، وتنظر إليه بعمق (بورتريه جرافيتي). تعاتبه بابتسامة مؤلمة، دافئة “بتضحك؟. ماشي يا مون مون!.”

(3)أنس محيي الدين

أين ذهبت الطرمبيطة؟. سقطت مع الدماء التي نزفت؟. هل خبأها قبل أن يغيب عن الأنظار؟. هل أكل جيدا قبل المباراة؟. ماذا أكل؟. هل شرب الكولا التي يُحبها؟. هل انتهى من العُلبة أم أن حرارة الأهازيج أبقت على بقيتها؟.
لايهتم بطل مصر الضاحك، بأسئلة الأب المؤلمة. يواصل أنس محيي الدين (15 عاما) أصغر عضو في ألتراس أهلاوي، وأصغر شهداء الثورة، الذين نُحروا في استاد بورسعيد (فبراير 2012) بعد مباراة كرة قدم بين ناديه الأهلي، والنادي المصري البورسعيدي. أنس خُنق بطريقة وحشية في بورسعيد، أمام أعين المئات من جنود الأمن، والضباط، في حفلة قتل جماعي، حضرها محافظ بورسعيد، اللواء أحمد عبد الله الذي يمارس عمله من دون مساءلة إلى الآن ( 15 يوليو 2012).
هل كنت نبيا يا أنس؟. طالب الصف الأول الثانوي، بمدرسة الوادي بالجيزة، الذي تبنأ بثورة يناير، وشارك فيها من الدقائق الأولى، وأسماها ثورة قبل أن يُصبح لهذا الاسم معنى سياسيا بسقوط مبارك (11 فبراير 2011)، تنبأ باستشهاده في ميدان التحرير، قبل أن يسقط شهيد واحد (قبل اندلاع الثورة بيوم). أرسل الثائر الصغير رسالة إليكترونية إلى أحد أصدقائه، وعنونها “هذه وصيتي”. قالت الوصية التي لم تٌنفذ كلها “فى حالة وفاتى عاوز الآتى: أن يتم لفى فى علم مصر، أن يتم تشييع جنازتى فى ميدان التحرير والناس تصلى علىَّ فى الميدان، ويتم التبرع بقرنيتى عينىَّ لمصابى الثورة، وباقى أطراف جسمى لمصابى الثورة أو لأى حد عاوز أطراف”. ضحك صديقه، واندهش.
أصدقاء أنس في ألتراس أهلاوي، اندهشوا، ولم يأخذوا كلامه على محمل الجد للمرة الثانية، عندما غازل الموت
( 25 ديسمبر 2011) على “فيس بوك”. كتب أنس “أتمنى أن أسمع خبر وفاتي وأنا حي، لكي أرى العيون التي ستبكي علىّ”. علق بعلامة “like” 12صديقا، لكن الباقين اختلفوا في تقدير الموقف الغريب. شقيقته آية التي تمزقت روحها بعد فراقه، ردت بتعليق دافيء “بعيد الشر عنك” ثم رسمت له قلبا. ندا توفيق سخرت بـ “comment” طويل نسبيا “ما تقلقش هنعمل لك جنازة نُص ساعة، وهنعيط دقيقتين، ونمشي!”. يرد أنس على ندا، ويكتب منتقدا قِصر مدة الجنازة “يااااه للدرجة دي، نُص ساعة بحالها!”. دقيقة واحدة وترد عليه ندا مجددا “آه. شُفت.”!
صبي الطُرمبيطة، وهي أداة إيقاع، تشبه الطبلة، يستخدمها الألتراس في ضبط إيقاع الأهازيج، كان يضرب عليها ويهتف “الشعب يريد إسقاط النظام” مع رفاقه ألتراس أهلاوي، ليل أول يوم ثورة في الميدان التحرير، الذي دعا المصريين إلى نزوله عندما وقع بالموافقة على النزول، عبر صفحة “كلنا خالد سعيد” على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”.
عندما يتفاقم جُرح أمه، يلتئم قليلا برؤية صوره، وترديد بعض مقولاته.  لعل نشيد الوداع الذي ردده الثائر الصغير، هو أكثر الكلمات والأهازيج تأثيرا، حتى في الموت  “أنا مسافر يا أمى رايح بور سعيد. هاشجع فى الماتش وأقول وأعيد، ماتخافيش يا أمي المكان مش بعيد. وأنا لما أروح صدقينى هاكون سعيد، وقولي يا أمي للقريب والبعيد. يوم ما أبطل أشجع أكون ميت أكيد، دايما معاه ولآخر الكون. عمري علشان الأهلي يهون”.
كما يليق بأبطال حرب، شُيعت جنازة أنس محيي الدين من مسجد مصطفى محمود بحي المهندسين بالجيزة. كذبت ندا توفيق على أنس في تعليقها عليه على “فيس بوك”. بكت ندى طويلا طويلا. كانت على رأس المشيعات والمشيعين. لم يكن الشر بعيدا كما تصورت شقيقته آية. كان قريبا إلى درجة أن المشجع الصغير، كان الوحيد الذي تعرض للخنق بأياد القتلة الذين حاصروه بعد أن طاردوه، في استاد بورسعيد يوم الأربعاء الأسود (1 فبراير 2011) طبقا لتقارير مصلحة الطب الشرعي.
بطل حرب؟!. أنس الذي كان مُلهبا لحماس من سقطوا ومن نجوا في استاد بورسعيد، لم يترك سلاحه (الطرمبيطة). رفض أن يخلع فانلة النادي الأهلي، ويجري باتجاه جماهير بورسعيد، فيذوب بينهم، فما كان من القتلة (أصابع الاتهام تشير إلى الداخلية التي أرادت أن تنتقم من ألتراس الأهلي الذي شارك في الثورة. نفس أصبع الاتهام تشير بقوة إلى المجلس العسكري لنفس الأسباب) إلا أن شنقوه. أنس بطل حتى اسألوا علبة الكولا!.

(4)عماد عفت

ورطة كل ليلة. حواديت قبل النوم التي تحكيها الأم: اتساع الجنان. الولدان المُخّلدون، وقصور “بابا”. كلها فقدت معناها بعد مرور أسبوع من استشهاد الأب الضاحك (16 ديسمبر  2011). تتسّحب الأم المكلومة في الحادية عشر مساء. تمر على غرفة محمد عماد عفت ( 9 سنوات )، وشقيقته خديجة (7 سنوات). خديجة نائمة لكن محمد لا ينام ولا يهدأ. يُمسك صور الأب المتغيب. لا يريد أن ينتظر كل هذه السنوات حتى يراه في الجنة. يسأل أمه لعلها تجيب “هوّ بابا مش عارف أنى دلوقتي زعلان؟. همّ المجرمين ماكانوش عارفين إني هاعيط على بابا لما يموت؟”.. تفقد الأم تماسكها أمام أسئلة الطفل البريء الذي كان يدعو الناس في بنايته السكنية لعدم انتخاب أحمد شفيق، رئيس وزراء الرئيس المخلوع، مبارك، في جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية (يونيو 2012) “ما تنتخبش شفيق يا عمو. انتخب مرسي. شفيق قتل بابا!.”
قبل أن ينزل عماد عفت، إلى الصفوف الأمامية، لمعركة مجلس الوزراء بين الجيش والشعب، أجرى آخر اتصال تليفوني بزوجته أم محمد “لا تقلقي. أنا بخير. مررت على أختي. وهي بخير. سوف أغلق الهاتف قليلا حتى لا يفرغ الشحن. بعدها أشّغله، وأطمئنك. سوف أمر على مجلس الوزراء. سأبقى مع الثوار حتى منتصف الليل أو أكثر. السلام عليكم”. كانت هذه هي آخر مرة يتحدث فيها الشهيد لعائلته “كنت أشعر في كل مرة يُغلق هاتفه أنه أقرب للشهادة. عندما طالت المدة، فتحت قناة الجزيرة. رأيت اسمه بين الشهداء. تسّمّرت في مكاني. اقتربت من التليفزيون لأخفي الشاشة عن محمد وخديجة. سمعت دبة وراءي فارتعبت أن يكون محمد. أغلقت التليفزيون بسرعة، وسجدت لله ركعتي شكر. دعوته أن يخلفني خيرا في مصيبتي. انزويت في غرفتي، وظللت أبكي. أخفيت الخبر عن محمد وخديجة إلى اليوم التالي الذي كان غراما!.”
الصبي عماد عفت (ولد في 15 أغسطس 1959) كان ثائرًا في مدرسة المحمدية الإعدادية، ومدرسة الخديوية الثانوية، بحي الحلمية. تقول زوجته “كانت القدس كُل حياته. حاول أكثر من مرة أن يذهب إلى فلسطين وأفغانستان، للجهاد ضد الاحتلال الأمريكي والصهيوني، لكن والده، كان يوقفه. كان يقول له إن الجيش فقط هو من مهمته الدفاع عن مصر وفلسطين. لم يكن عماد مقتنعا بهذه الفكرة لكنه كان يرضخ في النهاية لرغبات الأب الشيخ “. عندما تخرج من المدرسة الثانوية (يوليو 1976) غضب جدا لأنه كان يريد كلية الطب. قضى عامين في كلية الهندسة، بجامعة القاهرة. ولأنه كان يحب الكيمياء، ومن بعدها اللغة العربية، ترك الهندسة والتحق بكلية الآداب (لغة عربية) بجامعة عين شمس وحصل على الليسانس (1990). لم يُشبع البديل عطشه، فكانت الفرصة عندما فتح الأزهر الباب للالتحاق بصفوفه الجامعية لغير الدارسين فيه حيث حصل عماد على ليسانس الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة والقانون بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف (1997) ثم  دبلومة الفقه الإسلامي العام من نفس الكلية (1999).
الشيخ الذي بدأ حياته سلفيا ملتزما إلى أن تحول إلى الوسطية في جامعة الأزهر، كان مستاءً من تشدد السلفيين، “رفض النزول لجمعة الإسلاميين (نوفمبر 2011). كان ينتقد مواقفهم الاقصائية للتيارات السياسية. في انتخابات البرلمان (نوفمبر 2011 ــ يناير 2012 ) أبطل الشيخ عماد صوته لأنه كان يكره منهج الاستحواذ الذي اتبعه الإسلاميون بعد الثورة، خصوصا جماعة الإخوان”. أفصحت أم محمد.
بكى الشهيد على مينا دانيال ورفاقه عندما علم بمجزرة ماسبيرو (9 أكتوبر 2011). ومع توالي الأحداث التي كان الجيش طرفا معتديا فيها، كان عماد عفت يقول: “إن الجنود الذين يقتلون بشرا مسالمين ليسوا من الدين في شيء، وأنه لا فرق بينهم وبين الكفار”. بعد هذه الأحداث، استعادت فكرة الاستشهاد التقليدية كثيرا من معانيها.
عقب اندلاع ثورة يناير، وطبقا لرواية أحد أفراد أسرته، لم يفارق الشيخ الميدان “تقريبا من يوم 28 يناير. أتذكر أنه كان لا يُكمل طعامه للنزول سريعا إلى التحرير. وقت موقعة الجمل، كان الشيخ خارج الميدان. في اليوم التالي، بقي ثلاثة أيام متتالية في الميدان، يجمع الحجارة من الأرض، ويخدم في المستشفى الميداني، حتى نال منه الإرهاق الشديد. كان يُعاقب نفسه لأنه تخلف عن المعركة “.!
كان عماد عفت يؤمن بأن حرية إنسان واحد أهم كثيرا من طوابير مقهورة من العلماء. كان يقول إن العلم، وإن كان قدس الأقداس، إلا أنه مجرد وسيلة لحرية وسعادة الإنسان في الأرض. انقطع الشيخ عن التدريس لتلاميذه في فترة الثورة الأولى، وهو ما تكرر أثناء انشغاله بالمظاهرات الشعبية الغاضبة من العدوان الصهبوني على غزة (2008).
عندما تنظر الأم إلى محمد عفت، يخفت صوت الحزن قليلا “كان الشيخ يدعونا إلى غرس البذور، ولو يوم القيامة. ليلة وفاته كان يُجّهز في مخطوطة على جهاز الكومبيوتر، لتقديمها إلى قسم الدراسات العليا بكلية دار العلوم.”
مدير إدارة الحساب الشرعي، السابق، بدار الافتاء الذي كان يعشق فرقة اسكندريلا، وأغاني الشيخ إمام، والأغاني الوطنية، كان يُحّرض تلاميذه وكل محبيه على نزول الميدان. كان يردد في كل مجلس “إني لا أجد ريح الجنة من دون ريح ميدان التحرير”. بعد سنوات قليلة يفرح محمد، طبقا لأمه المتيقنة “عندما يعرف أن أبيه حي في عشرات الكتب التي حققها، والبحوث الشرعية التي أنجزها، والدروس التي زرعها في كل ميدان، ووجدان.”

(5)أم الميدان

عندما تراها لأول وهلة تعتقد أنها مجنونة. يتأكد لك ذلك عندما تراقب العينين البارزتين وخطوط الوجه المشدودة من أعلى الجبهة حتى الرقبة. الفارق بين السيجارة الأولى والثالثة ليس فارقا في التوقيت، لكنه السيجارة الثانية “الصحة خلاص. يلاّ حُسن الختام. البركة في أولادي الثوار”. وراء عينييها تختبيء طفلة صغيرة، عانت وحدها طيلة الخمسين عاما الأخيرة. تصدت بيديها لتلال من الوجع والاغتراب بعد رحيل أمها عن العالم في صباها “ربنا حبيبي. هو من حماني.”
خلف ستار دخان سجائرها تصوب تجاهك نظرتها الفرّازة التي تميز الخبيث من الثوري. بهذا الميزان المعنوي، استطاعت أن تشكل أكبر أسرة صغيرة لها في ميدان التحرير. كتل بشرية تفيض بالثورة والحب، تناديها بأم الميدان “محبتهم في قلبي تشبه محبتي لأولادي الذين يعيشون خارج مصر في لندن. وُلدت من جديد. شكرا لك يا الله يا صديقي.”
الستينية التي حاربت الوحدة بسلاح الكاسيت “كنت أجرى حوارات شخصية معي. أسألني في موضوعات عديدية. شخصية وسياسية. وبعد ذك أعيد تشغيلها، وأنتقدني أو أصفق لي” تحول بيتها الصغير لميدان تحرير مصغر بعد فض الميدان على يد قوات الجيش في التاسع من مارس 2011 “كل الثوار الذين دخلوا بيتي لم يشعروا بالغربة أبدا. وحتى الآن بيتي مفتوحا للجميع.”
ذاع صيت خديجة الحناوي، التي تنحدر من أصول إقطاعية في الوجه البحري، بعد انحيازها لثوار من الجيش المصري (ضباط 8 ابريل). تبكي أبناءها الذين انضموا لميدان التحرير، فاعتقلهم الجيش من قلب الميدان “لا أعرف إن كنت سأراهم أم لا. تمنيت الموت وقت اعتقالهم. أولادي يعرفون ذلك. صليت ركعتين لله في الصينية، وقلت: يارب. امنحني الشهادة بدلا منهم”. تبكي الحناوي التي تُسعل من كثافة التدخين “سأتوقف عنه ابن الكلب. هيموتني فعلا”. تدهس السيجارة في المطفأة، وتواصل حديثها الذي تحكيه لكل أبناءها في شوارع وسط القاهرة “أنا أم الضباط الشرفاء الذين ضحوا بحياتهم في مواجهة العسكر. اسألوا عليهم. افضحوا طنطاوي حتى يُفرج عن أولادي. تذكروهم”.
بعد أن تحول ميدان التحرير لساحة حرب، فتحت خديجة الحناوي، وسط الاطلاق الكثيف للنار، ثغرة نور، “هّرّبْت أحد ضباط 8 أبريل معي. أخذته للبيت. ظل مختبئا لمدة 25 يوما، لكن بعض المخبرين، لا سامحهم الله، ابلغوا عني. قالوا إنني جاسوسة لإيران، وإسرائيل، وكل الدول!. وعندما شعرت أن الموضوع سينقلب ضد الضابط، ذهبت بنفسي وسلّمته إلى المخابرات العسكرية. خصوصا وأنهم هاجموا بيتي عدة مرات بقوات صاعقة، وسلمت لهم نفسي، فقالوا لي: امشي من هنا وإياكي نشوفك في التحرير”.
تضحك. تُحب الحياة والثورة “عملت بوصيتهم. لم أفارق الميدان لحظة واحدة. كنت وسط أولادي. أرفع شعارت تطالب بالإفراج عن أبنائي الضباط وليس مهما أن أواجه العواقب. أُفرج عن بعضهم، ويتبقى القليل منهم. الحرية لكل المعتقلين”.
في 16 ديسمبر 2011، يوم الجمعة، اندلعت أحداث مجلس الوزراء بين قوات الجيش والمعتصمين الرافضين تولي كمال الجنزوري، رئاسة الحكومة. كانت هناك الأم الثائرة “كنت وسط الضرب، والجرحى والقتلى. أدافع عن بلدي التي تُسرق ثورتها. فجأة وجدتني مُلقاة على الأرض، والبيادات العسكرية تضربني من كل اتجاه.ما أتذكره أن ضابطا صغيرا صفعني صفعة قوية على وجهي. الشعب أكبر من العسكر. ربنا أكبر من الكل”.
تنظر إلى يدها التي تحمل شرخا من ضرب العسكر، فتتذكر أصل حكاية مجلس الوزراء “بمجرد أن رآني الجيش أوزع ساندويتشات للثوار عند مجلس الوزراء، هجموا علينا، وأدخلونا مبنى مجلس الوزراء، واعتدوا علينا بالضرب والشتائم القبيحة. قلت لضابط أنا زي أمك، فزاد الضرب بالبيادات والصفع على وجوهنا جميعا. بعد فترة من التعذيب جاء أحد اللواءات، وأطلق سراحنا نصف أحياء”.
رغم أن النخبة السياسية في مصر لا تعرف خديجة الحناوي جيدا، قبل الثورة إلا أنها كانت تشارك بصمت في الفعاليات الاحتجاجية ضد التوريث عبر حركة “كفاية”، ولها نشاطات بارزة في دعم القضية الفلسطينية عبر قوافل الإغاثة التي كانت تخرج من القاهرة إلى غزة “نفسي أدخل القدس مع الجيوش العربية، وسيد المقاومة حسن نصر الله، يتقدم الصفوف. أحب هذا الرجل. هذا الرجل فارس أحلام كل فتاة عربية. أنا أولهن”!.

(6)سامبو

هناك (بمعناها البعيد). في السجن الحربي حيث الجحيم بامتياز، يقبع ملح الثورة في أقبية يحرسها سجّانون سلّموا انسانيتهم على باب الكتيبة. هناك (بمعناها الرهيب) لا يمكن أن ترى محمد جاد الرب “سامبو”، البطل الشعبي إلا من خلال دخان سجائره. يقولون إن الأيديولوجيات تسقط في السجون، ويرتفع الإنسان. لكن ماذا لو كان السجين من دون أيديولوجية يا طير الوروار؟. ج: يرتفع أكثر!.
لم يقف سامبو أمام عدسة تليفزيون. لم يرتد ملابس غالية «100% بوليستر». لم يهاتفه معد قناة فضائية ليراجع معه اسم الائتلاف الذى يقوده، أو اللقب الذى حازه من غنائم التحرير، ليُكتب إلى جوار اسمه، بينما يحتدم الحديث المشوق والرائع فى البرنامج.
لن يتحدث سامبو عن ذكرياته فى الثورة لأنه خجول «ضربه الفقر مبكرا باكتئاب». لا يجيد الشاب المُلقى فى جحيم السجن الحربى، رسم أشكال هندسية، وأداءات حركية أمام الكاميرا. لا يحفظ سامبو، حتى، عددا من العبارات الإنجليزية، تمكنه من إلقاء كلمة قصيرة أمام جمهور أجنبي كنجوم الثورة الانتهازيين، ليحصل بعدها على جائزة وقرشين من الجوائز العديدة التى تحمل ماركات “الثائر العظيم” و”تنين الثورة”، “ثورى آخر حاجة”، “كبريت يناير”، و”فتيل الثورة”، وليس انتهاء بـ “مفجر ثورة يناير”.
لم يحلم سامبو يوما بأن يظهر على شاشة التليفزيون. لا يملك فوائض لغوية كثوار الفضائيات، ولوردات الائتلافات السياسية. كل الذى يفهمه هو أنه غير نادم على الدفاع عن اخوته المتظاهرين، يومي 28 و 29 يونيو (2011) وقت اندلاع الاشتباكات بين الثوار، وأهالي الشهداء من ناحية، ورجال الشرطة من ناحية أخرى(أحداث البالون). يقاوم سامبو القاضي العسكري الذي كان يزعق وهو ينطق بالحكم (سبتمبر 2011)، “كنت عارف إنها محكمة أي كلام. أنا مدني. بيحاكموني ليه قُدّام محكمة جيش؟”. أدين سامبو بالاعتداء على عسكري أمن مركزي والاستيلاء على سلاحه الميرى، واستخدام القوة والعنف ضد فرد أمن مُكّلف بخدمة عامة، وحيازة سلاح بدون ترخيص، وسرقة بالإكراه “سلّمته لواحد شيخ في جامع مكرم. ما ضربتش طلقة واحدة.  وربنا”!.
تبدلت ملامح سامبو عندما انتقل الى سجن وادي النطرون لتنفيذ العقوبة. يُقّلب يديه اللتين تصدتا لبلطجة الشرطة، فيبتسم، وحيدا، في زنزانة. رقصت روحه من الفرح عندما رأى ثوار الميدان، يهتفون، أثناء إحدى جلسات المحاكمة “الحرية لسامبو”، “سامبو يا ولد، سجنك بيحرر بلد”. لمعت عيناه. ارتفعت دقات صدره، فخرج كامل القلب يسلم على المتضامنين، نيابة عن اليدين. يُخّزن سامبو هذه اللحظات في الذاكرة. حنينه إلى الثورة لم يتغير. الأكيد أن موقفه من الحياة تعمق. كان بإمكانه أن يقتل ليعيش. كان بإمكانه أن يترك أهالى الشهداء لكنه ثار عندما رأى الضباط يلوحون للثوار بإشارات خادشة للحياء “على اليوتيوب تجد ما هو أفظع”.
لا ينسى سؤال شقيقه عن ابنه الرضيع الذي لم يره بعد  “يشبهني؟. يضحك؟. والنبي سلم لي عليه. هاتوا معك زيارة. لا لا. حرام. لا يتحمل. بوسهولي. قل له بابا بيسلم عليك”. يبكي الشاب عندما تنغلق الزنزانة. يشعر أن مسجون مدى الحياة. يحبس دموعه. يدخن سيجارة ثم يُطفئها سريعا. اهتدى الى حيلة. يرسم على ورقة صغيرة سامبو الصغير. يكتب على الحائط تاريخ ميلاده (مارس 2012). كان على وشك أن يحكي له عن أيام التعذيب. يتراجع. يرسم وردة على حائط الزنزانة. يأمل في إعادة محاكمته مجددا. يأمل من الله ما هو أكبر “عفو من عندك”.
يهنئه السجناء “بشارة خير”. يشكرهم. يبتسم عامل اليومية لأنه رأي الفرحة ترتسم على وجوه، والديه العجوزين، وامرأته الشابة، واشقاءه الثلاثة في الشقة الصغيرة في حي الشرابية الشعبي. يفهم سامبو أنهم يعانون معاناته. يتناول غذاءه غير الآدمي بطلوع الروح. يسمع عن الناس الذين يرسمون صوره على حوائط الميادين والشوارع “الجرافيتي”. خبّره شقيقه أن الصحفيين والمحامين يتبنون مطلب الإفراج عنه نهائيا شأن باقي المعتقلين السياسيين. يذهب الى ليل الزنزانة مُحّملا بمقاومة استثنائية. رسم على حائط الزنزانة سامبو صغيرا يضحك، ولم يبك ككل مرة أُفرج عن سامبو مع محكومين عسكريا. ولم يضحك ككل مرة.

(7)شاهندة مقلد

توقّف المناضل الأممي تشي جيفارا، في قرية كمشيش (محافظة المنوفية/ شماليّ القاهرة) عام 1965. حيّا بابتسامة عريضة، وعينين لامعتين، الثائرة العشرينية في وجه الإقطاع، ورفاقها الفلاحين. سلّمت عليه. كان برفقة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. طلبت من الأخير أن يرفع العزل المفروض على القرية. وعدها الرئيس، فأنشدت مع الفلاحين “‏سنين‏ ‏عزلونا‏ ‏عنك‏ ‏يا‏ ‏جمال‏. ‏حرب‏ ‏مسعورة‏ ‏شنّوها‏ ‏علينا‏. ‏بالدم‏ ‏غسلنا‏ ‏ذل‏ ‏الإقطاع”.
مرّ الموكب الرئاسي، لكن أثره بقي محفورًا في ذاكرة المناضلة الشرسة شاهندة مقلد. تحتفظ بصورة كبيرة للثائر جيفارا، بجوار صورة زوجها المناضل الشيوعي صلاح حسين الذي استشهد عام 1966، أي قبل غيفارا بعام واحد “لا فرق بينهما عندي، كلاهما ناضل ضد الاستغلال والعبودية”. تبكي، وهي المقاتلة التي شاركت زوجها المقاومة المسلحة ضد الإقطاعيين.
تحاول الهرب من الشعور المؤلم، فتجد صور رفيق عمرها في كلّ ركن من أركان بيتها في حي مدينة نصر (القاهرة). تبلّ ريقها ببعض الماء. تنهمر دموع إضافية. هذه المرّة، إنّها دموع الفرح بـ«ثورة يناير». «فرحانة يا صلاح. إنّ غرس أفكارك أنبت ثورة». تنهمر دموعها مجددًا “صلاح! كلّ ما فارقت وطنك، ورفاقك، وزوجتك من أجله، صنعه جيل من الشباب، هم امتداد للجيل الذي بدأت معه معركتك ضدّ الإقطاع”.
رغم مرور كلّ ذلك الزمن، ما زال قلبها يدقّ، سليمًا، بالنضال والحرية. ورغم تقدّم العمر (74 عامًا)، ووهن الجسد، إلّا أن ذاكرة شاهندة مقلد تأبى أن تغيّر طبعها الحديدي. تعرف بسهولة كيف تواصل زحفها نحو نقاط مركزيّة في خريطة العمر.
عرفت الطفلة البورجوازية حياة الخطر باكرًا مع حبيبها الأول، والدها عبد الحميد شوقي مقلد، الضابط الكبير والمثقّف ” كان عازفًا رائعًا على العود. لو لم يجبره والده العمدة على الالتحاق بكلية الشرطة، لاشتغل عوّادًا في فرقة أم كلثوم”.
كانت شاهندة الابنة الكبرى وسط أربعة صبيان، وكانت أقرب إلى والدها من أمها التي كانت «طيبة، غير مغامرة». الترحال المتكرر الناتج من طبيعة عمل الأب، جعلها تشتبك باكرًا مع التناقضات الطبقيّة في مصر. كذلك إنّ حديث الأب المتكرّر عن الاشتراكيّة مع ابنته المراهقة، أفهمها جذور التناقضات “كان ضمن الطليعة الوفدية اليسارية”. بعد سنوات عديدة، ستفهم شاهندة لماذا كان «يرفض إصدار أوامر بفضّ التظاهرات الشعبية عقب هزيمتنا في حرب فلسطين (1948)». الأب الذي أرسل إلى عبد الناصر برقية تقول: «إذا لم تفرجوا عن فلاحي كمشيش المعتقلين بسبب ثورتهم على الإقطاع، فاعتقلوني معهم» أوصاها بأن تدافع عن رأيها حتى الموت. منحها القوة لأن تنفصل عن زوجها الضابط الذي لم تكن تحبّه، لكي تتزوج بصلاح حسين، العائد لتوّه إلى كمشيش. اعتقل حسين في حينه لأنه نظّم الفلاحين، و«خصوصًا الطلبة»، ودرّبهم على حمل السلاح لمواجهة عائلة الفقى.
كانت هذه العائلة تمتلك القرية، بمن فيها من فلاحين، وتذلهم، وتمنعهم من إكمال تعليمهم، أو رفع رؤوسهم عند مرور أحد أفراد العائلة في الشوارع. لذلك، لم يكن غريبًا أن يقود صلاح حسين أعنف المعارك المسلحة ضدّ الإقطاع (1953)، فيُعتقَل ويُسجَن لعام من قبل نظام عبد الناصر الذي كان إصلاحيًا وليس جذريًا في نزع الأرض من عائلة الفقي “لم تُنزع الأرض لمصلحة الفلاحين إلا بعد خمس سنوات من الكفاح المسلح، راح ضحيته العشرات. ومع كل هذا لم تنته المعركة بعد مع الإقطاع في القرية”.
المرأة ذات الشخصية الصلبة كبناءٍ عملاق، انهارت في بيتها في الإسكندرية، فور سماعها خبر اغتيال زوجها على يد عائلة الفقي في كمشيش (30  أبريل 1966). تبكي مجددًا. تتذكر. يتحشرج صوتها “والله وعدني بالعودة سريعًا. قال لي إنّ الرصاص لا يعرف الطريق إلى جسده، لكن… أنا”.
تماسكت أم الأطفال الثلاثة (بينهم رضيع لم يكمل الشهرين)، مسحت دموعها، ونزلت إلى كمشيش، لتحمل نعش شهيد الحركة الفلاحية الثورية. هناك، تحوّلت الجنازة إلى تظاهرة شعبية. هتفت شاهندة بأعلى صوتها: “صلاح شهيد، والشهيد لا يموت”. ردّ آلاف الفلاحين: “دمه في المصانع، دمه في الغيطان”. طبع «أبريل الأسود» بصمته على كل تفاصيل حياة شاهندة مقلد. لم تخلع الثوب الأسود الذي كان جاهزًا لاستقبال أنباء مؤلمة كثيرة، كان آخرها مصرع نجلها وسيم في روسيا، وأخيها الضابط، وابن عمها “هذا الفقد المتكرر هو تكريم لشاهندة. بعد موت وسيم، شعرت بأنني انتهيت، لكن «ثورة يناير» أحيتني من جديد”.
انخرطت شاهندة شابةً في الحركة المسلحة مع رفيقها المسكون بالماركسية. وبعد وفاته، قررت أن تستكمل أمانة النضال، فذاع صيتها في الداخل والخارج “زارني جان بول سارتر، وسيمون دو بوفوار، وكان معهما عبد الناصر، واستقبلناهم بالهتاف للحرية وسقوط الإقطاع، واسوني بزوجي، والصحف الأجنبية كتبت عن ذلك”.
تعرضت مقلد للسجن مرتين: الأولى في عهد السادات، وتحديدًا عام 1971، إثر اشتداد الصراع المسلح مع الإقطاع الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. والثانية في يناير  1981 بتهمة الانتماء إلى «الحزب الشيوعي المصري». وقتها نظم لها الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدة «النيل»، وكتب فيها: «النيل عطشان يا صبايا،…، يا شاهنده وخبرينا، يا أم الصوت الحزين، يا أم العيون جناين، يرمح فيها الهجين، إيش لون سجن القناطر، إيش لون السجانين، إيش لون الصحبه معاكي، نوار البساتين، كلك محابيس يا بلدنا، وهدومك زنازين، وغيطانك الوسايع، ضاقت ع الفلاحين ».
بقيت شاهندة مقلد تناضل ضدّ الإقطاع الذي أطلّ برأسه مجددًا، في عهد نظام مبارك. وقبل فترة، قادت مسيرة نسوية إلى «ميدان التحرير» ضمن مليونية ردّ الشرف (23 ديسمبر) لفتيات مصر اللواتي تعرضن لفحوص عذريّة مذلّة على أيدي جنود من الجيش المصري. لا تكترث بنصر الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة “لحظة اقتناص براجماتية للتاريخ. لعبوا على فقر الناس، ووعيهم المشوه. الشعب سيفيق من غفلته. من الجيّد أن يجرّب الآن أنّهم فارغون. الشعب كلّه يسار. مصر كلّها يسار. ستعود له ويعود إليها، بعد أن يسترد عافيته. ميدان التحرير سيبقى سلاحنا، سيبقى الجمعية العمومية للشعب”.

(8)فتحية العسال

تعيش وحدها منذ سنوات. تفتح نوافذ بيتها، تتنفس هواء الصباح، وتحيي صديقتها التاريخية: «صباح الخير والجمال يا دنيا». هذا هو طقسها الصباحي الذي حرصت على ممارسته كلّ يوم، طوال السنوات الخمسين الأخيرة. تجلس على الأريكة، ثم تدخل المطبخ لإعداد إفطارها. تشرب الشاي، وتعود لتجلس على الأريكة. تحرس صورة كبيرة لهما، هي ورفيق النضال والقلم، زوجها الأديب الراحل عبد الله الطوخي (1926 ــــ 2001). تنظر بقلق ناحية مكتب بسيط، فوقه أوراق مسرحية جديدة لم تكتمل.
«منذ شهر، وأنا غير قادرة على كتابة سطر واحد فيها». تقوم صوب المكتب، ثم تتقهقر سريعًا: «سأكتبها، حين يروق مزاجي». المسرحية عن مصر الثورة، وعنوانها «شجرة الصبار»، وفصلها الأخير ينتهي بأسطورة الشعب يريد إسقاط النظام.
لو لم تعش هوس النضال، والكتابة الجماهيرية للمسرح والتلفزيون، لصارت فتحية العسال «ماما توحة» بائعة جرائد ومجلات على الأرجح. لكنّها مارست ما تعلَّمته طفلةً من أمها البسيطة، ونقلته وما زالت تنقله إلى المئات من أبنائها في السياسة والفن: “لا تُكسب معارك الوعي من دون اتساق وصراحة مع النفس”.
يوم تنحّى الطاغية حسني مبارك، كانت في ميدان التحرير. بكت من الفرحة، ومن جرح فراق الحبيب: “افرح يا عبد الله، تعبك لم يذهب هدرًا”. أوّل تظاهرة شاركت فيها (1954)، كانت تضامنًا معه، ومع رفاقه الشيوعيين المعتقلين. كانت ضدّ التمييز في المعاملة الذي مارسته السلطة بين السجناء السياسيين “قابلت يومها الرئيس الأسبق محمد نجيب، وجمال عبد الناصر، وقاما بالواجب. بعد أيام، ألقي القبض عليّ خلال تظاهرة قدتها ضد الأحكام العرفية. بعدها تعودت على الزنزانة. أخرج أنا من السجن، يدخل هو. يخرج هو، أعتقل أنا”!.
في اليوم العالمي للمسرح عام 2004، كانت فتحية العسال أوّل مصريّة يطلب منها «المعهد الدولي للمسرح» التابع لـ «الأونيسكو»، كتابة الرسالة السنويّة. فخطّت رسالة عن المسرح والحياة. ترجم خطابها إلى أكثر من 20 لغة، وعُمِّم على جميع مسارح العالم، كرسائل جان كوكتو، وآرثر ميلر، ولورنس أوليفييه، وبيتر بروك، وأوجين يونيسكو، وسعد الله ونوس. رغم أنّها كتبت مسرحيات شهيرة ــ غير تلك التي منعتها الرقابة في السنوات الأخيرة ــ ورغم أنّ العديد من تلك الأعمال ترجم ونال جوائز، إلا أنّ العسال تقول إنّها لم تكتب مسرحها بعد.
ارتباطها بزوجها الماركسي، ثم نشاطها في تنظيم «8 يناير» الشيوعي في عهد عبد الناصر، ومعارضتها «اتفاقية كامب ديفيد» مع الكيان الصهيوني… كلّها خيارات عرَّضتها للسجن ثلاث مرات (1954/ 1956/ 1979). عن السجن كتبت أولى مسرحياتها «المرجيحة». ومن داخل الزنزانة كتبت أيضًا مسرحيتها المؤثرة «سجن النساء».
تعشق الحكايات. تتذكر بشغف ذاك المساء (1957)، حين كانت تعلم الفتيات القراءة والكتابة، وهي لم تحصل مثلهنَّ على شهادة دراسية. «كانت أنوثتي طاغية، فأخرجني والدي من المدرسة، لكنني علَّمت نفسي بنفسي». في يوم من الأيام، جاءتها شابة أمية برسالة كي تقرأها لها. أخبرتها أنّ والدها كلما قرأ تلك الرسالة بكى. وحين قرأت الرسالة، فهمت أنّ زوج الشابة المسافر طلّقها، لأنها لا تنجب الأطفال. نصحها عبد الله الطوخي أن تكتب الحكاية ” كتبتها فورًا، وكانت أوّل مسلسل إذاعي لي، لكنني نسيت عنوانها. صلاح جاهين طار به، وقال إنّه أجمل حوار قرأه في حياته. راقت لي التجربة فحولت رواية «زهرة العمر» لتوفيق الحكيم مسلسلاً إذاعيًا”. استغرب الأديب المصري جرأة الشابة، لكنّه فرح بالعمل كثيرًا.
أعجبتها «لعبة الكتابة للإذاعة والتلفزيون»، فكتبت قرابة ستين مسلسلاً، ومعظمها عن القهر السياسي وقضايا تحرّر المرأة ” لا يمكن أن تتحرّر المرأة، إذا لم يتحرّر المجتمع كلّه، وإذا لم يتمّ تسييس المرأة والرجل معًا “. رئيسة «الاتحاد النسائي التقدمي» في «حزب التجمع اليساري»، تبنّت الدفاع عن قضية المرأة في مصر والعالم العربي. كتبت قرابة ستين مسلسلاً أشهرها «هي والمستحيل»، و«حتى لا يختنق الحب»، و«لحظة صدق». لو أرادت فتحية العسال أن تجني أموالاً طائلة من كتابتها، وتنتج أعمالاً تجارية لاستطاعت. لكنَّها رفضت توظيف فنِّها لتسلية ربات البيوت في النوادي وجلسات النميمة.
حتى بعد «ثورة 25 يناير»، مَنَع «اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري» عرض ثلاثة من مسلسلاتها عن الواقع السياسي والاجتماعي أيام مبارك “طلبوا مني تعديلات في السيناريو والحوار، فرفضت. لم يتغيّر شيء. الرقابة هي هي”.
يذكّرها هذا الموقف بموقف أنور السادات من أحد مسلسلاتها «الحب والحقيقة». «كان العمل يحكي عن محامٍ منحطّ أخلاقيًا، يقوم بكل الأفعال المشينة باسم سيادة القانون. عرضت منه ست حلقات، ثم أوقفه السادات بعدما قالوا إنّ بطل المسلسل هو السيد الرئيس»، تتذكّر. وتضيف: “مجانين والله”.
تدين العسال لأنبل رفيقاتها: البهجة، إذ خففت عنها معاناة التحقيق، والسجن، ووجع الأيام “من دونها، كان زماني «واحدة ثانية خالص». البهجة صاحبتي. آه. لم أخجل منها، ولم أخفها. حتى في الزنازين، لم أتخلَّ عن قهقهاتي”.  تصمت قليلاً ثمّ تقول: “أنا أُحِبُّني، أحب الحرية، وغير نادمة على شيء”.  تصوّب عبارتها الحلوة في وجه كلّ من ينتقد سيرتها الذاتية التي صدرت في أربعة أجزاء بعنوان «حضن العمر» (الهيئة المصرية العامة للكتاب ــــ 2004). فاضت في تلك السيرة بكل شيء. وبصدق بالغ، كتبت عن عذابات الجهل في الطفولة، وازدواجية المناضلين ومدَّعي تحرير المرأة.
كتبت عن السجن الذي علّمها عشق البراح، وعن الضحايا اللواتي بعن أجسادهن من أجل وجبة لحم مشوي، وعن الأمل والحرية. هذه الأيام، تشارك في كل الجلسات السياسية الشعبية بهدف استكمال مطالب الثورة “أقول للشباب والشابات.  أوصيهم بحب الاشتراكية وتطبيقها، فهي الأمل للحرية والتغيير الجذري”.

9)وليام سيدهم

دراجة مهملة منذ سنوات بسبب آلام الظهر. سرير حديدي، وخزانة ملابس حديدية تحوي معطفًا واحدًا تميزه ثلاثة خروقات، وقميصان لكل فصول السنة، بل فصول السنوات العشر الأخيرة. طاولة صغيرة، تكاد تختفي تحت كدسات الكتب في مجالات شتّى: فلسفة وفنّ ودين وتاريخ. جوربان قديمان، وزوج حذاء متهدم، وقبقاب بلاستيكي. هذه هي ممتلكات الراهب الستيني وليام سيدهم الذي يقطن غرفة صغيرة في الطبقة الثالثة من مسكن «مدرسة العائلة المقدسة» (جيزويت القاهرة) في حي الفجالة وسط العاصمة المصرية.
في ليالي الصيف الحارّة، يصعد «أبونا وليام» السطوح، ويرتجل سريرًا من خمس خشبات. وعندما توقظه الشمس، ينزل الشارع بالقرب من جيزويت القاهرة لتناول فطوره المفضّل، فول بالزيت وطعميّة مع عم شحتة وعم مصطفى.
في ميدان التحرير، رغم حرارة الجو، يحيط عدد من أطفال «جمعية النهضة العلمية والثقافية» بالأب وليام الذي يعمل منسّق الجمعية في جيزويت القاهرة: «كلهم أولادي. ندربهم. وقد دربنا غيرهم على مدى 13 عامًا على فنون السينما، والمسرح، والرسم، والعزف، والتصوير الفوتوغرافي».فوق حشائش «الكعكة الحجرية» في الميدان خلال «جمعة الوحدة الوطنية» (13 أيار/ مايو الجاري)، جلس الراهب اليسوعي بعدما أعياه الهتاف. كان يهتف ربع ساعة، ويرتاح. أراح ظهره فوق أرض الميدان، شاعرًا بالفرح لأنه شارك في الثورة، وحرّض عليها، وهو متفائل بمسارها: “لقد تجاوزنا الأصعب” يقول.
يستعيد شريط الذكريات، ينظر إلى سماء التحرير، فيستعيد تواريخ باريس التي تظاهر في شوارعها، مناصرًا للقضية الفلسطينية (1975)، وانتفاضة 18 و19 يناير الشعبية (1977 ــ انتفاضة المصريين إثر قرار السلطة الساداتية رفع أسعاء السلع)، ومحتجًا على اتفاقية (كامب ديفيد).
الشاب الجنوبي، المنحدر من عائلة فقيرة في قرية جراجوس (محافظة قنا)، رُسم قسيسًا في كنيستها عام 1984. وكان طرفًا في قصة حب طوباوية مع إحدى بنات العائلة قبل التحاقه بقسم الفلسفة في جامعة القاهرة (1968). لكنّه ترك القصة واختار طريق الرهبنة. بعد أشهر قليلة، سيمر في تجربة أكثر صعوبة. سيفقد إيمانه مع بداية سبعينيات القرن الماضي “كنت محمومًا بتساؤلات، كل دراساتي جاءت ردًا عليها. درست ابن رشد،وهيغل وماركس. لكنّ كانط أراحني كثيرًا. لا أحد منا يستطيع أن يثبت الحقيقة وحده. إنها مسؤولية العالم”.
ظنّه الآباء اليسوعيون في تلك الفترة مجنونًا: “قبلوني كما أنا. شيوعي وملحد. وأنا لم أنف ذلك. أقنعت نفسي بأن الله محبة. وقبلها، خضعت لرياضات روحية شاقة. خبرة صعبة. صعبة. الآباء اليسوعيون ساندوني، وأنا أقنعت نفسي بأن الله محبة”.
الروافد التي كوّنت الوعي السياسي للأب وليام سيدهم، متسقة تمامًا في ما بينها: متمرد، وعاشق للتحرر من سطوة النصوص الدينية، ثائر على خضوع السلطة الدينية للسلطة الزمنية. شارك الحركة الطلابية في جامعة القاهرة، تظاهراتها المؤثرة (1968 ــــ 1973) رغم أنّه كان يعمل مشرفًا في «مدرسة العائلة المقدسة» في القاهرة. بعدذاك سافر إلى فرنسا حيث حصل على الماجستير في لاهوت الفلسفة، وتحديدًا في المنهج النقدي لابن رشد الذي يراه أكثر الفلاسفة العرب تمردًا. ثم دخل في الوقت عينه في معركة كبيرة مع اليسوعيين الفرنسيين، حول مسألة إسرائيل التي لا يعترف هو بها، ويراها كيانًا دمويًا قام على تفسيرات ملفّقة للعهد القديم. ورعته الإمبريالية الأميركية التي ” تتكسب نفطها ورزقها من المتاجرة بالمسيحية والحرية”.
قبل أن يحصل الراهب الشاب على ماجستير اللاهوت من باريس، التقى بثوّار مسيحيين من أميركا اللاتينية، من بيرو وتشيلي والأرجنتين والسلفادور والمكسيك. “لم أكن مقتنعًا بأن الدين مجرد طقوس تُنزل مشيئة الرب. لماذا لا يحرّض رجل الدين الناس على التغيير بالفعل؟”. قرر سيدهم أن يدرس «لاهوت التحرير»: “ألّفنا مجموعة متخصصة هناك، واعتنقت الفكرة”. نشر وترجم سيدهم في السنوات التالية كتبًا عن لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية، وأفريقيا وآسيا. لكنّه فشل في نشر وعي «لاهوت التحرير» في مصر: “الناس كانوا يخافون من السياسة. المسيحيون يخافون أكثر. الكنيسة الرسمية قهرت شعبها وأخضعته للاستبداد السياسي”. إنّه متيقّن من أنّ «لاهوت التحرير» كان سيمنع وقوع أي فتن طائفية، لأنه “يدافع عن وحدة كل الفقراء والمضطهدين على اختلاف عقائدهم، ضد وكلاء الله والنظام والاستقرار”.
لم يسلم الراهب الفنان من ملاحقة أمن النظام السابق، “كنت ضيفًا شبه دائم عليهم. قبل عشر سنوات، أسسنا مسرحًا للأطفال هو مسرح للمقهورين. استدعيت للنيابة أكثر من مرة بتهمة تشويه صورة مصر لأننا كنّا نصور فيلمًا عن أطفال الشوارع. توقفت تحرشاتهم في أيام الثورة الأولى”. كانت «جيزويت القاهرة» ملجأ للفارين من وحشية أمن النظام السابق.
يظهر الأب سيدهم شكًا حين يتكلم عن قدرة الثوار على استكمال مطالب الثورة، «ما لم يتطهر الإعلام التلفزيوني من موروثات العهد السابق». أما الأحزاب المصرية الحالية، فيرى أنّها جزء من النظام القديم، ويجب أن تتاح الفرصة للأحزاب الناشئة «ذات الخط الجماهيري والاجتماعي». لكنّه متفائل عمومًا، فهذا طبعه “البلد كان يحتاج إلى فترة انتقالية كافية قبل إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية”.
يشير بأصابعه إلى مكبرات الصوت الضخمة في ميدان التحرير (قرب مدخل الجامعة الأميركية) في أحد المليونيات، ذات الأكثرية الإسلامية: “مجرّد عروض، إنهم يدغدغون مشاعر البسطاء بشعارات رنانة. الضحايا يصفقون لهم. لست قلقًا. هذا الفرز العفن ضروري، وطبيعي أن يخرج من مقبرة الاستبداد. المحبة والحرية ستطهرنا”.

(10)جنـزيـر

كأنما تقترب من شبح. قد يسخطك قردا، ويلصقك “بوسترا” على حائط، فتراك خلائق القاهرة، المارة إلى جوار جدرانها. هذا إذا كنت “فِل”، أو ثورة مضادة، لكن لو كنت من ثوار 25 يناير، ومن أنصار “الثورة  مستمرة” تحديدا، فلن تقابل أبدا شبحه. ستجده صوتا وصورة وقفشات. ستقابل شابا نحيلا، ساخرا، هادئا 50%، مجنونا 50%، ثائرا 100%،  محاربا شرسا 200%، لقُبح العسكر، وحزب الكنبة، والساعاتية الذين يريدون إعادة عقارب الزمن إلى ما وراء الحقيقة الأكيدة (الثورة الشعبية).
عندما كانت مصر في امتحان تاريخ، كان الشبح الثلاثيني “موفا”، ويٌلّقبونه “جنزير”، يجثو على ركبتيه، بملابس بسيطة،  يجيب بريشته ودلوه، وألوانه، على الأسئلة الإجبارية متكئا على جدران عاصمة بلاده، القاهرة التي كانت تزأر ( يناير 2011 ) من أجل رحيل الطاغية مبارك، الرئيس المخلوع. كان بإمكان جنزير، الذي ولد في بداية عصر الإزدهار ( 1982) أن يكتفي بالأسئلة الاختيارية السهلة (يواصل عرض رسومه ولوحاته بين جدران وزارة الثقافة وفي معارض دولية). أبى أن يترك قاعة الامتحان، وقرر أن يخلد سيرة من ماتوا ليحيا هو، في جداريات شعبية “جرافيتي”، على حوائط وسط القاهرة، وكل نواحيها “لدي مشروع أن أرسم كل شهداء الثورة، عددهم أكثر من 800 شهيد. رسمت بعضهم، الناس شجعتني في بعض الرسوم، وفي أوقات أخرى، كان الفلول يزيلون ما نرسم، فنعيد ما بدأنا، أكبر جائزة أحصل عليها عندما أُُذكر الناس بشهداء الثورة”. يضحك ثم يواصل “يا احنا يا الفلول”!.
أمتع اللحظات التي لا ينساها الثائر الفنان كانت بعد تنحي مبارك بفترة “حوالي عشرة أيام”، عندما رأي جنزير، جزء من فريق العمل الذي يلازمه، يرسم جدارية لتكريم الشهيد الصبي سيف الله عبد الفتاح، في وسط القاهرة “تجمع الناس، ساعدوا الشباب، بالتشجيع، وبعض الأدوات البسيطة. دعمهم تكريم للشهيد، وتكريم لنا، فيه شيء أحلى من هذا في الحياة”. الشهيد سيف يظهر في الجرافيتي، ملوحا بعلامة النصر، ومكتوبا إلى جواره “28 يناير 2011. دهسته سيارة بجوار وزارة الداخلية”.
رسوم الجرافيتي، ينفق عليها جنزير من جيبه الخاص “على الله!”، وهو يعتقد أن الفن إذا لم يكن للناس، فإن الفن يصبح كالورود البلاستيكية “الحمد لله، لدي دخل من نشاطات فنية أخرى”. وخلافا للأعباء المادية التي يتحملها، كان “جنزير” فريسة سهلة، لبصاصي الاجهزة الأمنية، حيث أعتقل أكثر من مرة، بعد سقوط مبارك، كان أبرزها، عندما بعث عبر الجدران برسالة إلى المجلس العسكري، سارق الثورة، وقامع الثوار في شوارع محمد محمود، ومجلس الوزراء. ما التهمة؟. رسم جنزير جرافيتي لمواطن، معصوب العينين، والحواس، ومن أذنيه يطير جناحان، وكتب تحتها “هدية المجلس العسكري إلى شعب مصر”. رسومات أخرى، لجنزير، ضد العسكر، كان من بينها جرافيتي لدبابة كبيرة، توجه مدفعها لرأس مواطن، على هيئة حيوان الباندا الوديع، وصبي فقير، يركب عجلة، ويحمل على رأسه قفصا من العيش البلدي”.
على أن الجرافيتي الأشهر، لدى كثيرين، تلك الرسومات التي يظهر فيها الرئيس السابق، مبارك، مع المشير طنطاوي، رئيس المجلس العسكري، وفاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، وعمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، والمرشح السابق للرئاسة المصرية. الجميع في الرسم يضحك، ويشبك أذرعه بذراع مبارك، وهذا دفع جنزير ليكتب فوق رؤوسهم “الشعب يريد إسقاط حبايب النظام”!.
“أنتم عملاء للأمريكان وإسرائيل، وإيران”. ثلاث دول لا يمكن أن تجتمع إلا في لغة  كوكب عطارد، أُتهم جنزير ورفاقه دائما بالعمل لصالحهم (الثلاثة مجتمعين!). كانت هذه العبارة واحدة من عبارات المواطنين الشرفاء (الطابور الخامس للمجلس العسكري) الذين قام بعضهم، في مرات بإزالة جرافيتي جنزير ومجموعته، وفي مرات أخرى، يلطخون الجدران بأدوات صباغة سوداء، “هؤلاء الناس، وعيهم لم يتحرر بعد. بتوع الاستقرار. لكنهم أهالينا، ونستهدف أن ننير لهم الطريق”. واجه جنزير، يعتقد أن الثورة مستمرة، حتى تبني الجماهير دولة مدنية ديمقراطية، لا عسكرية ولا دينية. من هذا نفهم رسوم الجرافيتي التي رسمها منتقدا العسكر والإخوان، أيام كان البرلمان المُنحل يقيم الصلاة، ولا يؤدي فروض ومطالب الثورة”.
بمرور الأيام، وبعد انتخاب رئيس جديد لمصر، محمد مرسي، لا يتوقف جنزير، عن استكمال حُلمه، الذي كلما تحدث عنه، انفرجت عيناه بفرح “أتمنى أن أكون على نفس الخط مع الثورة، والتغيرات الجماهيرية التي تحدث وستحدث. أعرف أن ما أرسمه في يوم، قد يزيله مُغفّل في دقيقة، لكن هذه متعة الفن. أن تمسك بفكرة يطاردها شخص آخر، فتطارد هذا الشخص، بنفس الفكرة في اليوم التالي”.

سمير عبد الباقي(11)

ثورته في رحم الغيب، رحم الشعب، وعده بها الفلاحون والعمّال. ثورته في عِلم النيل يحييها جيلاً وراء جيل لأنّ «مصر بتطبّل على باب الجحيم/ في غياب الفكر والفهم السليم/ اليسار عاجز يلمّ شتات عياله/ والغرور دوّد في أمخاخ اليمين/ واللي كان طاير على جناحات خياله/ انكفى يقصقص في ريش حلمه القديم/ كل من عنده نظر قاتله سؤاله/ رايحه فين يا بلد وسايبه ابنك يتيم”.
لا شيء غير عشق الشعب، يدفع طفل السبعين سمير عبد الباقي، إلى تحمُّل عبء توزيع نشرته الشعرية «شمروخ الأراجوز» (العدد 75؛  مايو 2011)، على صبية وشباب يجلسون في مقهى شعبي، وسط القاهرة. “قوم رجِّع حقك/ وكرامتك/ مصر مش أمك/ مصر بتاعتك/ ارفع رأسك/ انت صاحبها/ صمتك عن حقك/ غربها/ أرض وميه/ وشمس ونور/ وبراح حر/ ومن غير سور/ دم الشهدا خلاص قربها”. يقع هذا النشيد في الصفحة الثانية من نشرته الشعرية التي أعطى النادل نسخةً منها، فطواها في جيب قميصه الأبيض، ووعده بقراءتها. قهقه شمروخ الأراجوز: “أبدعت أساطير تبيح لك/ تتباهى فوق سرج خيلك/ ما بقى لك إلا شغلك/ وحتى لو مش باقي لك/ الصعب طول عمره سهلك/ حب الوطن زاد قلبك”.
لم ينفَد إبداع هذا الشاعر والروائي والمسرحي والثوري الملتزم. تجربته مشتعلة ومتجددة دومًا. غير أنّ الإنجاز الأساسي لسمير عبد الباقي يبقى انحيازه الدائم لابن الخيال الأول، أي الشعر. يفعل ذلك بعناد وعبقرية الآباء والأشقاء السابقين، مثل عبد الله النديم، ويعقوب صنوع، ورمزي نظيم، وبيرم التونسي، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين. أنجز في الشعر تراكمًا ونصوصًا مركّبة، وخصوصًا في مجال الشعر السياسي الذي تجاوز فيه المعاناة الذاتية، لمصلحة الجماهير. في رصيده، ستَّة دواوين، و75 عددًا من نشرته الشعرية المستقلة «شمروخ الأراجوز» ضمّت مئات القصائد والرباعيات السياسية.
في السابعة عشرة من عمره، أيام العدوان الثلاثي (1956)، نشر في مجلة حائط أشعارَه التي ألهبت حماسة الشعب المناضل ضدّ الاستعمار. شارك أيضًا في تقديم عدد من المسرحيات للمُهجّرين من بور سعيد. تجربته المتقطعة والطويلة في السجن طبعت وجدانه ووعيه السياسيين. في عام 1977، وعقب «انتفاضة الخبز» الشهيرة في عهد السادات، اعتُقل مع مجموعة من الفنانين والمثقفين. وقبل ذلك بعقود، أمضى خمس سنوات (1959 ـــــ 1964) وراء القضبان في عهد عبد الناصر، لأنّهم أصدروا جورنال «صوت الفلاحين»، وكان تابعًا لـ “الحزب الشيوعي”.
في المرّة الأولى، تنقّل بين سجن المنصورة والقلعة والواحات: “قرأتُ مكتبة كاملة عن المسرح والأدب والفلسفة والتاريخ والفكر الإسلامي. كان معنا معتقل يُدعى الحاج وهبة، وكانت لديه مكتبة كبيرة، نقلها كلّها إلى سجن المنصورة. وهناك، أصدرنا مجلة حائط تحوي قصائد، ومقالات أدبية وسياسية. وفي سجن الواحات، كتبت شعرًا، وقدمنا مسرحيات منها «حلّاق بغداد»، و«البرجوازي الصغير»، و«بيت الدمية»، إضافةً إلى مسرحيات أخرى لا أذكرها”. يضحك طويلاً ثمّ يقول: “كانت أيام”.
جنون الشاعر أوسع من ثوب السياسة. قبل أن يدخل سمير عبد الباقي معتقلات عبد الناصر، رفض الانضمام إلى أي تنظيم شيوعي “كلّهم أصدقائي، وكانوا ينتقدون بعضهم بعضًا بحدّة. لم أُرِد خسارة أحد”. انضمَّ إلى تنظيم «8 يناير» الذي وحّد التنظيمات الشيوعية المصرية كافة (1958)، ثم استقال من حزب التجمع اليساري (1991) احتجاجًا على «انتهازيّة اليسار اليميني». في السنوات الأخيرة، وحتى بعد الثورة التي «تلقّف ثمارها العسكر والانتهازيون»، لم يفارق الحزن والخيبة هذا الرجل السبعيني “أي يسار هذا الذي في مصر؟ أين بديهيات الصراع الطبقي، والتنظيم اللينيني، وعلاقة اليسار المناضل بالجماهير، وتحرير الوعي؟ لقد هجروا النظرية”.
الطالب اليساري الذي تخرج من كلية الزراعة (1966)، قاد تظاهرات طلابية ضد أحكام الطيران الشهيرة (1968). قاوم الاستعمار بالشعر والكتابة، وكتب قصصًا للأطفال، ونصوصًا مسرحية في مجلات «سمير» المصرية، و«أسامة» السورية، و«سامر» البيروتية. هذه المقاومة طاولت المسرح، فقد كتب العديد من المسرحيات، وأسّس «الفرقة المركزية لمسرح العرائس»، إضافةً إلى «جماعة الدراما» التي قدمت العرض الشهير «في حب مصر». كتب المفكر المصري الراحل لويس عوض عن هذا العرض، بعدما شاهده في «المركز الثقافي السوفياتي» في القاهرة عام 1974: “حافظوا على هذا العرض، فقد نحتاج إليه إذا تجدد القتال”.
في العام نفسه، دعاه «الحزب الشيوعي اللبناني»، إلى تقديم المسرحيّة نفسها، في احتفالية عيد تأسيسه الخمسين “قطعنا لبنان بالطول والعرض، وطبعوا أغنيات المسرحيّة على شريط كاسيت”.  في عام 1981، سافر إلى سوريا للعمل في مجلة «أسامة»، وأثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان، شارك في أنشطة ثقافية عربية لمواجهته “كنت أكتب زاوية يومية بعنوان «تحت القصف» في جريدة «النداء». كانت أيامًا صعبة في لبنان”.  صدرت بعض قصائد هذه الزاوية في ديوانين هما «قصائد تحت القصف»، و«أناشيد الحزن اللبنانية».
بدأبِ من يكتب عمله الأول، أصدر سمير عبد الباقي روايته الثالثة «زمن الزنازين» التي صدرت قبل أسابيع عن مكتبة جزيرة الورد “الرواية عن معتقلي سجن المنصورة، ورفاق السجن، ورؤساء العصابات الذين قابلتهم هناك”.  وهي الثالثة بعد روايتيه «ولا هم يحزنون»، و«عندما تكلمت الأحجار»، كما يستعدُّ عبد الباقي لإصدار كتابه «44 سنة في ميدان التحرير»، ويحتوي على قصائد بالفصحى والعامية، في تقديمها “على ناصية التحرير، شفت الجفا والضنا، وجريت ألوف المشاوير، عمري ما قلتش أنا، ولا افتريت ع الغير”.

(12)أحمد  أبوزيد

يسمع بشغف الموسيقى الكلاسيكية العالمية، بعدما شجّعته أمه صغيرًا على حبّ الموسيقى. يرتشف كوبًا من الماء، ويتذكر ظهر ذاك اليوم البعيد من أربعينيات القرن العشرين. يضحك كطفل. لا، كتلميذ في المدرسة الإعدادية، ويقول: «عشقت آلة الكمان. كنا نتعلّم العزف عليها في المدرسة، واستهوتني. شعرت بأنني سأصير عازفًا لا مفر. اشتريت كمانًا، لكنّ أمي طلبت منّي إبقاءه في المدرسة. لم أفعل ذلك. أخذته إلى البيت. وعندما رآه أبي، ثارت ثائرته. وقال لي: ” أخرِج هذا الكمان من هنا. لا أسمح بوجود مزّيكاتي في بيتي. وانتهت هنا حياتي كعازف». اليوم، بعد مرور عقود على هذه الواقعة، يبدو أحمد أبو زيد مرتاحًا، وخصوصًا أنّ حلمه هذا انتقل إلى حفيدته عازفة البيانو “شيرين”.
بنشاط شاب عشريني، يستيقظ هذا الرجل التسعيني الاستثنائي وأحد روّاد علم الأنثروبولوجيا في العالم العربي، فجر كل صباح ليتفقد بريده الإلكتروني: «نومي متقطع منذ فترة». في مسقط رأسه في الإسكندرية، كان يجلس منذ أشهر على مقعده الطبي أمام شاشة الكومبيوتر منتظرًا النتيجة. إلا أنّ تاريخه العلمي الثقيل حسم لمصلحته بعدما نافس 14 عالمًا وعالمة. صفّق الحضور في القاهرة بحرارة حين انتشر الخبر «جائزة النيل للعلوم الاجتماعية لعام 2011 للدكتور أحمد أبو زيد». هو قرأ النبأ في رسالة مهنئة على «الإيميل». ابتهج قليلاً، إذ كان قد حصل في السابق على جوائز وأوسمة رفيعة عدة، منها جائزتا الدولة التقديرية والتشجيعية للعلوم الاجتماعية (1968 و1992). لكن بهجته زادت عندما رآها ترتسم على وجوه الأبناء والأحفاد صباح يوم الأحد 26 (يونيو) من نفس العام.
كان أبوه تاجر الفحم الشهير خلال الثلاثينيات من القرن الفائت. كان يستورده لتشغيل السكة الحديد، لكنّه استسلم أمام عناد الابن الذي لم يحب أبدًا التجارة. جده وأمه والإسكندرية «الكوزموبوليتانية» شكلوا وجدانه وحفروا رغبته في المغامرة والتنوع والانفتاح. هكذا، قرأ طفلاً كتب الفقه، وتبحّر في الموسيقى والأدب العالمي والتاريخ. وكان جده، ذو الثقافة الأزهرية، تاجر فحم أيضًا، لكنّه كان يعشق الموسيقى. ما زال أحمد أبو زيد يتذكّر جلسات العود «المبهرة» التي كانت تحييها فرقة من المكفوفين “كانوا أصدقاء جدي. لا أتذكر عددهم. كنت مطروبًا بهم. كان الجميع سعيدًا بسماعهم”.
روحه الموسيقية هذه جعلته يحبّ الإنسانيات، فدرس الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة الإسكندرية (1944)، ثم حصل على البكالوريوس والدكتوراه في علم «الأنثروبولوجيا» من جامعة «أكسفورد» البريطانية (1953 ــــ 1956). ولم يتوقف عن العمل على مدى عقود طويلة، إلا في السنوات الثلاث الأخيرة، توقّف عن التجول حول العالم كرحالة ومستكشف ومؤلف ومترجم. كل هذه المهارات مكّنته من وضع أول أسّس لعلم الأنثروبولوجيا في الشرق الأوسط. إذ أنشأ في عام 1974 أول قسم أنثروبولوجيا في الشرق الأوسط في جامعة الإسكندرية تخرّج منه تلامذته الذين صاروا أساتذة معروفين في علم الإنسانيات في مصر والعالم العربي ودول أخرى.
لولا مصرية أبو زيد وانحيازه العنيد للعالم الثالث، لما عرفت مصر وأفريقيا ابنها. خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، طلب منه أستاذه في «أكسفورد» البقاء في بريطانيا مدرّسًا براتب كبير. قال له: “ابق هنا، فالحرب دائرة عندكم” لكنّ أحمد أبو زيد رفض قائلاً: “أردت لأولادي أن يتلقّوا تعليمًا مصريًا”.  بعد سبع سنوات (1963) تجدد الإغراء الأوروبي، بعدما صار خبيرًا في مكتب العمل الدولي في الأمم المتحدة في جنيف: “عرضت عليّ الدولة البقاء في سويسرا رئيسًا لقسم عن القبائل، أنشئ خصيصًا لي. لم أقبل. عدت إلى مصر، وزوجتي اعتبرت ذلك أفضل، فالإنسان المصري يستحق. لقد أرهقه التاريخ، لكنّه ها هو يظهر أنّه الأكثر تحضرًا في ثورته. أعتقد بأنّه لن يتراجع أبدًا إلى ما قبل مرحلة 24 يناير”.
الإيمان الأكبر في وعي أبو زيد يبقى للإنسان. منذ بدايته، انحاز إلى إنسان البلاد المظلومة، مؤمنًا بقدرته الكاملة على فعل التطور والتقدم. وقد نشر عنه العشرات من الكتب القيّمة، والأبحاث المحكمة التي ترجمت إلى لغات عالمية. كان أغلبها عن جولاته في صحارى مصر وأفريقيا وآسيا. لكن أهم ما حفر في ذاكرة العالم المصري وقلبه رحلاته الميدانية في أغوار قبائل شرق وغرب أفريقيا (أوغندا، وكينيا، ونيجيريا، وسيراليون وجنوب السودان). هو يرى أنّ روح القبائل الأفريقية أكثر أخلاقيةً ورقيًا من حضارة الرجل الأبيض «الذي جرف مصائرها»، وبنى حضارته باستنزاف هذه القبائل: “كل إنجازات الغرب هي من حق الإنسان الأفريقي لأنها من نتاج ثرواته البشرية والطبيعية. أتوقع في أي لحظة ثورة من العالم الثالث على الغرب”.
الروح «الكوزموبوليتانية» التي نفختها فيه الإسكندرية، هي الإيقاع الرئيس لكل إسهاماته في العلم والثقافة والكتابة. على رغم غزارة إنتاجه العلمي (16 مؤلفًا، وثلاثة كتب مترجمة، و14 دراسة ترجمت إلى لغات عالمية)، شكّل أبو زيد إحدى أبرز الشخصيات التي أسهمت في تأسيس جامعة الكويت (1966) بعد استقلالها عن بريطانيا. وقد درّس علم الإنسانيات في تلك الجامعة، وأنشأ فيها أول قسم لعلم الاجتماع. ولأنه كان يهوى الصحافة مراهقًا، فقد أسّس في الكويت مجلة «عالم الفكر» (1970)، وأسهم مع آخرين في تدشين سلسلة «عالم المعرفة» وقد كتب أكثر من مئة وخمسين مقالة باللغتين الإنكليزية والفرنسية عن الهوية، والحضارة، والعولمة، وهو يكتب منذ سنوات مقالات في الصحف المصرية والعربية عن المستقبل، أبرزها زاويته «مستقبليات» التي تنشرها مجلة «العربي» بانتظام منذ سنوات عدة (2006)بعد اندلاع ثورتي تونس ومصر، وانتفاضة شعوب عربية أخرى ضد القهر، لا يفرح صاحب جائزة النيل فقط لأنه عاش ورأى، بل لأن نظرياته العلمية عن الإنسان العربي أثبتها الواقع: “طول عمري، أقول إنّ هذا الإنسان سوف ينفض عن نفسه تراب الخرافة والغيبيات والجهل، ويتقدم. أنا واثق بقدرة الشعوب وعزيمتها. على هذا الأساس كرست حياتي لفكرة التقدّم”.

(13)طه القُرني

سقط الشاب حليق الرأس على الأرض، فردّت الحشود المتلاصقة: «آه وآه يا مصر. لسّه فيكي سجون وقصر». تسلّقت الشابّة فوق ظهر العامل، هتفت: «خبز. حرية. عدالة اجتماعية»، فرسم هو علامة النصر في الهواء. على بعد خمسة سنتيمترات، غطّت الدماء وجه الرفيق الذي كان يقود الصفوف في اليوم الأول للثورة. ناوله عسكر الديكتاتور ضربة على الرأس. يأخذ مكانه آخرون. في مقاطع لاحقة من «جدارية الثورة»، يسقط العامل والطالب بطلق ناري في الرأس، فيسقط النظام.
في مقاطع سابقة، حرّض التشكيلي الجماهيري طه القرني شعب «سوق الجمعة» و«المولد» على الزحف من المحلّة والسويس والإسكندرية وأسيوط إلى النقطة نفسها التي يمتزج فوقها دم الشهداء مع الأعلام المبهجة واللافتات والملابس البراقة. الآن يرسم جداريته الجديدة بشغف من يراها “ثورة فن تشكيلي 100%”.
رسم طه أول خطوطه الثورية عندما كان في الثامنة، وقت اندلاع حرب أكتوبر مع العدو الإسرائيلي عام 1973. تسلل من بيته فجرًا إلى سوق الجمعة في حي إمبابة الشعبي، حيث كان يقطن. اشترى خوذة للرأس، وبذلة عسكرية أكبر من مقاسه “كان منظري مضحكًا”. من بعض قطع الخشب، صنع بندقية وهميّة. «كنت أحرس المارّة، ونبّهتهم إلى دهن زجاج النوافذ باللون الأزرق تحسبًا للغارات». ستمثّل هذه الخطوط بعد 39 عامًا نقلة مهمة في حركة الفن التشكيلي المصري الذي سينتقل من مربّع الفني الجمالي إلى التعبيرية الممزوجة بلمسات انطباعية. راحت ألوانه تنقل رسائل من يعيشون في متاهات القهر، وتحرضهم على إبداع الخلاص. هنا يظهر مخبرو أمن الدولة في الصورة: “منعوا عرض جدارية «سوق الجمعة» في الشارع خوفًا من أن تصل الرسالة إلى الناس. أبطال الجدارية جمعوا جنيهًا من كل واحد لعرضها. احتجزني الأمن ساعات، وهدّدني بالاعتقال مرّات عدّة». لم يهدأ. عرضها في المسرح الصغير في دار الأوبرا عام 2007. كان الجمهور ــ ولأول مرة في تاريخ هذا المكان البارد ـ من أبناء السوق. وكان للدراويش والمقبقبين والمنشدين الحظ نفسه عند عرض جدارية «المولد» عام 2008.
ظلَّ الفن التشكيلي المصري الذي يعود تاريخه إلى تاريخ الرسم على جدران معابد الفراعنة، واقعًا في أزمة خلق صداقة مشتركة مع العامة، خلال قرن ونصف القرن إلى أن نضج مشروع طه القرني مع بداية الألفية الثالثة “كان يجب أن يعود الأمر إلى أصله”. يقول. يتأمل مرسمه الخاص وجدارية «سوق الجمعة» التي أدخلته موسوعة «جينيس للأرقام القياسية»، بعدما حازت لقب أكبر جدارية في العالم. يدقّق في ملامح وجه الرجل المتعرّق الذي يبيع الخرضوات في السوق، ويقول: “هو الرجل نفسه الذي باع لي الخوذة”.
في جدارية «المولد» التي يجاوز عرضها 32 مترًا ويصل ارتفاعها إلى 1,4 متر، يرفع ملايين الناس مظالمهم للصدى: “ينتظرون ردًّا لا يجيء أبدًا، لكن الكل سواء”. حمَلة المباخر يتجوّلون. العجزة والشباب في حلقات الذكر يتمايلون. نساء يتضرّعن بدعاء غير مفهوم، وامرأة عجوز أعيتها خيبة الرجاء فأخذت تدخِّن ما بقي من سيجارتها. أعلام خضراء وسوداء، والكل يعبّر في حرية مشروطة بعدم اختراق سماء الغيبوبة وتلفيقات النشوة الروحية “كلُّ هذا التشوّه انقشع في جدارية الثورة”.
بعد تخرجه من الجامعة (1989)، تكوينات طه القرني وألوانه، تأثرت بصبري راتب وحسين بيكار من مصر، والفرنسي أوجين دولاكروا الذي رسم «الحرية تقود الشعب»، والمكسيكي الثوري دييجو ريفيرا الذي جسَّد في جدارياته ولوحاته معاناة الطبقات الفقيرة في أميركا اللاتينية. يقول إنّ لوحة «حامل الأزهار» التي رسمها ريفيرا عام 1935، هي من أكثر اللوحات التي تأثر بها في رسم لوحته «مصر المكلومة» (2010). في الأولى، يكاد ينكسر ظهر العامل، حامل صندوق الأزهار الثقيل، وفي الثانية ينحني جسد المرأة العجوز من ثقل تواريخ القهر. وفي خلفية اللوحة، رموز مصريّة تحرّض أبناء الأمّ على فكّ القيد.
رفضت كل الصحف نشر هذه اللوحة، وعندما نشرتها جريدة «العربي» الأسبوعية، لم يتوانَ ضباط أمن الدولة عن ملاحقة القرني الذي يستعدّ نهاية هذا العام لعرض «جدارية الثورة» في ميدان التحرير وميادين الثورة الأخرى، مجسّدًا فيها هزيمة جهاز القمع الذي طارد أفكاره.
يعود طه القرني بذاكرته إلى الوراء، وتحديدًا إلى عام 1976، فيتذكَّر الراحلين الشيخ سيّد مكاوي والشاعر صلاح جاهين اللذين رسمهما في المقهى بصحبة الوالد، المبتهل في الإذاعة حينها. “قال جاهين لوالدي إن هذا الطفل لديه حسّ شعبي، دعه وحاله”.  عام 1983، هرب المراهق من أسر الوالد الذي أراده عالمًا أزهريًا. «هربت إلى البحر، وقضيت خمس سنوات في الإسكندرية، وهناك دخلت كليّة الفنون الجميلة». في مرسمه الخاص حيث يعلِّم الكبار فنّ التعبير بالرسم، يهرب بجنونه إلى آفاق أوسع. يستمع إلى تسجيل حيّ لأصوات معارك الثورة: “كنت هناك أبيت في الميدان، أهتف، وأناول الشباب طوبًا لمواجهة الرصاص”.
لم يحصل طه القرني على أيّ جائزة من الدولة، لأنّه لم يتقدّم أساسًا لأيّ مسابقة رسمية. يرى ذلك إهانة للفنّ الحقيقي. المدهش في عمله مثلاً، أنّ مقاطع «جدارية الثورة» لا تحتوي ملمحًا واحدًا للديكتاتور مبارك، ولا تعكس أي انفعال على وجوه رجاله. «رسم مبارك إهانة شخصية للثورة، ورجاله مجرّد آلات فارغة من قضيّة».قبل الثورة، رفض طه القرني طلبًا من رجال قصر الرئاسة لرسم بورتريه للرئيس المخلوع بعد عودته من رحلة علاج أخيرة  “توعّدوني كما لم يفعلوا من قبل”.
في نهاية كل يوم، يترك طه ريشته في المرسم. يظلّ في المقهى حتّى ساعات متأخّرة من الليل، يدخّن النارجيلة ويتسامر مع أبطال أعماله الجدد في جدارية “يوميات ميدان التحرير”.

(14)عطيات الأبنودي

منذ أن اشتدّ وعيها في خنادق ستينيات قرنٍ ولَّى، لم تتوقف عن الجري خلف صور «الناس العاديين»، أولئك الذين داستهم أحذية المؤرخين. تشعل سيجارتها من ماركة «كليوباترا» التي لم تغيرها منذ خمسين عامًا. تأخذ نفسًا عميقًا، وتقول كأنّها كانت تنتظر حركة التاريخ تلك منذ قرون: “عملوها ولاد الإيه! انتفضوا في «25 يناير». أبناء العابرين، بُناة الأهرام. قلبي انخلع من الانبهار، وعاد”.
بجنون فنان تقضي عطيات الأبنودي، إحدى مخرجات الأفلام التسجيلية الأكثر شهرةً وتأثيرًا في مصر والعالم الثالث باقي أيامها. طفلة في الحادية والسبعين. على حماستها، تبدو قلقة بعض الشيء. تجتاحها أسئلة المستقبل: “ما حدث في مصر ليس ثورة، أو انتفاضة شبيهة بانتفاضة الطلبة عام 1968. في الثورات، يستولي الثوار على السلطة كما حصل في روسيا، ونيكاراغوا، وفيتنام، وكوبا، لكن أين الحزب القادر على استكمال مطالب الثورة في مصر؟”.
في عام 1971، عرضت المخرجة الشابة شريطها الوثائقي الأول «حصان الطين» في «جمعية الفيلم» في القاهرة. صوّرت في 12 دقيقة بالأسود والأبيض، معاناة أولاد ورجال ونساء، يعملون في صناعة الطوب، في ورشة قروية بائسة. من عملهم المضني هذا، يكسبون قروشًا تحول دون موتهم جوعًا. «منذ العرض الأول للفيلم، وتهمة الإساءة إلى سمعة مصر تلازمني. قالوا إن هذه المخرجة المبتدئة لطَّخت وجه البلد في الطين، ولا بد من معاقبتها، لكنني لم أكترث يومًا». اليوم اختلفت الأمور، وسقطت الحملات المسعورة ضدّها كأوراق التين: “حين ألتقي اليوم من شتموا أفلامي، «الساندويتش» و«أغنية توحة الحزينة»، و«سوق الكانتو» وغيرها، آخذهم بالأحضان. ماذا يهمّني؟ أبطال أفلامي وأبناؤهم، هم من نزلوا إلى الشارع، وعمّدوا بدمائهم انتفاضة الشعب”.
أرست عطيّات، خلال أربعة عقود من العطاء أنجزت خلالها أكثر من 25 فيلما، مدرسة في فن صناعة الفيلم التسجيلي. مدرسة تتعامل مع الواقع بوصفه مادة فنية لا تحتاج سوى إلى من يراها ويطرح إشكاليتها بشاعرية كبيرة. حين وقفت خلف الكاميرا مطلع شبابها، كانت تضرب عرض الحائط بدور «سكرتيرة الرجل العظيم المحتمل»، الزوج الشاب الذي سيصبح في ما بعد شاعرًا مشهورًا اسمه عبد الرحمن الأبنودي. لم يدم زواجهما، لكنّ عطيات عوض محمود خليل، فضّلت ألا تتخلى عن لقب الأبنودي.
في بداية مسيرتها الفنية، عملت طالبة الحقوق ممثلة ناشئة في مسرح الجيب منتصف ستينيات القرن المنصرم. كان الزوج حينها غير مقتنع بعملها في ميدان التمثيل. لم تكن تعرف ما الذي تريده من الفن وقتها، لكنّها لم تلجم روحها المسكونة بالجنون، بل قدمت أوراقها إلى «معهد السينما» في القاهرة لتدرس في قسم الإخراج، وتخرجت عام 1972.
قبل سفرها إلى إنكلترا لدراسة تقنيات السينما التسجيلية في «مدرسة الفيلم والتلفزيون الدولية»، ذاقت عطيات الأبنودي لحظات صعبة بسبب السياسة، خلال الحقبة الناصريّة. لم تنضمّ إلى أي تنظيم سري، لكنّ بيتها كان ملجأ كل المطاردين من الشرطة بـ «تهمة الشيوعية». كانت لا تزال زوجة للشاعر الذي سيدخل المعتقل في 9 أكتوبر 1966، بتهمة الانتماء إلى تنظيم ماوي. لم يكن اعتقال عبد الرحمن الأبنودي مفاجأة، إذ كانت الشرطة قد ألقت القبض على أصدقائه واحدًا تلو الآخر، بدءًا من المؤرخ صلاح عيسى، والروائي الأردني غالب هلسة، إلى الشاعر سيد حجاب، والناقد سيد خميس، والروائي جمال الغيطاني، والقاصّ يحيى الطاهر عبد الله بعد فترة من الهرب.
تتذكر عطيات الأبنودي الأشهر الصعبة التي سبقت الإفراج عن زوجها ورفاقه في آذار (مارس) ونيسان (أبريل) من العام التالي. تقارنها بالسنوات التي لم تعشها معه، بعد انفصالهما عام 1989. تقول بلغة متسامحة مطمئنة: «لا أحب أن أدين أحدًا، أنا مؤمنة بالتغيرات التي تحدث في النفس البشرية، وأحترم المنجز المشترك بيننا». من بين كتبها العديدة، كتاب منحته عنوان «أيام لم تكن معه»، يروي تجربتها مع الشاعر الذي أحيا «السيرة الهلالية»، وترجم إلى الإنكليزية أخيرًا بعنوان «مواسم الغفران». بعد مرور سنوات على الانفصال، رفع الشاعر الشهير دعوى قضائية لمطالبة «الرفيقة عطا» ــ كما كان يوقع رسائله إليها ــ بالتخلي عن لقب الأبنودي. «هل هناك أحد في الدنيا يمكن أن يلغي تاريخه؟» تسأل. «هذا لقبي، وأنا حرة». تنظر صاحبة فيلم «الأحلام الممكنة» (1982) إلى صورة تحمل فيها ابنتها على كتفيها… تنفرج أسارير الأم بوضوح صوب ذلك الخيط المضيء.
في السنوات الأخيرة، لم تعد صاحبة «نساء مسؤولات» (1994) تردّ على هاتفها بين العاشرة مساءً حتى العاشرة صباحًا. “لو خبر حلو، ينتظر، ولو خبر سيء، فلا داعي إلى الغضب قبل النوم”.
تقضي يومها في القراءة، والكتابة. تعرب بوضوح عن قلقها من الأيام القادمة على مصر. تتابع عن كثب ما يجري في تونس التي تعشقها، وليبيا، واليمن، والبحرين، وسوريا، “أنا قلقة جدًا، ليس هناك حزب قوي يدعم الانتفاضات الشعبية في العالم العربي. نهضة النقابات العمالية المستقلة قد تكون خطوة، يجب أن يتبعها التنظيم، وتنمية الوعي، والعمل أكثر على ترسيخ مفهوم حقوق الإنسان. هذا سيحوّل ما يجري الآن، إلى ثورات جذرية في المستقبل”.
تقول إنّها ستبقى مولعة بالحياة حتى آخر نفس. لا تراجع أفكارها القديمة، ولا تتعلّم من أخطائها. “أنا أكثر واحدة لا تتعلم من أخطائها، ولا أهتم في كل الأحوال. عندما أفقد شيئًا، أقول لنفسي ساخرة: حافظة نقود، وضاعت في الأوتوبيس”.. لكنّ عطيّات لا تضيّع وقتها. تعكف الآن على الانتهاء من مشروع نص بعنوان «وصف مصر بالكاميرا»… تغويها الكتابة الآن أكثر. “الصورة وثيقة، والكتاب وثيقة مختلفة، لها وظيفة أخرى”. وصية أخيرة من الرفيقة عطيات “الجيل الجديد من التسجيليين عليه أن يبدع، ويثور على كل القواعد. الفن يستوعب الثورة. والصورة أصل الحياة”.

(15)جورج البهجوري

لمعت عيناه وهو الطفل الكبير الذي يمنحك، ويمنح نفسه، شعورًا ساخنًا بالفرح. «أكثر شيء يؤلمني في هذا العالم، أنّني لم أرَ أمي. لكني أراها في كلّ أم تحنو على وليدها». لا شيء غير هذه الذكرى هزّ روح الطفل فلتس، أو «حبيب الرب» باللغة القبطية. لم يعجبه اسمه يومًا: «يوحي لي بأنّني مُفلس، اسم غريب جدًا»، يقول مقهقهًا. لهذا اختار اسمًا آخر، هو جورج البهجوري، ليصير اسمًا لواحد من أشهر التشكيليين في جيله، بيكاسو مصر، النحات ورسام الكاريكاتور وأخيرًا الكاتب والروائي.
إنّه في مصر الآن، لكنّه يتوقع العودة إلى فرنسا نهائيًا. قضى في بلاد الأنوار ما يزيد على أربعين عامًا. ينتظر من الثورة المصرية أن تُرجعه عن هذا القرار. «لست فرحًا بما يجري. عندما كنت أسمع صراخ المصريين في ميدان التحرير، كنت أقول إنّها نهاية الظلام. لكن مصر تعود إلى الخلف. أنا قلق عليها من مخدّري الدين، وتقاليد الصحراء البدوية… مستقبلنا في التحرر، والمدنية، والانفتاح على العالم». لا يحب رسم الرئيس السابق حسني مبارك  “ليس له طعم، ولا كاريزما، لكني رسمته متجهًا إلى منصّة مجلس الشعب، وكلّ الأعضاء واقفون، يصفقون بحرارة، فيقول لهم الرئيس المخلوع: قيام… جلوس”.
عندما يحنّ جورج البهجوري إلى أيام المراهقة، يتذكّر رسالة ابن خالته سمعان، يهنئه بنجاحه في امتحان الدخول إلى «كلية الفنون الجميلة» (1950). كتب يقول: “لا تنس أنني قلت لك إنك موهوب في الرسم، وتركتك يومًا كاملاً في غرفتي، وقعدت ترسم، طول النهار. فلتس! كان عمرك ست سنوات. وخرجت علينا بلوحة جميلة جدًا. أتذكرها حتى الآن، نساء وزهور وطيور”.
ردّد البهجوري اسم شقيقه جميل كثيرًا، وهو هاجر إلى الولايات المتحدة، حيث يقيم منذ زمن. يحتفظ بصورة من رسالة بعثها إليه من ولاية بنسلفانيا (1970): “أرجو أن يكون البالطو الصوف وصلك. سعدت بإنتاجك المذهل. فقدان الأم وضيق ذات اليد، دفعانا لنكون شديدي الحساسية، ورومانسيين إلى حد بعيد. أرجوك ارسم بألوان مبهجة. كفاك الحزن البادي في وجوه الشعب المصري. ارسم زهورًا يا أخي”.
يعشق البهجوري فرنسا، كما يعشق مصر. سافر إليها بعد نكسة يونيو 1967. ترك رسام الكاريكاتور اللامع في مجلة «صباح الخير» كلّ ما بناه في أم الدنيا، ترك محبين كثرًا وأصدقاء في مجالات الفنّ والأدب والسياسة والصحافة. يتذكر رفاقه من تلك المرحلة، ومنهم رسام الكاريكاتور حجازي الذي فارقنا أخيرًا “خسارة يموت”. يقول “كان رسامًا شعبيًا رائعًا. كان زميلي في المجلّة، ومعنا صلاح جاهين، وزهدي، وصلاح الليثي، وغيرهم، وطبعًا الفنان العظيم حسين بيكار، وكان هو من تبنّاني”.
لم يكن المناخ في مؤسسة «روز اليوسف» حيث عمل البهجوري، يساعده على انتقاد السلطة “كنت أحب جمال عبد الناصر، لكنّني كنت أستخدم الرمز لانتقاد سلطة يوليو، والقارئ الذكي يفهم”.
في عهد السادات، كان البهجوري في باريس. ومن هناك رسم السادات رجلاً معزولاً منبوذًا. وبعدما وقّع اتفاقية كامب دايفيد مع الكيان الصهيوني، رسمه حائرًا في جزيرة بعد غرق سفينته. لم يعد إلى مصر إلا بعد موته “لو عُدت، لكانوا سجنوني بالتأكيد”.  مواقفه الحادة من الحقبات الثلاث بعد ثورة 1952، أبعدته عن مسرح جوائز الدولة، على رغم حصوله على العديد من الجوائز العالمية. لكنّه لا يشغل باله بأنّ مصر لم تكرّمه. لوحاته الزيتية دخلت «متحف اللوفر» عام 1990، ووضع اسمه في قاعة كبار المشاهير. وله هنا أيضًا منطق مغاير “أنا أرسم الشعب، والشعب يحبني. هذه أهمّ جائزة في العالم”.
نجح الفنان في باريس “على عكس ما توقّع كثيرون لي”.  تعلّم من خبرات فنانين كبار، مثل آنجر، وهولباين، وبيكاسو، في الرسم بخط بسيط، والشفافية في درجة اللون. بعد سنوات قليلة، تخلّص البهجوري من هوس المدرسة التكعيبية في رسومه، وعاد للتبسيط في الخطوط، مستلهمًا الأيقونة المصرية المستوحاة من الرسوم الفرعونية. ثمّ تطوّرت أعماله الآن مع استخدامه الإبرة. لكنّه قبل هذا، كان قد تعلّم فن النحت على يد نحات روماني هارب من حكم تشاوشيسكو “علمني كيف أنحت بورتريهًا من جذع شجرة”. البهجوري مشغول الآن بإعادة رسم أعمال الفنانين الكبار في مصر والعالم. ساعدته الفنانة الفرنسية نوبلي كور المتخصصة في الخطوط المصرية القديمة في مساعيه للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون، وكان موضوعها «الخطّ المصري في لوحات بيكاسو». لكنّه لم يكمل البحث لانشغاله باستكشاف فرنسا، هو الذي يعشق بابلو بيكاسو: “الخطوط في رسومه رشيقة جدًا، هذا الفنان أجبر العالم على رؤية الأشياء بعينه”.
حياة البهجوري الفنية كادت تنهار، بعدما شب حريق في مرسمه في جزيرة سان لوي الباريسيّة، إلا أنّ النجدة جاءته من إسبانيا (1989)، إذ فاز بالمركز الأول في المسابقة العالمية لفنّ الوجوه، عن لوحته الضاحكة المرسومة بخط واحد متصل لوجه الجنرال فرانكو. كانت قيمة الجائزة حينها 12 ألف دولار، وكان مبلغًا خياليًا لرجل فرضت عليه الشرطة الفرنسية غرامة مالية، لأنّ أثاث مرسمه المحترق شغل الرصيف لثلاثة أيام متتالية.
أقام التشكيلي المصري عشرات المعارض لرسومه ولوحاته في معظم العواصم العالمية. ويحفل مرسمه اليوم بلوحات زيتية جديدة عن الثورة المصرية، إضافةً إلى بورتريهات عن الناس في الشوارع. لكنّه لا يتوقّف عن الجنون والطموح “ما زال أمامي الكثير لأرسم وأكتب وأضحك”. الكتابة الأدبية، كما يسمّيها، تشغله كثيرًا منذ سنوات. يعدّ ثلاثيته «الأيقونة» (فلتس/ الفن/ باريس) وكتابه «بهجر في المهجر»، نوعًا من أدب اليوميات الذي يلخص تاريخ مصر بالكلمات، ويصل إلى آفاق الرسم بالكلمات. في صدّارة مؤلفه الأخير «أيقونة شعب: رواية بدون كلمات» (2008)، كتب الشاعر أدونيس بخطّ يده: “جورج. رأيت شمس مصر، تغطي وجهك بمنديلها. باريس 1995”.

وجوه من الثورة
الكتاب: وجوه من الثورة
الناشر: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
10 ش علوي، شقة 5 خلف البنك المركزي، وسط المدينة، القاهرة
ت / فاكس:  23964058 ــــ 23964180
الموقع: www.anhri.net
البريد الإلكتروني: [email protected]
بورتريه : رضوان آدم
مراجعة وتقديم: جمال عيد
الغلاف: لوحة فنية للفنان عمرو عيسى
الإعداد الفني: عماد عوف
الطبعة الأولى: سبتمبر 2012
رقم الإيداع: 15606/2012
نشر:

جميع حقوق © محفوظة للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

هذا الكتاب غير مخصص للبيع

لتحميل التقرير كاملا اضعط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *