26 يونيو ,2014
المنظمة

المكارثية تتوطن في مصر ،، عن مصادرة الكلمة والحرب على الرأي

ورقة موقف من الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسانMAC20141

كلمات مفروغ منها :

أن تحمل رأيا مخالفا ، فهذا ليس جريمة أو خطأ في أي مجتمع أو دولة تحترم القانون وتتمتع ولو بقدر ضئيل من الديمقراطية.

أن تعبر عن هذا الرأي وتطرحه على الجمهور بأي صورة ، فهذا حق أصيل من حقوق كل فرد في المجتمع الانساني بأكمله.

أن يكون رأيك  والتعبير عنه لا يحمل – مهما اشتد أو كان حادا –  سبا أو قذفا أو تحريض على العنف ، فهذا الرأي جدير بالحماية والنقاش من المؤيد والمعارض ، من الحكومات والقضاء .

وما دون ذلك يعبر بوضوح عن خلل هائل في المجتمعات.

الكثير من الديكتاتوريات كانت تعاقب اصحاب الأراء المختلفة ، ولا تقبل سوى الاراء الداعمة لها والمصفقة على طول الخط ، فالتفكير خطأ ، والرأي جريمة ، ويزداد حجم الجريمة بزيادة مساحة النقد بهذا الرأي ،ومن أشد التجارب سواد في تاريخ الانسانية كراهية للرأي والاختلاف والتغريد خارج السرب ، كانت المكارثية الأمريكية.

المكارثية باختصار هي الإرهاب والحصار الذي يستهدف المثقفين والمفكرين المختلفين في الرأي ، و هي “المكارثية” تنسب للسيناتور الجمهوري الامريكي “جوزيف ريموند مكارثي” خلال خمسينات القرن الماضي ، حينما شن حملة ظالمة ضد أغلب المفكرين والكتاب والمبدعين الامريكيين يتهمهم بالانتماء للفكر الشيوعي والعمالة للاتحاد السوفيتي ، الذي كان بحالة عداء للولايات المتحدة خلال هذه الفترة.

سقط مكارثي ، لكن بقي مصطلح المكارثية  شاهدا على الحصار والتضييق ومحاربة المختلفين في  ارزاقهم ، في اي مكان بالعالم.

المكارثية في مصر

في الثالث من يوليو 2013 ، وبعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي من منصبه كرئيس للجمهورية ، بدأت اجهزة الدولة ولاسيما اجهزة الاعلام الرسمية والخاصة في شن حملة هائلة ، لم تقتصر فقط على جماعة الاخوان المسلمين والمؤيدين لها ، بل امتدت لتطال حتى المؤيدين لعزل الرئيس السابق ، وإن اقترن تأييدهم  بتوجيه نقد لطريقة إدارة المرحلة الانتقالية وظهور اعتداءات على سيادة القانون وتقليص مساحة الحريات في مصر.

وفي المقابل ، راح اعضاء جماعة الاخوان المسلمين سواء من بقى خارج السجون أو سافر خارج مصر ، يشنون حملة على الحكومة الجديدة ورموزها ، ثم طالت الحملة لتشمل كل من أيد النظام الجديد ، وامتدت الحملة لتشمل كل المختلفين مع جماعة الاخوان المسلمين ،سواء منتمين للتيار الاسلامي  او العلمانيين .

وما بين المؤيدين لسلطة 3يوليو ، او لسلطة الاخوان المسلمين ، كان هناك فريق ثالث موزع بين من يحمل تأييدا لسلطة 3 يوليو مصحوبا بنقد لأداءها ، او من ينتقد السلطتين ويراهما مناهضين لمبادئ ثورة 25يناير والديمقراطية أو من فضل الانتظار والحذر ليرى  مؤشرات عن نهج حكم السلطة الجديدة.

هؤلاء من وصفهم المؤيدين لسلطة 3يوليو بالخلايا النائمة ” تعبير كناية عن انتمائهم للاخوان المسلمين” بغض النظر عن صدق هذا الوصف أو جديته ، لكنه كان احد أشكال الهجوم على كل من نأي بنفسه عن تأييد الابتعاد المتسارع لسلطة 3يوليو عن الديمقراطية والعدالة وسيادة القانون.

في هذه الورقة نستعرض بعض الامثلة من الحرب التي تُشن على المختلفين ، خلال الثلاثة اشهر الماضية كنماذج لتحول منهج الرقابة والمصادرة إلى حرب على الأرزاق ، نتمنى الا تصل لحد حصار التجويع  مثلما حدث في المكارثية الأولى.

أمثلة للانتقال من الرقابة إلى المصادرة ، ثم الحرب على الأرزاق:

 منع محمد محسن من الغناء في عيد الفن  بالأوبرا

في بداية شهر مارس 2014م ، وبعد توجه المطرب الشاب “محمد محسن” الذي إشتهر بالغناء الداعم للثورة ، إلى دار الاوبرا المصرية لحضور الاحتفال بعيد الفن ، والمشاركة بالغناء فيه ،إلا انه فوجئ بمنعه من الدخول أو الغناء  بعد إبلاغه بأن هناك ملاحظات أمنية ضده !!

ويقول محمد محسن عن هذه الواقعة ” وكيف وأنا عضو في لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة، وتم اختياري في لجنة الشباب ولم أسع له، فلماذا لم تر الحكومة تلك الملاحظات الأمنية قبل اختياري ؟ بخلاف أنه سبق لي أن مثلت مصر بالغناء في العديد من المحافل الدولية منها حفل الأكاديمية المصرية في روما بحضور سعادة السفير المصري في إيطاليا في يناير الماضي، كما سبق لي الغناء في بيروت برفقة الفنان الكبير مارسيل خليفة الشهر الماضي، وكان ذلك في حضور معالي السفير المصري في لبنان، والذي أبدى لي سعادته بأدائي وتشريفي لمصر في مختلف المحافل سواء بالداخل أو بالخارج، فمتى ظهرت تلك الـ (ملاحظات الأمنية) ؟! ومن الذي أصدر قراراً بمنعي بتلك الطريقة المهينة؟!”.

(موقع جريدة الوطن ، http://elwatannews.com/news/details/437626 في 13مارس 2014)

منع فعالية الفن ميدان

إحدى الفرق الغنائية التي لاقت قبولا واسعا في مصر لاسيما عقب ثورة 25يناير ونجاحها في التعبير قطاع واسع من حركة المطالبة بالديمقراطية بالغناء الثوري ، هي فرقة “اسكندريللا ” والتي اصبحت تقدم فعالياتها الغنائية بشكل منتظم بين الاسكندرية والقاهرة ، وينخرط اعضاء الفرقة في الحركة المطالبة بالديمقراطية  عبر الغناء من اجل الديمقراطية ، في يوم السبت 5 إبريل2014، منعت قوات الأمن بالإسكندرية، إقامة العرض الفني الدوري لفعالية ”الفن ميدان”، بحديقة مسرح بيرم التونسي بوسط المحافظة ، مدعية أن منظمي العرض لم يحصلوا على تصريح لإقامته. بالرغم من أن الاحتفالية تقام منذ ثلاثة سنوات بشكل منتظم في القاهرة و الاسكندرية ، فلم تكتفي قوات الأمن بالمنع ، بل قامت باعتقال عدد من المنظمين، وإن أفرجت عنهم بعد ذلك.

منع نادر الفرجاني من الكتابة في “الأهرام”

وفي يوم الأحد 25 مايو 2014، أعلن الكاتب والأستاذ الجامعي نادر الفرجاني، والذي عمل من قبل كرئيس تحرير لتقرير التنمية البشرية العربي الصادر من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن جريدة الأهرام منعت نشر أي مقالات له. وجاء المنع على خلفية كتاباته المنتقدة للمشير عبد الفتاح السيسي ونظام حكمه.

وكان الفرجاني قد شبه السيسي في أحد مقالاته التي حملت عنوان “المشير وتوجهات الثورة”، والذي نشرته جريدة الأهرام بتاريخ 24 مارس. بالرئيس المخلوع حسني مبارك في خطابه. وقال أن نظرة السيسي تعبر عن قصور في تصور التنمية، وفي علاقة الحاكم بشعبه.

وعلى الرغم من تاريخ الفرجاني الاكاديمي والتنويري ، واعتياده على الكتابة شبه المنتظمة في الكتابة للعديد من الصحف على رأسها الاهرام ، إلا أن هذا لم يشفع له ، فتم ايقاف نشر اي مقالات له ،بل واستمرت الهجوم  عليه ضمن اخرين.

توقف محمد فتحي عن الكتابة في الوطن

في 29 مايو2014، أعلن الكاتب الصحفي محمد فتحي توقفه عن كتابة مقالاته في جريدة الوطن ،على خلفية منع نشر مقاله الذي انتقد فيه المشير السيسي، والذي جاء بعنوان ” ادعموه..قوموه أو البسوه” ولم يشفع للكاتب الاكاديمي  اعتصامه بالمهنية والاراء التي غلب عليها الحياد خلال الصراع السياسي ، مما حدا به للانسحاب بدلا من القبول بمصادرة مقاله.

برنامج الإعلامي باسم يوسف من الوقف للمصادرة

نحو ثلاثين قضية وبلاغ للنيابة العامة ضد باسم يوسف وبرنامج “البرنامج” خلال عام من حكم الرئيس المعزول محمد مرسي ، لكنه لم يتوقف ولم يصادر.

وبعد تولي السلطة الجديدة عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي ، قامت قناة “سي بي سي –  cbc” بوقف البرنامج الذي كان قد بدأ عرضه بها ، بالتوازي مع حملة هائلة من التشهير بالاعلامي الساخر والتي وصلت للنيل من اسرته ومحاصرة مسرح وسينما “راديو” التي يسجل بها برنامجه.

وانتقل باسم يوسف لقناة ” ام بي سي مصر ” وفي شهر فبراير 2014 بدأ تقديم اولى حلقات “البرنامج” في القناة ، وعقب الحلقة الاولى ثارت ثائرة المؤيدين للسلطة الجديدة ، وبدأت المطالبات بوقف البرنامج وحصار جديد لمقر تصويره !!

كان شعارهم بسيطا وواضحا ” نعم لنقد محمد مرسي وحكومته ، ولا لنقد السلطة الجديدة والمشير عبدالفتاح السيسي” !!

وبعد نحو 10حلقات ،قررت ادارة قناة ” mbc”  اعطاء البرنامج أجازة حتى تنتهي الانتخابات الرئاسية ليعود في 30مايو ، لكن كان مصير البرنامج هو الايقاف مرة أخرى نتيجة ضغوط هائلة لم تحتملها القناة ، ليختفي البرنامج حتى اليوم ، وإن لم تقف الحملة ضد باسم يوسف ، ليس لانه ينتمي للاخوان المسلمين ، بل لأنه لم يكن من الداعمين بشكل اعمى لسياسات الحكم الجديدة ، ونتيجة لتمسكه بحقه ومبادئه في توجيه النقد الساخر لشخصيات اعلامية وسياسية.

منع فرقة قوطة حمرا

ظهر فريق قوطه حمرا فى شهر يونيه 2009 عندما تقابل الأربع أعضاء المؤسسين للفرقه بمشروع لمهرج الشارع مع مؤسسة مهرجون بلا حدود – فرنسا , وبعد عام ونصف من التمرين و العروض بشوارع مصر قام أعضاء المجموعة بتأسيس قوطه حمرا , و مع بداية يناير 2011 بدأت الفرقة فى أنتاج أول عروضها.

ونتيجة لايمان فريق قوطة حمرا القوى بمدى تأثير الفن على المجتمع بدئوا في تقديم عروضهم عن القرى والفئات المهمشة بمصر .

عشرات العروض قدمها فريق قوطة حمرا في الشوارع والميادين والقرى والأزقة ،،

لكنها لم تسلم من المنع والتهديد ،

ففي يوم الجمعة 20 يونيو2014، وأثناء استعداد الفريق لاقامة عرض بأحد ميادين المعادي ، في يوم الجمعة حيث لا زحام أو اختناق مروري ، إبلغهم جهاز الأمن برفضه اقامة العرض ، تصور الفريق أن السبب هو وجوده بميدان ، فقرروا نقل العرض لشارع جانبي ، فرفضت أجهزة الأمن ، فقرر فريق قوطة حمرا نقل العرض داخل مدرسة بالاتفاق مع إدارة المدرسة ، رفضت اجهزة الامن ، وهددتهم بالقبض عليهم لو اقاموا العرض!.

علاء الأسواني ورفض المديح على حساب الحقيقة

“لم يعد الآن مسموحًا إلا برأي واحد، وفكر واحد، وكلام واحد، لم يعد مسموحًا بالنقد والاختلاف في الرأي، لم يعد مسموحًا إلا بالمديح على حساب الحقيقة».

هذا ما كتبه  الدكتور علاء الأسواني  عقب توقفه عن الكتابة في جريدة المصري اليوم  مساء الأثنين 23يونيو 2014 .

لم يعرف عن علاء الأسواني خلال سنوات سوى الدفاع عما يعتقد وعن قناعاته ، هو يرحب بالاختلاف ويتقبل النقد ويمارس النقد ، يتفق معه الكثير ويختلف معه اخرون ، لكن يعلم المتفقين معه والمختلفين أنه يدافع عما يعتقده صوابا,

توقف علاء الاسواني عن الكتابة ، ولم يتوقف الهجوم عليه !

هذا الهجوم لم يشارك به صحفيين واعلاميين يهللون للسلطة الحالية فحسب ، بل واعلاميين منتمين لنظام الديكتاتور مبارك ، وأنصار جماعة الاخوان المسلمين ، لم يغضب للتضييق على علاء الاسواني ، سوى المدافعين عن الديمقراطية.

منع مسلسل “أهل اسكندرية”  والحرب على المختلفين

وكان أحدث وقائع المنع، ما تعرض له المسلسل الذي كتبه و أعده الكاتب بلال فضل، وحمل عنوان “أهل اسكندرية”،

اختلف سيناريو المنع والمصادرة ، لكن الجوهر واحد ، غير مرحب بعمل يشارك به وكتبه منتقدين للممارسات البوليسية ، ضغط أمني أعترف به رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي حسن حامد ، لعدم عرض مسلسل كتبه بلال فضل ، ويمثل به عمرو واكد وبسمة ومحسنة توفيق  وهشام سليم.

بلال فضل اليمين الكاره للدولة في مصر ، عمرو واكد الفلسطيني المهاجم للسلطة ، بسمة ذات الجرمين ، الاصول اليهودية وزواجها من عمرو حمزاوي ،،، هذا نمط من الهجوم الذي شنه اعلاميو السلطة الحالية وسلطة مبارك ، مدعومين بشماتة من أنصار الاخوان المسلمين وبعض المناصرين للنظام بشكل هيستيري.

وبعد ضجة كبيرة ، كانت الكلمة العليا لأجهزة الأمن ، لن يعرض مسلسل يشارك به ناقدين وحاملو أراء مختلفة.

منع مسلسل “أهل اسكندرية” ليس مجرد مصادرة وتضييق على كتاب وممثلين يحملون اراء مختلفة ، بل بداية واضحة للحرب على الأرزاق ، الحرب على “لقمة العيش”.

وبعد :

هذه فقط أمثلة من نماذج كثيرة ، أمثلة لوقائع منع ومصادرة وحرب تجويع خلال ثلاثة أشهر فقط ، لم تتضمن هذه الورقة نماذج أقدم خلال العام المنصرم ، فهي كثيرة ومعلومة ، بدءا من ريم ماجد ، ودينا عبدالرحمن و وائل قنديل وعمرو حمزاوي ومصادرة جريدة وصلة ، والعديد من الاعلاميين في التليفزيون الرسمي للدولة ” ماسبيرو” .

المنع من جانب والهجوم والتبرير من جانب أخر، التضييق على  الأراء المختلفة ، والترحيب بالمحرضين ودعاة الوقف والانتقام!!

لا يبدو أن هناك نوايا للسلطة الجديدة لاحترام حرية التعبير وحرية الابداع أو الاختلاف .

لذلك فنحن لا نطرح سوى توصية واحدة ، احترموا حرية التعبير ، فوطن يكره الكلمة ، هو وطن يعيش انهياره.

هذه الورقة ، هي مجرد برقية لسلطة  تحاصر حرية التعبير ، ورسالة واضحة لكل المدافعين عن الديمقراطية وأهم عناصرها –حرية التعبير – لا تصمتوا على وأد الكلمة والرأي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *