خطة الكويت لمقايضة سكانها “البدون”

a1415861550ماذا نفعل مع البدون، أو ما يزيد على المئة ألف من الأشخاص الذين تزعم حكومة الكويت أنهم “مقيمون بصفة غير قانونية” وتعتبرهم عديمي الجنسية؟ يبدو أن حكام الكويت قد توصلوا الآن إلى حل لـ”مشكلة” البدون، الذين أدى حرمانهم من حقوق الجنسية، رغم الروابط التاريخية التي تربطهم بالبلاد، إلى انتقادات دولية في أحيان كثيرة. ويبدو أن الفكرة في أبسط تعبير عنها تتمثل في دفع المال لبلدان أخرى كي تمنحهم الحقوق التي ترفض الكويت منحها.

وقد ظهرت أول إشارة علنية إلى هذا التوجه الجديد في مايو/أيار الماضي، حين أعلن أحد مسؤولي وزارة الداخلية في مقابلة متلفزة أن الكويت يتفاوض مع بلدان أخرى لتجنيس سكان الكويت البدون في مقابل مزايا اقتصادية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني أوحت التغطية الإعلامية بأن الحكومة تهدف إلى عقد صفقة مع جزر القمر، الجمهورية المكونة من عدة جزر في المحيط الهندي. وكانت الإمارات العربية المتحدة قد عقدت صفقة مشابهة مع جزر القمر قبل سنوات.

ولكل شخص حق في جنسية بموجب القانون الدولي، الذي يسمح للدول باختيار الأشخاص المؤهلين لحمل جنسيتها، ولكن بشروط، وخاصة إذا استتبع الأمر بقاء الشخص المعني بدون جنسية. وقد قال دافيد فايسبروت، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق عديمي الجنسية في 2008: “على أقل القليل، ينبغي أن يتأهل الشخص لحمل جنسية البلد الذي يتمتع معه بأوثق الروابط أو الصلات”. والقانون الدولي الملزم للكويت بدوره يلزم البلدان بمنح حقوق الجنسية للأطفال المولودين على ترابها إذا كان من شأنهم لولا هذا أن يبقوا بدون جنسية.

ولكن الكويت لم تلب هذه الالتزامات لسكانها من البدون ـ الذين يبلغ عددهم حالياً 105,702 نسمة ـ لأن الجنسية فيما يبدو باهظة الثمن، فالدولة توفر لمواطنيها مزايا اجتماعية من الضخامة بحيث أن منح حقوق الجنسية ولو لقسم ضئيل من البدون، في بلد به نحو 1,2 مليون مواطن، من شأنه التسبب في إفلاس الحكومة، كما أخبرني بعض رجال السياسة. كما عبر رجال السياسة عن القلق من أن السماح للبدون باكتساب الجنسية من شأنه “تغيير التركيبة السكانية للبلاد” والتأثير في اتجاهها السياسي. ولذا فإن التفاوض على صفقة في مقابل حقوق “الجنسية الاقتصادية” في جزر القمر سيكون على ما يبدو أرخص على المدى الطويل.

وفي مارس/آذار 2011، بعد احتجاجات وضغوط دولية، منحت الحكومة للبدون بعض المزايا والخدمات التي ناضلوا من أجل الحصول عليها، مثل الرعاية الصحية والتعليم المجانيين، علاوة على تسجيل المواليد وعقود الزواج والوفيات. ومع ذلك فقد أفاد البعض باستمرار العراقيل الإدارية الحائلة دون الحصول على تلك المزايا.

ولا يملك من تحدثت معهم من ساسة الكويت ولا سكانها البدون إجابات لبعض الأسئلة الأساسية التي تثيرها هذه السياسة الجديدة: علام تنطوي الجنسية الاقتصادية؟ وهل سيحصل أطفال البدون المولودون في الكويت على جنسية جزر القمر فور الولادة؟ والأهم، هل ستتمكن حكومة الكويت فور عقد الصفقة من ترحيل البدون، بصفتهم “مقيمين بغير صفة قانونية”، إلى جزر القمر أو إلى بلد آخر مستعد للانضمام إلى صفقة كهذه؟

وربما توفر لنا الإمارات بعض المؤشرات المثيرة للانزعاج في هذا الصدد، ففي 2012 قامت سلطات الإمارات باحتجاز أحمد عبد الخالق، المناصر لحقوق سكانها عديمي الجنسية. وكان عبد الخالق قد تقدم سابقاً، بضغط من الحكومة، بطلب الحصول على جنسية جزر القمر، وتلقى إخطار الموافقة قبل أيام قليلة من اعتقاله.

وقد خيرته السلطات الإماراتية في البداية بين الاحتجاز بغير أجل مسمى في الإمارات أو الترحيل إلى جزر القمر، ثم غيرت رأيها وقالت له إن بوسعه اختيار الترحيل إلى عدة بلدان أخرى ـ بنغلاديش أو الهند أو إيران أو باكستان أو تايلاند. فاختار عبد الخالق الأخيرة، رغم أن شيئاً لا يربطه بها ولم يعش فيها قط ولن يُسمح له بالعمل هناك. ثم أمرت السلطات والد عبد الخالق باستصدار تأشيرة دخول لعبد الخالق إلى تايلاند وشراء تذكرة الطائرة.

وسافر عبد الخالق إلى تايلاند، مستقراً في نهاية المطاف في كندا. لكن أبويه وسبعة شقيقات ما زالوا في الإمارات، حيث ولدوا ولم يرحلوا عنها قط.

وفي توقيت أسبق من هذا العام أدانت محاكم الكويت أحد نشطاء البدون لمشاركته في مظاهرة، وحكمت عليه بالسجن لمدة عام واحد يعقبه الترحيل. ولم تتضح هوية المكان الذي سيرسل إليه.

وينص إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان على أن “تتخذ الدولة جميع التدابير اللازمة التي تكفل لكل شخص حماية السلطات المختصة له، بمفرده وبالاشتراك مع غيره، من أي عنف، أو تهديد، أو انتقام، أو تمييز ضار فعلا أو قانونا، أو ضغط، أو أي إجراء تعسفي آخر” نتيجة لمشاركته في أنشطة حقوقية. كما أن القانون الدولي يحمي الحق في الحياة الأسرية، وترحيل الشخص في ظروف يضطر معها لترك أسرته والذهاب إلى مكان لا يمكن للأسرة اللحاق به فيه هو انتهاك لهذا الحق.

وفيما وراء الانتهاكات المحتملة التي قد تترتب على تلك الصفقة فثمة خطر حقيقي من أن تؤدي مبادرات الكويت والإمارات إلى تشجيع دول أخرى على النظر إلى الجنسية الاقتصادية كوسيلة للالتفاف على التزاماتها نحو سكانها من عديمي الجنسية.

ويتعين على الكويت، بدلاً من هذا، أن تعترف بأن مقايضة سكانها البدون مع دولة أخرى لن يجعل التزاماتها تختفي، بل إنه سيزيد من مسؤوليتها عن الانتهاكات المترتبة على هذا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *