ديمقراطيتهم ودكتاتوريتنا

21 أغسطس ,2017
القسم

فى أبريل الماضى وفى تقرير مطول نشرتة منظمة الهيومان رايتس ووتش حول القيود التى تفرضها إسرائيل على دخول الحقوقيين إلى قطاع غزة والخروج منها، تحدث التقرير مطولا حول المعوقات التي تضعها إسرائيل على عمليات دخول وخروج المدنيين بصفة عامة و الحقوقيون ونشطاء المجتمع المدني والصحفيين بصفة خاصة بل وحتى موظفو الهيئات الدولية . يأتي التقرير فى سياق الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع منذ قرابة الربع قرن ، تتحكم إسرائيل فى المجال الجوى والبحرى للقطاع المحاصر مما يستدعي سفر المواطنين عبر مطارات وموانئ دول أخرى وفي ظل الاضطراب الذي تشهده عملية فتح معبر رفح البرى بين حكومة حماس والسلطات المصرية فإن الأمر يبدو الآن كما لو أن ديمقراطية إسرائيل المزعومة تتحالف مع دكتاتورية العسكر فى مصر من أجل تشديد الخناق حول قطاع غزة .
لا يمكن فهم إشكالية الديمقراطية فى بلد ما إلا بوصفها عملية متجددة تقوم فى البعد الأول منها على احترام حقوق الإنسان وترسيخ قيم المواطنة بالدرجة الأولى، كما أيضا لا يمكن فهم تلك الإشكالية بمعزل عن فهم هيكل الدولة الإسرائيلية وطريقة احتكارها للمعرفة وإعادة إنتاج تسلطها سواء فى الداخل الإسرائيلي أو حتى خارج حدود الوطن الموعود . تمارس إسرائيل منذ نشأتها أشكالا كثيرة من العنصرية والاضطهاد للشعب الفلسطيني بل وحتى يمتد هذا الاضطهاد للأقليات الدينية والعرقية الأخرى فى الداخل الإسرائيلي ، لكن هناك ما يمكن أن يسمى بالحركة الأكاديمية الجديدة للنظر فى تلك الإشكالية المتعلقة بالديمقراطية فى إسرائيل . ثمة نقاشات قديمة حديثة حول هذا الأمر بعضها من مؤرخين وكتاب وباحثين فى الخارج الإسرائيلى وبعضها من الداخل ، ولعل الضجة التي أحدثها كتاب ايلان بابيه الأخير ” فكرة إسرائيل ” وهو المؤرخ الذي ينتمي لجيل المؤرخين الجدد فى إسرائيل أو ما يسمى بجيل ” ما بعد الصهيونية “، يجرد باييه فى الكتاب سياقات العنصرية التى مارستها العصابات المسلحة الإسرائيلية من اى مضامين رومانسية ،منذ نشأة الدولة وحتى حروب إسرائيل الأخيرة فى لبنان وقطاع غزة ، يحاول بايية تقديم مقاربة نقدية للدور الذى لعبته الآلة الاعلامية الاسرائيلية طيلة العقود الماضية من محاولة تصديرها لإسرائيل على أنها واحة الديمقراطية الخضراء فى وسط صحارى الدكتاتوريات العربية ، حيث يعرض بايية دور الاكاديميا الإسرائيلية ومؤسسات صناعة الخطاب فى تقديم خطاب المظلومية الخاصة بالشعب اليهودي وتلميع صورة الرواية الإسرائيلية عن الأحداث بداية من التأسيس وحتى الآن ، يحاول بايية أيضا أن يعرض ما يمكن أن يسمى تاريخ أولى للحركات المناهضة لتلك الرواية فى الاكاديميا الاسرائيلية لتلك الرواية والمضايقات التي تعرضت لها فى الحق الأكاديمي داخل وخارج إسرائيل والتى وصلت فى بعض الأحيان للتهديد بالقتل من قبل الموساد الاسرائيلي ثمة تساؤل آخر يبدو منطقيا حول المقارنة منزوعة السياق بين ديمقراطية إسرائيل المزعومة وبين الدكتاتوريات العربية الحاكمة فى الشرق الأوسط ، وهو المتعلق بالأساس أو بالمعيار الذي يمكن أن نضعه لتلك المقارنة ؟ فهل تعتبر الدكتاتوريات العربية معيارا للديمقراطية تستند إليه أية دولة؟ . ترسخ تلك المقارنة فى وجهة نظرى من شعور الدونية الذي يرتبط بالأساس بإحساس مواطنون العرب فى دولهم بأنهم أدنى من أى آخر ، شعور الذات والآخر المقارن هذا ينتج بحسب إدوارد سعيد تشاؤمية كبيرة الودونية أكبر حيث تعجز معها المجتمعات العربية عموما والمجتمع الفلسطيني بالأخص عن تقديم سرديتها عن الاضطهاد ، بمعنى أدق يمكن أن تكون المقارنة أكثر جدوى حين تكون فى صورة الصراع حول تقديم خطاب المظلومية هذا للمجتمع الدولي ودور هذا الخطاب فى دعم افتراضات كل طرف عن سرديتة التاريخية عن الأحداث . تحاول المقاربة التى يقدمها إدوارد سعيد إيجاد حل من الممكن أن يعتبره البعض رومانسيا لتقديم الخطاب ، لكن يبدو أن تلك الرواية الرومانسية للاضطهاد قد أﻷتت ثمارها مع الجانب الإسرائيلي الذي يتاجر حتى اﻵن بمظلومية الهولوكست ومظلومية الاضطهاد والعنصرية العربية التى يدعى أنها تمارس تجاهه وعداء السامية وغيرها من كل تلك الخطابات تلجأ الأطراف المعنية في أي صراع إلى إظهار نفسها كضحية لتبرير عدوانها وغزوها وحتى قتلها المدنيين. والغرض من هذا الخطاب إبراز ثنائية الخير مقابل الشر والضحية مقابل الجاني. وهذا يحشد المناصرين والمؤازرين في مواجهة “العدو”.
وكما نرى في حالة إسرائيل وفي صراعات أخرى، تُستخدم رواية “أنا الضحية” من أجل إضفاء الشرعية على أعمال العنف المرتكبة ضد “العدو” والتي غالبًا ما تكون استباقية، الأمر الذي يستديم دوامة العنف ووصف الضحية إلى ما لا نهاية لكن اسرائيل تستخدم تلك الرواية استخداما يبدو عكسيا بشكل ما فبما أننا نحن الضحايا فمن الممكن بل والمؤكد أن نكون نحن المنقذون ايضا ، الملائكة الهابطون من السماء لانتشال هذة المنطقة من مخالب الدكتاتورية نحو آفاق جديدة للديمقراطية .
كاتب أخر يسلط الضوء على تلك الرواية فى رؤية نقدية السردية الكبرى الإسرائيلية حول الديمقراطية المثالية وه مارسيلو سفيرسكى والذي يؤكد في كتابه ” ما بعد إسرائيل – نحو تحول ثقافي ” على الطبيعة العسكرية والعنصرية للمجتمع الإسرائيلي الذي جرى تدجينة بحسب الكاتب منذ موشى ديان ومقولاته الكبرى عن القتال المقدس ، جرى تدجينة فى عباءة الصراع المقدس ويبين الكاتب أنه توجد في داخل المجتمع الإسرائيلي الذي تأسس حديثًا وبشكل حربي نسخ أخرى من “المظلمة” التي يروي التاريخ أن اليهود تعرضوا لها مع الألمان النازيين، والنسخ تلك تتمثل في العنصرية الشديدة المسلطة ضد اليهود الأثيوبيين والسود بشكل عام، وأيضًا أشكال “الغيتو” التي يعيش عليها اليهود في أوروبا وفي بعض المدن العربية والموجودة في إسرائيل ذاتها التي تعتبر “وطنًا” لليهود وبالتالي لا داعي لإقامة تلك الأشكال في التجمع والانغلاق على الذات. يقول “سفيرسكي”: “من المعترف به على نطاق واسع بأن الصهاينة البيض أظهروا مواهبهم الاضطهادية، ليس فقط ضد غيرهم الخارجيين، بل ضد غيرهم الداخليين أيضًا، إذ لم تخلق الصهيونية ضحايا خارجيين فقط، بل ضحايا يهود أيضا، اليهود الشرقيين”.
وفي الحديث عن التمييز العرقي، يُسلّطُ سفيرسكي الضوء على مُمارسات قانونية واجتماعية وعسكرية في تطبيق فصل طبقي في المجتمع اليهودي نفسه نحو مُجتمعات غير مُتساوية في الحقوق “أشكناز وسفارديم ومزارحيم”. وتتوضّح أخطار هذا التمييز على الدولة، إذ أن الأخيرة لا تنصُّ على هذا التمييز على نحوٍ واضح، وإنما يبقى  يؤثّر سلبًا على الصورة العامة للدولة.حول الوجود فى هذة المنطقة من العالم .في إطار الديمغرافية والعلاقات الاجتماعية، كيلا
يستمر سيفيرسكى فى تحليله المطول للمجتمع الإسرائيلي الحديث مبينا مدى الهشاشة التي يتمتع بها إذا ما قورنت بالرواية الرسمية الرومانسية حول إسرائيل واحدة تسع  الكولونياليين على حد تعبيره على اليهود الشرقيين وأثر ذلك فى تزايد الفجوة الطبقية الحالية بين الفريقين المؤسسين للدولة الإسرائيلية .الجميع حيث يعرض حوادث الاضطهاد الذي مارسه اليهود الأوروبيين
تبدو إشكالية جدل الحداثة فى إسرائيل مهمة إلى حد كبير من أجل نبذ تلك الادعاءات المتكررة لإسرائيل بتصدير خطاب التلميع الإعلامي لها فى الغرب ، وفى رأيى لابد أن ينطلق النقد لتلك السردية الرسمية لإسرائيل من معيارية محددة وهى مدى التزام الأخيرة بالمعايير الواضحة لحقوق الإنسان فى تعاملها مع المواطنين الفلسطينيين سواء فى القطاع أو الضفة أو حتى فى الداخل الإسرائيلي. بل وحتى التزامها بتلك المعايير مع الأقليات العرقية والدينية فى المجتمع الاسرائيلى نفسه ، ولا يمكن الحديث فى الوقت الحالى عن أى سياقات للمقارنة بين الدول العربية وبين إسرائيل فالمقارنة هنا تعد مجتزءة من سياقات كثيرة ولا تعبر بالضرورة عن الحقيقة الواقعة على الأرض وهي أن إسرائيل لا تعدو سوى كونها نظاما للفصل العنصري كما نظام الفصل العنصرى فى جنوب افريقيا ، وهذا ما يمكن أن ينشأ فى المستقبل القريب محاولة أكثر جدية للتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها ليست فقط قضية للمقاومة المسلحة ولكنها أيضا إشكالية فى تصدير خطابات إعلامية للمجتمع الدولى .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *