معالم ومنعطفات الثورة المصرية من 2011 إلى 2014

10 فبراير ,2016

مقدمة

نحن نقف على أعتاب أهم حدث في تاريخ مصر الحديثة، حيث تعلن مصر عن تحديها لواحد من اشد الأنظمة قمعية واستبداد في أفريقيا ودول الشرق، انه نظام حسنى مبارك الذي قبع في السلطة لمدة ثلاثون عاما مستخدما كل الوسائل المتخيلة، من الكذب إلى السجن والعزل من الوظائف  إلى القمع المباشر  وتصفية المعارضين وإطلاق يد الأجهزة الأمنية بلا رقيب أو حسيب، وفرض على الأحزاب الموت أحياء بعدم إتاحة حق الاتصال بالجماهير أو ممارسة أنشطة بين الجماهير أو إقامة مؤتمرات جماهيرية، وحولهم إلى مجموعة مقرات إدارية عقيمة الفعل والتأثير، مبارك الذي اشتهر عهده بالفساد والتزوير  ومصادرة الحريات وفرض حالة طوارئ مستمرة على الشعب، والذي كان يعد العدة لتوريث ابنه الحكم من بعده مما أشعل غضب قطاعات عديدة واغلب النخب السياسية .

كانت وﻻدة جديدة لمعارضة مختلفة عن معارضة المقرات الحزبية قد بدأت في الظهور،  وحفز ذلك وجود إمكانية حديثة للتواصل خارج رقابة وسيطرة الدولة إلى حد كبير، انه الفضاء الإلكتروني وظهور المدونين، ثم ظهور حركة كفاية التي أعلنت بوضوح (كفاية تلاتين سنة)، ومشتقات حركة  كفاية من روابط طلاب وعمال ومهنيون ومثقفون وسياسيون، والتي وضعت  جميعها على رايتها شعار “من اجل التغيير “.

على الجانب المقابل كانت الحركة الاجتماعية ممثلة في العمال وفقراء الأحياء الشعبية وفقراء الفلاحين تطلق موجة احتجاجات ضخمة ومتوالية ضد سياسات النظام، مطالبة بالعمل  والسكن والعلاج  والمستلزمات الزراعية والحق في الأرض … الخ .

 كان ذلك يعنى معارضة سياسات الليبرالية الجديدة التي يطبقها النظام، وعلى صعيد موازي كانت هناك قضية تتضخم وتتجهز للانفجار يوما بعد يوم، أنها قضية التعذيب المنهجي المنظم والقتل في أقسام الشرطة على يد رجال البوليس . هذه القضية التي مست بقوة الحركات الشابة الجديدة ومواقع التواصل،  وصلت احتجاجات التعذيب إلى نقطة صلبة عند مقتل الشاب خالد سعيد على يد مخبرين دون مبرر ثم اتهامه بعد موته بأنه ابتلع لفافات مخدرات أدت إلى وفاته، تحول خالد سعيد إلى عنوان معركة دعائية وتعبوية ضخمة ضد ممارسات الشرطة التي توحشت وتغولت .و كان موت سيد بلال بسبب التعذيب في الخلفية، لكن التمحور على قضية خالد سعيد الذي كان اقرب سنا وحالة إلى المحتجين نقطة انعطاف في مواجهة التعذيب وجرائم الداخلية ضد المواطنين .

 وعلى الشاطئ الأخر كانت جماعة الإخوان منشغلة بتجهيزات الانتخابات وبالمساومات مع النظام، ولم تعر التفاتا إلى قضية توحش الداخلية وتعذيب المواطنين، وحرك احتجاجاتها ما حدث من تزوير في الانتخابات 2010 ضدها في انتخابات المجلس التشريعي2010  حيث لم ينجح لها أي مرشح رغم حصولها على عدد كبير من المقاعد – حوالى 88 مقعد –  في الانتخابات السابقة مباشرة ، كان الحزب الحاكم بقيادة احمد عز قد خطط بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية وقضاة فاسدين للإطاحة بالوجود البرلماني للجماعة تماما، كانت سحب احتجاج كثيرة، اجتماعية وسياسية وديموقراطية، تتجمع في كل مكان في انتظار إشارة تساقط حمولتها .

النقطة التي توصل الغاضبون إلى التجمع فيها كانت في ذاتها إعلانا للتحدي، 25 يناير هو  العيد القومي السنوي لجهاز الشرطة المصرية، فقد تقرر القيام بأوسع احتجاجات ممكنة في هذا اليوم ضد ممارسات الشرطة بوجه خاص، كانت تلك هي نقطة التعبئة، وكان من البديهي أن تلعب الصفحات الإلكترونية المناهضة للتعذيب والرافضة لامتهان الكرامة على يد الداخلية دورا كبيرا في تلك التعبئة، وطبعا كان في صدارتها صفحة كلنا خالد سعيد .

تجمعت روافد آخرى لتصب في طاحون يوم الاحتجاج، البطالة والتزوير وحقوق العمال والتضييق على النشاط الطلابي .. الخ . ولكن كان هناك أيضا من بين أجنحة النظام من هو غاضبا لتهميشه، أو ﻻنفراد نخبة جمال/عز بالسلطة والامتيازات، ومن بين أجهزة الدولة من يسعى لوقف التوريث الذي قد يقلص امتيازات ومكانة العسكريين ،هؤلاء كانوا واقعين بين الخوف من تطور حركة الجماهير .. وفرصة الإطاحة نهائيا بمشروع التوريث .

كانت الخطوات التمهيدية ل 25 يناير قوية ومتعثرة في ذات الوقت،  لقد ألهمت الثورة التونسية نخب وتجمعات المعارضة في مصر ومدتها بالأمل ، وصل استلهام تونس إلى حد تقليد بوعزيزى في عدة محاولات للانتحار حرقا، تونس كانت إشارة الثورة وشرارتها في عموم المنطقة وربما في العالم، لكن مصر لم تكن مدركة لإمكانية أن تثور فعلا، أعلنت أحزاب معارضة رئيسية عدم مشاركتها، وكذلك جماعة الإخوان المشغولة بما حدث ضدها من تزوير فقط . وخارج تلك الدائرة كانت الرياح والسحب تتجمع من كل صوب، وبشكل غامض، ومن ثم لم يتوقع أيا من المشاركين أو الداعين أن يتحول يوم الاحتجاج إلى انتفاضة، وان تتحول الانتفاضة إلى ثورة .

يهدف هذا  الكراس التوثيقي إلى إعادة رسم أهم ملامح وانعطافات الثورة المصرية، عبر اربع سنوات وعدد من الحكومات وثلاث رؤساء بعد مبارك والدخول الكثيف للعسكريين ثم انسحابهم المحدود ثم عودتهم وهيمنتهم على كامل المشهد المصري . … رسما يقاوم النسيان ويوثق لذاكرة ثورة يسعون لمحو تفاصيلها من الذاكرة التاريخية للمصريين، فمن تحية الشهداء والثورة إلى اعتبارها إنجاز أعده وخطط له الجيش – وفي رواية أخرى .. الإخوان – إلى الانقلاب عليها واعتبارها مؤامرة صهيونية أمريكية – أو إخوانية قطرية .. أو تجزئتها واعتبار 30 يونيه ثورة والأولي مؤامرة .

في مواجهة هذا المحو الرجعى لذاكرتنا، هذا التشويه المنهجي لثورتنا، علينا أن نستعيدها ونثبتها في الذاكرة، حتى يمكن أن ننطلق من تراث صنعناه، وليس تراث اصطنعوه لنا .

ﻻ يمكن بأي حال رصد جميع الأحداث خلال تلك الفترة، أولا  لكثرتها الكثيفة، وتمددها على خريطة مصر كلها، فضلا عن انه بالتأكيد ليست كل الأحداث في نفس المستوي من الأهمية . وثانيا لأن هدف مثل هذا يحتاج عشرات الباحثين والموثقين لتجميع وحصر وضبط مادته، وغالبا أيضا لن تكون حصرية، وثالثا لأن هدف هذا الكراس التوثيقي هو رسم المعالم والانعطافات الرئيسية التي مرت بها الثورة، والتي أثرت بوضوح في تحديد خط سيرها، ومن ثم فهو كراس بانورامي، يرسم بانوراما عامة لمسار الثورة عبر أهم أحداثها،  حتى يتمكن القارئ من “رؤية حدث .. في سياق ”  فيجمع أشتات المشهد الحي والدينامي، سريع التلاحق وكثير الانعطافات، في تلك الملحمة التاريخية المسماة بثورة 25 يناير . واقر أن أي  خطأ ورد بهذا الكراس هو بالقطع خطأي وحدى، وأي توفيق فيه فقد شارك في صنعه صور الشهداء ونقاشات الأصدقاء واجتهادات الموثقين ومبادراتهم .

أخيرا أرجو أن يكون هذا الكراس إهداء مقبولا ولائقا إلى روح مينا دنيال – مسيح الحواري الشعبية – وعمر بائع البطاطا، وأبطال الثورة المجهولين شهداء كانوا أو أحياء .

 لقراءة وتحميل التقرير أضغط علي الرابط التالي :

معالم ومنعطفات الثورة المصرية من 2011 إلى 2014  pdf

معالم ومنعطفات الثورة المصرية من 2011 إلى 2014 word

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *