25 أغسطس ,2012

كش عسكر : إندونيسيا بعد سوهارتو

17736690

قبل أن تقرأ  ،،

العسكر ، الجمعية التأسيسية ، الطرف الثالث ، الشباب ، أسرة الديكتاتور ، رصاصات القناصة ، صلاحيات الرئيس ، الرئيس يؤدي القسم أمام رئيس المحكمة الدستورية ،  الحاجة إلى الأمن ، الأحزاب الكرتونية ،،،،،،
هذه الكلمات من أكثر الكلمات التي تواترت أثناء الثورة الاندونيسية ، لكنك لم تخطئ حين  قفزت إلى ذهنك الثورة المصرية ،، فالتشابه كبير وهائل بين الثورتين.

هذا هو الكتيب الثاني ضمن سلسلة ( مخاضات التغيير ، تجارب في الثورة) التي تصدرها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، وهو يتناول الثورة في اندونيسيا ضد الديكتاتور سوهارتو ، الذي كان الرئيس الثاني لاندونيسيا من 1967- 1998 ، وتكاد تتطابق مع فترة حكم مبارك ، سواء في المدة الزمنية أو نمط القمع والفساد ، فضلا عن مجريات وتطور الثورة في اندونيسيا !.
نحن لم نبدأ من الصفر ، وثورة المصريين لم تخفت يوما ، وإن شابها التعرج صعودا وهبوطا بين فترة وأخرى ، وهكذا كانت ثورة اندونيسيا .
استغرقت الثورة عدة سنوات في اندونيسيا لتستقر الأوضاع ، خطت بعدها اندونيسيا خطوات واسعة نحو الديمقراطية ، لم يكن هذا ممكنا في ظل تغلغل المؤسسة العسكرية على مجريات الحياة السياسية والاقتصادية في اندونيسيا، وكذلك لم يكن هناك بدا من أن يجرب الشعب الاندونيسي حكم القوى السلامية ،،
تراجع العسكر ، وتراجع الإسلاميين ، ونجحت اندونيسيا في التقدم.
هائل هو التشابه بين الثورتين ، وهائلة هي فرص نجاح الثورة في مصر ، ولكن فرص فشلها وارده أيضا !
لذلك فنحن نصدر هذا الكتيب ، لنعي ونتعلم من خبرات دول مرت بظروف أشبه بظروفنا ، عسى ألا نكرر أخطائها ، ونستفيد من تجربتها.

جمال عيد
مدير  الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

تقديم
وكأنها ثورتنا

وكأنها مصر. وكأنه مبارك. وكأنها ثورتنا. وكأنها طغمتنا الطبقية العسكرية وثورتها المضادة.
إن بحثت في تاريخ أي ثورة فالتشابه واقع لا محالة. ستجد  العاديين يخرجون أبطالا تاركين هامش الحياة والتاريخ الذي أجبروا عليه. ستجد الأفكار التي كنت لتعتقد أنها راسخة كالجبال تنزاح بحركة يد.  ستجد هؤلاء الذين يكتشفون قوتهم يعلنون عنها  ويستخدمونها بكل شرف ونبل ليغيروا حياتهم وربما البشرية معهم.
لكن بين إندونيسيا ١٩٩٨ ومصر ٢٠١٢، أوجه تشابك يصل إلى حد التفاصيل. هناك وهنا كان الديكتاتور العسكري الذي حكم ٣٠ عاما. هناك وهنا كانت رأسمالية المحاسيب، التي رفعت لواء نمو اقتصادي رأسمالي لحساب قلة من المقربين من العائلة والأصدقاء والجنرالات. هنا وهناك كانت آلة القمع تطارد المعارضين في كل مكان وتمنع النقابات وتحاصر المجتمع المدني وتوجه الاعلام. وهنا وهناك اندلعت انتفاضة الجماهير بلا قيادة، وبالرغم من ذلك هشمت بطاقتها التي ولدها المارد الجماهيري الذي اكتشف نفسه قيادة النظام الذي كانت تعتقد أنها راسخة.
في الحالتين أيضا حاول الاعلام وساسة الوضع القائم اختصار المواجهة في اسقاط الديكتاتور وإجراءات الديمقراطية الليبرالية في الانتخابات والأحزاب لحماية ماكينة النظام الأساسية التي تخلق السياسة: نظام الاستغلال والمصالح المسيطرة.
وفي مصر كما في إندونيسيا كان الاقتصاد في قلب الثورة. عندهم حول النمو الاقتصادي  الملايين إلى عمال في خدمة المصانع الجديدة لكنه أفقرهم وهمشهم وميز ضدهم. فانهار النمر الاقتصادي، الذي كان يُعتقد أنه محصن ضد الأزمات، تحت وطأة واحدة أطاحت بكل النمور ونموذج النمو بالتصدير برمته، مثبتةً مرة أخرى أن نظام الرأسمالية قدره الأزمات. وفي مصر، خلقت سنوات “التحرير الاقتصادي” ثلاثة أحزمة متشابكة من الفقر والعشوائيات والعاطلين هوت بثقلها على الملايين، بينما ينعم مترفو طبقة الحكام بثروة البلاد.
وكما جاءت الثورتان على أنقاض سياسات النمو الاقتصادي والأرباح أولا، فإنهما يثبتان لنا قصور تلك الرؤية التي تقول إن صلاح الحال هو بانتخاب سياسيين (جربت إندونيسيا ليبراليين وإسلاميين) في البرلمانات والرئاسة والانتظار من أجل تحسن حياتهم كهبة من المنتخبين.لقد أثبت تطور الأمور في إندونيسيا، ولا تختلف المؤشرات عندنا، أن هؤلاء بظهيرهم في المصالح وتصوراتهم للنظام الاقتصادي والاجتماعي غير راغبين ولا قادرين على تقديم حتى التغيير الاصلاحي ، ناهيك عن الثوري.
فقط عندما يتحرك الناس ويضغطون يصبح التغيير ممكنا. في هذا الإطار يفضل أنصار النظام القديم، ولو في صورته المعدلة، أن يقتصر الفكرة عن هذا الدور للجماهير الشعبية على صور منمطة: ثورة طلابية ضد سوهارتو وعائلته، أو انتفاضة الفيس بوك وتويتر وشباب التحرير النبيل على الفساد. يقصي هؤلاء من الصورة عمدا دورا حاسما للعمال وللجماهير الفقيرة في الأحياء والقرى والعشوائيات لولاه لكان نجاح الثورتين في هز أركان نظام الديكتاتورية محل نظر.
في هذا الكتيب، وبلغة بليغة سلسة ومعرفة واسعة وتحليل متشابك، يحلل لنا تامر موافي تكتيكات وأساليب الثورة المضادة في إندونيسيا، وفي هذا أيضا فإن الشبه بالغ. وبعد ١٥ عاما من ثورة إندونيسيا راح سوهارتو وأقاربه، واستمر جوهر نظامه واستمر العسكر في الصورة.
لا أقول هنا أن الثورة الإندونيسية لم تحقق شيئا. فقد أنجزت خطوة لا غنى عنها في تحسين شروط النضال لتغيير نظام القمع والاستغلال بكسر الكعب الحديدي للديكتاتورية وفتح الباب لتنظيم الناس وبالتالي مقاومتهم لمستغليهم. لكن الدرس الأساسي هو أن المعركة لا تقف عند صندوق الانتخاب وصياغة الدساتير. ولأن التاريخ تصنعه إرادة وفعل العاديين فإن التعلم من كنز خبراته يختصر الطريق ويفتح الباب لتجاوز عثراته وبناء نظام الحق والعدل والحرية المأمول.
ولنا في إندونيسيا عبرة.

وائل جمال
٢٨ يوليو ٢٠١٢

كش عسكر : إندونيسيا بعد سوهارتو بانكسيلا أو مملكة الوفاق

إندونيسيا هى عملاق أسيوى ذو طبيعة متفردة. أرخبيل الجزر التى يتخطى عددها 17500 جزيرة و الذى يمتد بطول 5200 كيلومتر، هو موطن ما يقرب من 300 مليون نسمة، و رابع بلدان العالم من حيث عدد السكان بعد الصين و الهند و الولايات المتحدة الأمريكية. إندونيسيا هى أيضا واحدة من أكثر الدول تنوعا فهى تحتضن أكثر من ألف إثنية رئيسية و فرعية و يتحدث أهلها بمئات اللغات و اللهجات المختلفة. هذا التنوع الضخم لم يجتمع فى وحدة سياسية واحدة إلا حديثا و فقط تحت وطأة الغزو و الإحتلال الهولندى. قبل هذا و طوال قرون تقاسمت إندونيسيا عشرات الممالك و الكيانات السياسية التى ضم بعضها أجزاءا من جيرانها و بخاصة ماليزيا و سنغافورة. هذا التاريخ أدى بالضرورة إلى أن يكون أحد الهموم الرئيسية  لإندونيسيا منذ إستقلالها هو خلق و تثبيت هوية وطنية جامعة تقوم مقام وحدة التاريخ المفتقدة بين مواطنيها.

التدخل الأوروبي فى المنطقة بدأ منذ القرن السادس عشر من خلال شركات مثل شركة الهند الشرقية الهولندية و بعد حلها إنتقلت مستعمراتها إلى الإدارة المباشرة للحكومة الهولندية التى إتسعت حدودها الإستعمارية لتشمل كل إندونيسيا الحالية فى مطلع القرن العشرين. خاض الإندونيسيون كفاحا طويلا ضد الإستعمار الهولندى و لكن إندونيسيا لم تتخلص منه إلا مع الحرب العالمية الثانية. فى عام 1942 وخلال الحرب الثانية إحتلت اليابان الجزر الإندونيسية و طردت الهولنديين منها و مع نهاية الحرب رحل اليابانيون و حاول الهولنديون إستعادة مستعمرتهم لكن الإندونيسيون أعلنوا إستقلال بلادهم فى 17 أغسطس 1945 و خاضوا حربا إستمرت حتى ديسمبر 1949 عندما أدت الضغوط الدولية إلى أن تعترف هولندا بإندونيسيا المستقلة.

تاريخ إندونيسيا فى أعقاب إستقلالها يهيمن عليه شخص أحمد سوكارنو الذى حكم البلاد طوال عقدين تقريبا. إعتمد سوكارنو على اللعب بتوازنات القوى بين الجيش و الإسلاميين و الشيوعيين لحماية نظامه من إنقلاب أى من هذه القوى عليه. و إعتمد فى بناء شعبيته على إتخاذ مواقف مستقلة من القوى العالمية الكبرى و على بناء دور إقليمى و عالمى لإندونيسيا. و لكن سياساته الإقتصادية لم تحقق النجاح ذاته و أغرقت البلاد بشكل مستمر فى عجز ضخم للموازنة و تدنى لمعدلات النمو. و فى نهاية المطاف كان ميله إلى الشيوعيين الذى أصبح أكثر ظهورا مع الوقت يثير حفيظة قيادات الجيش. إستشعر سوكارنو نفسه خطر إنقلاب وشيك و حاول درء هذا الخطر بإنقلاب مضاد نفذه بعض الضباط الموالون له. و لكن هذا الإنقلاب فشل فى تحقيق أهدافه و تحول إلى ذريعة للإطاحة بسوكارنو صحبها أضخم عملية قمع للشيوعيين فى أندونيسيا قضت عمليا على وجودهم بها.

ظهور سوهارتو

كان سوهارتو الذى خدم فى نهاية حكم سوكارنو كقائد لقوات الجيش المتمركزة فى العاصمة هو من قاد عملية الإطاحة بالرئيس و تصفية الشيوعيين في منتصف الستينيات ، ثم إقامة نظام جديد. و طوال ثلاثة عقود تالية لم تعرف إندونيسيا رئيسا إلا سوهارتو الذى حكم البلاد معتمدا على الدعم الكامل من الجيش و على إرتياح الطبقة الرأسمالية إلى تخليصه لهم من خطر الشيوعية و إلى وعوده بإنفتاح إندونيسيا على سياسات السوق الحر و التقدم نحو عهد جديد من الرخاء و الإزدهار الإقتصادى.

سوق سوهارتو لنفسه كأب للتنمية فى إندونيسيا. فى عام 1965 كانت إندونيسيا هى أفقر بلدان آسيا. كان 60% من السكان – حوالى 55 مليون نسمة – يعيشون تحت خط الفقر. فى أعقاب إستيلاء سوهارتو على السلطة حقق إجمالى الناتج المحلى للبلاد نموا بنسب تخطت 6% سنويا طوال الثلاثين عاما التالية بإستثناء عامين فقط. فى عام 1996 كان 11% فقط من السكان – حوالى 22 مليون نسمة – يعيشون تحت خط الفقر. حققت البلاد أيضا تقدما فى معدلات التنمية البشرية مثل متوسط العمر المتوقع، و الخصوبة، و معدلات الوفاة للأطفال، وفى الإكتفاء الذاتى من إنتاج الغذاء. أخذت إندونيسيا موقعا متقدما بين إقتصاديات ما يسمى بالنمور الأسيوية و أصبحت واحدة من أكثر البلدان إجتذابا للإستثمارات طويلة المدى.

فى السنوات الأخيرة لحكم سوهارتو كانت الأمراض المزمنة التى إخفتها القشرة البراقة للنمو الإقتصادى تحدث تشققات فى هذه القشرة و تبدأ فى الظهور على السطح. أبرز هذه الأمراض كان التفاوت الضخم للدخول و تدهور البيئة العمرانية و الطبيعية و الانتهاكات الفظة  لحقوق الإنسان. فى القلب من هذه الأمراض كانت المشكلة الرئيسية هى الفساد. فقطاعات كاملة من الإقتصاد قد صممت إدارتها بعناية لتمرير أرباح غير عادية أو ريع لحساب عائلة سوهارتو و دائرة ضيقة من شركائهم فى البزنس أو المحاسيب و قلة منتقاة من القادة المتنفذين فى الجيش. و بدلا من توفير الخدمات للشعب كان الهدف الرئيسى للمؤسسات الحكومية هو دعم و تنمية شبكة الفساد هذه.

طبيعة النظام الذى أقامه سوهارتو شكلتها فى الأساس تربيته و تاريخه الوظيفى و العملى. فقد تربى فى صغره على الفلسفة الأخلاقية لجاوة (كبرى جزر الأرخبيل الإندونيسى و أكثرها سكانا)، و هى تقاليد تؤكد على التناغم و التوافق، بمعنى رفض الإختلاف و المعارضة، و هى أيضا تؤكد على إحترام و توقير الأكبر سنا. و تلقى سوهارتو تدريبه العسكرى على أيدى العسكرية الهولندية ثم اليابانية، و كلاهما بالضرورة كقوتى إحتلال لبلد غريب كان همهما الأساسى هو تحقيق الأمن، بمعنى النظر إلى العواقب الأمنية لكل سياسة بإعتباره أولوية أجدر بالإعتبار. إشترك سوهارتو أو قاد خلال حياته العملية حملات كان مهمتها قمع الإنتفاضات المحلية أو تمرد الشيوعيين أو الحركات الإنفصالية فى الأقاليم. نتيجة لهذه الخبرات فإن سوهارتو كان يميل إلى نوع من الهوس بالنظام و الإستقرار.

فى السيرة الذاتية لسوهارتو التى نشرت عام 1989 يتحدث عن ديموقراطية البانكسيلا و هى المبادئ التي تقوم عليها للدولة الإندونيسية قائلا:
“فى ديموقراطية البانكسيلا لا مكان للمعارضة على النمط الغربى. فى عالم البانكسيلا لدينا الحوار لإنجاز التوافق بين الناس. ليس لدينا هنا معارضة كتلك التى فى الغرب. المعارضة من أجل المعارضة و لأجل أن تكون مختلفا، لا وجود لها هنا”

هذا الرفض لفكرة المعارضة من حيث المبدأ عبر عنه سوهارتو عمليا من خلال تطوير أدوات الدولة لتكون سلاحه فى إجهاض كل صور المعارضة لنظامه فى مهدها و قبل أن تنمو لتشكل خطرا عليه. كان من بين أدوات سوهارتو لقمع المعارضة الشرطة و مكتب النائب العام و المحاكم أما التهديدات الأكثر خطرا فكان الجيش يستخدم للتعامل معها. فمع مطلع التسعينات كان الجيش قد أصبح المؤسسة السياسية الأكثر أهمية فى إندونيسيا و هو قد لعب هذا الدور بشكل علنى تحت الغطاء الشرعى لعقيدته العسكرية التى تقوم على الوظيفة المزدوجة للمؤسسة العسكرية. و تنص هذه العقيدة على أن مهمة الجيش هى حماية “المصالح” الوطنية و عليه فى سبيل ذلك أن يسهم بموارده المؤسسية فى تنمية البلاد. هذه الموارد المؤسسية كان يقصد بها الخبرات الإدارية و التنظيمية التى يكتسبها ضباط الجيش من خلال ترقيهم فى المؤسسة العسكرية. أما الإسهام بها فى مهام التنمية فتمت ترجمته بدخول الآلاف من ضباط الجيش سواء من كانوا بالخدمة أو تقاعدوا منها فى مختلف المؤسسات المدنية التى تشكل الجهاز البيروقراطى للحكومة. من بين هؤلاء كان مئات يشغلون مناصب وزارية و برلمانية و حزبية (فى الحزب الحاكم) و فى الإدارة المحلية و الشركات المملوكة للدولة.

زوبعة فى فنجان

مع منتصف التسعينات كانت إندونيسيا لا تزال تعيش حلم النمو الإقتصادى المستمر دون أى بوادر لأى صعوبات فى المستقبل القريب. فى المقابل كان الجمود السياسى قد بدأ يدفع قطاعات مختلفة إلى التململ. و بدأ لأول مرة بعض دعاة الإصلاح السياسى يرفعون أصواتهم بالمطالبة بتداول حقيقى للسلطة و بمكافحة الفساد.

الأصوات الأولى للمعارضة خرجت من أحد أحزاب المعارضة الديكورية و هو الحزب الديموقراطى الإندونيسى. على غير العادة خاض هذا الحزب معركة إنتخابية نشطة فى عام 1993 و أحرج الرئيس و حزبه الحاكم. و رغم أن التزوير التقليدى لنتائج الإنتخابات لم يتح للحزب الحصول على أكثر من نسبته المعتادة فى البرلمان إلا أن سوهارتو رأى فى تحدى الحزب لنظامه سابقة لا ينبغى تمريرها دون عقاب. و كما هى العادة استخدم سوهارتو مخابرات جيشه للتدخل فى الإنتخابات الداخلية للحزب الديموقراطى بهدف إسقاط رئيسه فى ذلك الحين سوريادى. إستخدم عملاء المخابرات أساليب التهديد لأنصار سوريادى و الترغيب لمنافسيه داخل الحزب و توصلوا إلى أن ينتخب المؤتمر العام للحزب بديلا له. و لكن لسبب ما لم تكن هذه الجهود موفقة فى إختيار هذا البديل فقد أتت إلى هذا المنصب برئيس للحزب يشكل إزعاجا أكبر لسوهارتو. هذا البديل كان ميجاواتى سوكارنو بوترى الإبنة الصغرى للرئيس السابق التى لم تكن قد دخلت إلى مجال السياسة إلا منذ أربعة أعوام فقط على غير رغبة حقيقية منها.

على الرغم من أن ميجاواتى لم تكن بالسياسية البارعة أو الطموحة إلا أن اسمها و تراث أبيها كانا كفيلين بجعلها رمزا للمعارضة يتجمع حوله بشكل خاص الشباب المتطلع إلى تغيير وجه السياسة الجامد فى إندونيسيا. عبر هذا الطموح لدى كوادر الحزب المتحلقين حول ميجاواتى عن نفسه فى صورة نشاط أكبر لهم سبب مزيدا من الحرج و الإزعاج لسوهارتو و نظامه. ففى عقيدة سوهارتو كان أى شكل من أشكال المعارضة الصريحة هو نوع من الإهانة المباشرة و تعدى على صورته فى نظر شعبه بوصفه الحاكم و الأب الذى يدين له الجميع بالولاء و الطاعة. و مرة أخرى وجه سوهارتو أوامره إلى قيادات الجيش و مخابراته بتصحيح خطأهم السابق و التخلص من ميجاواتى.

هذه المرة كان تحقيق رغبات الرئيس أكثر صعوبة. فالمدة القانونية لرئاسة ميجاواتى للحزب لم تكن قد إنقضت بعد ولم يكن ثمة بديل ذو شأن كبير فى الحزب لتحدى قيادتها خاصة و أن هذا كان يتطلب الدعوة إلى مؤتمر طارئ للحزب و جمعيته العمومية. لم يفت هذا كله فى عضد رجال سوهارتو و قرروا أن الشخص المناسب لتحدى ميجاواتى هو سوريادى نفسه الذى أطاحوا به منذ أقل من ثلاثة أعوام. إستغرق إعداد الخطة بعض الوقت لكنها إنتهت بأن إجتمع عدد من أعضاء الحزب فى مؤتمر طارئ بعيدا عن جاكارتا العاصمة و إنتهى إلى عزل ميجاواتى و إعادة سوريادى إلى قيادة الحزب. لم يرض الأمر مؤيدى ميجاواتى و أعلنوا رفضهم للمؤتمر و نتائجه و لجأ الشباب منهم إلى إحتلال المقر الرئيسى للحزب فى قلب العاصمة و من هناك إستخدموا الرصيف المقابل كمنصة دائمة للخطب العامة. و مرة أخرى بدا أن تدبيرات الجيش لإخراج سوهارتو من الحرج تنتهى بشكل ما إلى مزيد من الحرج له. و فى الواقع كان الأمر هذه المرة قد أصبح أقرب للفضيحة المستمرة!

إخلاء المقر الرئيسى للحزب الديموقراطى من المعتصمين فيه كان أمرا ضروريا لإيقاف ما تحول إلى أكبر إحراج تعرض له الرئيس سوهارتو منذ توليه منصبه و حتى ذلك الحين. و لكن التدخل المباشر للجيش أو قوات مكافحة الشغب أو أى قوات نظامية أخرى لم يكن مقبولا. فى نهاية المطاف كان الخطاب المعلن للجيش هو أنه لا يتدخل فى الشؤون الداخلية للأحزاب! و لذا كان لابد من إيجاد غطاء مناسب. و لم يحتج قادة الجيش و مخابراته إلى وقت طويل للبحث عن البديل المناسب. فمثل هذه العمليات التى لا ينبغى أن يكون دور الجيش واضحا فيها كان ثمة بالفعل كيان قائم و معد سلفا للقيام بها و هو سلاح البلطجية! فنتيجة لتداخل مصالح الجيش و السلطة الإقتصادية و السياسية مع كثير من ألوان النشاط غير المشروع فى إندونيسيا مثل الدعارة و تهريب و توزيع المخدرات و أشكال المقامرة إلخ كان لابد من وجود هذا السلاح الذى يمكن إستخدامه لانهاء بعض التعاملات فى هذه المجالات التى لا ينبغى أن يكون إنغماس قادة الجيش و المحسوبون على السلطة فيها علنيا حتى و إن كان فى الواقع معروفا لدى الجميع.

تم رسم خطة إقتحام المقر الرئيسى للحزب الديموقراطى بحيث يقوم بها جمع من البلطجية يرتدون شارات توحى بأنهم من مؤيدى سوريادى، إضافة إلى هؤلاء تم الدفع ببعض من قوات الأمن فى زى مدنى و فى حال تعقد الأمور وضعت قوات نظامية إضافية على مقربة و تم نشر كمائن على الطرق المؤدية للمكان لمنع وصول أى دعم للمعتصمين فى المقر. و فى الموعد المحدد بدأ البلطجية عملهم و لكنهم و من معهم فوجئوا بمقاومة كبيرة من المعتصمين و أصبح واضحا أن العملية قد تبوء بالفشل فلم تجد قوات الدعم النظامية بدا من التدخل و مع ذلك طال الأمر حتى صباح اليوم التالى و لم ينته الإقتحام إلا بعد مقتل شخصين و إصابة 181 و إعتقال 124. كما أنه لم ينته دون إفتضاحه و وصول الأنباء إلى المناطق المجاورة فى العاصمة.

أحد مظاهر الفجوة الهائلة فى الدخول التى خلقها نظام سوهارتو كان نشأة مناطق لسكن الفقراء و المهمشين إتصفت بإرتفاع الكثافة السكانية مع تدنى شديد فى الظروف المعيشية لقاطنيها. هذه المناطق إنتشر العديد منها حول جاكارتا وفى قلبها فى أحزمة حول قلب المدينة التجارى و حول الأحياء السكنية المغلقة على الأثرياء. و رغم أن جاكارتا معظم الوقت كانت تبدو مدينة هادئة يسودها الأمن إلا أن شعورا عاما لدى الطبقات الأفضل حالا بعدم الأمان كان يثبره وجود ال”كامبونج” أو العشوائيات فى الجوار. واحدة من هذه العشوائيات كانت تقع عبر شريط السكك الحديدية فى مواجهة موقع الأحداث فى ليلة إقتحام مقر الحزب الديموقراطى و منها خرج رد فعل كان الأول من نوعه. فحتى هذه اللحظة كان الإصلاح السياسى و صراع القوى المعارضة لنظام سوهارتو ضد جيشه و أجهزته الأمنية هو شأن تهتم به فقط قطاعات من السياسيين و المثقفين و طلبة الجامعات و لم يجتذب يوما إهتمام رجل الشارع العادى و خاصة من ينتمى إلى الطبقات الأكثر فقرا. لذا فقد كان خروج المئات من حى مارتمان الفقير فور وصول أنباء الأحداث إليهم أمرا مثيرا للدهشة و سابقة تستحق الإهتمام.

واجه هؤلاء قوات حفظ الأمن التى سدت الشوارع المؤدية إلى موقع الأحداث و إشتبكوا معها مستخدمين الحجارة و زجاجات المولوتوف فيما إرتبكت هذه القوات و ردت بقنابل الغاز المسيل للدموع. إستمرت المعارك طيلة النهار و تحولت إلى أعمال شغب و سلب و نهب طالت المحال التجارية و البنوك و المبانى الإدارية القريبة و أحدثت خسائر كبيرة قبل أن تتمكن قوات الجيش من إحتوائها و لكن ليس قبل أن تنقل شاشات التليفزيون مشاهد محرجة لقوات الأمن و هى تفر فى مواجهة جماعات من المدنيين يمطرونها بالحجارة.

فى مجملها كانت أحداث عام 1996 مجرد إشارات إلى ما يختمر تحت السطح الهادئ أو ربما الراكد للسياسة فى إندونيسيا. و لكنها بالنسبة للمراقبين حينها بدت منعزلة عن أى سياق عام. فهى لم تؤدى إلى تطور واضح لسلوك القوى المعارضة للنظام. فى الحقيقة بدت هذه القوى أضعف من أى وقت مضى. الحزب الديموقراطى عاد ليلعب دورا المعارضة الشكلية المقرر له من قبل النظام فيما إختفت ميجاواتى أو كادت. إلى جانب هذا الحزب العلمانى الوحيد فى البرلمان كان موقع المعارضة الشكلية الإضافى محجوزا لحزب واحد يمثل القوى الإسلامية. و هو حزب مختلق أجبرت الحركات الإسلامية على تكوينه تحت إشراف النظام ليمتص أصوات المعارضين ذوى الميول الإسلامية وفق أسلوب سوهارتو فى إدارة شؤون المعارضة كجزء من النظام و ليس كخروج عليه!

الحركات الإسلامية

على الأرض كانت الحركات الإسلامية لاعبا ذو قيمة كبيرة من الناحية العددية على الأقل. كانت الحركتان الأكثر أهمية و هما نهضة العلماء بقيادة عبدالرحمن وحيد و المحمدية بقيادة “أمين رئيس” يضمان حوالى 70 مليون عضوا. و لكن الخلافات بين الحركتين كانت عميقة إلى حد جعل الصراع بينهما أقرب تصورا من التوافق أو التحالف. فحركة نهضة العلماء كانت تمثل الإسلام الإندونيسى التقليدى المختلط بشدة بكافة ألوان الثقافة الإندونيسية الثرية بتنوع أديانها و معتقداتها المحلية. فى حين مثلت حركة المحمدية نزوع الطبقات المتوسطة فى إندونيسيا إلى نمط من التدين أكثر إلتزاما بالإسلام النقى الخالى من أى مؤثرات ثقافية محلية. إختلفت الحركتان أيضا فى تصوراتهما لدور الدين فى السياسة فبينما تبنت نهضة العلماء إتجاها لأن يكون الدين عاملا ملهما للعمل السياسى يبث فيه مبادئ أخلاقية عامة فإن المحمدية إختارت نهجا يشبه الإسلام السياسى الذى إزدهر فى الشرق الأوسط و مناطق أخرى حول العالم.

شهدت إندونيسيا فترات من القمع المنظم لحركات الإسلام السياسى. و لكن هذا القمع أثبت فشلا كبيرا فى القضاء على الإسلام السياسى بل ربما أسهم فى إتساع دائرة إنتشاره و هو ما حدا بسوهارتو فى بداية التسعينات إلى إنتهاج سياسة جديدة إستهدفت إحتواء الإسلاميين بدلا من محاولة القضاء عليهم و كانت أبرز إجراءاته بهذا الخصوص إنشاء ما سمى برابطة المفكرين الإسلامين أو ما عرف إختصارا ب”إتشمى”. و إختار سوهارتو لرئاسة هذه الرابطة بى جيه حبيبى وزير التكنولوجيا و البحث العلمى فى ذلك الوقت. كان الإختيار غريبا فحبيبى لم يعرف عنه مسبقا الإهتمام بالشؤون الإسلامية و لكنه فى المقابل كان من هؤلاء الذين يدينون فى صعودهم سلم الحياة السياسية إلى رضا سوهارتو عنهم دون أى عامل آخر. إختيار حبيبى المغمور حينها لهذا الدور كان بداية صعوده الذى أعده للعب دور هام فى الفترة التالية إلى جانب الأسماء الرئيسية للحركة الإسلامية فى إندونيسيا التى كانت الأعوام التالية تحمل لها دورا لم يكن ليتوقعه أى من المراقبين فى منتصف التسعينات.

قصور من رمال

كانت الصورة النمطية للشمس تشرق خلف أفق مزدحم بأوناش البناء الضخمة المنهمكة فى إضافة المزيد من الأبراج الشاهقة إلى مدن تنمو فى سنوات أكثر مما نمت خلال قرون سابقة، هذه الصورة كانت علامة مميزة لإزدهار إقتصاديات النمور الجدد فى جنوب شرق آسيا مع منتصف تسعينات القرن الماضى. ما خلف الصورة و على وجه التحديد الأساس الذى إرتفعت فوقه هذه الأبراج الضخمة كان فى المقابل يمثل حقيقة الواقع الذى أغفلته عيون المراقبين أو أعمتهم عنه مطامع الأرباح الخيالية.

فى غالب المشروعات العقارية الضخمة فى جاكارتا و غيرها من مدن إندونيسيا الرئيسية كان صاحب المشروع هو أحد أفراد نخبة مالية تتألف من أبناء عائلة سوهارتوا أو رجال أعمال ذوو نفوذ نتيجة إرتباطهم بالشراكة مع أبناء العائلة أو كبار قادة الجيش أو كبار موظفى الدولة. حيث يحصل هؤلاء على مساحات واسعة من الأراضى المملوكة للدولة مقابل جزء فقط من سعرها الحقيقى من خلال رشوة المسؤولين المحليين ثم يستخدمون قوات الأمن و الجيش لإخلائها من شاغليها السابقين بالقوة. وقبل البدء فى البناء يحصل صاحب المشروع على قروض ضخمة بضمان الأرض التى يعاد تقييمها بأضعاف قيمتها الحقيقية ثم يستهلك هذه القروض فى نفقات بناء مبالغ فيها تذهب لشركات توريد و مقاولات هو نفسه شريك فيها. بعد هذا لا يكون مهما إن كان بالإمكان تسويق المشروع لإسترداد ما أنفق عليه لأن صاحب المشروع قد حصل بالفعل على ما يبتغيه من أرباح.

هذا النمط من العمل الإستثمارى هو أحد صور الإقتصاد الريعى. إقتصاد يقوم على الإستثمار فى النفوذ و الفساد و ينتج عنه فقاعات ضخمة من الأصول و الأسهم المبالغ فى قيمتها فى حين لا تمثل إلا قنوات كبيرة لإستيعاب أموال قروض الغالبية العظمى من قيمتها هى فى الواقع معدومة. عند قمة هذا الهرم الورقى تحلق عملة يحفظ قيمتها فقط تعهد الدولة بضمان قيمتها بإحتياطات بنكها المركزى من العملة الأجنبية و هذا إعتمادا على قوة الإقتصاد!

يكفى لمثل هذه القصور المبنية من الرمال على حافة البحر أن تضربها موجة متوسطة القوة بشكل مفاجئ و عندها ينكشف أساسها الرخو و تنهار بأسرع مما إرتفعت. هذا ما بدأ فعليا فى الحدوث فى منتصف عام 1996. بدأت الموجة بضرب تايلاند و إستغرق الأمر عاما من المقاومة قبل أن تنهار عملتها. و فى اللحظة نفسها تقريبا إنهارت عملتى الفليبين و ماليزيا ثم تبعتهم إندونيسيا بعد مقاومة طالت فقط نتيجة لعناد سوهارتو و حكومته و هو العناد الذى جعل إنهيار الإقتصاد الإندونيسى أكثر تدميرا و نتائجه أكثر فداحة.

إنقضت المؤسسات المالية العالمية على العملاق الأسيوى الذى بدا و كأنه قد فقد صوابه و قرر الإنتحار مهددا بأن يحدث فى سقوطه أكبر قدر ممكن من التدمير للإقتصاد العالمى برمته. تقدم صندوق النقد الدولى ببرنامج علاج مكثف و مذل لنظام سوهارتو. و من وراء الكواليس كانت الإتصالات الهاتفية تتوالى  من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية و رئيس وزراء اليابان إلخ للضغط على سوهارتو العجوز حتى يتخلى عن عناده و يقبل شروط الصندوق لإنقاذ إقتصاد بلاده المتهاوى.

مشكلة سوهارتو الحقيقية فى برنامج الصندوق كانت فى أن قسما كبيرا منه كان يحتم تجريد كثير من أفراد عائلته و محاسيبهم من الإحتكارات التى كانت تحت أيديهم و إسترداد قسم من الأصول المملوكة لهم لسداد بعض الديون. كانت مثل هذه الإجراءات تهدد الأساس الإقتصادى لنفوذ سوهارتو و عائلته كما أنها فضحت علنا هشاشة المعجزة الإقتصادية التى كان يبنى عليها شرعيته السياسية. مع ذلك لم يكن ثمة بد من الإذعان و فى مشهد تاريخى جلس سوهارتو لتوقيع الإتفاق مع مسؤولى صندوق النقد الدولى بنفسه فيما وقف مديره من خلفه مقطبا كمعلم يراقب تلميذه الفاشل بينما ينفذ العقوبة التى فرضها عليه.

إذعان سوهارتو لإملاءات الصندوق المذلة له شخصيا كان ضربة قاسية لصورته كقائد قوى لإندونيسيا المستقلة. صورة ورثها عن سلفه الذى أزاحه عن منصبه منذ أكثر من ثلاثة عقود و كان لها أهمية كبيرة فى خيال الشعب الإندونيسى الذى كان إعتزازه بقوميته الجامعة أحد العناصر القليلة التى توحده. أهم من ذلك بالنسبة لسوهارتو فى هذه الفترة العصيبة التى كان نظامه السياسى يواجه فيها أكبر أزمة مر بها أن الإجراءات التى أصر الصندوق على تنفيذها كانت تهدد موارد مالية هامة إحتاجتها ماكينته السياسية خاصة مع قرب إنعقاد الجمعية التأسيسية لإندونيسيا و هى المؤسسة التى تجتمع كل خمس سنوات لتجديد إنتخاب الرئيس لمدة رئاسة جديدة مع نائب له. لهذه الأسباب و غيرها كان إلتزام سوهارتو و حكومته ببنود الإتفاق المبرم مع الصندوق أمرا شكليا منذ البداية و سرعان ما خرق وزراؤه و حاكم البنك المركزى لإندونيسيا الإجراءات المتفق عليها بموافقة من الرئيس و فى أحيان كثيرة بأوامر مباشرة منه.

و فى الوقت الذى بدأت المدن الإندونيسية تشهد أحداث عنف و شغب إحتجاجا على الإرتفاع الحاد لأسعار السلع الأساسية و الغذاء بصفة خاصة كان البنك المركزى يضخ مئات الملايين من الدولارات من إحتياطى يتضاءل بسرعة فى عمليات تمويل مشبوهة لرجال أعمال مقربين من الرئيس و حزبه الحاكم. كانت هذه الأموال كالعادة تمر فى قنوات خفية إلى أيدى مسؤولى الحزب لإستخدامها فى عمليات حشد الدعم السياسى المطلوبة لإجتماع الجمعية التأسيسية فى مارس من عام 1998. و لكن هذه المرة لم يكن بالإمكان الحفاظ على سرية نزح مثل هذا القدر من الأموال من خزانة البنك المركزى. و لم تكن تلك هى الفضيحة الوحيدة التى أحاطت بالتعاملات المالية لحكومة سوهارتو فى مطلع العام. فقد تم الكشف عن إستخدام ما يقرب من مليار دولار لإقالة عثرات مجموعة من البنوك المملوكة لمقربين من العائلة الرئاسية دون أمل فى إعادة ردها. هذه الفضائح إضافة إلى آثار الإنهيار الإقتصادى على غالبية الشعب كانت وقودا لأكبر موجة من الإحتجاجات الطلابية شهدتها إندونيسيا منذ عقود طويلة.

بداية الاحتجاجات  ، ودائما ،، الطلبة

إحتجاجات الطلبة كانت إلى حد كبير هى المظهر الأساسى للنشاط المعارض لنظام سوهارتو فى وقت تضاءل فيه تأثير القوى و القيادات السياسية المعارضة. فميجاواتى إختفت تقريبا من الساحة منذ تم إزاحتها عن قيادة الحزب الديموقراطى و عبد الرحمن وحيد كان قد إتخذ موقفا داعما للجزب الحاكم فى إنتخابات عام 1997 البرلمانية. وحده أمين رئيس بدأ يلمح فى ظروف الأزمة الإقتصادية الحادة و تململ ثم إنفجار الغضب الطلابى فرصة سانحة و لذا بدأ يعلن عن معارضته لسياسات الديكتاتور العجوز صراحة منذ بدايات 1997 و تم على إثر ذلك طرده من منظمة رابطة المفكرين الإسلاميين (إتشمى) فى منتصف العام. و فى نهابة العام ذاته أعلن أمين نيته الترشح فى مواجهة سوهارتو لمنصب رئيس الجمهورية!

مع نهاية شهر يناير من العام الجديد أعلن سوهارتو عن اسم نائبه الجديد الذى سيخوض معه الإستفتاء الصورى فى الجمعية التأسيسية. كان الإسم مفاجأة للجميع فقد تخطى الرئيس كافة الأسماء التى كانت تدور حولها التكهنات من كبار رؤوس بيروقراطيته المدنية و مؤسسته العسكرية و إختار بدلا من ذلك بى جيه حبيبى وزير البحث العلمى طوال عقدين و رئيس إتشمى. كان الإختيار الذى بدا غريبا سببا فى أن يربط البعض بينه و بين إنخفاض حاد جديد للروبية الإندونيسية بعد ثلاثة أيام فقط من إعلانه. كانت الروبية الآن قد تضاءلت قيمتها إلى أقل من خمس ما كانت عليه عند بدء الأزمة. و فى مواجهة ذلك إلتجأ سوهارتو إلى خطة جديدة لإدارة سعر الصرف هى أقرب إلى الشعوذة المالية فى مواجهة رفض غاضب من قبل المؤسسات المالية العالمية التى بدأت تنظر إلى الديكتاتور على أنه عجوز مخرف يعبث بإقتصاد بلاده و من خلال ذلك يسبب أضرارا فادحة للإقتصاد العالمى.

كان تصاعد إحتجاجات الطلبة فى الجامعات يسبب للديكتاتور العجوز قلقا عميقا خاصة و أنه لم ينس كيف كانت إحتجاجات مماثلة فى الستينات أحد معاول هدم نظام سلفه سوكارنو. و فى مواجهة هذه الإحتجاجات استخدم سوهارتو مخابرات جيشه و قواته الخاصة طوال النصف الثانى من عام 1997 لمحاولة قمعها و تشتيت جهودها و كان من أبرز إجراءات القوات الخاصة التى كان يقودها فى ذلك الحين صهر الرئيس، مجموعة من عمليات الإختطاف لعدد من القيادات الطلابية سيكون لإفتضاحها فيما بعد أثرا هاما فى تطور الإحداث. و لكن فى شهر فبراير من عام 1998 كان سوهارتو يعيد ترتيب القيادة العسكرية للجيش فى محاولة إضافية للتعامل مع الخطر الذى تمثله الإحتجاجات الطلابية مع إقتراب موعد إنعقاد الجمعية التأسيسية. فى تعديله للقيادة العسكرية كان الإجراء الأبرز تعيين ياوره جنرال ويرانتو فى منصب وزير الدفاع و القائد العام للقوات المسلحة و هما منصبان لم يجتمعا لشخص واحد منذ السبعينات! كان من الواضح أن إختيار القائد الجديد الصغير فى السن بالنسبة للمعتاد لهذه المناصب و مع ملاحظة تاريخ تقدمه السريع فى الترقيات، يعتمد أساسا على ولائه الشخصى للرئيس و يشير إلى أنه يتم إعداده لخطط مستقبلية أكثر أهمية قد يكون منها أن يرث مقعد الرئاسة خلفا لراعيه.

فى الفترة القصيرة بين تولى ويرانتو لمنصبه الجديد و بين بدء إنعقاد الجمعية التأسيسية أثبت كفاءته فى أداء مهمته الأولى و هى منع الإحتجاجات الطلابية من أن تسبب إزعاجا لمسار إجتماعاتها. كان الطلبة مصرون على إيصال أصواتهم إلى أعضاء الجمعية على أمل أن تفرض على الرئيس إجراءات جذرية لإصلاح سياسات الدولة و القضاء على الفساد و لكن ويرانتو نجح فى إحاطة الجمعية بسوار محكم من الإحتياطات الأمنية و واجه محاولات الطلبة للتظاهر فى فترة إنعقادها بحزم. فى أثناء ذلك أعادت الجمعية كما هو متوقع إنتخاب سوهارتو رئيسا لفترة جديدة و أضافت إلى ذلك منحه سلطات إستثنائية لمواجهة الظروف الطارئة. و فى مستهل فترة رئاسته الجديدة فاجأ الديكتاتور العجوز الجميع بتشكيل جديد للحكومة أثبت من خلاله أنه لا ينوى الإستجابة إلى مطالب الإصلاح فى أى وقت قريب. إلى جانب أن التشكيل ضم إحدى بنات سوهارتو كأول فرد من العائلة الرئاسية يحصل على منصب وزارى، فإن العديد من الوزارات الهامة تم إسناده إلى أعضاء فى الدائرة القريبة من العائلة و ممن عملوا عن قرب مع أبنائها و أسندت وزارة الصناعة الهامة إلى أحد أبرز رجال الأعمال من المحاسيب الذين بنواثروات ضخمة من خلال الإحتكارات الإقطاعية التى كفلها لهم قربهم من عائلة الرئيس.

التشكيل الجديد للحكومة و تحدى سوهارتو لمطالب صندوق النقد الدولى بالتخلى عن خططه المالية مستحيلة النجاح و إستخدام القمع فى مواجهة الطلبة الذين فقدوا آخر آمالهم فى تغيير يتم من خلال مؤسسات النظام، كل ذلك و غيره كان إشارات واضحة إلى أن الديكتاتور لم يكن من النوع الذى يمكن أن ينحنى للعاصفة التى كانت كل النذر تؤكد أنها تجمع قواها خلف الأفق و أنها سرعان ما تهب لتجتاح البناء الورقى الذى ظل صامدا أطول كثيرا مما كان يفترض به.

الشهور الأولى من عام 1998 كانت بلا شك هى الأكثر إزدحاما بالأحداث فى تاريخ إندونيسيا منذ الإستقلال. محاولة الإحاطة بتفاصيل هذه الأحداث و تحليل ما أحاط بكل منها من ألغاز ظل معظمها حتى وقتنا هذا دون حل هى مهمة تشارك فى محاولة القيام بها آلاف الكتاب و المحللين السياسيين و أعضاء لجان تقصى الحقائق المحلية و الدولية إلخ، و لذا فلا يمكن إدعاء أن هذه الصفحات يمكن أن تلم بها جميعها. ما يجب ملاحظته مع ذلك هو أن أى فهم لتطور الأحداث فى هذه الفترة من السيولة السياسية يعتمد على ملاحظة عدة قوى رئيسية فاعلة فى المشهد السياسى فى إندونيسيا. يأتى فى المقدمة الجيش بإحتكاره الطبيعى لإستخدام العنف المسلح بشكل شرعى و إضافة إلى ذلك كان للجيش تاريخ طويل من التدخل المباشر فى مجريات السياسة ترسخ من خلال تغلغله فى جميع مفاصل الإدارة المدنية للدولة. يمكن القول ان الجيش كان دائما يمتلك قدرة الفعل التى يمنحها له الأمر الواقع فى حين تحد منها قليلا الإعتبارات الشكلية للشرعية. فى المقابل كان البرلمان يملك مشروعية الفعل بينما يفتقد معظم الوقت أى قوة فعلية تجعله قادرا على فرض شيئ على أرض الواقع. كان البرلمان خاضعا بالكلية لمشيئة الزعيم. و لم يكن لشيئ أن يغير هذا إلا أن تصاب قبضة الزعيم بالوهن فيصبح للبرلمان مساحة أوسع للحركة و إستغلال ما يملكه من شرعية.

إضافة إلى الجيش و البرلمان كان هناك النخبة الإقتصادية التى نمت فى سنوات الإزدهار تحت رعاية سوهارتو. كانت هذه النخبة تمتلك قدرة التأثير على المسرح السياسى بشكل غير مباشر سواء بالضغط على القوى الفاعلة من خلال الإقتصاد و أثره فى دعم أو تهديد الإستقرار الإجتماعى، أو من خلال علاقاتها الشخصية و شراكتها العلنية أو السرية لأشخاص نافذين فى هذه القوى. و فى النهاية كان هناك قوى المعارضة التقليدية التى يمتلك بعضها قدرا ضئيلا من الجماهيرية و إن كان يفتقد إلى القدرة الحقيقية على الفعل أو الشرعية التى يمكن التذرع بها للمطالبة بدور فاعل.

العامل الإضافى الذى إقتحم مسرح السياسة بقوة منذ النصف الثانى لعام 1997 فأحدث إزاحة كبيرة لقدرة القوى التقليدية على الفعل كان الحراك الطلابى. كان الطلبة قوة كبيرة على الأرض لا ينقصها إلا وحدة الهدف و القدرة على تنسيق حركتها. فى نهاية عام 1997 كان واضحا إن الحركة الطلابية تكتسب بالتدريج هذه الخواص. أصبح للطلبة هدف واحد أعلنوا عنه و أصبح بإمكانهم تنسيق عملهم المشترك إلى حد التمكن من القيام بتظاهرات يخطط لها مسبقا فتخرج من جميع الجامعات فى وقت واحد فى جميع أنحاء البلاد المترامية الأطراف. و مع الوقت إكتسبت هذه الحركة تعاطفا جماهيريا كبيرا مع الشعور الواضح للناس بأن نظام سوهارتو قد إستنفذ شرعية إستمراره مع إنهيار أكذوبة الرخاء الإقتصادى التى كانت الأساس الحقيقى لهذا النظام.

طوال شهور كانت مسيرات الطلبة تهز أرجاء مدن إندونيسيا وعاصمتها و فى كثير من الأحيان رافق هذه المسيرات إشتباكات عنيفة مع قوات الأمن و الجيش و رافقها أيضا إعتقال و إختفاء كثير من القيادات الطلابية. كان الجيش هو القوة الأكثر إشتباكا مع الحركة و من ثم الأقدر على قياس مدى قوتها. و لذا فيمكن التكهن بأن سلوك الجيش و قياداته فى الفترة التالية كان العامل الرئيسى المؤثر عليها هو تقديرهم لإمكانيات الحركة الشعبية التى يقودها الطلبة و تقديرهم فى الوقت نفسه لإمكانية مواجهتها و قمعها أو إحتوائها.

ظهرت البوادر الأولى لتغير فى رد فعل الجيش تجاه حركة الطلبة بشكل غير مباشر من خلال سلوكيات تبدو ظاهريا و كأنها إستمرار لأداء دوره الطبيعى فى قمع كل معارضة للنظام لكن الطريقة التى أدى بها الجيش مهامه كان لابد من أن تثير الشكوك. أحد السلوكيات المثيرة للشك كان إطلاق سراح بعض المختطفين من القيادات الطلابية فى منتصف إبريل 1998. كان من أصدر الأمر بإطلاق سراح هؤلاء يعلم بلا شك بأنهم سيفضحون الكثير مما تعرضوا له فى محبسهم و أنهم سيثبتون العلاقة المشكوك فيها بين إختفائهم و بين مؤسسات النظام. و رغم أن التهديد التقليدى لهم بألا يتفوهوا بشيئ عما حدث قد تم توجيهه كما هو متوقع إلا أنه مع نهاية إبريل كان الأمر قد أفتضح محليا و عالميا إلى حد إضطر قائد القوات الخاصة إلى الإعتراف صراحة بمسؤولية جهازه عن عمليات الإختطاف!

فى الوقت نفسه بدأت أيضا إشارات واضحة لتغير فى موقف الجيش من خلال تصريحات لقادته أعربوا فيها عن تعاطفهم مع مطالب الحركة الشعبية و إعتقادهم أنها مطالب مشروعة ينبغى الإستجابة لها. و ذهب بعض هؤلاء القادة بتكليف من ويرانتو وزير الدفاع نفسه إلى حد عقد لقاءات مفتوحة مع ممثلى الطلبة نقلت بعضها وسائل الإعلام و فى حين إلتزم القادة بإجابات دبلوماسية تتمسك بإصرارهم على إستقرار البلاد و حماية الشرعية الدستورية إلخ إلا أن صوت الطلبة و تساؤلاتهم الصريحة كان يجد سبيله إلى أسماع ملايين المتابعين من خلال هذه اللقاءات.

مع ظهور بوادر لإتجاه الجيش إلى عدم الدخول فى مواجهة مفتوحة مع الحركة الطلابية كان على بقية القوى التقليدية أن تعيد مراجعة مواقفها و لكن الغريب أن معظمها كان مترددا فى إعلان موقف جديد بناءا على مؤشرات كانت لا تزال فى إعتقادهم غير واضحة بالقدر الكافى. أكثر المواقف تخييبا لآمال الطلبة كان موقف ميجاواتى التى إما تجاهلت حركتهم أو حتى طالبتهم بإلتزام الهدوء. قيادات الحركة الإسلامية بشقيها المتنافرين (الإسلام التقليدى ممثلا فى نهضة العلماء و الإسلام السياسى ممثلا فى المحمدية) كانت عيون قياداته مشغولة أكثر بما قد يحققه الطرف الآخر من مكاسب فى حال حدوث تغيير جذرى مفاجئ فى سياسات الحكم. وحده أمين رئيس إلتقط مؤشرات تغير موقف قيادات الجيش و سعى للتوثق منها من خلال لقاءات مباشرة ببعض هذه القيادات ثم إستثمر الوضع ليكون وجها بارزا للحركة الشعبية النامية.

بدأ شهر مايو 1998 بحدث جديد هو إمتداد لسلسلة قرارات سوهارتو الكارثية فى هذه المرحلة الحرجة. فقد فاجأ الديكتاتور شعبه بقرار رفع سعر المنتجات البترولية التى كانت طوال عقود خاضعة لتسعيرة تفرضها الدولة و تعوض الفرق بينها و بين السعر العالمى بدعم ضخم يكلف خزانتها الكثير سنويا. كان الإجراء فى ذاته متوقعا و لكن المفاجئ كان هو نسبة الزيادة. فبينما توقع الخبراء زيادة فى حدود 5-10% أعلن سوهارتو فى صباح 4 مايو عن زيادة قدرها 71% يبدأ تطبيقها فى اليوم التالى! أكثر من ذلك أعلن أيضا عن زيادة قدرها 67% فى أسعار تذاكر المواصلات العامة التى يعتمد علي إستخدامها الغالبية العظمى من السكان! لم يكن ثمة شك الآن فى أن الرجل منفصل عن الواقع و ذهب البعض إلى حد الشك فى أن وعكة صحية ألمت به فى نهاية العام الماضى ربما أثرت على قواه العقلية!

فى اليوم التالى لإعلان سوهارتو عن الزيادة الكبيرة فى أسعار المنتجات البترولية قرر رئيس البرلمان مدعوما برؤساء الهيئات البرلمانية الأربعة أن يعبر لأول مرة عن توجه مستقل عن الخط المعلن لنظام الرئيس سوهارتو، فأعلن أن البرلمان ينوى البدأ فى تشريع مجموعة من الإصلاحات التى تستجيب لمطالب الحركة الطلابية. لا يمكن القول بأن توقيت الإعلان كان صدفة. أغلب الظن أن الخطوة ذاتها كانت موضع نقاش طويل فى دهاليز البرلمان و غرفه المغلقة و لكن إجراء سوهارتو الذى بدا دليلا على إختياره سبيلا سيؤدى حتما إلى دفع الحركة المعارضة له كان إشارة حاسمة فهمها قادة البرلمان على أنها تمنحهم الفرصة الأخيرة للتعبير عن إنحياز يحفظه لهم التاريخ و من ثم يحافظ أيضا على فرص وجودهم على مسرح السياسة المضطرب فى الأيام القادمة.

موقف الجيش من إعلان رئيس البرلمان كان يمكن معرفته من ممثل الجيش داخل البرلمان ذاته. و مع أن هذا كان يمكن إستنتاجه ضمنا لأنه لم يكن من المتوقع أن يقدم رئيس البرلمان على خطوة لا يدعمها قائد كتلة برلمانية هامة تمثل القوة الأهم فى الواقع الإندونيسى إلا أن الجنرال “سياروان حامد” قائد الكتلة البرلمانية للجيش فى البرلمان خرج فى مؤتمر صحفى بعد ثلاثة أيام مؤكدا أن ثمة إجماعا واسعا بين أفراد الحكومة و المشرعين و الجمهور على ضرورة إتخاذ إجراءات إصلاحية عاجلة تحقق المطالب المشروعة التى يرفعها الطلبة.

سوهارتو في القاهرة

فى خضم هذه التحولات السياسية كلها إختار سوهارتو مغادرة البلاد لحضور مؤتمر فى القاهرة! و قبل سفره فى صباح يوم 9 مايو عقد الديكتاتور العجوز مؤتمرا صحفيا فى المطار و هو إجراء نادر الحدوث و مع ذلك لم يخرج ما قاله عن إشارات عامة و مبهة و معتادة عن إنحيازه لفقراء إندونيسيا كونه كان أحدهم فى مقتبل حياته ثم تأكيده على أن أى محاولة للخروج على القانون ستواجهها القوات المسلحة بحزم شديد.

بعد ساعات من مغادرة سوهارتو سقط أول ضحايا الإشتباكات بين الأمن و المتظاهرين فى المسيرات التى لم تنقطع يوما طوال شهور. قتل أحد ضباط الشرطة فيما قتل أحد المارة غير المشاركين فى أحد المسيرات بعدما تم ضربه بقسوة من قبل رجال الشرطة. و فى يوم 12 مايو تعرضت إحدى مسيرات الطلبة لأول مرة لإطلاق نيران أودى بحياة 4 من الطلبة طالتهم رصاصات قناصة داخل الحرم الجامعى ذاته! كانت هذه الحادثة نقطة تحول شديدة الأهمية. و فى الوقت نفسه كانت تفاصيلها واحدة من ألغاز ستبدأ فى التكاثر مع الوقت دونما إجابة حاسمة لأى منها. فى النهاية لم يثبت تورط قوات مكافحى الشغب المشاركة فى الإشتباكات فى إطلاق النيران فى حين حامت الشكوك حول القوات الخاصة التابعة للجيش! مرة أخرى تورطت هذه الفرقة من الجيش فى عمل يدفع المواجهة بين الطلبة و بين النظام بشكل مفضوح إلى الحد الذى يبدو معه أن الأمر كان متعمدا. أحد ما فى الجيش كان يرغب للمواجهة أن تتطور و ربما بالشكل الذى يجعل للجيش اليد العليا فى إدارة هذا التطور.

فى ذات الوقت كان سوهارتو يضيف جديدا إلى تصريحاته التى ستثبت أثرا كارثيا بالنسبة له ففى مؤتمر صحفى عقده فى القاهرة بعدما ووجه بمظاهرات للطلبة الإندونيسيين الموفدين هناك قال إنه إذا كان الشعب الإندونيسى يرى أنه لم يعد الشخص المناسب لقيادته فى المرحلة القادمة فهو لا يرى مانعا فى أن يتقاعد ليصبح زعيما روحيا لشعبه و ليس قائدا سياسيا! التصريح المفاجئ وجد سبيله بسرعة إلى صحف إندونيسيا المستقلة ليحدث أثرا إنقلابيا فى الشارع فيما سارعت مصادر الحكومة إلى نفى التصريح و إتهام من نشره بالتلفيق.

طوال يومى 12 و 13 مايو شهدت مدن إقليمية عدة أحداث شغب شملت أعمال سلب و نهب و تدمير لمنشآت تجارية و تعدى على منازل و ممتلكات الأقليات الإثنية و بصفة خاصة ذوى الأصول الصينية. كان يفترض بهذا أن يكون جرس إنذار لسكان العاصمة و ربما كان لأحداث إطلاق النار فى مسيرة 12 مايو أن تنبه أيضا إلى إحتمال صدور رد فعل مماثل. الغريب أن رد الفعل قد تأخر إلى حد أنه كان من الصعب تصديق كونه رد فعل على الإطلاق. ففى صباح 14 مايو بدأت ألسنة دخان كثيف ترتفع فى وقت واحد من أنحاء متفرقة فى العاصمة. إندلعت أحداث عنف و شغب عنيفة فى كل أنحاء العاصمة فجاة. و كما حدث فى المدن الإقليمية شمل الشغب أحداث سلب و نهب و لكن التدمير و الإحراق المتعمد كان أكثر و أوسع إنتشارا. مهاجمة الأقلية الصينية كانت ملمحا بارزا فى هذه الأحداث و إضافة إليها كانت حوادث الإغتصاب شبه الممنهج ملمحا بارزا آخر. فى المجمل لم يبد ما حدث إنتفاضة شعبية غاضبة تجاه سقوط الضحايا فى يوم 12 مايو و إنما بدا و كأنه إنفلات للعنف من عقاله بصورة منظمة و فى توقيت حدد سلفا.

مرة أخرى لم يكن ثمة سبيل لتجنب الإشارة بأصبع الإتهام إلى الجيش. كان الحفاظ على أمن العاصمة مهمة قوات الجيش و حاميته المرابطة فيها. و كان لدى الجيش القدرة الكافية على إحتواء الأحداث فى بدايتها. و لكن هذه القوات لم تتدخل إلا بعدما أحدث الشغب أكبر قدر ممكن من التدمير. لم يكن السؤال هو لماذا تأخر الجيش فى التدخل بل كان السؤال هو لماذا سمح الجيش للشغب أن يحدث فى الأساس؟

عندما وضع حد لأحداث العنف أخيرا كانت قد تسببت فى مقتل 1217 شخص و تدمير 6000 مبنى كليا أو جزئيا و قدرت قيمة الخسائر المادية بما لا يقل عن 500 مليون دولار و إن كان هذا التقدير يعتبر محافظا للغاية. شهدت مدن بخلاف جاكارتا خسائر مماثلة أو ربما أكبر إذا قيست كنسبة إلى حجم المدينة التى وقعت فيها. كانت التدمير الذى خلفته الأحداث كصورة ظاهرة للعيان أبلغ أثرا مما قد تصوره الإحصائيات. و هو ما أتيح للرئيس الذى قطع زيارته للقاهرة و عاد إلى عاصمته أن يراه بعينيه بينما كانت سيارته تقله من المطار إلى قصره الرئاسى و مع ذلك فلم يبد الرجل أى علامة على أن عزمه على الإستمرار فى حكم بلاده قد بدأ يلين. حتى و قد أصبح ولاء جيشه أمرا مشكوكا فيه و حتى مع أن دعم حزبه و البرلمان الذى يحظى بأغلبية مقاعده بدا واضحا أنه أصبح جزءا من التاريخ. كان لابد إذن من رفع حرارة الضغوط أكثر فأكثر و وحدهم الطلبة كان بمقدورهم ذلك مع قليل من مساعدة الجيش على أى حال.

فى صباح الإثنين 18 مايو تدفق آلاف الطلبة إلى ساحة البرلمان للضغط على قادته حتى يقدموا طلبا رسميا بأن يستقيل سوهارتو من منصبه. تم هذا بموافقة وزير الدفاع الذى أمر بأن تنقل عربات تابعة للجيش الطلبة من الحرم الجامعى إلى البرلمان! و إن رفض أغلبهم استخدام هذه العربات و فضلوا الوصول إلى البرلمان بطرقهم الخاصة. فى النهاية كانت هذه أضخم مظاهرة نظمها الطلبة الذين ملأوا ساحة البرلمان و إعتلوا أسطح مبانيه و حتى قبابه التى كانت أحد العلامات المميزة لأفق العاصمة. و فى داخل أحد هذه المبانى إجتمع رئيس البرلمان برؤساء الهيئات البرلمانية الأربعة (أحدها كان الهيئة البرلمانية الممثلة للجيش). و خرجوا فى النهاية ببيان يطالب سوهارتو بالإستقالة.

كان ما توقعه رئيس البرلمان أن يؤازر الجيش بشكل واضح هذه الخطوة و لكن ما حدث هو أن وزير الدفاع ويرانتو خرج فى مؤتمر صحفى محاطا بقادة أفرع الجيش و غيرهم من كبار القادة ليعلن أن بيان قيادات البرلمان لا يعبر فى الواقع إلا عن آرائهم الشخصية حيث أن البرلمان لم يكن منعقدا و لم يقم بالتصويت على البيان. بشكل عام كان ويرانتو و الجيش معه يتحسس طريقه بحذر و يحرص على ألا يندفع لأبعد مما يصل البرلمان.

فى مقابل القوتين التقليديتين الأهم – الجيش و البرلمان – إتجه سوهاتو كملجأ أخير إلى قيادات الحركات الإسلامية فإستدعى بعضهم و حرص على أن يكون عبد الرحمن وحيد بينهم بينما إستبعد أمين رئيس. و غلى خلاف ما تمنى الرئيس وجد شبه إجماع بين من إجتمع بهم على نصحه بالإستقالة و مغادرة منصبه بشكل كريم و دون تهديد البلاد بالدخول فى حالة من الفوضى. وحده كان عبد الرحمن وحيد صامتا و فى تعليقه الوحيد على المناقشة إستنكر الضغط على سوهارتو بهذا الشكل غير اللائق. و فى المساء نفسه أذاع وحيد بيانا طالب فيه الطلبة عن الكف عن تظاهراتهم وقاية للبلاد من السقوط فى فخ الفوضى!

فى اليوم التالى إجتمع البرلمان و صوت فيما يشبه الإجماع على مطالبة الرئيس بالإستقالة. و ذهب رئيسه إلى حد تهديد سوهارتو بأنه فى حال لم يقدم إستقالته فسيستخدم البرلمان حقه فى إستدعاء الجمعية التأسيسية و هى الكيان المخول حق عزل الرئيس. فى نفس الوقت بعث أربعة عشر وزيرا رسالة إلى سوهارتو يعلمونه فيها بأنهم لا يرغبون فى أن يكونوا جزءا من أى وزارة جديدة يشكلها. و كان سوهارتو قد أعلن سابقا نيته إجراء تعديلات وزارية و تشكيل ما أسماه بوزارة إصلاحية. أما المعزى الحقيقى لرسالة الوزراء فكان أنهم يفضلون لو أن سوهارتو قبل المطالبات التى أصبحت الآن تأتى من كل جهة لها صوت فى البلاد تقريبا بأن يتنحى عن منصبه. المثير للإهتمام أن معظم هؤلاء الوزراء كانوا من المقربين أو المحسوبين على نائب الرئيس حبيبى و الذى لم يتردد هو أيضا فى تكرار نصح الرئيس بالإستقالة بالطريقة التى يختارها بدلا من أن يجبر على ما لا يرضاه. و لم ينس حبيبى الإشارة إلى أنه قادر تماما على تحمل مسؤوليات المنصب إن إختار الرئيس أن يعهد إليه به.

كان ما يدور حول سوهارتو الآن أبعد من مجرد مؤامرة تستخدم الضغط الشعبى لتنحيته عن منصبه. كان تنحيه فى الواقع بالنسبة لأطراف نظامه أمر مفروغ منه و بالتالى فهم كانوا منشغلين أكثر فى صراع محموم على تأكيد دور أكبر لكل منهم فى الساحة التى سيعاد ترتيب أوراقها بسقوط الديكتاتور. ربما سوهارتو وحده لم يكن يدرك بعد أن رحيله لم يعد موضع شك! و لذا فقد كانت تعليماته لمساعديه المقربين بأن يستمروا فى بذل الجهد لتشكيل لجنة إصلاحية تعاونه فى إتخاذ إجراءات الإصلاح الذى تطالب به الجماهير. و بينما كان مساعدو سوهارتو يجرون إتصالاتهم مع الأعضاء المتوقعين للجنة كان ويرانتو و قادة الجيش يتدارسون سبل الإنتقال الآمن للسلطة. فى البداية كانوا يأملون فى أن يتاح للجيش أن يتولى إدارة شؤون البلاد بشكل مباشر بان يتخلى سوهاتو عن منصبه و يسلم قيادات الجيش المسؤولية. لكن حجم الزخم الذى إكتسبته حركة الطلبة جعلت هذا الخيار مستبعدا. فنقل السلطة إلى الجيش مباشرة كان يفتقد إلى أى شرعية دستورية و كانت معارضة الطلبة له أمر شبه مؤكد و حيث أن حركة الطلبة هى فى الأساس ما جعل التضحية بسوهارتو ضرورة فلا شيئ يمنع من أن تكون أداة إسقاط من يتسلم مقاليد الحكم بعده دون شرعية كافية. البديل الثانى كان عقد إجتماع طارئ للجمعية التأسيسية. و لكن هذا البديل كان مرفوضا من قبل قيادات الجيش إذ يسلم رئيس البرلمان و هو رئيس الجمعية التأسيسية فى الوقت نفسه سلطات أكبر مما ينبغى على إدارة عملية إنتخاب رئيس جديد و لا شيئ قد يقف فى طريق الرجل الطموح نحو الفوز لنفسه بهذا المنصب إذ سيجد أعضاء الجمعية فى ذلك تعبيرا عن دور أكبر لهم فى إدارة النظام الجديد.

الحل الأخير الذى إستقر عليه قادة الجيش كان أن يسلم سوهارتو السلطة لنائبه الذى سيحكم لفترة إنتقالية قبل أن تتم دعوة الجمعية التأسيسية للإنعقاد و إنتخاب رئيس جديد. بهذه الطريقة يتجنب الجيش أن يكون هو نفسه هدف الطلبة بعد سوهارتو و يحصل على مهلة زمنية لترتيب الأوراق تمهيدا لأن تكون له اليد الطولى فى إختيار الرئيس الجديد. و هكذا و بينما كان مساعدو سوهارتو ينقلون إليه أنباء إعتذار من حاولوا ضمهم إلى لجنته الإصلاحية واحدا تلو الآخر نقل ويرانتو إلى الديكتاتور العجوز توصية قادة الجيش له بأن يتنحى عن منصبه و يسلم القيادة إلى نائبه.

إضافة إلى إخفاق مساعيه فى تكوين اللجنة الإصلاحية و تخلى الجيش عنه بشكل رسمى فوجئ سوهارتو بتصريح لوزيرة خارجية الولايات الأمريكية تدعوه إلى التخلى عن منصبه! لم يعد ثمة سبيل إلى التسويف إذن. فى مساء هذا اليوم الأربعاء 20 مايو إستدعى سوهارتو كبار معاونيه إضافة إلى ويرانتو و أبلغهم أنه قد قرر أخيرا أن يسلم السلطة إلى نائبه. و فى صباح اليوم التالى وجه الديكتاتور خطابه الأخير إلى شعبه بصفته رئيسا للجمهورية. كان الخطاب التاريخى مقتضبا ذكر فيه أنه يستخدم المادة الثامنة للدستور ليعلن إستقالته و نقل سلطاته إلى نائبه الذى يفترض به أن يتم مدة رئاسته الممتدة حتى عام 2003.

تم كل شيئ بسرعة فقد أدى بى جيه حبيبى القسم أمام رئيس المحكمة الدستورية ليصبح بذلك الرئيس الثالث لإندونيسيا. و بينما غادر الرئيس السابق و الرئيس الجديد القاعة وقف ويرانتو القائد العام للقوات المسلحة ليعلن تعهد هذه القوات بالحفاظ على أمن الرؤساء السابقين و كرامتهم بما فى ذلك سوهارتو و عائلته. كان هذا التعهد بلا شك جزءا هاما من الترتيبات التى غادر بموجبها سوهارتو منصبه و لكن السنوات التالية ستثبت أنه سيمثل عبئا على مسار التحول الديموقراطى الذى كان الإندونيسيون ياملون أن الباب قد فتح أخيرا للشروع فيه.

رئيس بالصدفة

يبدو أن بى جيه حبيبى كان مولعا بصك الإختصارات المكونة من الحروف الأولى لعبارة ما. فى زمن عمله فى خدمة سوهارتو صك حبيبى إختصارا هو إس جى إس معناه كان سوهارتو العبقرى الفائق! أما عندما وصل حبيبى نفسه إلى كرسى الرئاسة بشكل مفاجئ فى مايو من عام 1998 فقد صك إختصارا آخر هو “بى بى إيه” و يعنى “رئيس بالصدفة”!

كانت معرفة حبيبى بسوهارتو قديمة ففى يوم من الأيام كان سوهارتو الضابط الشاب جارا لأسرة حبيبى فى المدينة الإقليمية التى كانت مسقط رأس الأخير. فيما بعد كان لسوهارتو الفضل فى أن تمكن حبيبى من إتمام دراسته فى الخارج و بعد عودته شمله بمزيد من الرعاية ليترقى بسرعة فى سلم النفوذ. بخلاف المعرفة القديمة إعتمد حبيبى على قدرته على تلمس ما يثير إعجاب الديكتاتور و ما يسبب رضاه و أضاف إلى ذلك قدرا كبيرا من التملق العلنى المفضوح كما يظهر من عبارته فى تقدير عبقرية سوهارتو المزعومة.

لم يكن بالإمكان إذن تصور أن إنتقال السلطة من سوهارتو إلى ربيبه و صديقه الحميم كان يمثل نهاية للنظام الذى حكم إندونيسيا طوال العقود الثلاثة السابقة. إضافة إلى ذلك لم يكن لحبيبى أى قدر من الشعبية فى الشارع و لم تكن علاقاته بالجيش طيبة على أى حال فقد كانت مشروعاته التى سعى من خلالها لإرضاء الرئيس تجد معارضة دائمة من كبار قادة الجيش. لم يكن مستغربا إذن أن يواجه حبيبى معارضة قوية لرئاسته منذ اللحظة الأولى. الطلبة وصفوا عملية إنتقال السلطة إليه بغير الشرعية و دعا أمين رئيس إلى إنتخابات رئاسية مبكرة لتنصيب رئيس شرعى.

و لكن حبيبى وجه إهتمامه أولا إلى محاولة تأمين ظهره من قبل الجيش. و كان حليفه الوحيد هو صهر الرئيس السابق الذى كان فى هذه اللحظة قائدا للمكتب السياسى للقوات المسلحة و بناءا على نصيحة الأخير حاول حبيبى أن يزيح ويرانتو عن قيادة الجيش ليكتفى بالمنصب الشرفى كوزير للدفاع. كانت هذه المحاولة هى إختبار مبكر و هام للقوة. فإما أن يؤكد حبيبى سلطته كرئيس للبلاد أو يكتفى بعدها بسلطة منقوصة محدودة بقدرة الجيش على معارضة و تعديل قراراته. و ما تمخض عن التجربة كان درسا لحبيبى بأن يعرف تماما حدود سلطته كرئيس بالصدفة وحدها. رفض ويرانتو التخلى عن منصب القائد العام للجيش و إضافة إلى ذلك أصر على تجريد صهر الرئيس حليف حبيبى من منصبه الهام و إبداله عوضا عنه بمنصب قائد الكلية الحربية! كانت هذه بداية سلسلة من الإجراءات التى إتخذت لاحقا لتحويل صهر الرئيس الذى كان نافذا فى عهد حميه إلى كبش فداء خاصة و أنه قبل منصبه الأخير كان أيضا قائدا للقوات الخاصة التى تورطت فى أعمال كثيرة لقمع معارضى سوهارتو.

وزارة جديدة ، من نظام قديم

كانت أولى مهام حبيبى كرئيس هى تشكيل حكومته و كان هذا التشكيل هو الإختبار الأول لنوايا الرئيس الجديد تجاه إحداث تغيير حقيقى فى طبيعة النظام الحاكم. و أتت إختيارات حبيبى لوزرائه مخيبة لآمال دعاة الإصلاح و الديموقراطية المعتدلين الذين كانوا يأملون فى تغيير يتم من خلال المؤسسات الشرعية للدولة و بأقل قدر ممكن من الإضطراب فى المسار العادى للأمور. إختار حبيبى معظم وزرائه من الحزب الحاكم و من المؤسسة العسكرية و أبقى على عدد كبير من الوزراء السابقين فى آخر حكومة لسوهارتو بما فى ذلك الوزراء الأربعة القياديين. إضافة إلى هؤلاء أدخل حبيبى عددا محدودا من أعضاء إتشمى من ممثلى الحركات الإسلامية المنضوون تحت لواء السلطة منذ زمن بعيد.

النتيجة كانت متوقعة، فتعالت الأصوات الداعية إلى إنتخابات حرة عاجلة و خرج بعض هذه الأصوات من داخل حكومة حبيبى ذاتها. و لم يكن أمام الرئيس بديل عن أن يعلن نيته إجراء هذه الإنتخابات و لكن بشكل دستورى تماما. إستعان حبيبى فى تسويق خطته بأطراف مختلفة كان لكل منها تطلعاته التى يخدمها مسار بعينه لتعديل تركيبة السلطة. كان الطرفين الرئيسيين فى اللعبة الآن هما الجيش و تيار الإسلام السياسى و تصادف أن كلاهما كان يفضل إجراء إنتخابات برلمانية أولا. بالنسبة للتيار الإسلامى و على رأسه الآن أمين رئيس كانت الإنتخابات تعد بأغلبية للإسلاميين فى البرلمان الجديد الذى يشكل ثلثى الجمعية التأسيسية التى ستنتخب رئيسا جديدا فيما بعد. بالنسبة للجيش كانت الإنتخابات البرلمانية فرصة لتمديد الوقت بما يتيح لقياداته ترتيب الأوراق. فى نهاية المطاف بقية الجمعية التأسيسية كانت تتشكل بالتعيين و يأتى معظم المعينون من المؤسسة العسكرية أو الموالين لها و بالتالى فإن التلاعب بمجريات التصويت داخل الجمعية هو أمر سهل إذا أحسن الترتيب له. هذه التفاصيل كانت غائبة عن وعى غالبية الإندونيسيين الذين كان كل همهم هو الحصول على موعد محدد للإنتخابات القادمة الأمر الذى أرجأه حبيبى متعللا بضرورة إعداد قانون جديد يحكم الإنتخابات البرلمانية لضمان نزاهتها و هو بالطبع أمر يحتاج إلى وقت غير محدد.

فى الوقت الذى إنتظر فيه الجميع أن يعلن الرئيس عن الجدول الزمنى للإنتخابات خرجت عن حكومته اول تغييرات ملموسة فى إتجاه إرساء قواعد الديموقراطية. فى الواقع هذه كانت الأولى و الأخيرة فى عهد حبيبى الذى لم يكن شديد الحماس لإجراء أى تغييرات حقيقية فى نظام كان بالكاد قادرا على إدراك طبيعته. الإجراءات المعلنة شملت إطلاق حرية تكوين الأحزاب و رفع الإحتكار الذى مورس طويلا لصالح الحزب الحاكم و لم يسمح إلا بوجود حزبين معارضين فقط إلى جانبه. إضافة إلى ذلك أطلقت حرية الصحافة و ألغيت قرارات الحظر عن بعض الصحف المعارضة للنظام. فى خلال أسابيع أعلن عن تأسيس أكثر من مائة حزب جديد فى إندونيسيا و على الرغم من أن الغالبية العظمى منها لم تكن له أى قاعدة شعبية تذكر إلا أن وجودها قد أحدث زخما لأول مرة منذ عقود فى حياة سياسية كان طابعها السائد هو الجمود الكامل.

عندما أذعن حبيبى فى النهاية للضغوط فأعلن عن مقترحاته للجدول الزمنى للإنتخابات كانت مرة أخرى مخيبة للآمال. فقد إقترح الرئيس أن يتم إعداد قانون جديد لمباشرة الحقوق السياسية فى نهاية العام و يرافقه إنعقاد طارئ للجمعية التأسيسية يعلن عن الدعوة لإنتخابات برلمانية جديدة. هذه الإنتخابات إقترح حبيبى أن تجرى فى منتصف العام التالى و يعقبها تشكيل جديد للجمعية التأسيسية يستغرق ما بين أربعة إلى ستة شهور. كان هذا يعنى ألا تقام الإنتخابات الرئاسية التى تجريها الجمعية التأسيسية قبل نهاية عام 1999 أى بعد ثمانية عشر شهرا من تاريخ إعلان الرئيس لجدوله الزمنى.

هذا الجدول الزمنى أثار إعتراضات كثيرين بما فى ذلك هؤلاء الذين وافقوا مبدئيا على خطوطه العامة. الجيش الذى كان يرغب فى مهلة لترتيب الأوراق لم يكن فى المقابل يريد لها أن تطول أكثر من اللازم بحيث تتيح لتوازنات القوى على الأرض أن تتغير فى وقت تميز بالسيولة الزائدة. كان ويرانتو يسعى بوضوح لأن يؤمن لنفسه منصب رئيس الجمهورية و من ثم إتجه إلى القوى التى إستعداها الرئيس الجديد بميله الواضح إلى الإسلام السياسى. هذه القوى كان على رأسها نهضة العلماء الحركة الممثلة للإسلام التقليدى. إستطاع معاونو ويرانتو أن يؤمنوا له تأييد قيادات الجماعة الذين دعوا لمؤتمر لها إنتهى إلى إعلان دعمهم للرجل الذى يرونه القائد المناسب أكثر من غيره لقيادة البلاد، ويرانتو.

فجأة أصبح جدول حبيبى الزمنى أقرب للسراب فالجمعية التأسيسية المقرر لها أن تنعقد فى نهاية العام لتدعو فقط إلى إنتخابات برلمانية جديدة ربما تتخطى ذلك إلى إستخدام صلاحياتها و إنتخاب رئيس جديد. و لم يعد أمام حبيبى الآن سوى الإلتجاء إلى الحزب الحاكم الذى كان لا يزال قوة هائلة على المسرح السياسى بحيازته لغالبية مقاعد البرلمان و الجمعية التأسيسية. كان مؤتمر الحزب التالى هو ساحة الصراع الذى خاضه حبيبى لتأمين جبهة داعمة له فى مواجهة منافسيه. و لكن المعركة لم تكن سهلة فالخصم كان هو الجيش الذى كان ممثلوه فى الحزب إضافة إلى أن قياداته المنتشرون فى أنحاء البلاد كان لهم تأثيرهم الذى لا يمكن مقاومته على ممثلى اللجان الحزبية الإقليمية. فى المجمل لعب حبيبى على فكرة إحراج الجيش بإظهاره و كأنه يمثل إستمرارية نظام سوهارتو. هذه الفكرة أكدها محاولة ممثلى الجيش فى المؤتمر إستخدام منصب سوهارتو كرئيس لهيئة أمناء الحزب. فى النهاية نجح حبيبى فى ضغوطه إلى حد أن ويرانتو تدخل ليأمر قيادات الجيش بتوجيه ممثلى اللجان الإقليمية إلى إنتخاب مرشح حبيبى لرئاسة الحزب فى الفترة التالية.

فى الواقع كانت الحقيقة على عكس ما بدا من خلال ظاهر المعركة فى مؤتمر الحزب الحاكم. فممثلو الجيش فى الحزب كانوا ينتمون فى جملتهم إلى العناصر التقدمية و الإصلاحية فيما كان مؤيدو حبيبى و مرشحه يمثلون الجناح المحافظ من أتباع سوهارتو المخلصين. بدا ذلك واضحا عندما شكل رئيس الحزب الجديد هيئة مكتبه من بين أخلص أعوان الديكتاتور. كان حبيبى فى الواقع حتى اللحظة حريصا على ألا يحدث الكثير من التغيير فى بنية نظام سلفه و أهم من ذلك كان مصرا على حماية سوهارتو و عائلته إلى حد عزل النائب العام الذى أعلن عن جمعه لأدلة و مستندات تدين سوهارتو و أفراد من عائلته بالفساد. بعد ساعات قليلة فقط من أعلانه هذا عزل النائب العام و أستبدل بآخر لم يكن متحمسا لتتبع مثل هذه القضايا.

نتائج مؤتمر الحزب الحاكم ربما تبدو ظاهريا كنصر لحبيبى و لكن الواقع الذى أدركه مرشحه نفسه و الذى أصبح الرئيس الجديد للحزب كان أن الجيش هو القوة الحقيقية وراء الستار و أنه إذا كانت سبل الضغط عليه قد توافرت هذه المرة فليس من المأمون الإعتماد على توافرها فى كل مرة. فى المقابل كانت معركة الجمعية التأسيسية أمرا مختلفا تماما. و سرعان ما أدرك الجيش أو ويرانتو على وجه التحديد أن مصيره السياسى ليس مهددا أقل من مصير حبيبى. كانت الجمعية التأسيسية بالرغم من التأثير الكبير للجيش داخلها و بالرغم من تمكن حبيبى من حشو مقاعدها الفارغة بأنصاره، كانت عرضة لنوع مختلف من التأثير و هو حراك الطلبة على الأرض.

شرع كل من حبيبى و ويرانتو فى العمل على إكتساب شعبية بين أوساط الطلبة. كان ما لدى حبيبى هو الكثير من الوعود بمحاسبة قتلة شهداء أحداث 12 مايو. هذه الوعود لم تجد سبيلها يوما إلى التنفيذ و لكنها فى حينها أحدثت قدرا من التعاطف مع الرئيس. فى المقابل كان ويرانتو يمتلك القدرة على تبرئة اسمه و قيادات جيشه من دماء هؤلاء الشهداء أنفسهم. لتحقيق ذلك إستخدم ويرانتو صهر سوهارتو قائد القوات الخاصة السابق ككبش فداء و الآن أمر بعقد محاكمة عسكرية إنتهت بإدانة الرجل و قواته بإطلاق النار فى يوم 12 مايو.

محاولات الرجلين لكسر عداء العناصر الأكثر رادكالية من الطلبة لم تجد كثيرا. لم يساعدهما كثيرا أنهما قد وقعا فى أخطاء دمرت كثيرا مما أنجزاه. حبيبى من جانبه إستغل أحد المناسبات القومية فأغدق على أقاربه و المحسوبين عليه ميداليات شرفية دون أساس إلا إنتسابهم إلى الرئيس. كانت تلك إشارة واضحة إلى أن الرجل ماض على طريق سلفه فى بناء وضع مميز لعائلته و المقربين منه. ويرانتو فى المقابل جرته مخاوف عدم القدرة على السيطرة على حراك الطلبة إلى الدفع بقانون يقيد حرية التظاهر. القانون الذى لم يكن ليجدى على أية حال كان إقتراحه و الجهد المبذول للضغط حتى تم تمريره فى البرلمان ضارا بصورة ويرانتو و الجيش أكثر كثيرا من توفيره أداة لشرعنة مواجهته لحراك الطلبة.

الطرف الثالث الخفي ،،، الجيش !

ترافق مع هذا الأداء المضطرب خروج بعض من جرائم الجيش و بخاصة فى الأقاليم إلى العلن بعدما كان الحديث عنها من المحظورات طوال عقود. و لم يلفت الإنتباه عن هذه القضايا القديمة إلا ظاهرة جديدة ظهرت فجأة فى شرق جاوا المكتظ بالسكان. إنتشرت فى هذه المنطقة بشكل مفاجئ سلسلة من حوادث الإختطاف و الإغتيال لفئة من السحرة و المشعوذين التقليديين. الحوادث التى نفذت بشكل إحترافى و شملت نطاقا واسعا لم تدع مجالا للشك فى أن وراءها جهة تمتلك قدرا كبيرا من الموارد و القدرة التنظيمية. و مع ربط هذه الظاهرة بوقائع قديمة أسهمت فى تمكن الجيش فى بداية عهد سوهارتو من إحكام سيطرته على الأمور بصفته البديل عن الفوضى لم يكن لدى كثيرين أى شك فى أن الجيش نفسه و لا أحد سواه هو من أدار عمليات القتل هذه لإشعال قدر من الإضطراب تثير ذعر أصحاب المصالح و المواطنين العاديين و تلجئهم إلى تقديم أمنهم على أى إعتبار آخر.

وسيلة أخرى إستخدمها الجيش للتعامل مع مسيرات و مظاهرات الطلبة كانت تجنيده لميليشيات مدنية. الهدف من تلك المليشيات كما هو معتاد للجيش فى إندونيسيا كان أن تتحمل عنه تبعة أداء المهام الملوثة أكثر لصورته كجيش نظامى. كالمعتاد أيضا ضمت المليشيات التى بلغ تعدادها فى جاكارتا حوالى 100 ألف فرد، عناصر من سلاح البلطجية الدائم العمل فى خدمة الجيش و النظام الحاكم. إلى جانب هؤلاء كان هناك خليط من العاطلين و المهمشين لكن العدد الأكبر إنتمى لجماعات إسلامية صغيرة كانت على صلة بإتشمى (رابطة الفكر الإسلامى) التى كان حبيبى رئيسا لها لفترة طويلة. كان عددا من هذه الجماعات يرى فى استمرار حبيبى كرئيس داعما لمشروع الإسلام السياسى الذى كان حبيبى قريبا منه بحكم تداخله معه لفترة.

طوال الأسابيع السابقة لإنعقاد الجمعية التأسيسية استمرت تظاهرات و مسيرات الطلبة بصفة يومية و فى مواجهتها جابت جماعات من المليشيا المدنية شوارع جاكارتا تتعقب تجمعات الطلبة و تدخل فى مواجهات دموية معها. فى حال المواجهة بين مسيرات الطلبة و قوات الأمن كانت الميليشيات تأخذ مكانها فى الصفوف الأولى لقوات الأمن لتكون المبادرة بمهاجمة المسيرة أو صدها. تصاعدت وتيرة التظاهرات مع بدأ الجمعية لأعمالها و إزدادت عنفا مع إتضاح السيطرة شبه الكاملة لحبيبى و الجيش على مجريات الأمور بها. كان مصدر الإزعاج الوحيد فى الجمعية هو طرف غير متوقع و هو الأقلية المنتمية لحزب التنمية المتحد، الحزب الذى مثل طوال عقود المعارضة الإسلامية المتواطئة مع نظام سوهارتو فى مسرح السياسة. بخلاف زعماء الإصلاح البارزين كميجاواتى و وحيد و حتى أمين رئيس كان للحزب القديم مصلحة فى أداء دور أكثر بروزا فى دفع إجراءات إصلاحية من خلال الجمعية التأسيسية. فى النهاية تم تفريغ مقترحات ممثلى الحزب من مضمونها و ما تم تمريره كان إجمالا فى حدود ما سمح به الجيش و حبيبى. شمل ذلك تكليف الحكومة بالتحقيق فى تهم الفساد الموجهة لسوهارتو و عائلته و لكنه لم يشمل مثلا التخلص من دور المؤسسة العسكرية فى الحياة السياسية. هذا الإقتراح على وجه الخصوص تم إختزاله إلى توصية موجهة للبرلمان لمراجعة حجم تمثيل الجيش فى الجمعية التأسيسية.

فى اليوم الأخير لأعمال الجمعية التأسيسية كان الشعور العام فى أروقتها أن الجيش و حبيبى قد نجحا فى توجيه أعمالها لتصب فى الإتجاه الذى إختاراه. كان التصويت على تحجيم تدخل الجيش فى العمل السياسى و الذى إنتهى إلى لا شيئ تقريبا ذروة النصر للجبهة الداعمة للجيش فى الجمعية إلى حد أن ويرانتو تجول بعد التصويت مباشرة بين مقاعد الأعضاء ليتلقى تهانيهم! فى الشوارع كان الأمور تمضى على عكس هذه الأجواء الإحتفالية فقد إندلع إشتباك دموى بين قوات الأمن و بين مسيرة ضخمة للطلبة كانت تحاول شق طريقها نحو مقر إنعقاد الجمعية. الإشتباك تجدد فيه إستخدام الرصاص الحى من قبل قناصة و إستخدام القوات فى المواجهة للرصاص المطاطى من مدى قريب مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا.

الإشتباكات و ضحاياها كانا مصدر إلهاء عن الجمعية و آثارها فى الأيام التالية و لكنهما كانا بالطبع مصدر حرج و إزعاج للجيش. فى المقابل كان إندلاع أحداث عنف طائفى بين الغالبية المسلمة و الأقلية المسيحية فى جاكارتا بشكل مفاجئ و لأسباب واهية ، مصدر إلهاء عن الإشتباكات و ضحاياها. مرة أخرى يبدو إندلاع مثل هذه الأحداث صدفة أكثر من ملائمة لحاجة الجيش إلى تحويل إنتباه الرأى العام عن إحدى جرائمه! و مرة أخرى يتحول مجال المواجهة بين القوى المناضلة من أجل ديموقراطية حقيقية من جانب و بين السلطة و تركيبتها التقليدية من جانب آخر إلى مواجهات داخل الكتلة الشعبية ذاتها. فى مثل هذه المواجهات طائفية أو فئوية إلخ يكون الشعور الطاغى بين الناس هو الخشية من الأسوأ و إنعدام الثقة فى الآخر و من ثم التعلق بالسلطة كمصدر طبيعى لإقرار الأمن و الحماية من الآخر. فى مقابل الحاجة الماسة إلى السلطة القوية القادرة على توفير الحماية و الأمن يصبح من غير المنطقى الدخول فى مواجهة مع هذه السلطة ذاتها. مثل هذه المواجهة لا بديل عن أن يكون أحد أهدافها المرحلية على الأقل هو إضعاف السلطة لإرغامها على قبول مطالب الإصلاح. بالنسبة للشخص العادى فى كل مكان يأتى أمنه على حياته مقدما على مطالبه بأى إصلاح يتوقع من ورائه تحسين ظروف هذه الحياة. لذلك فالخيار سهل و من ثم أن تضع السلطة شعبها أمام هذا الخيار هو دائما سلاحها الأكثر فعالية.

النخبة تأكل و العامة يضرسون

فى الشهور التالية لتنحى سوهارتو كان المشهد السياسى لإندونيسيا يتنازعه التجاذب بين أوجه إستمرارية نظام سوهارتو بدون رأسه و بين آثار غياب الرأس و ما تتيحه السيولة السياسية من فرص تثير فى نفس كل ذى نفوذ الرغبة فى إقتناص أكبر جزء ممكن من كعكة السلطة. لم يكن من الصعب تجنب الصورة و الوقائع المؤكدة لإستمرارية النظام نفسه فى الحكم مستخدما ليس فقط الأساليب و لكن الأشخاص أنفسهم أيضا. الرئيس كان هو الربيب السياسى لسوهارتو و آخر نائب له. البرلمان كان هو ذاته الذى إنتقى سوهارتو أعضائه سواء فى الأغلبية الحاكمة أو حتى المعارضة الصورية. الجيش كان هو ذاته المؤسسة التى أحكمت قبضتها الحديدية على مسار العمل السياسى لصالح سوهارتو ظاهريا و لكنها الآن كانت تفعل الشيئ نفسه لصالح استمرار نفوذها الطاغى. قوى المعارضة كانت كالعهد بها منقسمة و متشرذمة بل ربما أكثر تشرذما من أى وقت مضى مع حوالى 140 حزب يسعى لإكتساب الإعتراف الرسمى ليتمكن من خوض الإنتخابات البرلمانية فى يونيو 1999.

فى المقابل كانت سلوكيات هذه الأطراف التى لم يكن أى منها جديدا على الساحة هى ما يمكن أن يثير بعض الدهشة. قوى الحزب الحاكم القديم و الجيش و الرئيس كانوا أحيانا أكثر ميلا لإبهار غيرهم بإتخاذ مواقف تبدو أكثر إصلاحية أو أكثر حرصا على الديموقراطية. اللجنة التى أخرجت مشروعا لتعديل قوانين الإنتخابات فى نهاية 1998 كانت تحت إشراف وزير داخلية كان هو نفسه المشرف على عملية إخلاء مقر الحزب الديموقراطى من مؤيدى ميجاواتى المعتصمين فيه فى عام 1996. مع ذلك كان المشروع المعد من قبل هذه اللجنة و بدعم كبير من وزير الداخلية تقدميا ربما أكثر حتى مما كان زعماء المعارضة الرئيسيين يأملون. فى الواقع كانت توجهات هؤلاء أقرب إلى ميول الأكثر تشددا من أعضاء الحزب الحاكم فى البرلمان و نجحوا فى النهاية فى إدخال تعديلات محدودة على القوانين لصالح سيطرة أكبر لقادة الأحزاب على العملية الإنتخابية.

لكن فى أعين المواطن الإندونيسى نفسه كانت الصفة الأكثر بروزا لما بعد سوهارتو هى الفوضى! الآن و قد أصبح لكل فصيل على الساحة مصالحه التى تتلاقى حينا و تتناقض أحيانا مع غيره كانت مؤامرات الجميع ضد الجميع تستخدم الشارع لتبادل الضربات تحت الحزام أو لتحويل الأنظار عن هذه الفضيحة أو تلك التى فجرها الخصوم. النزاعات الطائفية بل و حوادث التفجير الإرهابية لم تعد أمر نادر الوقوع فى عاصمة كانت لفترة طويلة تنعم بقدر كبير من الدعة و الهدوء. فى يناير نشرت تفاصيل مكالمة هاتفية بين الرئيس و المدعى العام كشفت ماكان حتى الحين مجرد شكوك شبه مؤكدة. قبل كل شيئ كان من الواضح أن حبيبى يستخدم الإدعاء العام كأداة لتحقيق مآرب سياسية كسلفه. ثانيا إتضح أن العمل على التحقيق فى إتهامات الفساد لسوهارتو لم يكن جادا و أن الرئيس كان يامل أنه مع مرور الوقت سيتضاءل إصرار الرأى العام على دفع هذه القضية فيمكن قتلها بهدوء. أخيرا و ليس آخرا كان المؤكد أن الجيش و ويرانتو على رأسه كان الطرف الأكثر إصرارا على ألا يحاكم الرئيس.

الحقيقة الأخيرة لم تكن غائبة عن بال أحد. ربما كان حبيبى فى الواقع لأنه فى موقع اليائس الأكثر إستعدادا لتحدى الجيش فى أمر سوهارتو. فى المقابل كان زعماء المعارضة مثل ميجاواتى و عبد الرحمن وحيد أكثر وضوحا فى تأييدهم لإتباع سبيل متسامح مع الرئيس المتنحى. وحيد كان فى الواقع يتردد بشكل منتظم على مقر إقامة سوهارتو لزيارته أما ميجاواتى فأعلنت دائما أنها لا ترغب فى أن تعامل سوهارتو بالطريقة المذلة ذاتها التى عامل بها والدها سوكارنو. كانت ميجاواتى ترى أنها الأقرب إلى الفوز بمنصب الرئيس فى أى إنتخابات قادمة. فى الظاهر كانت شعبيتها طاغية و كانت مؤتمراتها الجماهيرية فى الأقاليم تجتذب مئات الآلاف من الأنصار المتحمسين. و لكن هذه الشعبية لم تكن كافية أبدا إذا ووجهت برفض الجيش و أهم من ذلك فإن النجاح فى إدارة إندونيسيا كان مستحيلا دون علاقة ودية مع المؤسسة التى كانت ظل البيروقراطية المدنية. كان إلى جوار كل مسؤول مدنى فى الدولة مسؤول عسكرى يراقب أعماله. أهم من ذلك كان للجيش وجود فى الأقاليم لا يترك قرية بدون أن يكون له فيها من يمثله. فى الواقع أمام هذا الحضور الطاغى فى مفاصل الدولة لم يكن تخلى الجيش عن نصف تمثيله البرلمانى أكثر من خطوة رمزية بلا قيمة و إن كان ويرانتو قد حرص على إبرازها بوصفها دليلا على رغية الجيش فى دفع التطور الديموقراطى للبلاد.

شعبية ميجاواتى لم تمر دون محاولات حثيثة من خصومها من مختلف الأطياف لتقليصها و الإنتقاص منها. كان أسهل الأدوات المتاحة هو الإشارة إلى أن ميجاواتى لم تكن ملتزمة دينيا كما ينبغى و أن لها ميول واضحة نحو الأقليات الدينية غير المسلمة. فى الواقع كانت ميجاواتى تنتهج سياسة شبيهة بسياسة والدها فى التقارب مع الأقليات الدينية من منطلق كون فلسفة حكمه قومية فى الأساس تغلب الرابطة الوطنية عن غيرها. هذه السياسة كانت تثير قلق الإسلاميين بإختلاف أطيافهم أو على الأقل تجعلهم يدركون أن فرصهم للفوز بإمتيازات جديدة هى أقل ما تكون إن لم تنعدم إن كانت ميجاواتى هى الرئيس المقبل. أستخدم خصوم ميجاواتى كل واقعة يمكن تصويرها كتفضيل لغير المسلمين أو تهاون فى الإلتزام الصارم بالدين كفرصة لإثارة الكثير من الضجة الإعلامية. و لم يكن هذا دون أثر. فعلى أقل تقدير تأثر بذلك التحالف الذى بدا قويا فى البداية بينها و بين عبدالرحمن وحيد. بمرور الوقت كان وحيد يجد صعوبة فى تأكيد هذا التحالف تحت ضغط أعضاء حزبه الإسلامى التقليدى و من خلفه جماعة نهضة العلماء.

على خلاف ما توقعه المراقبون نظرا لحال الفوضى السائدة فى البلاد مرت الإنتخابات البرلمانية بهدوء تام! الإقبال الجماهيرى على التصويت كان ضخما و إلتزام الناخبين بالهدوء التام و هم يصطفون فى طوابير طويلة إنتظارا لدورهم للتصويت أخرج صورة ناقضت التوقعات و ناقضت أيضا فوضى صراع النخبة السياسية. أثبت الشعب أنه بالتأكيد أكثر حضارية من نخبته و حكامه و كشف بوضوح أن الفوضى السائدة كانت بلا شك مصطنعة و مدبرة. نتائج الإنتخابات نفسها عكست إلى حد كبير ماكان يمكن توقعه. فاز حزب ميجاواتى بأكثرية بنسبة 34% و تلاه الحزب الحاكم سابقا بنسبة 22%. حصلت الأحزاب الإسلامية المنقسمة على نفسها على نسب 12% لحزب عبدالرحمن وحيد و 11% لحزب التنمية الممثل الوحيد سابقا للإسلاميين بالبرلمان ثم 7% فقط لحزب أمين رئيس.

تمكن حزب سوهارتو من تحقيق نتائج جيدة فى الإنتخابات كان سببه تغلغل الحزب و قياداته التقليدية فى أنحاء البلاد المترامية الأطراف و خاصة فى الجزر الخارجية و الأقاليم. توزيع الدوائر الإنتخابية الذى أشرف عليه البرلمان القائم حرص على تعظيم هذه الميزة بمنح الأقاليم عددا أكبر من المقاعد لا يتناسب مع توزيع السكان. إنعكس ذلك فى أن نسبة الأصوات التى جمعها حزب ميجاواتى مثلا ترجم إلى نسبة أقل من المقاعد فى حين حصل الحزب الحاكم على نسبة مقاعد أعلى من نسبة الأصوات.

المحصلة كانت أن قوى النظام القديم لم يكن بالإمكان تجاهلها فى أى ترتيبات قادمة للسلطة. ليس الجيش فقط و إنما حتى عناصر حزب سوهارتو نفسه. نتيجة لذلك وجدت ميجاواتى نفسها مضطرة إلى إجراء تفاهمات مع رئيس الحزب الذى كان مع الوقت تتباعد مواقفه عن مواقف حبيبى. كان واضحا أن الرهان على حبيبى الآن هو خاسر لا محالة خاصة مع إضافة المزيد من فضائح الفساد المالى لإدارته فى كل يوم. و كان رئيس الحزب يبحث الآن عن حليف يمكن التعويل على مستقبله السياسى.

لم يكن حبيبى يفقد فقط قاعدة تأييده فى داخل حزبه و لكنه كان فى الوقت ذاته يفقد تأييد الجيش. فى سعيه لإيجاد أى عون لضمان مستقبله السياسى إتجه نظر الرئيس نحو الخارج. كانت فكرته هى أن الدعم الخارجى هو الضامن الرئيسى لحصول إندونيسيا على المساعدات المطلوبة للخروج من أزمتها الإقتصادية الخانقة التى تقاقمت منذ تنحى سوهارتو. فى سبيل تأمين هذا الدعم الخارجى فاجأ حبيبى العالم بإعلان إستعداده لإجراء إستفتاء شعبى فى تيمور الشرقية على حق تقرير المصير لشعبها. الإقليم الصغير الذى استولت إندونيسيا عليه بعدما غادره الإستعمار البرتغالى كان قد شهد حربا إنفصالية ضروس. إضافة إلى أن الجيش كان يشعر بأنه قد قدم من التضحيات فى سبيل إبقاء تيمور الشرقية تحت حكم إندونيسيا ما يكفى لجعل فصل الإقليم إهانة مباشرة له، كان هناك أيضا لقادته مصالح إقتصادية كبيرة فى الإقليم على فقر إقتصاده. كان الجيش يسيطر على غالبية إقتصاد تيمور الشرقية و بشكل خاص على حاصلاتها من البن التى أدار الجيش زراعته بالشراكة مع أحد أبناء سوهارتو.

الإستفتاء على الإستقلال فى تيمور الشرقية كانت له نتائج كارثية بالنسبة لحبيبى و للجيش معا فى الخارج و الداخل بدرجات متفاوتة. شكل ويرانتو قيادة إقليمية جديدة لتنفيذ برنامج لم يتضح لأحد حتى اليوم الأهداف الحقيقية من ورائه. إعتمد هذا البرنامج على توسعة الميليشيات المدنية التى يديرها الجيش فى الإقليم ثم إطلاقها لإحداث أكبر قدر ممكن من الفوضى فيه. إستهدفت الميليشيات القادة اٌقليميين الداعين للإستقلال و عائلاتهم ثم إستهدفت أيضا موظفى بعثة الأمم المتحدة المشرفة على الإستفتاء. و فى النهاية كانت مهمة الميليشيات و قوات الجيش هى تطبيق سياسة الأرض المحروقة و إحداث أكبر قدر من الدمار بعدما أصبح من المؤكد أن السكان سيختارون الإنفصال عن إندونيسيا. كان سلوك الجيش فى تيمور الشرقية فضيحة بكل المقاييس و إستجلب إستهجانا دوليا كبيرا و من ثم دمر بشكل تام الهدف الأصلى الذى من أجله أحيا حبيبى هذه القضية.

فى هذه الأثناء و بينما كانت سمعة الجيش تكاد تبلغ الحضيض بسبب جرائمه فى تيمور الشرقية و جرائم أخرى أقل حجما فى أقاليم أخرى. دفع ويرانتو بكل قوته من أجل تمرير قانون يعلن حالة الأحكام العرفية فى البلاد و يطلق يد الجيش عمليا فى التنكيل بأى معارضة! كان برلمان سوهارتو مازال قائما. إضافة إلى ذلك لم يكن أى من السياسيين المتطلعين إلى إنتخابات الرئاسة فى الجمعية التأسيسية بعد أيام مستعدا للدخول فى مواجهة مع الجيش. وحدهم الطلبة نظموا مظاهرات حاشدة رافضة للقانون قبل و بعد تمريره إنتهى آخرها نهاية دموية بعدما أطلقت قوات الأمن الرصاص الحى فى مواجهتها.

مع إنعقاد الجمعية التأسيسية لإختيار رئيس جديد كانت حسابات توزيع الأصوات بين المتنافسين شديدة التعقيد و أغلبها معلق فى الفراغ. لم يكن ثمة أى ضمانات لأن يذعن الأعضاء الممثلون لكل حزب لإملاءات قياداته. فى الواقع كانت هذه القيادات منقسمة فيما بينها. الحزب الحاكم لم يكن كله مؤيدا لمرشحه المعلن و هو حبيبى. كان ثمة شائعات قوية عن إنجياز عدد كبير من أعضائه خلف رئيس الحزب مع ميجاواتى مقابل وعود بمناصب مختلفة. الإسلاميون كانوا منقسمين بدورهم بين الأحزاب المختلفة و داخل كل حزب أيضا. عبدالرحمن وحيد كان قد حسم أمره أخيرا فأعلن أنه لا يؤيد ميجاواتى و لكن لم يكن مؤكدا أن أعضاء حزبه سيحذون حذوه فيحجبون عنها أصواتهم. أمين رئيس فاجأ الجميع بترشيح عبدالرحمن وحيد خصمه اللدود للمنصب. بقية القوى الإسلامية كان منها من لا يزال على تأييده لحبيبى أما البعض الآخر فلم يكن معروفا توجهاتهم.

أضاف إلى التعقيد أن 200 عضو كان لابد من تعيينهم من خلال عمليات إنتخاب معقدة فى المجالس المحلية و فى عدد من الجمعيات الأهلية. إنتخابات المجالس المحلية لممثليها كانت رائحة الرشاوى المالية تفوح منها بوضوح و تمخضت عن تمثيل الحزب الحاكم بأكثر كثيرا مما يمكن توقعه بناءا على تمثيله فى هذه المجالس. استخدام الرشاوى الإنتخابية لم يقتصر على الإنتخابات التمهيدية لأعضاء الجمعية التأسيسية المعينين بل إنتقل إلى الجمعية ذاتها التى قطع أعمالها إجازة لمدة 10 أيام قبل التصويت على إنتخاب أصحاب المناصب الرئيسية فى الدولة، كانت أكثر من كافية لعقد شتى أنواع الصفقات مع الأعضاء. فاقم من ضبابية الموقف أن الجمعية قررت أن يكون التصويت سريا. و هكذا كان أول إنتخاب لرئيس بعد إسقاط سوهارتو محاطا بكل أنواع الشك فى نزاهته بينما كانت الشفافية منعدمة دون شك.

كواليس الجمعية التأسيسية كانت نموذجا للألعاب السياسية. ترك كل السياسيين على أبواب مقر البرلمان حيث تعقد الجمعية إجتمعاتها كل حللهم الأيديولوجية المزخرفة. تركوا عداواتهم المعلنة و المبنية على تناقض مواقفهم السياسية. تناسوا بكل سهولة كل وعودهم أو تهديداتهم التى أعلنوها على منصات الخطابة فى طول البلاد و عرضها. فى الغرف المغلقة دخل كل زعيم سياسى إلى الموائد الخضراء عاريا من كل شيئ إلا من أوراق اللعب و طموحاته التى ينوى تحقيقها بأن يستخدم أوراق لعبه بأفضل شكل ممكن. فى غياب كتل تصويتية متماسكة و مضمونة كان لكل تجمع صغير من الأصوات قيمته. 40 من الأصوات قد تحول نتيجة التصويت المتقارب من جانب إلى نقيضه. و لذا كان بناء تحالف لضمان نتيجة التصويت أمرا عسيرا و مجهدا و يتطلب عشرات الإجتماعات التى يتبادل فيها السياسيون توزيع الخدمات المستقبلية. و حيث أن لكل كتلة صغيرة وزنها فلكل متحكم فى أى عدد من الأصوات أن يقايضها بما يرضيه.

كان على الجمعية أولا أن تصوت على قبول أو رفض بيان الرئيس حبيبى عن فترة رئاسته القصيرة. فى عهد سوهارتو كان هذا التصويت مجرد أحد الطقوس الشكلية. فى هذه المرة كان المر مختلفا. لم يكن حبيبى قادرا حتى على الثقة فى أن ممثلى حزبه سيمنحونه أصواتهم. أهمية هذا التصويت كانت بسيطة و واضحة. إن رفضت غالبية الجمعية بيان الرئيس فهى بالضرورة لن تصوت لاحقا لإنتخابه لفترة جديدة. كان هذا تصويتا مبكرا على آمال حبيبى فى الإستمرار فى منصبه. حاول الرجل قدر المستطاع الضغط لضمان تصويت أعضاء حزبه لصالحه و تلقى وعدا بذلك. حاول أيضا ضمان أصوات ممثلى الجيش فعرض على ويرانتو منصب نائب الرئيس. و لكن الأخير رغم تطلعه إلى المنصب كان يرغب فى تلقى العرض من مرشح آخر غير حبيبى. بشكل خاص كان ويرانتو يتوقع أن يأتى العرض من ميجاواتى التى بذلت جهدا ملحوظا فى مغازلة الجيش طوال شهور و عبر كل سلسلة فضائحه فى تيمور و غيرها. رفض ويرانتو عرض حبيبى علنا و لكنه إستخدم أكثر العبارات ضبابية. فهو لا يريد أن يتدخل الجيش مباشرة فى الحياة السياسية و لكن إذا أرتئى أن توليه للمنصب ضرورى لمستقبل إندونيسيا فسوف يقبله. بإختصار لا أريد أن أرتبط بحبيبى و لكنى مستعد لسماع عروض أفضل.

كان التصويت مع و ضد بيان حبيبى متقاربا و لغير صالحه. تحطمت آمال الرئيس فى الفوز بمدة رئاسة ثانية و أصبح على الحزب الحاكم السعى لإيجاد مرشح بديل. المؤكد أن ما حدد نتيجة التصويت كان هو أصوات أعضاء الحزب الحاكم نفسه من أتباع رئيسه الحالى. و رغم نقمة حبيبى على الرجل إلا أن تحكمه فى هذا العدد من الأصوات الكافى لأرجحة التصويت من جانب إلى آخر أجبره على أن يقبل الإجتماع به لبحث مناورات التصويت القادم. الهدف كان تجنب فوز ميجاواتى و محاولة الدفع بمرشح للحزب. عرضت العديد من الأسماء كان من بينها ويرانتو و رفض الجميع. فى النهاية عرض الأمر على رئيس الحزب الرجل الذى طعن رئيسه فى ظهره منذ ساعات و رضى فى البداية ثم تراجع قبل بدء التصويت بساعة واحدة.

كان أمين رئيس قد نجح فى حيازة منصب رئيس الجمعية التأسيسية سابقا من خلال جولة ناجحة بين موائد التفاوض. و الآن فى مستهل جلسة إنتخاب رئيس جديد لإندونيسيا تلا على الأعضاء قائمة أسماء المرشحين. كان ثمة ثلاثة أسماء، ميجاواتى و وحيد و مرشح ثالث دفعت به الأحزاب الإسلامية المعادية لميجاواتى. كان هؤلاء يساورهم الشك فى أن ترشح وحيد لم يكن إلا خدعة. الرجل الذى صرح طوال شهور بانه لا يسعى للمنصب و أنه غير مؤهل له نظرا لكبر سنه و تدهور صحته و ضعف بصره الحاد. و الرجل الذى كان صديقا مقربا لسنوات من ميجاواتى. ربما كان ترشحه فقط سبيلا لإخلاء الساحة بحيث يتنازل عن الترشح فى اللحظة الأخيرة و يقدم المنصب لحليفته القديمة على طبق من ذهب. المرشح الثالث كان ضمانة ضد خطوة كهذه. و مع ذلك سعى أحد قادة هذه الكتلة إلى التثبت من وحيد. و فى خضم التوتر المخيم فى الدقائق الأخيرة قبل التصويت مال الرجل على أذن وحيد يسأله: “هل أنت ماض فى هذا إلى النهاية؟” و أتت إجابة وحيد قاطعة: “بسم الله! بالتأكيد”. و سحبت الأحزاب الإسلامية مرشحها!

كان التصويت يتم بأن يودع كل عضو بطاقة الإنتخاب فى الصندوق و بعد ذلك يتم إستخراج بطاقة بعد أخرى و يتلى اسم من ذهب الصوت إليه عاليا فيؤشر بعلامة أمام اسمه على لوحة كبيرة. كان الأعضاء قد رفضوا إستخدام الإنتخاب الإلكترونى سابقا خشية أنه قد يتم من خلاله كشف من صوت لصالح من! السرية أو بمعنى آخر الإنعدام التام للشفافية كان أولوية من إئتمنتهم إندونيسيا على مصيرها فى عهد الإصلاح! كانت عملية إعلان التصويت طويلة و عصيبة. تأرجح تقدم المتنافسين بينهما عدة مرات. فى وقت ما كانت ميجاواتى متقدمة ب40 صوتا و لكن مع مرور الوقت إنتزع وحيد الصدارة و وسع الفارق. فى النهاية فاز وحيد بالرئاسة و حصل على 373 صوت مقابل 313 لميجاواتى. حصلت إندونيسيا على رئيس جديد بالصدفة. هذه المرة كانت الصدفة فى إهاب عملية ديموقراطية نزيهة قدر ما يمكن للسياسيين أن يتمتعوا بالنزاهة على أية حال.

كانت الخسارة صادمة لميجاواتى و لكن صدمة مؤيديها فى الشارع كانت أكبر. فور إعلان النتائج إندلعت أحداث شغب فى جاكارتا و فى أنحاء مختلفة من البلاد. كان الشغب الأكثر حدة فى بالى. الجزيرة الصغيرة موطن الأقلية الهندوسية و المزار السياحى الهادئ طوال الوقت كانت أيضا موطن أكثر مؤيدى ميجاواتى تعصبا. تحولات الموقف على الأرض كانت من الحدة بحيث لم يكن بمقدور السياسيين فى أروقة الجمعية أن يتجاهلوه بينما يعدون للتصويت الأخير لإختيار نائب الرئيس. كان وحيد قد قدم وعوده بالمنصب لأكثر من شخص فى أثناء لعبة الورق الممتدة فى الأيام السابقة و لكنه الآن عرضه على ميجاواتى التى رفضته بإصرار. فى المقابل كان ويرانتو يسعى حثيثا للفوز بالمنصب رغم أن الظروف أصبحت بالتأكيد غير مواتية أكثر من أى وقت مضى.

شهدت قاعات التفاوض حركة محمومة بعد أن أداء الرئيس الجديد للقسم. استمر أتباع وحيد فى الضغط على ميجاواتى لقبول الترشح لمنصب نائب الرئيس. عندما وافقت أخيرا إشترطت أن يقدم المنصب إليها بالتزكية. لم تكن ميجاواتى قادرة على تقبل هزيمة جديدة فى تصويت غير مضمون. كان هذا مستحيلا بالطبع. و قبل وحيد أن يدعم رئيس الحزب الحاكم للمنصب. و لكن الأخير كان عليه أن يحصل على دعم ويرانتو الذى كان لا يزال مصرا على الترشح هو نفسه! بعد ساعات قبلت ميجاواتى المقامرة بالترشح و سحب وحيد وعده لرئيس الحزب الحاكم بدعمه. مع تضاؤل فرص الرجل للفوز أذعن لفكرة عدم الترشح و لكن دعمه لميجاواتى كان مشروطا بالوعد بمقاعد لحزبه فى الحكومة الجديدة.

التصويت على إنتخاب نائب الرئيس الذى كان مقررا له العاشرة و النصف صباحا قام أمين رئيس بتأجيله إلى الثانية بعد الظهر ليشارك بنفسه فى مفاوضات الساعات الأخيرة. نجحت هذه المفاوضات فى إخراج ويرانتو من السباق مع وعد بمنصب جديد له فى الحكومة الجديدة و أن يكون له أن يختار بنفسه من يخلفه فى قيادة الجيش. و مع بداية التصويت أعلن رئيس الحزب الحاكم إنسحابه مؤكدا أن المنصب السياسى ليس كل شيئ بالنسبة له! تلا ذلك إنسحاب ويرانتو و لم يبق فى مواجهة ميجاواتى إلا مرشح الأحزاب الإسلامية. توقعت ميجاواتى فوزا سهلا لكن عملية تسجيل الأصوات منحتها وقتا عصيبا عندما تقدم المرشح المنافس بفارق 40 صوتا. و لكن سرعان ما حسمت أصوات ممثلى الجيش و الحزب الحاكم المنافسة بفارق كبير لصالح ميجاواتى. فازت الزعيمة الإصلاحية الأبرز بمنصب نائب رئيس إندونيسيا ب396 صوتا مقابل 284. و كانت مدينة بفوزها إلى أعضاء حزب سوهارتو و إلى المؤسسة العسكرية. كان هذا فيما يبدو كيف فهم السياسيون فى إندونيسيا فكرة الإصلاح من الداخل!

الجيش يغرس و السياسيون يحصدون

إنتخاب رئيس جديد لإندونيسيا كان النهارية الرسمية للفترة الإنتقالية التى بدأت بتنحى سوهارتو عن الحكم. فى الواقع السنوات التالية لم تكن أكثر من إمتداد لحال السيولة السياسية و صراعات السلطة. على السطح بدا أن حركة الإصلاح التى أسقطت آخر ديكتاتور عسكرى لإندونيسيا قد حققت أهدافها. على رأس السلطة كان يجلس الزعماء الثلاثة البارزون للمعارضة فى إندونيسيا. و لكن السبيل الذى قطعه ثلاثتهم كان ينبئ بأن طبيعة التوازنات التى حكمت إندونيسيا طيلة العقود الثلاث السابقة لم تتغير كثيرا. لم يكن وجود رئيس حزب سوهارتو على رأس البرلمان هو الشاهد الوحيد على هذه الحقيقة و لكن الدور المحورى للجيش فى تحريك الأمور كان هو العلامة البارزة.

و لكن الجيش كان فى الواقع الخاسر الأكبر. صحيح أنه بالنسبة للسياسيين كان الرقم الصعب الذى لا يمكن تجاهله فى المعادلة و صحيح أنه كان الطرف الأكثر جهدا و عملا طوال الفترة الإنتقالية و لكنه فى الوقت نفسه كان الطرف الذى خرج بأقل مكاسب منها! السبب فى ذلك كان فعالية الجماهير على الأرض. رغم أن هذه الجماهير لم يكن بإمكانها التدخل فى التفاصيل الدقيقة لتوافقات السياسيين. إلا إنها عمليا حجبت عن الجيش و قائده بوجه خاص فرصة جنى ثمار ما غرسوه بالنار و الدم طوال ما يقرب من عامين.

لا شك أن الجيش كان لا يزال له بعض الشعبية بين الناس. و لكن فى فترة تجد فيها الجماهير طريقها إلى الشارع و الفعل المباشر بسهولة يكون المكان الطبيعى لمؤيدى الجيش هو بيوتهم و يصبح الصوت السائد و الضاغط فى الشارع هو صوت من تجشموا عناء مواجهته و تحملوا الثمن الباهظ لذلك. حتى يبقى الجيش قبضته ممسكة بزمام الأمور فى الشارع عليه أن يبطش بكل قوته بمعارضيه. ليس للجيش أدوات أخرى للتعامل مع جماهير غاضبة فى الشوارع. و هى أداة خاسرة فى جميع الحالات. الفشل نتائجه كارثية و النجاح على حساب مزيد من الدماء و الأرواح المزهقة لا يقل كارثية. فى النهاية بينما ترتعد فرائص السياسيين و يبدون إستعدادهم لتقديم التنازل تلو الآخر للجيش فإن إنحطاط شعبيته يقف حائلا دون تحقق هذه التنازلات على أرض الواقع. فهناك دائما شبح الفوضى الكاملة إذا ما حصل الجيش على ثمن الدماء المراقة.

هكذا و منذ البداية إنخفض سقف طموحات ويرانتو و كبار مساعديه. بدأ هؤلاء بتصور لإنتقال السلطة يترك بمقتضاه سوهارتو الأمور بين أيديهم و لكن شبح الجماهير الغاضبة فى الشارع دفعهم إلى قبول حل تسليم السلطة إلى نائب الرئيس. كانت الخطة فيما يلى تقضى بان يكون ويرانتو هو الرئيس المنتخب فى جمعية تأسيسية غير عادية و مرة أخرى تراجع الجيش عن ذلك و سمح بتمديد فترة رئاسة حبيبى على أمل إيجاد فرصة لترتيب الأوراق. مع الوقت تضاءلت فرص ويرانتو فى الرئاسة و فى النهاية تبخرت حتى فرصه فى منصب نائب الرئيس. فى كل الحالات كان السياسيون مستعدون لتسليم ويرانتو المنصب الذى يختاره و فى كل الحالات تراجع الجيش و ويرانتو خشية إنفجار غضب الشارع.

و لكن الجيش لم يكن الخاسر الوحيد. جماهير الإصلاح، الحركات الطلابية التى هز كفاحها أركان نظام سوهارتو و نجحت فى الإطاحة برأسه. هؤلاء كانوا الخاسر التالى فى الترتيب. شهد الطلبة و من ورائهم الجماهير الحالمة بتغيير يلمسونه فى حياتهم آمالهم فى التخلص من نظام سوهارتو تتبخر أمام أعينهم بأيدى الزعماء أنفسهم الذين حملوهم إلى كراسى السلطة. سياسيو الحزب الحاكم لم يطوهم النسيان بل كانوا جزءا لا يمكن إغفاله من اللعبة السياسية تدعمهم شبكة ممتدة من أموال محاسيب النظام من الرأسماليين و مراكز القوى التقليدية فى الأقاليم المتحالفة معهم طوال عقود. الفساد المالى لم يختف بل أضيف إلى قوائم ممارسيه وجوه جديدة للقوى السياسية الصاعدة. كان نجاح الحزب الحاكم فى إستخدام أموال الفساد لصالحه حافزا للأجزاب الصاعدة توا إلى السلطة لا على التخلص من شبكة تمويله و إنما على بناء شبكاتها الخاصة بها بعدما أصبح لها فى السلطة نصيب يسمح بدعم و حماية هذه الشبكات. الجيش نفسه لم يختف دوره السياسى. و إن كان هذا الدور فقد قدرا من فعاليته طالما كان إحتشاد الجماهير فى الشارع ممكنا فإن إستقرار الأمور مع الوقت بدأ يعيد إليه هذه الفعالية المفقودة. على وجه خاص كان ما فقده الجيش من فعالية إضافة إلى قوة أطراف اللعبة السياسية الأخرى فى مواجهته و لا شيئ آخر.

غير بعيد فى المركز الثالث بين الخاسرين كانت القوى السياسية الليبرالية. ميجاواتى كانت نائب الرئيس الآن و لكن فقط بدعم من أكثر القوى تناقضا مع إتجاهها السياسى و فقط تجنبا لثورة الجماهير فى الشارع. حزبها كان الأكثر أعضاءا فى البرلمان و لكنها أكثرية غير فاعلة فى وجه تقارب المنافسين. أثبتت التجربة العملية أن حلفاء الأمس من الإسلاميين المعتدلين كانوا أقرب إلى التوافق مع أعدائهم التاريخيين من الإسلاميين الأكثر تشددا. و كان التحالف الإسلامى بطبيعته المحافظة أقرب إلى التحالف مع بقايا النظام القديم و مع العسكر. فى الوقت نفسه كان فشل ميجاواتى و حزبها فى تمرير أى إجراءات إصلاحية حقيقية يعنى أن أصوات الناخبين و الشعبية على الأرض التى من خلالهما حققا مكاسبهما الحالية كانا مهددان بالتراجع و ربما التبخر نهائيا مع الوقت. ربما كان أفضل لميجاواتى أن ترفض منصب نائب الرئيس و تحتفظ بموقع رأس المعارضة الذى تمرست عليه طويلا. شيئ فكرت فعليا فيه و لكن بريق السلطة كان أقوى من صوت العقل.

الخلاصة

لماذا كانت المحصلة المرحلية لما بدأ كثورة شعبية تهدف للإصلاح مخيبا لآمال الشعب فى الإصلاح؟ هذا سؤال يمكن ترديده فيما يخص كل إنتفاضة شعبية أو ثورة شهدها الربع الأخير من القرن العشرين و ربما تمتد إلى تلك التى تشهدها العقود الأولى من القرن التالى له. كانت ثورات القرن الطويل الممتد منذ إنفجار الثورة الفرنسية فى 1789 و حتى إنهيار الإمبراطوريات الكبرى بنهاية الحرب العالمية الأولى أكثر نجاحا فى إحداث تغيير جذرى و إستبدال الطبقة الحاكمة بأخرى مغايرة تماما. فما بال الثورات الشعبية فى العقود الأخير تفشل فى تحقيق مثل هذا التغيير الجذرى؟

لماذا يبدو دائما أن على الشعوب الثائرة أن ترتضى تسوية تجعل من عناصر النظام الذى ثارت ضده جزءا من النظام الجديد و تجعل السياسات التى دفعتها فى الأساس إلى مواجهة أخطار تصل إلى حد الموت للتخلص منها، هى ذاتها ما ينتظرها بعدما بدا أن ضريبة الدم قد دفعت كاملة؟

الإجابة ربما تكمن خارج حدود كل بلد شهد ثورة. فى عالم تشابكت فيه مصالح طبقاته الحاكمة بحيث بدا و كأنما توحدت فى إطار طبقة حاكمة واحدة لها مصالحها الممتدة عبر الحدود السياسية للدول، لم يعد مسموحا لثورة شعبية أن تطيح بطبقتها الحاكمة بشكل كامل. حتى و إن كان فى الطبقة الحاكمة المحلية عناصر من العناد بحيث تصر على الدخول فى معركة حياة أو موت حتى النهاية فإن الرابطة العالمية للسادة لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدى لتدع هؤلاء يجرون المصالح العالمية الأكثر أهمية إلى منزلق الإنهيار. المبدأ ببساطة هو الشعوب الغاضبة لابد من أن تحتوى و إن كان الثمن هو إسقاط الرأس الكريه للنظام فلا بأس من التضحية به حفاظا على الجسد الذى ترتبط مصالح القوى العالمية بحياته و إستمراره. لا ينبغى السماح لثورة شعبية بأن تمضى فى سبيلها إلى النهاية بل ينبغى جرها بأسرع وقت ممكن إلى دهاليز و أقبية عملية تسوية سياسية تنتزع فيها أنيابها و يتم تفريغها من أى محتوى يمكن أن يهدد المصالح المستقرة للطبقة الحاكمة محليا و عالميا.

ديكتاتوريات العسكر أصبحت جزءا من الماضى. لا أحد يحبها اليوم. غرور الجنرالات و عنادهم لا يجعلهم طرفا محببا فى التفاوض أو شريكا يؤمن جانبه فى الصفقات الهامة. إن لم يكن بإمكان النخبة العسكرية أن تحافظ بنفسها على إمتيازاتها فإن القوى العالمية الصديقة و الحليفة لن تبذل كثير جهد فى دعمها. هذا درس هام للتجربة الإندونيسية. فجزء هام من عوامل خسارة العسكر فى إندونيسيا كانت نتيجة لإمتعاض المجتمع الدولى جراء صلف الجنرالات و وحشيتهم قديمة الطراز التى إستخدموها فى معالجة مشكلة تيمور الشرقية. الشريك الذى تفضله القوى العالمية هو سياسيون يعقدون الصفقات كرجال الأعمال و رجال أعمال يتفاوضون كالسياسيين. هذه هى التركيبة الأساسية للطبقة الحاكمة التى أعيد إنتاجها فى إندونيسيا. لا يهم نوع الشعارات المرفوعة أو مبادئ الأحزاب التى يمثلها هذا السياسى أو ذاك، فى النهاية هم رجال أعمال يعرفون الصفقة الناجحة حين يرونها و هم يديرون بلادهم كمشروع إستثمارى يدر عليهم و على شركائهم فى الخارج أكبر قدر ممكن من الأرباح.

السنوات التالية لم تحمل لإندونيسيا كثيرا من الإستقرار. صعود الإسلام السياسى صحبه أيضا تصاعد الأعمال الإرهابية من قبل عناصره الأكثر تشددا مع دخول العالم إلى فترة الحرب على الإرهاب. آثار الخروج الكارثى من تيمور الشرقية نقل المشكلة إلى النصف الغربى الإندونيسى من الجزيرة و تصاعدت حمى الحركات الإنفصالية فى أطراف أخرى للأرخبيل المتعدد العرقيات و الطوائف. فساد النخبة السياسية فجر الغضب الجماهيرى من جديد و أطاح بعبد الرحمن وحيد فى عام 2001. حصلت ميجاواتى على فرصتها لممارسة دور الرئيس عندما تنحى وحيد و لكن كان هذا بعد فوات الأوان. فى أول إنتخابات رئاسية مباشرة إختار الإندونيسيون فى عام 2004 رئيسا جديدا من خلفية عسكرية. هذه المرة لم يصل الرئيس الجديد إلى منصبه بفضل دعم الجيش المباشر أو من خلال إنقلاب ، بل كسياسي ، و لكن أن يعود عسكرى إلى حكم إندونيسيا يبقى مفارقة تستحق الإهتمام!

فى حالة إندونيسيا لا يمكننا الحكم على ما تمخضت عنه آلام مخاضها السياسى الذى بلغ ذروته فى الإنتفاضة التى أطاحت بسوهارتو ثم فى أعقابها مباشرة. يمكن القول أن هذا المخاض لم يصل إلى نهايته بعد و يبقى مصير إندونيسيا و شعبها معلقا مع غيره بمصير تحولات عالم أصبحت حياة شعوبه مرتبطة ببعضها البعض أكثر من أى وقت مضى. ثورات نهاية القرن العشرين ربما وجدت صداها الحقيقى خارج حدود بلدانها فى ثورات بدايات القرن الحادى و العشرين التى بدورها لا تبدو مكتملة و إنما تنذر بأن تجد صداها فى سلسلة جديدة من الثورات. ربما ليس صحيحا أن النظام العالمى قادر فعلا على إحتواء ثورات الشعوب إلا مؤقتا و ربما يكون فجر نظام عالمى جديد هو النتيجة النهائية لمخاضات ثورات لم تتمكن من إنتاج فجر نظم جديدة فى بلدانها. إن كان ثمة ما نتعلمه من التجربة الإندونيسية و غيرها فهو أن نهاية التاريخ لم تأت بعد طالما أن الشعوب مازالت تنبض بالحياة و التطلع إلى غد تكون فيه سيدة مصيرها.

References
1.  Kevin O’Rourke, Reformai: The struggle for power in post-suharto Indonesia, Allen & Unwin, 2002
2.  Elizabeth Fuller Collins, Indonesia Betrayed: How development fails, University of Hawai’i Press, Honolulu, 2007
3. Angel Rabasa, and John Haseman, The Military and Democracy in Indonesia: Challenges, Politics, and Power, RAND, 2004
4. Richard Robinson, and Vedi R. Hadiz, Reorganizing Power in Indonesia: The politics of oligarchy in an age of markets, Routledge Curzon
5. Edward Aspinall, Opposing Suharto: Compromise, Resistance, and regime Change in Indonesia, Stanford University Press, Stanford, California, 2005
6. Adam Schwarz, and Jonathan Paris (eds), The Politics of Post-Suharto Indonesia,Council on Foreign Relations Press, New York, 1999
7. Yon Machmudi, Islamising Indonesia, The Australian National University Press, 2008

 

لتحميل التقرير كاملا اضعط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *