تكميم الأفواه بقوة القانون ,,, الاتهامات الشائعة لملاحقة الحق في حرية التعبير

11 يناير ,2016
الدولة

مقدمة

تمثل الملاحقات القانونية جانبا كبيرا من الانتهاكات التي تلحق بالحق في حرية الرأي والتعبير وما يتفرع عنه من حريات وبصفة خاصة حرية الصحافة والإعلام، في المنطقة العربية.

ونعني بالملاحقة القانونية كل إجراء يتذرع بالقانون ويتخذ أحد المظاهر التي تبدو عليها مراحل التعامل القانوني ومنها: التوقيف والاحتجاز، والتحقيق من قبل جهات أمنية أو من قبل جهات قضائية (قضاة التحقيق أو النيابة العامة)، توجيه الاتهام (الادعاء العام أو المدني)، التحويل للمحاكمة، الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق أو المحاكمة، مراحل نظر المحاكمات الجنائية أو المدنية، قرارات المحاكم وأحكامها سواء بالسجن أو الحبس أو الغرامة أو الإلزام بدفع تعويضات مالية لأفراد طبيعية أو معنوية، أو غير ذلك.

وتكمن خطورة هذا النوع من الانتهاكات تحديدا في كون القانون وإجراءات المؤسسات القضائية هي أدواته، ومن ثم فهو نمط من الانتهاك للحق يبرره ويحميه القانون بدلا من أن يحظره ويعاقب عليه.

وتعتبر مهمة مواجهة هذا النوع من الانتهاكات هي الأكثر صعوبة، حيث تتحصن الجهات المرتكبة لها بالقانون نفسه وتدعي التزامها به، في حين يتهم المعارضون لها في أحيان كثيرة بعدم احترام القانون وبرفض الاحتكام إلى القضاء.

ويترتب على ذلك أنه عندما يسعى المدافعون عن حقوق الإنسان، أفرادا كانوا أو جماعات أو منظمات، إلى مواجهة انتهاك للحق في حرية الرأي والتعبير يستخدم أحد سبل الملاحقة القانونية، يتعين عليهم أن يكشفوا عن تناقض القانون نفسه مع مرجعية تعلوه (الدستور أو العهود والمواثيق الدولية الملزمة للدولة المعنية)، أو أن يكشفوا في الممارسة العملية لتطبيق القانون توسعا في تفسيره يخرج به عن معناه أو مخالفة صريحة له.

وتتطلب هذه المهمة الإضافية من المدافعين عن حقوق الإنسان فهما أعمق للوثائق المرجعية التي عليهم الاستناد إليها، وكذا للقوانين المستخدمة في كل دولة وإذا ما كان ينبغي المطالبة بتعديل بعضها، أو إذا كانت الحال تقتضي بالنسبة للبعض الآخر المطالبة بوضع قواعد أوضح لتطبيقها بحيث لا يمكن الخروج عن غرض المشرع منها، أو أخيرا إن كان الانتهاك لا يتعلق بنص القانون أو تفسيره وإنما ينطوي بالأساس على اساءة استخدام للسلطة أو للحق في التقاضي.

يتسع نطاق قضية استخدام القانون لملاحقة من يمارسون حقهم في حرية الرأي والتعبير ليشمل جوانب متعددة منها ما يتعلق بسلطات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية، ومنها ما يتعلق بالإطار المجتمعي الذي قد يجعل من هذه الممارسة مقبولة وربما محبذة من قبل المجتمع إلى حد مشاركة فاعلين غير حكوميين في هذه الممارسات بشكل مباشر أو من خلال حث سلطات الدولة عليها.

وتتخذ هذه الدراسة من الاتهام مدخلا للتعامل مع الجانب القانوني لهذه القضية، وذلك من منطلق كون الاتهام كنص هو التوصيف القانوني الذي يسبغ على فعل من الأفعال صفة الجريمة، وبذلك يتخذ موقعا مركزيا من أي ملاحقة قانونية ويمكن من خلال تحليل الاتهام كنص تبين ما إن كان في ذاته يمثل انتهاكا من حيث تناقضه مع الدستور أو العهود والمواثيق الدولية الملزمة للدولة كما يمكن من خلال مقارنة نص الاتهام بوقائع التطبيق العملي له ملاحظة ما إذا كان هذا التطبيق يتخطى ما يسمح به النص أو إن كان في الواقع لا يتقاطع معه مطلقا.

وتتناول الدراسة الحالية الاتهامات التي يشيع استخدامها في الدول العربية لملاحقة مواطنين على خلفية ممارسة حقهم في حرية الرأي والتعبير وكذا لملاحقة صحفيين وإعلاميين أو مؤسساتهم على خلفية ممارستهم لمهنتهم.

وفي سبيل ذلك تتناول الدراسة أولا الخلفية الحقوقية المتمثلة في إعلان حقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية كأداة للتقييم، فتستعرض بشكل تحليلي الإشكاليات المختلفة التي تترتب على كون الحق في حرية التعبير هو من الحقوق الجائز تقييدها وفق شروط محددة، وتخرج بمؤشرات يمكن على أساسها تقييم النص القانوني والممارسة الفعلية المستندة إليه من حيث كونهما يحققان شروط تقييد الحق للضرورة أم يتخطيان ذلك إلى مصادرة الحق مما يضعهما في مدار الانتهاك.

بعد هذا التمهيد النظري تتناول الدراسة الاتهامات الشائعة تحت ثلاث تصنيفات رئيسية، هي

أولا: الاتهامات التي تسعى سلطات الدولة من خلال استخدامها إلى حماية ممارساتها وسياساتها من الانتقاد بتحصين هيئاتها من خلال حظر “الإساءة إليها أو إهانتها” وكذا حظر الإساءة إلى الأفراد الممارسين للسلطة بدءا برأس السلطة (الرئيس أو الملك أو الأمير) وحتى الموظف العام في المطلق.

وثانيا: الاتهامات التي تسبغ حصانة على مقومات الهوية الدينية والقومية وغيرها ضد كل صور النقد أو حتى النقاش الإيجابي.

ثم ثالثا: الاتهامات التي تسعى إلى تجريد ممارسي الحق في حرية التعبير من أدواتهم وتفرض عليها أشكالا من الرقابة أو التقييد تحت عباءة التنظيم.

وتنتهي الدراسة بخاتمة تستعرض أهم استنتاجاتها وتتوجه بعدد من التوصيات إلى السلطات المعنية في الدول العربية وكذا إلى الفعاليات الاجتماعية في هذه الدول وفي مقدمتها المدافعين عن حقوق الإنسان من الأفراد والمنظمات.

وتبرز الدراسة في مجملها الحاجة الماسة إلى أن توضع تنقية التشريعات من النصوص المتعارضة مع الحق في حرية التعبير على رأس أولويات العمل الحقوقي في المنطقة لما للانتهاكات المستندة إلى هذه النصوص من خطورة تنبع من طبيعتها الخاصة التي تجعل مواجهتها والتعامل معها أكثر صعوبة من غيرها.

ونحن إذ نتمنى أن تسهم هذه الدراسة في إمداد المدافعين عن حقوق الإنسان في المنطقة العربية بما يساعدهم في مواجهتهم لظاهرة شديدة الخطورة وهي استخدام القوانين لانتهاك الحق في حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والإعلام، فإننا ندعوهم إلى بذل المزيد من الجهد في دراسة الجوانب المختلفة لهذه القضية في سبيل الوصول إلى برنامج أكثر شمولا وفعالية للتعامل معها.

 لقراءة وتحميل التقرير ضغط علي الرابط التالي :

تكميم الأفواه بقوة القانون pdf

تكميم الأفواه بقوة القانون word

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *