المنطقة العازلة في سيناء: مكافحة إرهاب أم إحكام لحصار غزة؟

20 يونيو ,2017
القسم

إسماعيل الإسكندراني

يمكن أن تــُرَى التطورات المتلاحقة في الأسابيع القليلة الأخيرة بأكثر من طريقة. فالنظرة المصرية المفرطة في مركزيتها الوطنية ترى تسلسل الأحداث وقد بدأ بوقوع هجوم نوعي على نقطة تفتيش عسكرية في “كرم القواديس” جنوب شرقي العريش في 24 أكتوبر / تشرين أول المنصرم، أسفر عن مقتل وإصابة أكثر من خمسين جندياً، ثم أُعلنت حالة الطوارئ في الشمال الشرقي من سيناء، وتم تهجير المنطقة السكنية المتاخمة للشريط الحدودي في مدينة رفح لإقامة منطقة عازلة مع قطاع غزة، الذي وجّه له الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصابع الاتهام بكونه جذر المشكلات الأمنية في سيناء[1]. كما ظهرت جماعة عشائرية مسلحة تدعى “حركة أبناء سيناء” لتعلن الحرب على جماعة “أنصار بيت المقدس”، تلك التي نفت خبر مبايعتها لتنظيم “داعش” بنصٍ متناقض أيديولوجياً ينفي البيعة ويعترف بالبغدادي خليفة للمسلمين[2]، ثم عادت بعد أسبوع لتعلن البيعة رسمياً في مقطع صوتي بلسان متحدثها الإعلامي[3]، ثم أصدروا تسجيلاً مرئياً[4] مفزعاً يوثّقون فيه عملية “كرم القواديس” تحت اسم “ولاية سيناء” في تنظيم “الدولة الإسلامية”. هكذا يرى المتابعون للشأن المصري التطورات الدراماتيكية في المشهد الأمني والسياسي، وهي رؤية لا تخلو من مركزية وطنية – بالمعنى المحلي في مقابل الإقليمي أو الدولي – تهمّش الحقائق الإقليمية التي يمكن أن تــُرى التطورات على ضوئها.

من الناحية الإسرائيلية، ترى الصحافة العبرية المشهد وقد تزامنت فيه التطورات الأمنية في سيناء وما رافقها من سياسات وقرارات اتخذتها حكومة السيسي، مع سقوط صاروخين مجهوليْ المصدر على الأراضي الفلسطينية المحتلة تم إطلاقهما يوم الجمعة 31 أكتوبر / تشرين أول المنصرم من قطاع غزة. قررت حكومة نيتنياهو إغلاق معبريْ كرم أبو سالم وإيريز، بالتزامن مع إغلاق معبر رفح من الناحية المصرية إلى أجل غير مسمّى، والشروع في إقامة المنطقة العازلة وتدمير الأنفاق بالكامل، فأضحت غزة مقطوعة الصلة تماماً بالعالم الخارجي[5]، جواً وبحراً وبراً ومن تحت الأرض.

يختفي الحديث عن غزة بشكل شبه تام في الخطاب السياسي والإعلامي المصري، على الرغم من أن المنطقي في إنشاء المنطقة العازلة هي أن تفصل بين جانبين. فالخطاب الإعلامي والسياسي المصري يُغفل حقيقة كون أحد الجانبين تحت حصار ممتد لسنوات، ويتغاضى عن ذلك تماماً في مقابل انشغاله بشن حملة تحريض من أجل التمهيد، ثم المباركة، لحملة التهجير القسري التعسفي الذي نفّذها الجيش المصري بحق جانب من سكان رفح المصرية. وعلى الرغم من عدم إنكار أي طرف لوجود الأنفاق أو حتى لاستخدامها في تهريب السلاح، إلا أن الحملة الدعائية قد نجحت في قلب موقع غزة في عملية تهريب السلاح، فتم تحويلها من وِجهة نهائية لسلاح المقاومة المهرب إليها عبر سيناء إلى مصدر لسلاح الجماعات الإرهابية التي تقوم بعملياتها في سيناء. وهو تحويل يصب في المصلحة الإسرائيلية، ويمكن فهمه بوضوح في سياق التنسيق الأمني الثلاثي بين مصر والولايات المتحدة الأميريكية وإسرائيل.

يحاول هذا المقال فك الالتباس بين ثلاثة خطوط متشابكة في قضية الأنفاق والمنطقة العازلة، وتتبع كل خط منها على حدة. وهذه الخطوط هي: خلفيات مشروع المنطقة العازلة في سياقه الإقليمي الأصلي قبل أن يتم تحوير الهدف منها إلى شأن وطني / محلي، وعلاقة المنطقة العازلة بالتهديدات الإرهابية التي أعقبت عزل محمد مرسي حتى اللحظة الراهنة، وحجم الأثر المتوقع لإقامتها في تحجيم الإرهاب المحلي.

خلفية عن مشروع المنطقة العازلة

بدءًا من 2004، ظهرت أصوات في الكونجرس الأمريكي تعتبر التزام مصر بمعاهدة السلام مع إسرائيل سبباً غير كافٍ لاستمرار الولايات المتحدة في تقديم معونة عسكرية منتظمة بقيمة 1.3 مليار دولار سنوياً (رقم ثابت منذ مطلع الثمانينيات). تصاعدت هذه الأصوات حتى مارس بعض أعضاء الكونجرس في 2007، أي قبيل نهاية عهد جورج بوش الابن، ضغوطاً لربط استمرار المعونة العسكرية الأمريكية لمصر بعدة مجالات، يجب على الحكومة المصرية إحراز تقدم فيها لتبرر استحقاقها لثاني أكبر مساعدة عسكرية أميركية في العالم، بعد إسرائيل. وقد تعددت أسباب التشكيك في استحقاق الحكومة المصرية لاستمرار المساعدات العسكرية، فبدأت من التنكيل السياسي بالمعارضين، مروراً بالتمييز ضد الأقباط، ولم يخل من ابتزاز لتقديم النوايا الحسنة لتوسيع وتعميق التطبيع مع إسرائيل. وبالفعل، نجحت هذه الضغوط في نهاية 2007 في وضع 100 مليون دولار من ميزانية المعونة في 2008 تحت ثلاثة شروط؛ وهي: استقلال القضاء (في إشارة لتلفيق قضية جنائية لتصفية الحسابات السياسية مع المعارض السياسي أيمن نور)، وكبح انتهاكات الشرطة، والقضاء على شبكات التهريب بين مصر وغزة عبر الأنفاق[6]. وقد خُصّص مبلغ 23 مليون دولار لما تمت تسميته “تحسين الأداء الأمني” على الحدود مع غزة[7].

اللافت للانتباه في التحرك الأمريكي هو تأكيد المحليين في رفح أن عام 2007/2008 كان بمثابة طفرة كبيرة في عدد وأحجام الأنفاق، التي بدأت سرّاً في التسعينيات من القرن الماضي. يؤكد جنود سابقون خدموا في الإدارة الهندسية للقوات المسلحة المصرية أنهم عملوا في مشروعات أنفاق سرية أقامها الجيش بين شطري رفح في التسعينيات[8]، وقت أن كان قطاع غزة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، من دون آفاقٍ لوجود نزاع على السلطة بين حماس وفتح. تعددت الأنفاق تدريجياً، وامتلكها أصحاب بعض المنازل والعقارات من عائلات “الإقلاعية” المتاخمة للحدود من الجانبين، حتى زاد عددها عقب اجتياح الغزّيّين للحدود مع مصر للمرة الثانية في 2007/2008، بضوء أخضر من المخابرات العامة المصرية، التي كان لها اليد العليا في إدارة الحدود مع غزة قبل ثورة يناير[9].

قامت حرب غزة في شتاء 2008/2009، وصمدت المقاومة لفترة طويلة من دون انهيار في سلطة حماس أو انشقاق شعبي حولها، كما كان مرجوّاً. وبدا أن أحد أهم أسباب الصمود هو ما تمتلكه المقاومة في غزة من قدرات دفاعية وشبه هجومية حصلت عليها عبر الأنفاق. لذلك، كانت لغة مذكرة التفاهم الإسرائيلية الأمريكية حول منع توريد الأسلحة والعتاد “للجماعات الإرهابية” – بحسب تعبير الوثيقة – واضحة بخصوص اعتبار الحدود المصرية مع قطاع غزة مصدر تهديد للأمن الإسرائيلي. وقّعت كوندليزا رايس، ممثلةً عن الولايات المتحدة الأمريكية، مع نظيرتها تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية، المذكرة المشار إليها بتاريخ 16/1/2009، مستهلتيْن إيّاها بالثناء على جهود الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، في هذا الإطار، وتفاهمتا على تقديم التعاون الأمني واللوجيستي والفني والاستخباراتي لمواجهة تهريب السلاح إلى حماس بالتنسيق والشراكة مع الحلفاء الإقليميين (دول الجوار) والدوليين (بخصوص خطوط النقل البحرية)[10].

في السنة ذاتها، خصص الكونجرس الأميريكي مبلغًا قدره 50 مليون دولار لــــ “تأمين الحدود المصرية مع قطاع غزة”[11]. ونشرت عدة تقارير صحفية وحقوقية عن استخدام السلطات المصرية وسائل مميتة في مكافحة الأنفاق، شملت، بالإضافة إلى الهدم والتفجير، استخدام الغازات السامة والإغراق بالمياه. ولم تنته تلك السنة حتى كشفت صحيفة هاآرتس في 9 / 12 / 2009 عن مصادر مصرية بدء العمل في جدار فولاذي ضخم على الحدود مع القطاع بعمق 20 – 30 متراً لمكافحة الأنفاق[12]. وبعد نفي الحكومة المصرية، عادت وأكّدت الخبر، ودافع عنه عمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، بصفته من اختصاصات السيادة المصرية ضمن ما يدخل في الحفاظ على الأمن القومي.

سجل مختصر بالتهديدات الإرهابية منذ 3 يوليو

وقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب اجتماع المجلس الأعلي للقوات المسلحة صباح السبت 25 أكتوبر / تشرين أول المنصرم وسط مجموعة من أعضاء المجلس، وألقى كلمة تليفزيونية[13] بخصوص الهجوم الأخير على نقطة تفتيش “كرم القواديس” متهماً أيادٍ خارجية لم يسمّها. لكنه أعلن بوضوح أن القرارات التي تم اتخاذها في الاجتماع الطارئ، التالي لاجتماع مجلس الدفاع الوطني مساء الجمعة عقب وقوع الهجوم، تهدف إلى حل المشكلة من جذورها، من ناحية قطاع غزة، وهو اتهام صريح جغرافياً يحدّد منبع الأخطار والتهديدات الإرهابية في وجهة نظر سلطة 3 يوليو / تموز 2013.

بمحاولة تتبع هذا الاتهام لدراسة ارتباطه بالتسلسل الزمني للأحداث في سيناء، يمكن رصد نشاط عدة جماعات مسلحة في السنوات الأخيرة انصبّت عمليّاتها بالأساس على المصالح والأهداف الإسرائيلية داخل سيناء (استهداف خط تصدير الغاز الطبيعي)، وعبر الحدود داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة (أم الرشراش / إيلات وصحراء النقب). وعلى الرغم من تبنّيها جميعاً أيديولوجيات سلفية جهادية، وإعلانها التضامن مع نظرائهم في غزة ضد تضييق حماس عليهم، وتكرار توبيخهم الإخوان المسلمين على اختيار طريق الديمقراطية والمشاركة السياسية، إلا أن مساراتهم قد افترقت بعد انقلاب 3 يوليو / تموز. ففي سبتمبر 2012، أصدر “أنصار بيت المقدس” تسجيلاً مرئياً استنكروا فيه اتهامهم بالمسؤولية عن الهجوم على نقطة تابعة لحرس الحدود في شهر رمضان، ما أسفر عن مقتل 16 جندياً، فيما عرف إعلامياً بــ “مذبحة رفح الأولى”. كان خطابهم في التسجيل المذكور لا يكفّر جنود الجيش ويعتبرهم مسلمين، من دون ذكر قادة الجيش وضباطه من قريب أو من بعيد، كما بثت الجماعة نفسها تسجيلاً في سبتمبر 2013 يوثّق دورها في الإفراج عن الجنود السبعة المختطفين في شهر مايو / أيار من العام ذاته قبيل الإطاحة بحكم محمد مرسي.

تغيّر الخطاب والسلوك تماماً بعد مذبحة الحرس دار الجمهوري (8 يوليو / تموز 2013) وتكرار الاعتداءات على الإسلاميين في مواقع ومواقف دينية، حيث اعتبرها خطابهم “مذابح الساجدين والصائمين”. أما تحول نيران جهاديي سيناء إلى الداخل المصري ضد القوات النظامية من الجيش والشرطة فكانت نقطته الفاصلة في الشهر التالي، أغسطس / آب، حينما اتهمت التنظيمات الجهادية في سيناء جميعُها (“أنصار بيت المقدس”، و”مجلس شورى المجاهدين – أكناف بيت المقدس”، و”السلفية الجهادية في سيناء”) الجيشَ المصري بالتنسيق الأمني والتعاون مع إسرائيل، التي اخترقت المجال الجوي المصري لقتل كوادرها. بدأت الأحداث بإحباط إطلاق ثلاثة صواريخ أرض – أرض من منطقة العجراء جنوب رفح تجاه أهداف إسرائيلية يوم 9 أغسطس / آب 2013. تم الإحباط بقصف طائرة إسرائيلية بدون طيار (درون) للخمسة المشاركين في العملية[14]، حيث قتلت منهم أربعة. وفي اليوم التالي، شنّت مروحيات الأباتشي المصري هجوماً على قريتي الثومة والمقاطعة لنفي التصريحات الإسرائيلية التي تداولتها وكالات الأنباء العالمية، وادّعاء أن الجهاديين الأربعة قتلوا في غارة مصرية يجري استكمالها في اليوم التالي[15]. كانت هذه الواقعة هي آخر ما صدر بخصوصه بيانات تمثل التعدد في تنظيمات السلفية الجهادية في سيناء، حيث يتصدر الآن تنظيم “أنصار بيت المقدس”، أو “ولاية سيناء”، مشهد الساحة القتالية ضد القوات النظامية في سيناء وعموم مصر[16]. ظهرت بوادر لجماعات وليدة، مثل “كتائب الفرقان” التي استهدفت الممر الملاحي لقناة السويس بقذائف الآر بي جي مرتين، ثم اختفت من الساحة، مع وجود احتمال قوي بالاندماج في “ولاية سيناء”، الذي لم تعد عملياته حكراً على سيناء[17]. ولا يوجد تنظيم نشط آخر بخلاف تنظيم “أجناد مصر” الذي يستهدف قوات الشرطة فقط في محيط القاهرة الكبرى.

الأنفاق والتهديدات الإرهابية: هل من علاقة؟

لاختبار علاقة أنفاق رفح بانتشار الأخطار الأمنية والتهديدات الإرهابية في ربوع مصر، يمكن دحض وجود علاقة ارتباط شرطي حصري بينهما. صحيح أن أول عملية كبيرة نفذها متشددون إسلاميون عقب الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013 كانت في سيناء (أغسطس/آب 2013)، إلا أن المتهم الرئيس فيها، ويدعى عادل حبارة، هو بالأساس من محافظة الشرقية في دلتا وادي النيل، وقد وقعت “المذبحة” بعيداً عن الشريط الحدودي بأكثر من 20 كيلومتر في الطريق بين العريش والشيخ زويد على الرغم من اشتهارها بــ “مذبحة رفح الثانية”. أما أول عملية نوعية للجماعات المسلحة فكانت أيضاً في سيناء، وقد نفذها تنظيم “جيش الإسلام” يوم 11 سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أي بعد 4 أيام من بدء العمليات الموسعة / الحرب في سيناء، تلك التي لم تتوقف حتى الآن. استهدف ذلك الهجوم مقر المخابرات العسكرية في رفح بحجم هائل من المتفجرات، فقتل وأصاب أغلب أفراد القوات الموجودة فيه.

في 7 أكتوبر/تشرين أول 2013، وقع هجوم “أنصار بيت المقدس” على مديرية أمن جنوب سيناء في مدينة الطور، وكان إيذاناً بخروج المواجهات من شمال سيناء، مع الاعتماد على التفجيرات الانتحارية. وبعد أقل من أسبوعين خلال الشهر ذاته، هاجم “الأنصار” مقر المخابرات العسكرية في مدينة الإسماعيلية على الضفة الغربية من قناة السويس. وفي نوفمبر / تشرين ثان 2013 نجح “الأنصار” في استهداف حافلة جنود أثناء عودتهم لقضاء إجازة من خدمتهم في معسكر الزهور في مدينة الشيخ زويد فقتلوا منهم 10 وأصابوا آخرين. ولم تنقضِ سنة 2013 حتى استهدف “الأنصار” مديرية أمن الدقهلية في مدينة المنصورة في قلب الدلتا في أواخر شهر ديسمبر / كانون أول. أما السنة الجارية فقد استهلوها بثلاث عمليات نوعية؛ فقد جددوا قصف إيلات بصواريخ من طراز “غراد” لأول مرة منذ بدء مواجهاتهم مع الجيش المصري، وفجّروا مديرية أمن العاصمة، وأسقطوا مروحية مقاتلة في شمال سيناء ليكونوا بذلك أول ميليشيا تسقط طائرة عسكرية مصرية في التاريخ. وفي فبراير / شباط من العام الجاري، استهدفوا حافلة سياح كوريين في جنوب سيناء كانت تقضي برنامجاً ترفيهياً بين مصر وإسرائيل.

قُتل مؤسس تنظيم “أنصار بيت المقدس”، توفيق محمد فريج، في شهر مارس/آذار الماضي في مواجهات مع قوات الجيش في سيناء، كما اعتقل مسؤول التنظيم في القاهرة، محمد بكري هارون، في شهر أبريل / نيسان، فتأثرت الجماعة قليلاً، ثم ما لبثت أن استعادت قدراتها بتولي ضابط الصاعقة المفصول من الخدمة، هشام عشماوي، مهمة قيادة العمليات الميدانية. يرجح أن يكون عشماوي هو مهندس عملية الهجوم على نقطة تفتيش عسكرية في محيط واحة الفرافرة في جنوب الصحراء الغربية المصرية في يوليو / تموز الماضي، وهو الهجوم الذي أسقط قرابة 25 قتيلاً وعدداً من المصابين. وتؤكد مصادر مطلعة نجاته من الهجوم الناجح الذي شنته قوات مشتركة من الجيش والشرطة في سبتمبر / أيلول الماضي على معسكر تدريب أقامه عشماوي لأعضاء “الأنصار” في طريق القاهرة – السويس.

في نهاية هذا السجل الحافل من العمليات الناجحة التي نفذها تنظيم الأنصار، يأتي هجوم “كرم القواديس” الأخير في الشمال الشرقي من سيناء مشابهاً لهجوم الفرافرة في الجنوب الغربي من مصر. لم يكن الهجوم الأخير هو الأكبر في حجم خسائر الجيش فقط، بل كان نقلة نوعية في اختراق “الأنصار” استخباراتياً لصفوف الجيش، حيث تزامن الهجوم مع زيارة تفقدية لقائد عمليات الجيش الثاني الميداني وقائد الكتيبة 101، فأصيب كلاهما في الهجوم، وإصابة أحدهما خطيرة. وهو ما يفسّر تواجد مثل هذا العدد الكبير من الجنود لحظة الهجوم في نقطة تفتيش عادية، وكذلك يفسر رد الفعل الرسمي التصعيدي غير المسبوق. وبالأخذ في الحسبان مئات الاشتباكات الاعتيادية في سيناء وبعض العمليات الفاشلة في العاصمة والساحل الشمالي الغربي، يتبيّن أن ربط المشهد الأمني المتردّي في أنحاء مصر، وتحويل النظر عن الحدود البرية والبحرية المفتوحة مع ليبيا والسودان إلى 14 كيلومتر فقط في أقصى الشمال الشرقي، لا يمكن فهمه إلا في ضوء سياق أمني إقليمي وليس ضرورة أمنية وطنية / محلية.

حتى كتابة هذه السطور، اختتم سجل عمليات “أنصار بيت المقدس”، سابقاً، أو ما أصبح يسمى “ولاية سيناء” التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، بعملية نوعية مركبة اخترقوا بها صفوف القوات البحرية، محاولين اختطاف لنش مقاتل بعد تجنيد قائده (ضابط شاب برتبة نقيب) لتنفيذ عملية هجومية ضد أحد قوارب نقل الجنود إلى سيناء. وقعت العملية صباح الأربعاء 12 نوفمبر / تشرين ثان، وبدأت تتكشف خيوط الرواية لاحقاً على الرغم من محاولات التعتيم وتلفيق القضية لبعض الصيادين للتغطية على الاختراق[18]. بعد هذه العملية، تأكدت حقيقة اختراق الجماعات المسلحة لصفوف الجيش، سواء بالتعاون الاستخباراتي أم حتى بالتجنيد لتنفيذ عمليات انشقاقية، وهي كلها مخاطر جادة تفوق احتمالات التهديد الأمني بسبب الأنفاق.

أثر المنطقة العازلة في تحجيم / تشجيع الإرهاب المحلي

بدأت قوات من الجيش المصري يوم 29 أكتوبر / تشرين أول المنصرم في إقامة منطقة عازلة بين شطري مدينة رفح المقسومة إلى رفح الفلسطينية شرقاً ونظيرتها المصرية غرباً. يجري تنفيذ هذه الخطة في أقصى الشمال الشرقي من شبه جزيرة سيناء، بطول 14 كيلومتر، هي حدود مصر البرية مع القطاع، وبعمق 500 متر كمرحلة أولى، وهي المسافة الفاصلة بين الشريط الحدودي وبين الطريق الإسفلتي الرئيسي داخل مدينة رفح المصرية. وتداولت وسائل إعلام مصرية لاحقاً خبراً عن عزم الجيش مد المنطقة العازلة لتكون بعمق كيلومتر واحد. تتضمن عملية إنشاء المنطقة العازلة طرد سكانها ونزع ملكياتهم لأراضيهم الموروثة عبر القرون، تلك التي تم تجريفها من الزراعات عالية الجودة قبل سنة، ويجري الآن هدم منازل السكان المهجّرين قسرياً منها وتسويتها بالأرض للشروع في إقامة فواصل فعّالة بين غزة وسيناء لمجابهة التهريب عبر الأنفاق.

أعلنت السلطات عن نواياها لتنفيذ هذا المقترح الأمني عدة مرات سابقة، ووجهت قيادات الحملة العسكرية، التي بدأت في سيناء في 7 سبتمبر / أيلول 2013 تهديدات للأهالي بإخلاء هذه المنطقة الكبيرة، التي تضم عدة أحياء سكنية ويبلغ تعداد قاطنيها ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف نسمة[19]. لكن الأفكار والخطط المعلقة، والتهديدات اللفظية، لم تدخل حيّز التنفيذ إلا عقب الهجوم الأخير على نقطة “كرم القواديس” في الجنوب الغربي لمدينة الشيخ زويد. وفق البيانات الرسمية وتصريحات محافظ شمال سيناء للفضائيات المصرية، فإن إجمالي عدد المنازل المزمع هدمها هو 802 منزل، منها 122 تم هدمها بالفعل على مدار السنة الماضية، و680 آخرين تم حصرهم للخطة الراهنة[20]. وبحسب المصدر نفسه، فإن عدد الأسر المتضررة من التهجير يتجاوز 1150 أسرة، وهي في أغلبها عائلات كبيرة الحجم. وقد تم التهجير بدون خطة إخلاء منظمة، بل طُرد الناس من بيوتهم تحت التهديد بتفجير المنازل فوق رؤوس من فيها. ولم تساعد القوات في توفير حافلات أو سيارات لنقل المفروشات والمتعلقات، كما علقت وعودها بالتعويضات من دون أي مستند رسمي يضمن حقوق المهجّرين[21].

تنص المادة 63 من الدستور المصري المستفتى عليه والمبدوء العمل به في 2014 على النص التالي: “يحظر التهجير القسري التعسفي للمواطنين بجميع صوره وأشكاله، ومخالفة ذلك جريمة لا تسقط بالتقادم”. تم تجاهل هذا النص تماماً أثناء اتخاذ القرار الأخير بإنشاء المنطقة العازلة، التي يسمّيها الجيش “مؤمّنة”. يراوغ قادة الجيش قانونياً ويحاولون توفير غطاء شرعي لانتهاك حقوق المواطنين في سيناء، فقد أعلن السيسي حالة الطواريء لمدة 3 شهور في المنطقة الشمالية الشرقية من سيناء، التي تضم رفح والشيخ زويد والعريش وعشرات من القرى والتجمعات السكنية البدوية التابعة. يتم تسويغ هذه القرارات الاستثنائية بضرورات الأمن القومي، لكن لا يبدو أن أحداً من الحكومة المصرية معنيّ بحكم القانون وخطورة أن تكون أجهزة السلطة هي المثال والنموذج في نسف دولة القانون.

لم يتحدث ممثلو السلطات المصرية عن إخلاء وتدمير مدرسة ووحدة صحية ومسجدين في المنطقة التي يجري عزلها، وهو ما كشفت عنه بعض تقارير الصحافة الإسرائيلية[22] وأكدته المصادر المحلية في رفح. ويعد هدم المساجد تحديداً مدخلاً أساسياً للخطاب التكفيري الذي يعتمد عليه أعضاء “أنصار بيت المقدس” وغيرهم من متشددين، مجادلين البسطاء المتضررين بأن المسلمين لا يهدمون بيوت الله ولا يقصفونها بالطيران والمدفعية، كما تكرر في مساجد قريتي المقاطعة واللفيتات وغيرها من قرى جنوب الشيخ زويد[23]. يستشهد الخطاب التكفيري في تعبئته أيضاً بما يسمّيها “مذابح الصائمين والساجدين”، فضلاً عن وقائع الاعتداء على مسيرات الإسلاميين السياسيين واعتصاماتهم في المساجد وبلوغ الأضرار والتلفيات محتوياتها، وكذلك التحريض على الملتحين والمنتقبات ومرتديات الخمار الواسع، وكافة أشكال التحريض والكراهية الاجتماعية التي تمارسها أبواق سلطة 3 يوليو / تموز.

يزعم السيسي أن إجراءاته المتطرفة في قسوتها في سيناء تحارب الإرهاب وتجفف منابعه، لكن الظاهر منها حتى الآن هي عمليات تفريخ وتعزيز للبيئة الحاضنة للتطرف والإرهاب، أو على الأقل لعوامله ومغذيّاته، سواءً بسبب الأضرار القانونية والاجتماعية الخطيرة أم لغياب المعالجة الاقتصادية والفكرية الاحتوائية غير الصدامية. وقد برزت بشائر التدهور الأمني داخل منطقة الطواريء في أقل من أسبوع من بدء التهجير، حيث تم تفجير مدرعة بالعريش خلال ساعات حظر التجوال، كما قصفت مديرية أمن شمال سيناء بقذائف مدفعية، وأعلنت جماعة عشائرية وليدة تدعى “حركة أبناء سيناء” عن تدشينها عبر فيديو تم بثه على موقع “يوتيوب”، وقد ظهر أعضاؤها بملابس عسكرية مموهة وسلاح خفيف ومتوسط وأعلنوا أن هدفهم هو محاربة “أنصار بيت المقدس” بسبب تجاوزاتهم في حقوق بدو سيناء، من دون أية إشارة للدولة أو أجهزتها الأمنية والعسكرية. وفي أقل من شهر، وقعت حادثة دمياط البحرية، التي تعد اختراقاً نوعياً من “الدواعش المصريين” لصفوف قوات الجيش.

الخلاصـــة

كان مشروع عزل الشريط الحدودي بين شطريْ رفح واضحاً تماماً قبل ثورة يناير، فلم يكن في دعاوى الحكومة المصرية أي شأن بخصوص ربط الأنفاق بتهديدات أمنية محلية في سيناء، فكان الهدف، الحقيقي والمعلن، هو منع تهريب السلاح إلى غزة. وفّر بزوغ الجماعات المسلحة في شمال سيناء عقب الثورة وتمردها على سلطة الدولة المصرية، وعدم اعترافها بالحدود أو المعاهدات الدولية، ظرفاً مواتياً لدولة الاحتلال كي تضغط على الجانب المصري بأساليب مختلفة لإجباره على تأمين حدودها التزاماً بنص معاهدة السلام، الذي يقضي بعدم اتخاذ أراضي أي طرف كمنطلق لأعمال عدائية تجاه الطرف الآخر.

في عهد المجلس العسكري لجأت القوات الخاصة الإسرائيلية إلى تنفيذ عملية اغتيال لأحد كوادر “أنصار بيت المقدس” في قرية “خريزة” في وسط سيناء، مخترقة الأراضي المصرية بعمق 15 كيلومتر. وفي عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، اختطف الإسرائيليون وائل أبو ريدة، القيادي في حركة الجهاد في غزة أثناء زيارته لدلتا وادي النيل في زيارة علاجية، كما نفّذوا عملية اغتيال أخرى لأحد كوادر “أنصار بيت المقدس” في منطقة “جوز أبو رعد” جنوب رفح. وعقب انقلاب 3 يوليو / تموز، اخترقت طيارة إسرائيلية بدون طيار الأجواء المصرية لتحبط عملية إطلاق صواريخ تجاه الأراضي المحتلة من منطقة “العجراء”.

احتاج الجيش المصري إلى الدعم الإسرائيلي في المحافل الدولية في النصف الثاني من 2013 والربع الأول من 2014، لِكيْلا يتم اعتبار حركة 3 يوليو / تموز انقلاباً عسكرياً. تكشفت خيوط التفاهم المصري الإسرائيلي تدريجياً، بحسب الصحافة الإسرائيلية[24]، فاتضح أن تعاوناً أمنياً حثيثاً يجري على أرفع مستويات القيادة بين الجانبين في مجال مواجهة الجماعات المسلحة في سيناء وتأمين حدود إسرائيل، وبالمقابل فإن اللوبي الإسرائيلي لم يتوان عن دعم السيسي في واشنطن وبروكسل، وكان له دور كبير في الضغط من أجل الإفراج الجزئي عن المعونة العسكرية المجمدة منذ أكتوبر 2013. يحرص الطرفان على التنسيق والتعاون في سبيل الإبقاء على سريان معاهدة السلام والحصول على الدعم الأمريكي المقترن بها. وهو السياق الذي يمكن أن تفهم من خلاله التصعيدات الأخيرة تجاه الشريط الحدودي مع غزة بموضوعية، ومن دون تفسيرات تآمرية دوغمائية.

نشر هذا المقال في 3 ديسمبر , 2014  على موقع منتدى العلاقات العربية والدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *