هل ينجح النظام في القضاء على الحركة الحقوقية المستقلة؟

خالد منصور

21 سبتمبر 2016

مدى مصر

قررت محكمة مصرية في مطلع الأسبوع منع خمسة من كبار المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، مع ثلاث من المنظمات الحقوقية المستقلة، من التصرف في أموالهم، وهو إجراء تصعيدي في حملة مستمرة تقودها النخبة الحاكمة في مصر منذ أواخر2014 ضد المجتمع المدني عمومًا. وكانت القضية 173 لعام 2011، التي تستهدف المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، قد عادت للظهور بقوة منذ بداية هذا العام، فارتفع عدد الحقوقيين الممنوعين من السفر إلى 12 شخصًا، بينما جرى استدعاء 17 من المدافعين والمدافعات والعاملين في منظمات حقوقية متعددة، والتحقيق معهم. ورغم كل هذا لم يجرِ التحقيق الفعلي حول الاتهامات مع أي من الممنوعين من السفر أو من التصرف في أموالهم في الأغلب.

ستستمر هذه الحملة، غير المسبوقة في ضراوتها وشمولها لطيف واسع من المدافعين والمناضلين عن حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية في مصر. وقد تكون الخطوة القادمة تحويل عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان إلى المحاكمة، لكن الحملة لن تقضي على حركة المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، وتساعدنا في هذا التنبؤ النظرة إلى التاريخ والحاضر. فإحدى أهم فوائد التاريخ، غير كونه مصدرًا للعزاء ومواصلة العمل، هو أنه يمكننا من فهم الحاضر بصورة أوضح، واستعادة أمل واقعي في مستقبل أفضل.

تتسق هذه الحملة مع توجه عام للأنظمة المتتابعة في مصر منذ سيطرة الجيش وبعده المؤسسات الأمنية، على الدولة وأجهزتها، ثم المجتمع ومؤسساته، منذ منتصف الخمسينيات. وبغض النظر عن محاولات السادات التجميلية في الفترة 1977-1979 (السماح بصحف معارضة وبالتعددية الحزبية) وهوامش مبارك السلطوية (السماح للإخوان بخوض الانتخابات وترك مساحة محسوبة لمنظمات المجتمع المدني)، ووعود دستور 2014 تحت النظام الحالي بشأن الحريات والحق في التنظيم بمجرد الإخطار، فقد احتقرت هذه الأنظمة المتتابعة المجتمع المدني عمومًا، بل وفكرة الأحزاب السياسية والعمل العام على إطلاقه (ما لم يكن مقتصرًا على العمل الخيري أو التنموي البحت، دون أي ارتباطات سياسية ودون التدخل في سياسات الدولة).

لتبرير موجة التقليص الأخيرة للفضاء العام، وهي موجة بدأت بصورة دموية غير مسبوقة في فض اعتصامات رابعة العدوية والنهضة وقتل المئات من أنصار الإخوان المسلمين دون داع أمني أو مسوغ قانوني، يلجأ النظام الحالي والمدافعون عنه لذريعة الحرب على الإرهاب وحماية الأمن القومي من مؤامرات غامضة تتورط فيها دول متعددة (منها في الواقع بعض أقوى حلفاء النظام الحالي، مثل الولايات المتحدة). ويتطرف العديدون من أنصار النظام في وضع وترويج نظريات مؤامرة خرافية باتت مواجهتها صعبة، بسبب السيطرة المتزايدة للنظام ومؤيديه على معظم أجهزة الإعلام الجماهيرية والوضع المالي الحرج للعدد القليل جدًا المتبقي من الصحف والمواقع الإلكترونية المستقلة. وفي الأغلب تستحيل مواجهة معظم هذه الترهات التي يحتاج أصحابها ربما إلى علاج نفسي أكثر منه إلى نقاش عقلاني.

طبيعة العلاقة بين النظام والعاملين في حقوق الإنسان

كانت العلاقة بين الحكومات والأنظمة المصرية المتعاقبة منذ مولد الحركة الحقوقية في مصر في أوائل الثمانينيات علاقة صراع يتراوح بين القمع والاستيعاب، حاولت فيها الحكومات المتعاقبة وأجهزتها الأمنية على وجه الخصوص تدجين من يمكن تدجينهم من المدافعين، وقمع عدد آخر، ومحاصرة الباقين (خاصة خلال عهد مبارك) في زاوية ضيقة تمكِّنها من الادعاء بوجود مجتمع مدني حر، خاصة أمام الغرب الذي دافعت بعض الدوائر في عواصمه المتحالفة مع القاهرة عن حقوق الإنسان من منطلق مبدئي بينما استعملتها دوائر أخرى، أكثر وأقوى، في الضغط لأهداف سياسية واقتصادية، أو أخضعتها لسيطرة الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية.

وكانت الدولة المصرية قد نجحت منذ نهاية الخمسينيات، هي وأجهزتها الأمنية والأيديولوجية (الإعلام والمؤسسات الدينية الرسمية مثلًا) في تجفيف منابع العمل العام المستقل، واحتوت النقابات العمالية والمنظمات المهنية وقمعت بضراوة كل من سوَّلت له نفسه العمل السياسي المستقل (عنيفًا كان أو سلميًا). وباتت الدولة تنظر إلى المعنيين بالعمل في مجال حقوق الإنسان، منذ الثمانينيات، باعتبارهم حفنة من المنتفعين أو اليساريين أو، وفيما بعد، إسلاميين متخفين تحت عباءة حقوقية.

وبعد ثورة 2011، باتت الأجهزة الأمنية تعتقد أن المنظمات والمدافعين المستقلين عن حقوق الإنسان كانوا من المسؤولين عن الإطاحة بمبارك وتهديد التغلغل والسيطرة التي تتمتع بها هذه الأجهزة في كل مناحي الحياة في مصر. وبالتالي يجب النظر لما يحدث للمدافعين عن حركة حقوق الإنسان الآن بصفته مدفوعًا من جانب النظام بالخوف من دور محتمل قد تلعبه هذه المنظمات مرة أخرى في إثارة الغضب الشعبي تجاه الانتهاكات غير المسبوقة أو توعية الشعب بشأن الفشل المتزايد للنظام في تأمين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مجالات التشغيل والتعليم والصحة والإسكان. وعلى صعيد أخر يرى البعض أن ما يحدث هو أيضًا تصفية حساب من جانب الأجهزة الأمنية ضد أشخاص بعينهم قد تؤثر انتقاداتهم سلبًا على هذه الأجهزة محليًا ودوليًا. ومن هذا كله يأتي الغضب الشديد والخوف المرضي والنظرة التآمرية تجاه قضايا حقوق الإنسان والمدافعين عنها، التي لا يجب أن يُسمح لها، وفقًا لهذه النظرة، بالعمل مجددًا بحرية نسبية، بشكل قد يضعف النظام أو على الأقل يعري انتهاكاته المنهجية للحقوق المدنية والسياسية وفشله العميق في ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

مولد الحركة الحقوقية في مصر

يزيد عمر الحركة الحقوقية في مصر عن ثلاثين سنة، حيث تأسست “المنظمة المصرية لحقوق الإنسان” في عام 1985 في فترة تدهورت فيها الأوضاع الحقوقية وغاب الأفق السياسي، ففي السنوات التالية لاغتيال السادات نشبت مواجهات عنيفة بين أجهزة الأمن وجماعات إسلامية مسلحة، واتسع نطاق الحملة القمعية المنصبة على الإسلاميين عامة، وخاصة ضد من يُشتبه في تبنيه أفكار أو تكتيكات العنف المسلح، وصار التعذيب ممنهجًا وممارسة تتغاضى عنها أجهزة الدولة، كما تزايدت القيود المفروضة على حرية الفكر والاعتقاد. وكانت الحكومة قد أعلنت حالة الطوارئ في 1981، وهي حالة عطلت العديد من قوانين البلاد والحقوق الدستورية طوال الثلاثين عامًا التالية، ولكن الأخطر من هذا أنها قوضت تدريجيًا بعض أسس دولة القانون حيث تمخضت مع مرور الوقت عن ثقافة الحصانة والإفلات من العقاب وسط أجهزة الأمن فيما يتعلق بالاعتقالات الجماعية، والممارسات التعسفية والعقاب الجماعي.

ضمَّت صفوف مؤسسي المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تشكيلة من مثقفي مصر العلمانيين واليساريين والقوميين الناصريين من أمثال هاني شكر الله، وأحمد نبيل الهلالي، ومحمد السيد سعيد، وبهي الدين حسن (الذي شمله حكم المنع من التصرف في الأموال هو ومنظمته “مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان” هذا الأسبوع)، وعايدة سيف الدولة (إحدى مؤسسي مركز النديم)، وسعد الدين إبراهيم (سجنه مبارك عدة سنوات في أوائل القرن)، وهشام مبارك (جُمِّدت هذا الأسبوع أموال المنظمة التي تحمل اسمه، مع أموال مديرها الحالي مصطفي الحسن). وقد اتجه الكثيرون من هؤلاء المؤسسين فيما بعد، في مطلع التسعينيات، إلى إنشاء منظمات حقوقية مستقلة.

ورغم أن الفترة من 1989 إلى 1993 شهدت إنجازات كبرى للمنظمة المصرية، من حيث إضفاء الطابع المهني على العمل الحقوقي، وتحسين توثيق الانتهاكات، إلا أن التحديات كانت أكبر منها، فقد عانت من خلافات داخلية انتهت باستيلاء جناح يسوده الناصريون على المنظمة، ثم ذوت مع مرور الوقت، ومع خضوعها لسيطرة فردية وخسارتها لقدر هائل من مصداقيتها.

وفي 1993 تأُسس مركز “النديم لتأهيل ضحايا العنف”، على يد عايدة سيف الدولة أستاذة الطب النفسي في جامعة عين شمس، بمشاركة طبيبين نفسيين هما سوزان فياض وعبد الله منصور، لتقديم المساعدة النفسية والقانونية لمن تعرضوا للتعذيب، ثم العنف الجنسي لاحقًا. وحتى مطلع 2016، ورغم الضغوط الحكومية الشديدة، إلا أن مركز النديم ظل أنشط المؤسسات وأطيبها سمعة في التعامل مع حالات التعذيب. وفي 1994 قام هشام مبارك، وهو محام حقوقي يساري شاب، بتأسيس مركز “المساعدة القانونية لحقوق الإنسان”، الذي استغل التقاضي كاستراتيجية رئيسية لمكافحة الانتهاكات الحقوقية في مصر. وتكونت في الفترة نفسها منظمات حقوقية أخرى تتبنى المناصرة، سواء على الصعيد الدولي أو المحلي، كاستراتيجية رئيسية. ومن هذه المنظمات مركز “القاهرة لدراسات حقوق الإنسان”، الذي صار تجسيدًا لرؤية مؤسسَيْه بهي الدين حسن ومحمد سيد سعيد، في كون العمل الحقوقي غير جماهيري بالضرورة، وإنما مرجعيته الوحيدة هي الشرعة الدولية لحقوق الإنسان. وتركز نشاط المركز في أعمال المناصرة على صعيد وطني وإقليمي ودولي اعتمادًا على الدورات التدريبية والأبحاث والنشر.

جيل جديد من المنظمات غير الحكومية

منذ إنشاء “المنظمة المصرية لحقوق الإنسان” وحتى اليوم، كانت الحركة الحقوقية المصرية في صراع قانوني مستمر مع الحكومة المصرية. تغير قانون الجمعيات الأهلية المصري ثلاث مرات منذ الستينيات. وتثبت النسخ المتتالية للقانون رغبة الدولة في الهيمنة على المساحة التي أوجدتها المنظمات الحقوقية، بدلًا من الدخول في علاقة تعاون أو إدارة علاقة الصراع المحتوم بقواعد مقبولة. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ألهم المحامي أحمد سيف الإسلام ومركز هشام مبارك للقانون صغار المحامين والنشطاء الحقوقيين فأسس بعضهم منظمات جديدة. وكان من بين هؤلاء الشاب حسام بهجت، الذي أسس “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” في 2002، بعد اقتراض 5000 جنيه من سيف الإسلام. وكان المحفز الرئيسي لإنشاء المبادرة هو رد فعل المنظمة المصرية لحقوق الإنسان -أو بالأحرى تقاعسها عن الفعل- بإزاء قضية “كوين بوت” الشهيرة، حيث صارت المنظمة المصرية تعبر عن عقلية محافظة فردية في اتخاذ القرار، في مقابل الهيكل الديمقراطي الذي كان مأمولًا للمنظمة في بداية التسعينيات، وفي تغاض عن مبدأ شمولية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة. نمت المبادرة المصرية مع الوقت من حيث أنشطة التقاضي والمناصرة والأبحاث والتوثيق، لكي تصبح واحدة من أبرز المنظمات الحقوقية المصرية المستقلة اليوم.

وفي 2004 قام المحامي الحقوقي جمال عيد، المشارك في تأسيس مركز المساعدة القانونية لحقوق الإنسان الأصلي، بإنشاء “الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان”، التي تركز على انتهاكات حرية التعبير في مصر والعالم العربي. ثم نشأت مؤسسة “حرية الفكر والتعبير” في 2006 على يد عماد مبارك بهدف الدفاع عن الحق في المعلومات والنضال من أجل حرية العمل الأكاديمي، والمواقع الإلكترونية والإنتاج الفني. كما تأسست “نظرة للدراسات النسوية” على يد مزن حسن في 2007، بهدف تغيير الخطاب والتشريعات والممارسات الحكومية والمجتمعية المتعلقة بحقوق المرأة في مصر. وفي 2009 قام المحامي الحقوقي البارز خالد علي بإنشاء “المركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية”، الذي انخرط في معارك قانونية ضد فساد الدولة في عقود الخصخصة في ظل حكومة رجال الأعمال التي عينها مبارك. وكان من أهم إنجازات المركز الحكم القضائي الصادر في 2010 بإرغام الدولة على الالتزام بحد أدنى للأجور.

لكن في أثناء تأسيس كل هذه المنظمات الحقوقية المستقلة، كان ضغط الحكومة يتعاظم، وخاصة بعد تمرير القانون الثالث الخاص بالجمعيات الأهلية، المعمول به حتى اليوم: القانون 84 لسنة 2002، وهو مجرد إعادة تدوير للقانون ١٥٣ لسنة 1999 المُلغَى، فهو يفرض أحكامًا بالسجن على المنظمات التي تمارس نشاط المجتمع المدني دون إذن مسبق، ويجيز للحكومة حلها. وكما في القانون السابق، فهو يحظر على المنظمات أيضًا ممارسة النشاط السياسي أو النقابي، الذي يظل توصيفه ملتبسًا وفضفاضًا بحيث يمكنه الانطباق، مثلًا، على مناصرة الحقوق النقابية أو تمكين المرأة من المشاركة في الانتخابات. وكانت محصلته أن العديد من المنظمات سالفة الذكر لجأت إلى التسجيل بوصفها مكاتب محاماة أو شركات تجارية، أو عيادة طبية كما في حالة مركز النديم، بدلًا من أن تكون منظمات غير حكومية وغير ربحية.

كان السياق العام الذي تعمل فيه تلك المنظمات يشهد تغيرات سريعة، سياسية وجيو-استراتيجية وتقنية، إذ كان نظام مبارك يتخبط في عملية انتقالية ملتبسة نحو توجه نيو-ليبرالي صريح، بما لذلك من تبعات هائلة على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، بينما كانت المنطقة (وخاصة بين 2005 و2010) تشهد نهاية النظام الأمني الإقليمي المتداعي، وبداية تداعي الدول المريضة الخاضعة لضغوط شديدة محلية ودولية أو كليهما (مثل العراق، وسوريا، والسودان إلخ). وقد أدت التطورات التقنية الهائلة في مجالات الاتصالات الشخصية، مع تزايد الوصول إلى التقنيات المحمولة ومنابر التواصل الاجتماعي، إلى تعزيز أشكال التنظيم وتداول المعلومات.

ما بعد 2011، خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء؟

في يوليو 2011 قامت الحكومة المصرية، الخاضعة لسيطرة المجلس العسكري الحاكم في أعقاب تنحي مبارك، بتشكيل لجنة للنظر في التمويل الأجنبي لكل منظمات المجتمع المدني، وتحديد المنظمات المسجلة بموجب قانون 2002. مهَّد تقرير اللجنة لصدور قائمة اتهامات وُجِّهت ضد قائمة كاملة من المنظمات غير الحكومية في القضية 173 لعام 2012، والتي انتهت بصدور حكم من إحدى محاكم الجنايات بالقاهرة على 43 من الموظفين الأجانب والمصريين العاملين في منظمات غير حكومية أجنبية بالسجن لمدد تراوحت بين عام وخمسة أعوام. صدر الحكم غيابيًا على معظم العاملين الأجانب، وكان قد سُمح لهم قبلها بمغادرة البلاد بعد ضغط أمريكي. أما المتهمون المصريون فقد غادروا البلاد أو انتظروا انقضاء مدد أحكامهم التي أوقف تنفيذها. علاوة على هذا فقد قضت المحكمة بإغلاق مكاتب “المعهد الجمهوري الدولي”، و”المعهد الديمقراطي الوطني”، و”فريدم هاوس”، و”المركز الدولي للصحفيين”، ومؤسسة “كونراد أديناور”.

القضية نفسها أعيد فتحها في أواخر 2015، حيث طلب أحد قضاة التحقيق في أوائل العام تجميد أموال عدد كبير من المدافعين وعائلات بعضهم وموظفين في منظمات حقوقية، ما أدى لإصدار الحكم هذا الأسبوع بمنع خمسة من هؤلاء المدافعين وثلاث منظمات من التصرف في أموالها السائلة والمنقولة. وكانت محكمة أخرى قد قضت في يونيو الماضي بتجميد أموال مركز “الأندلس لدراسات التسامح” ومنع مديره أحمد سميح من التصرف في أمواله. ويخضع مدافعون حقوقيون آخرون مثل نجاد البرعي للتحقيق بسبب إعداده لمشروع قانون ضد التعذيب.

وقد عادت الحكومة في أوائل سبتمبر لمحاولة إصدار قانون جديد للجمعيات الأهلية، ولكن نصه المتاح في وسائل الأعلام أظهر التفافًا حول ضمانات الدستور لحق التنظيم. يمنح مشروع القانون السلطة التنفيذية صلاحيات للتحكم في تسجيل هذه المنظمات وفي عملها، وفي تلقيها التبرعات والدعم، وخصوصًا من الخارج. وفي ضوء سلوك البرلمان منذ انعقاده أوائل هذا العام فمن غير المتصور عدم تمرير مثل هذا القانون، وبسرعة.

وماذا بعد؟

تسعى النخبة الحاكمة في مصر لعزل وتشويه مؤسسات المجتمع المدني في إطار استراتيجية عامة لنفي السياسة العامة، التي يمارسها مواطنون مستقلون عن طريق التنظيم في مؤسسات أو جمعيات، إلى خارج مجال السياسة تمامًا. ويسعى النظام الحالي فيما يبدو إلى قصر دور المجتمع المدني على الزبائنية وتقسيم عطايا النخبة على باقي الفئات الاجتماعية عن طريق تقديم خدمات اجتماعية وخيرية، ولذا تدعم الحكومة المصرية مؤسسات مثل “مصر الخير” و”بنك الطعام” وغيرها، والتي وإن كانت تقوم بدور محمود في تقليل الضغط المتزايد على الفقراء والمعدمين، فإنها لا تقترب قيد أنملة من التعامل مع جذور المشاكل أو منع وقوع ملايين آخرين في شباك الفقر. بل وتوزع مؤسسات أمنية مساعدات غذائية وتتدخل في محاولة حل مشاكل استيراد بعض الاحتياجات الأساسية مثل ألبان الأطفال وتوزيعها. وفي نفس الوقت يحاصر النظام الحاكم المنظمات والجمعيات المعنية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان المدنية والسياسية، أو تقديم سياسات بديلة يمكنها حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية

في النهاية، فلم تقع ثورة تطيح بنظام بأكمله في مصر، بل خلخلت النخبة الحاكمة لتزيح فئة من رجال الأعمال النيوليبراليين (وبعضهم عاد إلى ممارسة دور مؤثر في العام الأخير)، وبرز دور الجيش والمؤسسة الأمنية في صدارة المشهد بعد اكتفائهما بإدارة مصالحهما أو القيام بأدوارهما من الكواليس.

ما تقوم به الحكومة المصرية منذ منتصف 2014 هو تنويعة جديدة وشعبوية على الوصفات العامة للنيوليبرالين في المجالات المالية (خفض الإنفاق الحكومي، وخاصة على الدعم والخدمات الاجتماعية وتحرير تدريجي لأسعار الصرف) وفي مجال الضرائب (فرض ضريبة القيمة المضافة مثلًا وتبسيط ضرائب الدخل) بينما يتواصل تدني الخدمات العامة في قطاعات التعليم والصحة والإسكان. ولا تزال النقيصة الأكبر في هذه المقاربة النيوليرالية هي نزعها لمشاكل الاقتصاد والسياسات الاجتماعية من مجال السياسة، وافتراض وجود مجال رشيد يسكنه الخبراء التقنيون المقيمون في صوامع فكرية عاملين في صمت من أجل وضع مثل هذه السياسات.

تهمل النيوليبرالية المدرسية، ونسختها المصرية الأسوأ، كيفية عمل النظم السياسية في أرض الواقع، واستحالة إقامة شبكات ضمان اجتماعي فعالة ووضع سياسات اجتماعية تراعي الحد الأدنى من متطلبات العدالة الاجتماعية دون نظام حكم ديمقراطي، أي نظام قائم على ضمان حد أدنى من حقوق المواطنة السياسية خصوصًا، وحقوق الإنسان عمومًا، يُسمح فيه للفئات الأقل في سلمي الثروة والدخل بالعمل سويًا والتنظيم والتعبير والإضراب والاحتجاج من أجل دعم سياسات أكثر إنصافًا لهم. ولذا فليس من المستغرب أن تُظهر دراسات أن برامج التحويلات النقدية المشروطة طُبقت وحققت نجاحات أكبر في دول مثل البرازيل والمكسيك وليس في دول مثل مصر ونيجيريا. ويستحيل تحقيق هذا دون مجتمع مدني نشط وفعَّال يزود النظام الحاكم، وعن طريق سبل ديمقراطية حقيقية، بدماء جديدة ويتحداه بانتظام.

لم تقم ثورة يناير لان شخصًا ما (أجنبيًا متآمرًا أم مصريًا عميلا) داس على زر ما فاندلعت الثورة، وإنما بسبب انهيار وتآكل مشروعية النخبة القديمة وفشل سياساتها الاقتصادية في حل معضلات التشغيل وازدياد اللامساواة في الدخول وانسداد الأفق أمام الطامعين للعمل في الشأن العام دون الدخول في شبكات الفساد والولاء. المسؤول الرئيسي عن ثورة يناير هو نظام مبارك في حقيقة الأمر، وقيام النظام الحالي بإغلاق النوافذ الصغيرة للغاية التي فتحها مبارك هو قصر نظر سياسي، ﻷنه يحرم النظام ومستشاريه من الوسائط التي يمكن بها توقع وحل المشاكل، في الوقت الذي تستحيل فيه إدارة آليات الضبط الاجتماعي وتوزيع الموارد عن طريق الأجهزة الأمنية وبيروقراطية الدولة المهترئة التي وصفها الرئيس نفسه بأنها “أشلاء دولة”، ومجموعات رجال الأعمال المقربين، والمؤسسات الدينية الرسمية.

خرج بهجت وعيد وغيرهم ممن جمدت أموالهم من قاعة المحكمة هذا الأسبوع مبتسمين ومحاطين بأصدقائهم ومعلنين عزمهم على الاستمرار في العمل. ولكن حتى لو استمر النظام في ملاحقتهم، وسيستمر في الأغلب عن طريق إحالة عدد منهم إلى المحاكمة الفعلية باتهامات أثير بعضها في جلسات تحقيق حول استقدام أموال من الخارج لهدم مؤسسات الدولة، وهي اتهامات تحمل معها احتمال السجن المؤبد، فهذا لا يعني نهاية الحركة الحقوقية، التي هي في نهاية الأمر استجابة لحاجة وطلب مجتمعيين بسبب فشل النظام في فتح ولو محدود للمجال السياسي لبث الأمل في إمكانيات التغيير السلمي. وكما يقال في الاقتصاد، فإن الطلب سيخلق العرض، والانتهاكات المستمرة وفشل السياسات المزري سيخلق دائمًا مزيدًا من العاملين والمدافعين عن حقوق الإنسان، أو على الأقل فهذا هو الطريق الأفضل، والمأمول، لأن الطريق الآخر طريق عنف ودم نصبح فيه جميعًا خاسرين. ربما تغلق المنظمات الحالية أبوابها ولكن الأمل هو في استمرار تنامي الوعي بفكرة ومبادئ وممارسات حقوق الإنسان وسط الشباب والأجيال القادمة والإصرار على حكم القانون ومبادئ دنيا للعدالة الاجتماعية، ومع هذا الأمل الواقعي ستكتسب الحركة مزيدًا من الأنصار والمؤيدين في مصر وغيرها، ليس فحسب لنبل هذه الأفكار ولثقلها القانوني، لكن لأنها أحد المخارج القليلة الأمنة لنا في مجتمع بات يقترب من ثقب أسود، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *