21 فبراير ,2013

متى نحاور السلطة .. وجهة نظر حقوقية

ورقة موقف

في دول الاستبداد السياسي والقمع الأمني والغبن الاجتماعي، تطل إشكالية الحوار بين السلطة وبين منظمات المجتمع المدني ،العاملة في مجال حقوق الإنسان، بين آونة وأخرى، كسؤال يختلف حوله العاملون في هذه المنظمات.

فقبل أي شيئ آخر لا تحتفظ أنظمة هذه الدول بعلاقات دائمة وقنوات اتصال مفتوحة طوال الوقت مع منظمات المجتمع المدني، والحقوقية منها بصفة خاصة. مثل هذه العلاقات وقنوات الاتصال أدركت الدول الديموقراطية في الغرب أهميتها، فعملت طوال عقود على الحفاظ عليها، بحسن نية أحيانا وبسوء نية في أحيان أخرى. أما الدول الاستبدادية فتتراوح نظرتها إلى المنظمات الحقوقية بين التجاهل الممتعض، وبين التشكك والتضييق، وصولا إلى الحرب العلنية والمفضوحة ضدها بشتى الوسائل والأدوات.

 في إطار هذا الموقف تكون دعوة السلطة لمنظمات المجتمع المدني إلى الحوار في أغلب الأحيان اضطرارية، وتستهدف خدمة مصالح مؤقتة وعابرة للسلطة، مما يضع المنظمات الحقوقية حيالها في موقف تحفه محاذير عدة سواء في حالة قبول هذه الدعوة أو رفضها.

بصفة عامة تلجأ الأنظمة ذات الطبيعة الاستبدادية إلى فتح حوار مع المنظمات الحقوقية بهدف تجميل صورتها. تنشأ الحاجة إلى ذلك عادة عندما تتعرض هذه الأنظمة لضغوط داخلية و/أو خارجية. وتدرك المنظمات الحقوقية أن قبولها للحوار يجعل منها شريكا في عملية تجميل وجه النظام بدرجة أو أخرى، وبرغم سلبية هذه النتيجة فلا يمكن القول بأن تجنبها من خلال رفض الحوار مع السلطة في جميع الأحوال هو الموقف الأفضل دائما، وإنما ينبغي دراسة ما يحيط بالدعوة من ظروف ومؤشرات من شانها أولا أن تتيح الخروج بنتائج إيجابية وثانيا أن تقلل من أو تستبعد إمكانية أن تكون المنظمات الحقوقية شريكا في غسل أيدى نظام مستبد من انتهاكاته الحقوقية.

في الوقت الذي يمارس فيه نظام مستبد انتهاكاته لحقوق الإنسان من خلال مؤسساته التنفيذية، والأمنية منها بصفة خاصة، دون تورط مباشر ومفضوح للمؤسسات السياسية، أو دون مباركة علنية لهذه الانتهاكات من قبلها، يكون هناك مجال للحوار مع المؤسسات السياسية. ففي هذه الحالة يمكن للمنظمات الحقوقية أن تمنح المؤسسة السياسية مظهر الطرف غير العالم للتفاصيل، ومن ثم يكون هدف الحوار إطلاع المؤسسة السياسية على هذه التفاصيل، ومطالبتها بالتدخل بتوجيه الأجهزة التنفيذية لوقف الانتهاكات، ومحاسبة مرتكبي هذه الانتهاكات من مسؤولي هذه الأجهزة.

ما يجعل هذا المسعى ممكنا في هذه الحالة رغم الاعتراف بأن غياب التفاصيل عن المؤسسة السياسية هو غالبا غير حقيقي ، وهو بحد ذاتة خطأ يحسب عليها ،  وأن عدم تورطها هو أمر مشكوك فيه على أقل تقدير، هو أن الثمن السياسي الذي يمكن دفعه للاستجابة إلى المطالب منخفض، ويمكن تجنب أن يمس بالمؤسسة السياسية نفسها، وإذا كانت حاجة النظام إلى تجميل صورته كبيرة، فثمة ما يدعو إلى توقع أن يستجيب النظام بالفعل إلى بعض المطالب المقدمة إليه.

في المقابل؛ عندما يكون تورط المؤسسة السياسية في الانتهاكات المرتكبة مفضوحا ومباركتها لها علنية لا يمكن التنصل منها، يصبح في حكم المستحيل تقريبا أن تعترف هذه المؤسسة بوجود انتهاكات في الأساس. فمثل هذا الاعتراف يضطرها لدفع ثمن سياسي باهظ، ويعرضها لمزيد من الضغوط. في هذه الحالة فإن أهداف السلطة من الدعوة إلى الحوار تكون محددة وضيقة للغاية، وتنحصر إما في تجميل وجهها بشكل مجاني أو في تحقيق ذلك مقابل ثمن لا يتعلق بمطالب حقيقية. وفي سبيل ذلك يغلب أن تلوح السلطة قبل مثل هذه الدعوة بتهديدات مبطنة أو مفضوحة لمنظمات المجتمع المدني تنال من قدرتها على العمل أو من وجودها نفسه، فتصبح الدعوة إلى الحوار غطاءً للمساومة على وقف هذه التهديدات في مقابل أن تتبنى المنظمات الحقوقية بشكل مباشر أو غير مباشر تبريرات المؤسسة السياسية لما تورطت فيه من انتهاكات. أو أن تصمت عليها.

الخروج بهذه النتيجة من الحوار ليست صعبة على الإطلاق، فالسلطة لا تحتاج في الواقع إلى أكثر من أن تستجيب المنظمات الحقوقية لدعوتها، دون شروط ودون أجندة علنية مسبقة، وستكتفي المؤسسة السياسية بالقول بأنها قد قدمت للمنظمات الحقوقية إيضاحات فيما يتعلق بالانتهاكات (المزعومة)، ولا يهم أن تعلن المنظمات الحقوقية بعد الحوار رفضها لهذه الإيضاحات، فكل ما تسعى السلطة لإثباته هو أنه ثمة إيضاحات ما، يمكن تقديمها ومن شأنها التشكيك في تورطها في انتهاكات حقوقية. وقبول المنظمات الحقوقية للدعوة إلى حوار دون شروط مسبقة يعنى أنها توقعت تلقى هذه الإيضاحات وسلمت مسبقا بوجودها، حتى وإن رفضتها لاحقا، فقد لا يعني الرفض شيئا سوى تعنت هذه المنظمات لأسباب يمكن الزعم أنها تتعلق بمصالحها، خاصة إذا كان الكل يعلم بوجود تهديد لعملها أو الاعتراف الرسمي والقانوني بها.

ثمة في الواقع حالة وحيدة يمكن فيها لمنظمات حقوقية قبول التحاور مع نظام ثبت تورط مؤسساته السياسية في انتهاكات فادحة، هذه الحالة هي أن يكون الحوار مشروطا باعتراف المؤسسة السياسية بالانتهاكات ذاتها وبقدر من المسؤولية عنها، قد يبدو ذلك مستحيلا، ولكن إن توافرت الظروف التي تكون فيها السلطة محاصرة بضغوط داخلية كبيرة واستحقاقات سياسية مرتقبة، مثل انتخابات وشيكة، ومصالح خارجية هامة مثل قروض ومعونات دولية موضع تفاوض حالي، فإنها قد تكون مستعدة لدفع الثمن السياسي الباهظ لاعترافها بالانتهاكات. والحقيقة أنه إن توافرت هذه الظروف يصبح القبول بالحوار غير المشروط مع السلطة إهدارا لفرصة إرغامها على الاعتراف بانتهاكاتها، وتضييعا لإمكانية دفعها إلى وقف هذه الانتهاكات، بل وربما محاسبة بعض المسؤولين عنها. وهي جميعها فرص يندر توافرها في ظل نظام استبدادي ويمكن إذا ما أحسن استغلالها أن تؤسس لسابقة تستخدم لاحقا لمواجهة انتهاكات هذا النظام حتي في إطار ظروف مختلفة.

لا يمكن القول بأن سؤال “متى نحاور السلطة؟” من السهل إيجاد إجابة محددة وقطعية له. الإجابة دائما رهن بعوامل وظروف متشابكة ومعقدة، وتبقى دائما نسبية وموضع خلاف. ومن ثم فليس ما قدمناه في هذه العجالة أكثر من إشارات ربما تتعلق بوضع راهن وتصلح لإيضاح ما نراه صحيحا في مواجهته، وهي لا تنفي حق أي طرف آخر في أن تكون له رؤيته المختلفة  ، اذا تم التعهد بأننا جميعا ننطلق من المبادئ ذاتها ونسعى إلى تحقيق أهداف واحدة ، وهي الكرامة الانسانية والعدالة والمساواة أمام القانون.

ليس هناك رفض مبدئي ، وليس هناك قبول مبدئي ، وكل فرصة أو دعوة حوار ، يؤخذ على حدة ، تبعا للظورف التي يتم فيها الحوار ، والاجندة ، موقف السلطة من قضايا ومؤسسات حقوق الإنسان ، وسيادة القانون والمساواة أمامه.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

21فبراير 2013

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *