لم يشرب من نهر الجنون..”رائد سلامة” الاقتصادي الباحث عن العدل ومحارب التمييز والطائفية المتهم بالإرهاب (بروفايل)

في ممر طويل بمحكمة جنايات القاهرة، يسير الدكتوررائد سلامة الخبير الاقتصادي مكبل اليدين، بصحبة عسكري يهرول على عجل، بينما يحاول سلامة أن يستدير بجسده إلى الخلف في صعوبة بالغة، لكن يبدو أن ما أراد قوله لمحاميه يستدعي العناء. “قول لمراتي إني فخور بيها جدا وقولها أني بحبك”.. هكذا يوصي رائد سلامة محاميه محمد عبد العزيز أثناء إحدى جلسات التحقيقات، بينما ينبض قلبه بحبين، حب زوجته، وحب آخر تمكن منه، هو حبه لبلده، وكلاهما سنده في بحر الجنون ووحشة زنزانته الباردة في سجن تحقيق طرة منذ 51 يوما.
بينما كان يقضي رائد ثالث أيام عيد الأضحى الماضي مع زوجته في منزلهما في مدينة السادس من أكتوبر، فوجئا على غير انتظار بقوات الأمن تقلب حياتهما رأسا على عقب وتقتاد سلامة إلى مكان غير معلوم في 23 أغسطس الماضي. ليجد سلامة، عضو الهيئة العليا والمكتب السياسي لحزب تيار الكرامة، والخبير الاقتصادي المدافع دائما عن حقوق المصريين في حياة كريمة، والمناضل ضد الطائفية، والتمييز الديني، نفسه معتقلا بتهمة تحقيق أهداف جماعة إرهابية، وذلك ضمن حملة أمنية أسفرت عن إلقاء القبض على السفير معصوم مرزوق والدكتور يحيى القزاز والناشطة نرمين حسين وسامح سعودي،واتهامهم في القضية رقم ١٣٠٥ لسنة ٢٠١٨ حصر أمن الدولة التي باتت معروفة إعلاميا بقضية “معتقلي العيد”.

المناضل ضد التمييز متهم بالارهاب
من عرف رائدا ولو ليوم واحد يعلم أن أدواته البحث والكتابة والشعر والأدب لا الإرهاب ولا العنف ولا التحريض ، هكذا وصفه الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء السابق، لكن ذلك لم يمنع النيابة من أن توجه لرائد ورفاقه تهم المشاركة مع جماعة إرهابية في الدعوة لأهدافها، وتلقي تمويلات بغرض دعم الإرهاب والمشاركة في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جريمة إرهابية وقلب نظام الحكم رغم أن سلامة رئيس جمعية مصريون ضد التمييز الديني وله سجل حافل في رفض التمييز.

بين جدران زنزانة انفرادية مظلمة لا يزيد طولها وعرضها بأي حال عن 2 في 3 متر، مكث فيها الخبير الاقتصادي الخمسيني، مؤلف كتاب صندوق النقد- رؤية سياسية لمسألة اقتصادية، لنحو 15 يوما لا يستطيع أن يتنفس هواءا طبيعا محروما من أبسط حقوقه في دوره مياة أوفتحة تهوية ملائمة.

من أجل تحسين ظروف احتجاز سلامة والسماح لأهله بزيارته وإدخال ما تيسر من الملابس والدواء، بعدما قررت إدارة سجن تحقيق طرة حرمانه من أبسط حقوقه، خاض محاميه محمد عبد العزيز رحلة بين أربع جهات حكومية وحقوقية.

في 6 سبتمبر الماضي، قال عبد العزيز إنه تقدم للمجلس القومي لحقوق الانسان بشكوى عن ظروف احتجاز والقبض على الدكتور رائد سلامة بمقر المجلس بالدقي برقم 2066، وناقش المجلس الشكوى والبلاغ وظروف احتجاز الدكتور رائد سلامة وكل المتهمين معه في القضية وقرروا مخاطبة النائب العام ووزير الداخلية ليتم تقديم 4 بلاغات جديدة تطالب بتحسين وضعه وأوضاع المحتجزين على ذمة القضية وتحسين ظروف السجن مع المطالبة باخلاء سبيله.

شكاوى عبد العزيز لم تكن الوحيدة، إذ أرسلت الحركة المدنية الديمقراطية شكاوى مشابهة أيضا للنائب العام، أعقبتها حملات تدوين على مواقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” و”تويتر” تضامنا مع سلامة ورفاقه.

أخيرا، في 8 سبتمبر الماضي، تنفس سلامة بشكل طبيعي وقضى حاجته في حمام نظيف أوعلى الأقل يتمتع بالحد الأدنى بعد انتقاله من تلك الزنزانة الانفرادية التي لا تتمتع بأدنى مقومات الحياة إلى آخرى أفضل من حيث التهوية والنظافة.

في اليوم ذاته، تمكنت أسرته من زيارته للمرة الأولى منذ القبض عليه في 23 أغسطس الماضي، بسجن تحقيق طرة وأدخلوا كل مستلزمات سلامة الشخصية واطمأنوا عليه، ما أثر بالإيجاب نسبيا على حالته النفسية والصحية رغم أنه ظل محروما من التريض، بحسب محاميه.

لمن لم يشرب من نهر الجنون
وسط كل هذا البحر الهادر من الجنون لم يتخل سلامة عن ابتسامته وهدوئه، رفض رائد أن يشرب من نهر الجنون حتى في تلك اللحظات الثقيلة التي انتظر فيها قرار قاضي محكمة الجنايات بالنظر في التحفظ على أمواله، بتهمة مشاركة جماعة إرهابية خصص عمره للنضال ضد أفكارها ، ولم يفقدها حتى عندما أيد القاضي قرار التحفظ في 17 سبتمبر الماضي. لم يشرب رائد سلامة رئيس مجلس أمناء جمعية مصريون ضد التمميز الديني من نهر الجنون حتى بعد ان أصبح متهما بالدفاع عن أفكار ضد كل ما يعتقده.. بين يوم وليلة اصبح المدافع عن الحريات الدينيةز متهما بالارهاب ولكنه ظل متمسكا بافكاره ودفاعه عن عدل يشمل الجميع.

ضد الطائفية.. ومع العدالة
“رائد سلامة.. مناضل ضد الطائفية”..تحت هذا العنوان قال مجلس أمناء جمعية مصريون ضد التمميز الديني بعد أيام قليلة من اعتقال رئيسها إنهم عرفوا سلامة عبر سنوات طويلة من الشراكة يفيد بإيمانه بقيم العمل الطوعي ونزاهته الدائمة و مصداقيته في الدفاع عن حقوق المواطنة ومناهضته الدؤوبة لكافة أشكال التمييز الديني.

لذلك لم يجد مجلس أمناء الجمعية في بيانهم الذي نشروه على الصفحة الرسمية للجمعية على موقع”فيس بوك أي داع أو أصل للتهم الموجهة لرئيسها المتمثلة في مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها وتلقي تمويل بغرض أهدافها”

ومن أنواء مناهضة التمييز إلى أنواء البحث عن عدالة اقتصادية ، لم يكن سلامة الهادىء المبتسم يفقد هدوءه أو ابتسامته إلا عندما يشعر بأن الوطن يسير في الاتجاه المعاكس للإصلاح الحقيقي، ففي نوفمبر 2016 بعد أيام قليلة من قرار الحكومة بتحرير سعر صرف الجنيه، رفض الخبير الاقتصادي القرار بشكل قاطع واعتبر برنامج صندوق النقد الدولي في منتهى خطورة وسيؤدي إلى زيادة عجز الموازنة وليس العكس.

على طريقة السهل الممتنع، يستطيع سلامة الذي يعمل رئيسا لقطاع إدارة المخاطر والرقابة بأحد بنوك الاستثمار المصرية، فك طلاسم النظريات الاقتصادية و الكشف عما وراء الأرقام التي لا يستطيع غير المتخصصين فهمها وتبسيطها إلى الجماهير وربطها بحياتهم اليومية، كما فعل في حلقاته الثلاث ضمن برنامج “فنجان قهوة” الذي أذيع على موقع “يوتيوب” في عام 2016.

رغم أن تصريحات الحكومة المتواصل بعدم وجود بدائل عن قرض صندوق النقد الدولي، طرح الدكتور رائد سلامة ورقة بحثية تمثل وصفة مثالية للخروج من المأزمة الاقتصادي في مايو 2016 أي قبل نحو 6 أشهر من تعويم الجنيه.

تغيير نمط الاقتصاد

وقدم سلامة ورقته البحثية خلال مؤتمر مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الذي نظمته أحزاب التيار الديمقراطي في مايو 2016والذي اقترح فيها تحويل نمط الاقتصاد من ريعي استهلاكي لإنتاجي تنموي.

تغيير نمط الاقتصاد بحسب الورقة البحثية يتطلب ثورة تشريعية ممثلة في سن تشريع جديد للاستثمار بما لا يخل بحقوق العمال و تشريع للمحاجر والمعادن و تشريع لتعريف الفساد وإنشاء مفوضية لمكافحة الفساد وأخرى لمكافحة التميز.

ومن أهم مقترحاته هي تحصيل فروق الأراضي التى بيعت في عهد مبارك وهو ما يوفر قرابة 50 مليار جنية إضافة لضم الصناديق الخاصة لميزانية الدولة، والغاء بند الاحتياطيات العامة من الموازنة وإقرار الضرائب التصاعدية كما نص الدستور.

وفيما بتعلق بأزمة الدولار، قدم سلامة طرح بضرورة وقف استيراد بعض السلع التى يوجد بدائل لها في الداخل، و إلغاء الشركات القابضة وإنشاء وزارة خاصة لإدارة المصانع التي صدرت أحكام بعودتها للدولة.

الورقة البحثية التي أعدها الدكتور رائد سلامة مع عدد من خبراء الاقتصاد أرسلوا نسخة منها للرئاسة الجمهورية وتم نشرها على نطاق واسع، غير أن الحكومة ردت على مجهوداتهم الوطنية بالحصول على قرض صندوق النقد الدولي وحبس الدكتور رائد سلامة.

دوروا على تهمة تانية
“اعرف الدكتور رائد منذ كان عضوا قياديا في الحزب المصري الديموقراطي وهو مصري محترم شديد الإخلاص للوطن”.. هكذا يعبر الدكتور محمد أبو الغار أستاذ طب النساء و رئيس حزب المصري الديمقراطي سابقا عن حزنه بعد حبس صديقه.

أبو الغار يضيف على حسابه بموقع “فيس بوك” مستدعيا ذكرياته مع سلامة: (عملنا سويا في جمعية مصريين ضد التمييز التي يرأسها الآن وأشهد إنه كان طوال معرفتي به كان مثال للاخلاق العالية وحب مصر).
حبس رائد سلامة مثل صدمة لأصدقائه جميعا، إذ وجه زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق تحية حزينة لرائد قائلا: (تحية لصديق عزيز في محبسه، اتفقت معه أحيانا واختلفت معه أكثر، وحالت الظروف دون لقائنا لفترة طويلة، ولكن لم يساورني للحظة واحدة الشك في نزاهته ووطنيته وحرصه على صالح البلد وحلمه بأن تكون مصر وطنا للحرية والمساواة والعدالة والقانون).

بهاء الدين أضاف على صفحته الشخصية على موقع “فيس بوك”: من عرف رائدا ولو ليوم واحد يعلم أن أدواته البحث والكتابة والشعر والأدب لا الإرهاب ولا العنف ولا التحريض، تحية أتمنى أن ينقلها إليه من هم على اتصال به كي يعلم أنه ليس وحده).
بينما لم تصدق ماري مراد، باحثة اقتصادية، اعتقال الدكتور رائد سلامة وتوجيه تلك التهم إليه، إذ قالت على صفحتها على موقع “فيس بوك”: (لسة مش مصدقة أن رائد سلامة يتاخد بالشكل ده، لازم يدورو على تهمة معقولة ومش هيلاقو).

وتابعت ماري: (مش بس علشان هو راجل محترم ووطني وجدع وشوية حاجات تانية كتير لكن رائد وسط كل مشاغله شال كمان أزمة الطائفية على كتافه! حد يفهمني ازاي رئيس مجلس إدارة “مصريين ضد التمييز الديني” ممكن يدعم الاخوان بأي شكل !!).

بمزيد من الحزن، قالت ماري عضو مجلس إدارة مؤسسة سامر سليمان: (الألم مش بس علشان الحبس لكن علشان قلة الحيلة. انا عارفة كويس أن يوم زي ده كان هيعدي على سامر… والوجع هو هو! ).