حرب السيسي على المجتمع المدني

23 فبراير ,2017
القسم
الدولة
وسوم

المنصة

عندما ظهر جسد جوليو ريجيني -الباحث بجامعة كامبريدج، الذي كان يدرس الاتحادات العمالية في مصر- على جانب الطريق الصحراوي الواصل للقاهرة، في فبراير/شباط 2016، كان يحمل العلامات المعروفة لتقنيات التعذيب التي تمارسها الأجهزة الأمنية.

بعد عام من ظهور جسد جوليو، كوفئ خالد شلبي الذي خضع للتحقيق حول دوره في مقتل الباحث الشاب، بالترقية لمنصب مدير أمن الفيوم.

أهلا بكم في مصر، حيث تُكافأ دولة البوليس في كل منعطف، بينما تُعاقب المؤسسات التي تتضلع بمهمة مراقبة الانتهاكات الشرطية.

هذا عهد يزداد فيه الاحتياج إلى قواعد المراقبة والحد من التغوُّل، لكن الحرب أعلنت؛ لا على المجرمين، بل على منظمات المجتمع المدني.

بوضوح ساطع كشمس الصحراء، تستمر الحكومات المصرية المتعاقبة في الحط من قيمة الجهود الداعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان، التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني المصرية. فبينما يقوم فريق بتفصيل القوانين التي تجرد الآخرين من أي نفوذ أو تأثير، باستخدام أساليب البلطجة؛ يقوم الطرف الآخر بتوثيق هذه الهجمات، ويوعي بها العامة ويساعد من تعرضوا للتنكيل.

عندما كان مبارك في الحكم، كانت إدارة المسرح السياسي تخضع للقوة الناعمة، ولخطوط حمراء معروفة، وإن كانت غير مكتوبة. هذا المكر هو ما مكن مبارك من إدارة البلاد لثلاثين عامًا.

تهديد المجتمع المدني

هناك فيض من الدراسات الأكاديمية حول الدور الذي يمكن للمجتمع المدني لعبه كسلم اجتماعي- سياسي للوصول لنموذج أكثر ديموقراطية. يدرك العاملون بمنظمات المجتمع المدني هذا الدور، ولكن أيضًا، يسهل التنبؤ بأن الحكام القمعيين يدركون الدور ذاته.

عندما كان مبارك في الحكم، كانت إدارة المسرح السياسي تخضع للقوة الناعمة، ولخطوط حمراء معروفة، وإن كانت غير مكتوبة. هذا المكر هو ما مكن مبارك من إدارة البلاد لثلاثين عامًا.

ورغم أن الأمور لم تكن سهلة على الإطلاق بالنسبة لمنظمات المجتمع المدني في عهد مبارك؛ لكن لعبة القط والفأر بين الحاكم وتلك المنظمات سمحت بمساحة محدودة لبعض المجموعات لتعمل، كما سمحت لمبارك بالتظاهر باتخاذ خطوات على طريق الديموقراطية.

وعلى الطرف الآخر، يقف السيسي. فهو فظ كمن يرتدي بذلة حمراء في عزاء. أساليبه تستمد تبجحها من معسكر الثورة المضادة، وتمتد جذورها إلى عام 2012، عندما اختارت الحكومة المصرية أن تراهن بكل قوتها ضد منظمات المجتمع المدني.

أحد المتهمين الأجانب في قضية المنظمات يصافح شرطيًا في جلسة سبقت السفر الجماعي للمتهمين – مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

في مثل هذا الشهر قبل خمس سنوات، بدأت محكمة الجنايات في مصر إجراءات محاكمة 43 من العاملين في منظمات المجتمع المدني، وكان منهم 19 مواطنًا أمريكيًا. قال القاضي المسؤول وقتها: ” القضية كبيرة جدًا.. ومتورط فيها مئات”.

كانت الاتهامات جنائية أكثر منها سياسية. كان طرح القاضي هو أن منظمات المجتمع المدني لم تؤد ما عليها من ضرائب، وأن موظفيها دخلوا مصر بتأشيرات سياحة بعدما رفضت الحكومة منحهم تصاريح بالعمل.

كان التحقيق رسالة سياسية واضحة تقودها فايزة أبو النجا، الرمز المباركي المخلص الذي استدعته الأنظمة المتلاحقة كلما أرادت رفع راية “نرفض التدخل”. ما هي تلك الرسالة التي أراد النظام إيصالها للعاملين في منظمات المجتمع المدني من المصريين والأجانب؟ “لقد عقدنا العزم على مطاردتكم”.

معظم المتهمين، تلك الغالبية التي خضعت للمحاكمة غيابيًا، انتهى الأمر إلى الحكم عليهم بالسجن خمس سنوات، بينما أُغلقت مكاتب منظماتهم في مصر.

اقرأ ايضًا: الرعاية الصحية في مهب “الجمعيات الأهلية”

صارت القضية يُنظر لها باعتبارها نقطة تحول في العلاقة مصر من جانب والولايات المتحدة وأوروبا على الجانب الآخر. بعد تلك الواقعة بعام، شرح صحفي أمريكي بذكاء كون تلك القضية إشارة على انهيار النفوذ الأمريكي في المنطقة، وأن قدرة الولايات المتحدة على تشكيل مسار الأحداث، تدور في دوامة الموت.

كسب الخسارة

النظام المصري الذي لا مانع لديه من قطع أنفه كي يغيظ أعداءه، لم ير في مشروع آية حجازي سوى كشفٌ عن عواره وفشله.

منذ حكم المحكمةعام 2012، يستمر السيسي في إحماء النيران الموجهة ضد أي شخص أو منظمة تحارب من أجل حقوق الناس. فمن منظور الطاغية؛ هذه الهجمات التي تتراوح بين السجن وتجميد الأصول وإغلاق المكاتب، وتشديد القوانين المقيدة لعمل المجتمع المدني؛ كل هذا له ما يبرره. لكن في الناحية المقابلة؛ فهذه الإجراءات تكشف عن القبح الذي يحاول الوحش القمعي إخفاءه.

خذ مثالا آية حجازي، بعد الثورة، عادت الشابة المصرية الأمريكية ذات الـ29 ربيعًا إلى مصر مع زوجها، يملؤها الأمل في أنها ستتمكن من مساعدة المنسيين من الأطفال المشرديين عبر مؤسستها “بلادي”.

كان يفترض أن تكون هذه صفقة رابحة للطرفين، للحكومة التي لا تقدم -وربما ليس لديها- دعمًا لهؤلاء الأطفال، وللمكسب السياسي الذي سيقدمه مشروع كالذي بدأته آية حجازي. ولكن النظام المصري الذي لا مانع لديه من قطع أنفه كي يغيظ أعداءه، لم ير في مشروع آية سوى كشفٌ عن عواره وفشله.

الخلاصة: آية وزوجها زُج بهما في السجن بتهمة إساءة استغلال نفس الأطفال الذين عادت من أمريكا لأجل خدمتهم. هي واحدة أخرى من قضايا عديدة، تكشف عن وجه دوائر الحكم التي “لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل”.

يستمر السيسي في إحماء النيران الموجهة ضد أي شخص أو منظمة تحارب من أجل حقوق الناس.

عندما قابل نائب الرئيس الأمريكي المنتخب مايك بنس وزير الخارجية سامح شكري في ديسمبر/كانون أول الماضي، قبل أن يتولى بنس منصبه رسميًا، لم يتم ذكر قضية آية وزوجها “على وجه الخصوص” بحسب تصريحات سامح شكري.

آية حجازي  – صفحة الحرية للجدعان

أعداء الدولة

لكن؛ بينما تندفع الحكومة بجنون نحو تلك الحماقة غير المسبوقة في هجومها المنظم على حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني. فإن دولة ينتشر فيها التعذيب كما تنتشر وجبة الفول، يعد وجود مؤسسة مجتمع مدني كمركز “النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب”؛ ضرورة لا غنى عنها. ولكن، النديم وغيره من المنظمات، تجري معاملتهم كما لو كانوا أعداءً أجانب.

بالطبع لا يعد هذا مفاجأة في دولة بوليسية مثل مصر.. دولة تؤمن بقوة، أن الغاية تبرر الوسيلة. ولكن في ظل السيسي، تغير التكتيك من تخفيف ضرر “الأعداء” إلى تدميرهم بالكامل.

في التاسع من فبراير/ شباط الجاري، قامت الشرطة بتشميع المركز الذي واصل العمل في دعم ضحايا العنف منذ 24 عامًا. وذلك بعد محاولتين فاشلتين من السلطات الأمنية لإغلاق المركز قبلها. واتهمت الحكومة المركز بمخالفة شروط التصريح. لكن المسؤولين في النديم يؤكدون أنهم لم يخالفوا أية لوائح أو قوانين.

إذن، فرغم الارتفاع المنظم في حالات التعذيب خلال العامين ونصف المنقضيين، فاليوم تخلو عيادة النديم من تلك العقول اللامعة التي قدمت المساعدة لضحايا الاغتصاب والتعذيب، والذين لعبوا دورًا هامًا في تحقيق شيء من التوازن مقابل تسلط الطبقات الحاكمة. الحكومة تريد أن تتأكد أن توثيق حالات التعذيب والاغتصاب تلك، بات مستحيلاً.

ولكن، عايدة سيف الدولة، واحدة من مؤسسي النديم والتي يحمل اسم عائلتها “سيف الدولة” مفارقة مثيرة للتأمل، كتبت عبر صفحتها على فيسبوك عقب إغلاق النديم: “النديم فكرة.. والأفكار لا تموت”.

مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب

اختطاف

كي تضع إطارا قانونيًا لحربها تلك، تعتمد الحكومة على الرجل الذي يمثل صوت البرلمان، علي عبد العال، الرجل المعروف بنسيانه لكلمة “لا” كلما تلقى اتصالا من الرئيس.

البرلمان كما قال عبد العال ” على قلب رجل واحد” خلف قانون الجمعيات الأهلية، الذي ووفق عليه بأغلبية كبيرة، قبل أسابيع من انقضاء العام الماضي.

اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية.. النواب “يؤممون” الجمعيات.. بالقانون

مفاهيم قانون الجمعيات الأهلية جاءت فضفاضة على نحو متعمد، بشكل يجعل أصغر الأنشطة اليومية لأية منظمة أو جمعية أهلية؛ كفيل بإخضاع المؤسسة والقائمين عليها للتحقيق، وتقديمهم للمحاكمة بتهمة “الإخلال بالاستقرار الوطني والأمن القومي”.

ولا يكتفي القانون الجديد بخفض قدرة منظمات المجتمع المدني على أداء وظيفتها على النحو المطلوب؛ بل ويشير بإصبع التهديد نحو المؤسسات التي تقبل بتلقي تمويلات دعم أجنبية، ويقترح في كتير من مواده أن تلك المؤسسات قد ارتكبت جريمة خيانة.

كل منظمات المجتمع المدني، حتى تلك التي تؤيد النظام، مضارة بفعل القانون الجديد. بمجرد تمرير القانون، قال الممثل محمد صبحي -الذي كان قد أنشأ مؤسسة لتطوير العشوائيات- أن العمل الأهلي تعرض للاختطاف.

إغلاق المكتبات

كي تزدهر السلطوية، يجب أن يكون الجهل هو الحاكم. لذا فليس من الغريب أن تكون الكتب أيضًا تحت طائلة الهجوم.

جمال عيد، محام حقوقي، ومؤسس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. كتب عيد في نيويورك تايمز في إبريل/ نيسان الماضي، لأن قضية الدولة ضده تمحورت حور دوره في تأسيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

قال عيد إنه وُجهت له اتهامات الإضرار بسمعة البلاد، وإنشاء منظمة خارج إطار القانون، وتلقي تمويلات أجنبية بهدف دعم الإرهاب. وأنكر عيد كافة هذه الاتهامات.

لكن في سبتمبر/ أيلول الماضي، صدر حكم بتجميد أمواله وكذلك تجميد أموال وأصول الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، بالإضافة لأموال وممتلكات 40 منظمة وشخصية حقوقية آخرين، منهم الناشط الحقوقي المعروف حسام بهجت.

وإسرافًا في عقاب عيد، قررت الحكومة الهجوم على سلسلة من المكتبات التي أسسها المحامي المعروف. كان الناس يتبرعون بالكتب لتلك المكتبات التي تخدم أطفال المناطق الأكثر احتياجًا، وخاصة خارج القاهرة. بينما كان متطوعون يديرونها.

واحدة بعد أخرى -بعدما احتدمت القضية المقامة ضده- قامت الحكومة بإغلاق تلك المكتبات بشكل منظم دون إعلان أي سبب رسمي.

لا توجد صدفة في هذه القضايا. أسماء كبهي الدين حسن مؤسس مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ومحمد لطفي مدير المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وعزة سليمان رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة، ومزن حسن مؤسسة “نظرة للدراسات النسوية”، كلهم يمثلون مجرد قمة جبل الجليد في مجتمع المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، ممن ضربتهم قرارات المنع من السفر وتجميد الأصول.

سواء كانت الأمر متعلقًا بقضايا المرأة كالتي تدافع عنها عزة سليمان ومزن حسن، أو حقوق الإنسان بصفة عامة التي يدافع عنها بهي الدين حسن ومحمد لطفي، فإن منظمات حقوق الإنسان يجري ترهيبها على يد النظام، الذي يرغب في حكم حشود غير متعلمة، وسجن المعارضة وإسكات المجتمع المدني.

ففي النهاية، يظل من المستحيل تقريبًا أن تراقب الديكتاتور بينما تنشغل بالحفاظ على بقائك كمؤسسة.

أخطر عمل في مصر

هناك مجالات معدودة في الفضاء السياسي بإمكانها وصف الصراع بين القيم الثورية لـ25 يناير، والثورة المضادة اللاحقة عليها، وعلى رأسها تلك المواجهة الجارية مع منظمات المجتمع المدني.

ورغم أن الاستراتيجية الواضحة لمبارك تمثلت في استخدام قانون واحد وهو القانون 84 لسنة 2002، الذي منح الحكومة قوة كاسحة في مواجهة المنظمات الأهلية العاملة في مصر؛ إلا أن السيسي يفضل الاعتماد على حفنة متنوعة من الإجراءات.

لا يوجد استثناءات هنا: مؤسسات الدولة لديها شيك على بياض من حاكمها، تمارس بموجبه كل ما يضمن إسكات أو إخضاع كافة طوائف المجتمع المدني، بداية من النشطاء ووصولا لهؤلاء الذين يقومون بمبادرات فنية أو سياسية، لا يوجد من هو فوق القمع. حتى المقاهي تحت القصف.

على الراغب في العمل في المياه الخطرة للمجتمع المدني في بلد كمصر، أن يعي أن المخاطر لن تتردد في ملاحقته.

ولكن فيلكن واضحًا: الهجوم على المجتمع المدني غير مسبوق، والهدف الذي يمر بتشويه صورة وشل هذه المنظمات؛ هو تغيير لغة الخطاب بين النظام، وبين “تابعيه” من مجتمع مدني وشعب.

ورغم أن حملة قطع الرقاب التي يشنها السيسي قد ألحقت بالفعل ضررًا بالغًا بجهود المجتمع المدني؛ إلا أن الإخلاص المستمر لدى الدائرة المركزية من المدافعين عن حقوق الإنسان لا يهدأ، مستعينين بمخزون من الخبرة والإيمان. وهي العوامل التي تمثل حائط صد في مواجهة هجمة الحكومة.

وهناك أيضًا قطاع لا يستهان به من الداعمين لهذه الجهود في مصر، يواصلون المساعدة في صد تلك الهجمات.

ولكن رغم ذلك؛ صار العمل في منظمة حقوقية، هو أكثر المهن في مصر خطورة، قال لي مصدر في المجتمع المدني: “نحن نذهب لمكاتبنا يوميًا غير عالمين إن كنا سنعود لبيوتنا بعد تلقي الاستدعاءات من أمن الدولة أم لا”.

قال بهي الدين حسن أمام مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة العام الماضي في جنيف: “كنت محظوظًا بكون التهديديات التي تلقيتها اقتصرت على القتل”.

بالنسبة للنظام ومنظمات المجتمع المدني على السواء: هذه حرب وجود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *