المحاكمة في الوزارة عن المحاكمات التي تعقد في مقرات وزارة الداخلية بدلا من العدل

تقديم

القاعدة أن المحاكمات تعقد في المحاكم ، وتخضع المحاكم لوزارة العدل.

لكن في مصر الأمر مختلف ، فقد تحتجز ويحقق معك ويتم محاكمتك في نفس المكان دون أن تغادره ، ودون أن ترى محكمة مقر للنيابة العامة، وهذا المكان قد يكون سجن ، أو معهد لتدريب أمناء الشرطة ، أو أكاديمية الشرطة ، أو معسكر الأمن المركزي.

مقدمة

يعد مبدأ علانية الجلسات من أهم الضمانات الشكلية للمحاكمة العادلة والذي يشترط أن  تعقد المحكمة جلساتها في إطار من العلانية وأن تكون تلك الجلسات متاحة أمام الجمهور والرأي العام وبالطبع أسر وذوي المتهمين.

وبعد ثورة 25يناير ، وعقب الضغوط الشعبية لمحاكمة الدكتاتور الاسبق حسني مبارك ، كانت ضخامة القضية ، او هكذا يبدو، مبررا لعقد المحاكمة في أكاديمية الشرطة ، في منطقة القاهرة الجديدة.

لكن منذ عام 2013، تم نقل أغلب المحاكمات الجنائية ذات الطابع السياسي إلى المقار الشرطية وذلك  بدءاً من المحاكمة في القضية المعروفة اعلامياً بأحداث مجلس الشورى والقضية المعروفة اعلامياً بأحداث محكمة عابدين؛ حيث انعقدت جلسات المحاكمات فيهما  داخل مقر معهد أمناء الشرطة بطرة بزعم تعدي بعض المواطنين على مقار المحاكم وخشية من الاعتداء على رجال القضاء.

وعلى الرغم من تأكيد الأجهزة الرسمية والأمنية على استقرار الأوضاع الأمنية ، ظلت المحاكمات ذات الطابع السياسي مستمرة داخل المقار الشرطية حتى الآن ، وباتت القاعدة هي عقد المحاكمات في مقار تتبع وزارة الداخلية ، والاستثناء أن تعقد المحاكمات  في المحاكم.

نحاول في ورقتنا توضيح مثالب المحاكمات المنعقدة داخل المقار الشرطية التابعة لوزارة الداخلية ، وربطها بالإطار الدستوري والتشريعي والدولي لفكرة علانية المحاكمة ونسلط بعدها الضوء على حالات عملية لمحاكمات منعقدة في مقار شرطية وأجواء تلك المحاكمات وكذا الوقوف على نص تشريعي في قانون الإرهاب يتعارض مع مبدأ العلانية في محاولة لإثبات تعارض المحاكمات المنعقدة في مقار شرطية مع المبدأ المذكور ونوضح أسباب ذلك التعارض والذي يفقد المحاكمة أركان عدالتها ويخل بالضرورة بالحقوق الدستورية المكفولة للمتهمين وفي مقدمتها حقي التقاضي والدفاع ووجوب عدم التمييز  بين المتهمين ومساواتهم في مجال النفاذ إليهما.

أولاً: افتقاد المحاكمات لشرط علانيتها داخل المقار الشرطية:

مبدأ علانية الجلسات يفترض حق كل إنسان في حضور المحاكمة دون شرط أو قيد أو عائق سوي ما يخل بالنظام العام أو الآداب بهدف تمكين الجمهور من فرصة مشاهدة إجراءات المحاكمة  والإلمام بها والإفادة مما يتخذ فيها من إجراءات وما يدور خلالها من مناقشات وما يدلي به فيها من أقوال ومرافعات ، والاستثناء وحسب مواد الدستور والقوانين ، هو المحاكمات المتعلقة بخصوصية الأسر والعائلات ، على سبيل المثال .

وقد أكد دستور 2014 على مبدأ العلانية بنصه في المادة 187منه على أن“جلسات المحاكم علنية، إلا إذا قررت المحكمة سريتها مراعاة للنظام العام، أو الآداب، وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية.”

كما نص قانون المرافعات المدنية والتجارية على ذات المفهوم في المادة 101منه بقولها“تكون المرافعة علنية إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم إجراءها سراً محافظةً على النظام العام أو مراعاة للآداب أو لحرمة الأسرة.

وجاء قانون الإجراءات الجنائية في المادة 268 منه لينص على“يجب أن تكون الجلسة علنية، ويجوز للمحكمة مع ذلك مراعاة للنظام العام أو محافظة على الآداب، أن تأمر بسماع الدعوى كلها أو بعضها في جلسة سرية، أو تمنع فئات معينة من الحضور فيها”

ولا يعد مبدأ العلانية  ضمانة للمتهم فحسب وإنما هو مكفول للعامة في نفس الوقت، كون إجراءات المحاكمة تجعل من الرأي العام رقيباً على أعمال القضاء؛وهو ما يحقق فائدة مزدوجة فمن جهة  تحقق العلانية احترام القضاء والثقة بنزاهته ومن جهة أخرى تنعكس على تعزيز سياسة الردع العام.

ويتمثل افتقاد المحاكمات المنعقدة في مقار شرطية لمبدأ العلانية؛في منع دخول كثير من أهالي المتهمين والجمهور والصحفيين واﻻعلام  من حضور الجلسات من قبل قوات الأمن وهو ما يقوض المبدأ المذكور ويجرده من محتواه بشكل كامل على خلاف ما نصت عليه النصوص الدستورية والتشريعية.

ثانياً: وضع المتهمين داخل قفص زجاجي وحجبهم عن حق الدفاع والإتصال بمحاميهم:

كثيرا ما يوضع المتهمين في جلسات محاكمتهم المنعقدة في المقار الشرطية ( مثل معهد أمناء الشرطة أو أكاديمية الشرطة ) داخل أقفاص حديدية مزودة بحواجز زجاجية معزولة الصوت تمنع المتهم من التواصل مع محاميه وكذا قد تحجب عنه سماع إجراءات محاكمته وهو ما يشكل إهداراً كبير لحق المتهم في الدفاع عن نفسه بشخصه أو من خلال محاميه وحقه في الإحاطة بإجراءات محاكمته من سماع الشهود وفض الأحراز ومرافعة الدفاع عنه وفقا لما اقره الدستور والقانون وما أكدت عليه العهود والمواثيق الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وبذات المفهوم نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن “من حق كل فرد أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية ومنشأة بحكم القانون”

وباستقراء نصوص الدستور والقانون وكذا المواثيق والعهود الدولية ,نجد أنها جميعاً أقرت مبدأ علانية الجلسات كضمانة أساسية لتحقيق المحاكمة العادلة،وبإنزال تلك القواعد القانونية على المحاكمات التي تجري داخل المقار الشرطية  نجد أنها تفتقر للمبدأ المذكور حيث ان أغلب تلك المحاكمات تجري دون حضور أهل المتهمين والجمهور والصحفيين بسبب منع قوات الأمن دخولهم للمقار التي تسيطر عليها ، وبالتالي حضورهم  ، إلى جانب حجب المتهمين عن التواصل مع محاميهم أو سماع إجراءات محاكمتهم بسبب الأقفاص الزجاجية التي تفصل بينهم ومحاميهم من جانب وبينهم وبين القضاة من جانب آخر.

ثالثاً: أين  تعقد أغلب المحاكمات ذات الطابع السياسي:

1- سجن الجيزة المركزي :

يوجد مقر المحكمة داخل سجن الجيزة المركزي وقد جرت به العديد من المحاكمات منها  القضية المعروفة إعلامياً بقضية”جمعة اﻻرض “التي وقعت أحداثها في منطقة الدقي والعجوزة  بدرجتيها الأولى واﻻستئناف .

وفي تلك القضية تم منع اهالي المتهمين وذويهم وكذا الصحفيين واﻻعلامين  من حضور جلسات المحاكمة ولم يسمح سوى لمحاميي المتهمين من الدخول إلى قاعة المحكمة .

كما أن قاعة المحكمة وضع بها قفص زجاجي لم يمكن المحامون من التواصل مع المتهمين، ولم يتمكن المتهمين بالتبعية من سماع مرافعة محاميهم.

2- معهد أمناء الشرطة:

في معهد أمناء الشرطة بطرة  يوجد ثلاث قاعات محاكمة وتعقد أغلب المحاكمات ذات الطابع السياسي بها  ومن ضمن تلك المحاكمات وأشهرها قضية فض اعتصام ميدان رابعة العدوية،و مظاليم وسط البلد  ،وغيرها من المحاكمات ، فضلا عن نظر جلسات تجديد الحبس بنفس المعهد.

وفي المقر المذكور لا يسمح بحضور أهالي المتهمين وذويهم وكذا الصحفيين إلابقرار من رئيس المحكمة سواء بالتصريح أو بالمنع رغم كون الجلسة علنية وتختلف قرارات رئيس المحكمة تبعاً للقضية وبدون تسبيب للقرارات الصادرة سواءً بالمنع او بالتصريح؛ فعلي سبيل المثال لا الحصر  تم السماح لاهالي المتهمين وذويهم وكذا الصحفيين بالحضور في قضية فض ميدان رابعة العدوية بينما رفض القاضي حضور الأهالي في قضية مظاليم وسط البلد دون ذكر أسباب واضحة.

إلى جانب حجب الأهالي والصحفيين من حضور الجلسات تم تجهيز جميع  قاعات المحكمة بأقفاص زجاجية لمنع التواصل بين المحامين والمتهمين، والأنكى من ذلك هو ما يتعرض له المحامون من إجراءات تفتيش المتعسفة من قبل قوات الأمن والدخول بعد التسجيل بالدفتر الخاص باﻻمن والحصول على تصريح بالدخول لحضور الجلسات.

3-  أكاديمية الشرطة :

يوجد محكمة داخل مقر أكاديمية الشرطة وقد جرت بها العديد من المحاكمات ذات الطابع السياسي منها القضية المعروفة اعلامياً بأحداث مجلس الوزراء ،أحداث كرداسة وغيرها من القضايا

تمنع قوات الأمن  دخول أهالي المتهمين وذويهم وكذا الصحفيين واﻻعلامين وتمنعهم عن دخول وحضور جميع جلسات المحاكمة  ولا يسمح سوى لمحاميي المتهمين بالحضور.

4- سجن 15مايو

تم افتتاح هذا السجن في يونيو 2015 ، ويضم بجانب غرف السجناء ” الزنازين” عدة قاعات لتجديد الحبس ، زعما بتوفير الراحة على رجال النيابة والقضاء ، لكنه يحرم الكثير من الأسر من حضور جلسات التحقيق وتجديد حبس اقربائهم ، فضلا عن حرمان المحبوسين احتياطيا به ، من الشعور بالأمان وهم بحوزة الداخلية ، خلال التحقيقات.

رابعا : هجرة العدالة ، من المحاكم للداخلية

بعيدا عن محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري ، وما يشوب هذه المحاكمات من فقدان لشروط المحاكمة العادلة ، فقد رصدت الشبكة العربية أن المحاكم التابعة لوزارة العدل لم تشهد سوى نحو 26 % من المحاكمات ، في حين شهدت المقرات الشرطية التابعة لوزارة الداخلية نحو 74 % من المحاكمات التي رصدتها الشبكة العربية خلال عام واحد ، يبدأ من مايو 2017 وينتهي في مايو 2018، وذلك على النحو التالي:

 

  • خلال الفترة من مايو 2017 إلى مايو 2018 تم رصد حوالي عدد ( 192 ) قضية ذات طابع سياسي يتم تداولها أمام القضاء، من بينها نحو عدد ( 118 ) قضية تم انعقاد جلساتها داخل مقار شرطية نذكر منها على سبيل المثال (قضية فض اعتصام رابعة العدوية، قضية اقتحام السجون المصرية، أحداث عنف عين شمس، مظاليم وسط البلد، معتقلي الدفوف).
  • ما يقرب من عدد ( 32 ) قضية ذات طابع سياسي انعقدت داخل مقار محاكم عسكرية نذكر منها على سبيل المثال (قضية أحداث النيجر، قضية العمليات المتقدمة، قضية خلية العقاب الثوري، قضية خلية التفجيرات).
  • إلى جانب حوالي ( 42 ) قضية تم انعقاد جلساتها أمام مقرات محاكم تابعة لوزارة العدل نذكر منها على سبيل المثال(قضية وقفة نقابة الصحفيين، قضية أحداث تظاهرات المنشية، قضية معتقلي الفسحة، قضية هدايا الاهرام)

الخلاصة:-

إن مبدأ العلانية هو من الضمانات اﻻساسية لتحقيق المحاكمة العادلة وأن القانون أجاز  للمحكمة اعلان سريتها استثناءًفي حالات محددة على سبيل الحصر هي مراعاة للنظام العام، أو الآداب  أو لحرمة الأسرة وهي حالات محددة  لا يجوز أن يقاس عليها وﻻ التوسع فيها.

إلا ان الاستثناء اصبح قاعدة ، والقاعدة أصبحت استثناء ، حيث تعقد أغلب المحاكمات ذات الطابع السياسي داخل مقار شرطية يتم فيها منع اﻻهالي والصحفيين من دخول قاعات المحاكمة وهو اﻻمر الذي يعد انتهاكاً للمحاكمة العادلة .

كما  أن حجب مبدأ العلانية بالنسبةللمحاكمات الجنائية  ذات الطابع السياسي يتعارض بشكل صارخ مع مبدأ المساواة في مجال حقي التقاضي والدفاع ووجوب أن يحاكم اﻻنسان وفق إجراءات محاكمة عادلة دون تمييز.

ويكتمل إهدار الحقوق الدستورية بالإجراءات الأمنية المتعنتة التي يتعرض لها المحامين من قبل قوات الأمن القائمة على تأمين المقار الشرطية (من تفتيش ذاتي ،ومنع دخول الهاتف المحمول في حالات كثيرة ، وتقييد دخول الجلسة بتصريح. أمني)

 

التوصيات :-

اولاً :- عودة مقرات المحاكم من المقرات الشرطية إلى مقراتها الطبيعية .

ثانياً :- ازالة الحواجز الزجاجية من الاقفاص المودع بها المتهمون لتسهيل التواصل بين المتهم ومحاميه ومتابعة المتهم إجراءات محاكمته .

ثالثاً :- اتخاذ كافة التدابير اللازمة للتسهيل على اﻻهالي والصحفيين واﻻعلام والجمهور حضور جلسات المحاكم.

رابعاً :- تعديل وتنقيح القوانين بما يتفق مع مواد الدستور والعقود والمواثيق الدولية على وجوب علانية الجلسات وعدم التوسع في الحالات اﻻستثنائية.