...
01 أكتوبر ,2017

فوبيا ورقابة..المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام

رنا ممدوح

مقدمة

استبدل الدستور المصري وزارة الإعلام والمجلس الأعلى للصحافة واتحاد الإذاعة والتليفزيون، بالمجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام، وحدد مهامهم في تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي وتنظيم الصحافة المطبوعة والرقمية، وأوكل لهم مسؤولية ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور، والحفاظ علي استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها، وتنفيذا للإلزام الدستوري، شكل رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب عام 2014 لجنتين لإعداد القوانين الخاصة بالصحافة والإعلام هما :

  • اللجنة الاستشارية للتشريعات الصحفية والإعلامية التابعة لمجلس الوزراء، وضمت إلى جانب وزيري العدل والعدالة الانتقالية، نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد، والكاتب الصحفي صلاح منتصر، وعصام الأمير رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون الأسبق، ووزير الإعلام الأسبق أسامة هيكل، والشاعر فاروق جويدة، إضافة إلى صاحب قنوات السي بي سي محمد الأمين.
  • واللجنة الوطنية لصياغة تشريعات الصحافة والإعلام، التي شكلت من 50 عضوا ممثلين عن نقابة الصحفيين والمجلس الأعلى للصحافة ونقابة الإعلاميين – تحت التأسيس، والنقابة العامة للعاملين بالصحافة، وأساتذة وخبراء قانون وتشريعات إعلامية وعددا من كبار الصحفيين والإعلاميين.

وقد توافقت اللجنتين بعد 24 شهرا من العمل على مشروع قانون الإعلام الموحد.

ولكن برحيل حكومة المهندس إبراهيم محلب، وجدت حكومة شريف إسماعيل أن قانون الصحافة والإعلام الموحد الذي توصلت إليه سابقتها لا يحقق أهدافها، وقامت بتقسيمه إلى قانونين:

  • الأول ينشئ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ومتفرعا منه هيئتين أحداهما للصحافة والأخرى للإعلام، وأطلقوا عليه ” التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام “.
  • والثاني بتنظيم مهنتي الصحافة والإعلام، وتحديد المعايير التي ستتخذ في ضوئها تلك المؤسسات قرارتها، بحجة اشتراط الدستور أخذ رأي المؤسسات الثلاثة في مشروعات القوانين الخاصة بهم.

ورغم اعتراض الكثيرين من العاملين بالصحافة والإعلام بل وخبراء القانون الدستوري على تجزئة القانون، وتخوفهم من التحايل على ضمانات استقلال المجلس الأعلى للإعلام وهيئتي الصحافة والإعلام التابعين له التي سبق وتوافقت عليها الجماعة الصحفية والإعلامية مع الحكومة، إلا أن مجلس النواب لم يعبأ بتلك الاعتراضات ومرر قانون إنشاء المؤسسات الثلاثةمتجاهلا مطالب المجلس الأعلى للصحافة، التي حددها في 3 خيارات:

– إقرار القانون الخاص بتنظيم المهنة جنبا إلى جانب مع قانون تشكيل الهيئات.

– تجهيز القانون الخاص بتنظيم المهنة لعرضه على الهيئات الجديدة فور تشكيلها مع إضافة مادة انتقالية تلزم تلك الهيئات بأن تبدي رأيه فيه خلال 15 يوما من تاريخ أول انعقاد لها.

– تعهد البرلمان بإصدار القانون الخاص بتنظيم الصحافة والإعلام قبل نهاية دور انعقاده الثاني.

وأقر البرلمان قانون تشكيل الهيئات في 14 ديسمبر 2016، ليصدره الرئيس السيسي بعد أقل من اسبوعين “في 26ديسمبر “، وينهي مجلس النواب دورانعقاده الثاني في 6سبتمبر الماضي من دون أي حديث عن قانون المنظم لمهنة الصحافة والإعلام والمحدد لصلاحيات المجلس والهيئتين.

وفي غياب القانون المنظم لأخلاقيات وقواعد ومواثيق شرف العمل الصحفي والإعلامي، شكل الرئيس السيسي المجلس الأعلى للإعلام، والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام في 12أبريل الماضي، من شخصيات تعرف بتأييدها وقربها الشديد منه ومن حكومته، لتمارس المؤسسات الثلاثة عملها خلال الخمسة أشهر السابقة، بدون قانون لتنظيم المهنة، مكتفية باستحضار منهج وزارة “الإرشاد القومي” التي استحدثها الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في الستينات، وأطلق عليها الرئيس المخلوع  “حسني مبارك ” في الثمانينات اسم “وزارة الإعلام”، معتمدين قاعدة الصوت الواحد، البيان الذي يكتب للصحف ويُبثّ في الإذاعة وينقله التلفزيون، فقدم المجلس الأعلى للإعلام نفسه للمؤسسات الصحفية والإعلامية، كنسخة ثالثة لوزارة “الإرشاد القومي”، واتخذ من الترهيب والعقوبات وسيلة لتوحيد العزف السياسي للنظام، بما يكشف عن قرب تحقق أمنية الرئيس عبد الفتاح السيسي” يابخت عبد الناصر بإعلامه “.

  • تشكيل مؤسسات الصحافة و الإعلام
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الهيئة الوطنية للصحافة الهيئة الوطنية للإعلام
مكرم محمد أحمد “رئيسا “ كرم جبر “رئيسًا” حسين كمال زين “رئيسا “
محمد لطفي جودة ” مجلس الدولة” عادل عبد الرحيم ” مجلس الدولة” خالد العتريس” مجلس الدولة “
منى الجرف” رئيس جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار” محمد عبد الفتاح ” وزارة المالية “ فاطمة إبراهيم بدر “وزارة المالية”
مصطفى عبد الواحد ” الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات” محمد عبد الهادي علام “رئيس تحرير الأهرام السابق ” السيد السيد عزوز “جهاز تنظيم الاتصالات”
هدى عبد المنعم “شخصيات عامة “ شارل فؤاد ” صحفي من ذوي الخبرة ” إسماعيل العراقي “شخصيات عامة”
حاتم زكريا “شخصيات عامة” عصام الدين فرج “شخصيات عامة ” ريهام السهلي ” مذيعة ”
عبد الفتاح الجبالي “صحفي” محمود علم الدين” شخصيات عامة “ عبدالرحمن رشاد “مذيع”
صالح الصالحي “صحفي” ضياء رشوان “ممثلا للصحافة القومية “ جمال عنايت “مذيع”
محمد عبد السلام العامري “إعلامي” محمد الهواري ” صحافة قومية ” محمد شكري أبو عميرة ” مخرج”
نادية مبروك “إعلامية” عبد الله حسن” رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط” هبة شاهين “رئيس قسم الإعلام بكلية الآداب جامعة عين شمس”
جمال شوقي شاروبين “شخصيات عامة “ علاء ثابت “رئيس تحرير جريدة الأهرام “ حمدي الكنيسي “ممثلا لنقابة الإعلاميين”
مجدي لاشين “شخصيات عامة” عبد القادر شهيب ” شخصيات عامة ” جمال الشاعر “ممثلا لنقابة الإعلاميين”
سوزان القليني “عميدة كلية الآداب جامعة عين شمس” مجدي مصطفي البدري “ممثلا للعاملين بالمؤسسات الصحفية “ دلال فرج “ممثلا للنقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والإعلام”

من يجلس في مقعد وزير الإعلام؟

عقب إصدار الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراته، أرقام 158 و159 و160 بتشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام، اختلف رؤساء وأعضاء الهيئات الثلاث حول الجهة التي ستتولى اختصاصات وزارة الإعلام، ويخصص لها مقرها، وينقل إليها موظفيها، وبينما حسمت الهيئة الوطنية للصحافة موقفها من الخلاف باستلام مقر المجلس الأعلى للصحافة، وموظفيه، وبدء اجتماعاتها بداخله، احتدم الصراع بين المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للإعلام حول صاحب الحق فى شغل مقر وزارة الإعلام بمبنى ماسبيرو، حيث اعتبر مكرم محمد أحمد رئيس المجلس نفسه الوريث الوحيد لوزراء الإعلام السابقين، وخاصة صفوت الشريف، في حين أصر حسين زين رئيس الهيئة على أن الدستور والقانون لم يقرا ميزة تفضيلية للمجلس الأعلى للإعلام، ولم ينصا على أنه بديل عن وزارة الإعلام، ليحسم رئيس الوزراء شريف إسماعيل الخلاف لصالح مكرم.

صراع الرقباء

وبعد معركة المقر، تفرغ مكرم لمعارك الصلاحيات، التي بدأها مع اللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين، على إثر رغبتها في مزاحمة المجلس في الرقابة على الوسائل الإعلامية ورصد ما تعتبره “تجاوزات مهنية وأخلاقية”، فقال رئيس المجلس الأعلى للإعلام، مؤخرا، إن “اللجنة التأسيسية المشكلة من قبل مجلس الوزراء لمباشرة إجراءات تأسيس نقابة الإعلاميين، هي لجنة مؤقتة ليس لها الحق في اتخاذ أي قرار ومن السهل الطعن على قراراتها أمام القضاء”. وذلك ردا على قرار اتخذه رئيس اللجنة حمدي الكنيسي، في بداية أغسطس الماضي، بوقف الإعلاميتَين ريهام سعيد ودعاء صابر لمدة ثلاثة أشهر، وتوجيه إنذار لكلٍ من الإعلامييْن سعيد حساسين ومحمد الغيطي، وهو ما أعقبه بـ 24 ساعة قرارا من المجلس برئاسة مكرم بوقف برامج هؤلاء الإعلاميين، بالإضافة إلى برنامج “تلاتة في واحد”، شهرا واحد فقط مع التهديد بسحب ترخيص قناة “إل تي سي”، التي تعرض برنامج للإعلامي محمد الغيطي،وهو ما اعتبره مكرم تدخلا منه في سلطة الرقابة المحجوزة له، ليرد الكنيسي بأن قرار مجلس الوزراء بتشكيل اللجنة التأسيسية أعطاها الأحقية فى تولى جميع مهام النقابة بشكل مباشر، بما فيها رصد التجاوزات المهنية والأخلاقية الصادرة عن بعض الوسائل الإعلامية، ورغم أن المعركة لم تحسم حتى كتابة تلك السطور في أول سبتمبر، إلا أن المرجح أن تنته في صالح مكرم محمد أحمد لتعزيز صلاحيات المجلس الأعلى للإعلام بوصفه المظلة التي تقف تحتها كافة الهيئات والنقابات الخاصة بالصحافة والإعلام.

المهام الجديدة

حدد الدستور 7 اختصاصات للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتمثل في:

– تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي

– تنظيم الصحافة المطبوعة، والرقمية

– ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور

– الحفاظ علي استقلالها وحيادها وتعدديتها وتنوعها

– منع الممارسات الاحتكارية

– مراقبة سلامة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية

– وضع الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الصحافة ووسائل الإعلام بأصول المهنة وأخلاقياتها، ومقتضيات الأمن القومي.

وترجم قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016، هذه الصلاحيات في عشرة أهداف لعمل المجلس، و22 اختصاص، تنطوي بعضها على مصطلحات فضفاضة مثل: ” حماية الهوية الثقافية المصرية”، “الالتزام بمقتضيات الأمن القومي”، ” حماية حقوق الجمهور” . وهي المصطلحات التي لم ينتظر رئيس وأعضاء المجلس، ترجمتها في اللائحة التنفيذية للقانون، وإنما اتخذوها تكأة لتجاوز مواد القانون نفسه، والذهاب إلى ما هو أبعد من تنظيم الإعلام والصحافة وأقرب إلى الرقابة عليهم وإحكام السيطرة على محتواهم.

فبالرغم من أن القانون أعطي للمجلس إلى جانب اختصاصاته في تسيير شؤون المجلس والعاملين به، اختصاصات إدارية تتمثل في:

– إبداء الرأي في القوانين المتعلقة بالإعلام.

– تلقي إخطارات الصحف.

– الترخيص لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والرقمية.

– منح التصاريح لممثلي الصحف ووسائل الإعلام الأجنبية.

– الترخيص لشركات إعادة البث من مصر وإليها

-الترخيص لشركات التحقق من الانتشار والمشاهدة والاستماع

– الترخيص للشركات العاملة في مجال توزيع ” الكيبل”.

واختصاصات فنية تنحصر في:

– وضع معايير لالتزام الوسائل الإعلامية والصحفية بأصول المهنة وأخلاقياتها.

– وضع وقواعد لضبط الأداء الصحفي والإعلامي والإعلاني بالتنسيق مع النقابة المعنية.

– تلقى وفحص شكاوى ذوى الشأن عما ينشر بالصحف أو يبث بوسائل الإعلام واتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية

– إحالة الصحفي أو الإعلامي إلى النقابة المعنية لمساءلته في حال توافر الدلائل الكافية على صحة في الشكوى.

– وضع قواعد الاستعانة بالخبرات الأجنبية في مجالي الصحافة والإعلام.

– ووضع نظام لمراقبة مصادر التمويل في الوسائل والمؤسسات الإعلامية والصحفية.

– تحديد حد أقصى لنسبة المادة الإعلانية إلى المادة الإعلامية والصحفية في جميع وسائل الإعلام والصحف.

من الرقابة إلى الملاحقة

إلا أن المجلس أعطي لنفسه صلاحيات لم يتضمنها قانونه، حتى أن رئيس المجلس مكرم محمد أحمد لم يتوان في أن تكون أول قراراته هو عمل بلاغ للنائب العام ضد الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة المقال، إلى جانب مطالبته لنقيب الصحفيين بالتحقيق مع عيسى، بسبب ما تضمنته ” المقال” من عناوين لـ 6 مقالات نشرت في الجريدة بتاريخ 27 مايو الماضي، وصفها مكرم بأنها “تثير الفتنة بين المسلمين والأقباط وتؤكد للأقباط أن الدولة عاجزة عن حمايتهم”.

وفضلا عن الرسائل الضمنية التي حملها قرار المجلس الذي يفترض أنه جاء ليحمي وينظم حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور، فقد حمل القرار مخالفة صريحة لقانون التنظيم المؤسسي الذي بموجبه شكل المجلس الأعلى للإعلام، وكذلك لقانون نقابة الصحفيين، فضلا عن الأعراف النقابية التي تلزم بأن اللجوء إلى النيابة يكون في مرحلة لاحقة للتحقيقات التي تجريها النقابة مع الصحفي وليس بالتوازي معها كما فعل مكرم، وهو نقيب سابق للصحفيين!!

حيث تقدم بالبلاغ للنيابة العامة أولا، ثم طالب نقابة الصحفيين بالتحقيق مع عيسى بعد ذلك، وهو ما يذكر بخلفية رئيس المجلس وكثير من أعضائهالذين اختيروا على أساس الولاء للرئيس ونظامه، وكان أغلبهم مشاركين في المجموعة التي انشقت عن إجماع الصحافيين في أزمة نقابتهم مع النظام بعد اقتحام قوات الأمن مقر النقابة واعتقال اثنين من الصحافيين بتهم الدعوة إلى التظاهر ضد اتفاقية تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. هؤلاء الذين دافعوا عن اقتحام الداخلية لنقابة الصحافيين ــــ بخلاف قرار الجمعية العمومية.

الوظيفة : نقيب سابق ، رقيب حالي

  • الانترنت

جاء قرار رئيس الجمهورية بتعيين مكرم محمد أحمد وإلى جانبه 12 عضوا في رئاسة وعضوية المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سابقا على قرار الأجهزة الأمنية في 24 مايو الماضي، بحجب 21 موقع إلكتروني “إخباري” بدعوى قيامها بدعم اﻹرهاب، ورغم ذلك لم يبد المجلس اعتراضا أو دفاعا عن حرية الصحافة، بل سارع رئيس وغالبية أعضاءه بإعلان تأييدهم للقرار، الذي تضمن حجب مواقع إخبارية محلية مثل: مدى مصر ومصر العربية والبورصة ودايلي نيوز والمصريون وبوابة القاهرة.

وفي  25 مايو لوسائل الإعلام  قال مكرم إنه “ينبغي أن تغلق كل المواقع التابعة للجماعة الإرهابية، فهي مواقع غير مسئولة، تسب قواتنا المسلحة ليل نهار وينبغي التخلص منها”، معلنًا عن تشكيل مرصد لحصر المواقع المحرضة على الإرهاب والعنف واتخاذ قرار بشأنها، دون أن يعبأ بالبحث في  هوية هذه المواقع أو الجهة المنفذة للحجب ودوافعها، وما إذا كانت جميع المواقع التي شملها قرار الحجب منذ 24 مايو وحتى الآن جميعها تروج للإرهاب من عدمه، فسكت المجلس ورقيبه عن حجب المواقع التي وصلت بفضل تواطؤه مع الأجهزة الأمنية وتقاعسه عن دوره في تنظيم وحماية الصحافة الرقمية، إلى ما يجاوز  400 موقع ، وهي ظاهرة لم تحدث في تاريخ مصر.

  • الصحافة المطبوعة
  • المقال

في الوقت الذي بدأ فيه المجلس الأعلى للصحافة والإعلام عمله، بمقاضاة رئيس تحرير جريدة المقال بسبب آرائه، بثت العديد من القنوات الفضائية المصرية إعلانا، يدافع فيه إبراهيم عيسى عن الحق في المعرفة، ويخاطب فيه السلطة قائلا ” نورني فهمني عرفني ماتسيبنيش عديم المعلومة عرفني كمواطن قبل أن أكون صحفي بطون الأمور حتى ولو كانت وحشة وقولي الحاجات الكويسه عشان لما بنعرف بنقدر المسئولية وده حقي كمواطن “،

وفي المقابل ترد السلطة بلسان مكرم محمد أحمد، ردا تراه عمليا على موقفها من الحق في المعرفة، ببلاغ إلى النائب العام ضد عيسى وشكوى لنقابة الصحفيين ضده

وبعد قرابة الأربع أشهر من إعلان مكرم محمد أحمد إقامته للبلاغ ضد عيسى لم يحدد مصير هذا البلاغ بعد ويتوقع أن يتحرك البلاغ في أي وقت إذا ما استعادت ” المقال”، التي تحولت من إصدار يومي إلى أسبوعي بعد الواقعة، نبرتها المعارضة.

  • البوابة

ومثلما سكت المجلس الأعلى للإعلام عن حجب المواقع الاخبارية والصحفية، تجاهل أيضا مصادرة الأجهزة الأمنية وتدخلها لمنع طبع عددين من أعداد جريدة “البوابة”.

** حيث أعلنت جريدة البوابة في ٨أبريل عن رفض مؤسسة “الأهرام” الصحفية عن طبع عدد الجريدة، بسبب تضمنه انتقادا لوزير الداخلية مجدي عبد الغفار بالتقصير في حماية كنيستي طنطا والاسكندريه، ومطالبه بمحاسبته، حيث تضمنت الصفحة الأولى من الجريدة تحت عنوان ” حاسبوه قبل أن تحاسبوا” تساؤلين: هل وزير الداخلية على راسه ريشه ؟

هل إقالة مدير أمن الغربية تعفي عبد الغفار من الجزاء

** وتكرر هذا السيناريو تحت سمع وبصر المجلس في 3 سبتمبرأيضا، حيث أعلنت جريدة البوابة رفض مؤسسة “الأهرام “المملوكة للدولة طبع عدد جريدة البوابة لنفس اليوم، بسبب تضمن الصفحة الأولى تقريرا بعنوان ” من الداخلية للعادلي.. كل سنة وأنت هارب ياباشا” في إشارةإلى استمرار هروب وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي، من قضاء فترة السجن المشدد(7 سنوات) في قضية “فساد الداخلية “.

  • الإعلانات

على الرغم من أن الدستور وبعده قانون إنشاء المجلس الأعلى للإعلام لم يعطي أية صلاحيات تتعلق بالرقابة على محتوي المصنفات البصرية والسمعية، وخاصة الإعلانية والدعائية منها للمجلس الاعلى للاعلام ، إنما فقط تحديد حد أقصى لنسبة المادة الإعلانية إلى المادة الإعلامية والصحفية في جميع وسائل الإعلام والصحف، إلا أن ذلك لم يمنع المجلس من ممارسة هوايته الرقابية والتدخل حتى في محتوى الإعلانات!

حيث أعلن مكرم في أول يونيو الماضي تقدمه بشكوى إلى شيخ الأزهر، يطالبه فيه بوقف بث إعلان لمؤسسة بيت الزكاة والصدقات المصري، الذي يشرف عليه شيخ الأزهر بنفسه، واستجابة شيخ الأزهر للشكوى ووقف بث الإعلان.

والإعلان يظهر مواطنين في إحدى قري الصعيد يشربون مياه ملوثة، وبرر المجلس وقتها بأن الإعلان لم ينقل الرسالة المطلوبة منه على العكس أظهر أن مصر تشرب مياها ملوثة، وحمل الإعلان أبعادا سياسية، زاعما أنه ” يسيء” لمصر مبررا بأنه يأتي متفقا مع حملة تقوم بها حكومة دولة السودان التي أوقفت استيراد الخضراوات بحجة تلوثها بمياه المجارى.

والغريب هنا أن أيا من جهات الدولة المختصة بالأمر لم تعترض على افتئات رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على صلاحياتهم، سواء الإدارة العامة للرقابة على المصنفات الفنية التابعة لوزارة الثقافة، الجهة الرقابية الأبرز، التي حدد القانون رقم 430 لسنة 1955 ولائحته التنفيذية اختصاصاتها بالرقابة على المصنفات السمعية البصرية، أو جهاز حماية المستهلك الذي أوقف العام الحالي “2017” والماضي عدة إعلانات بسبب تعارض رسائلها مع العادات والقيم أو تضمنها انتهاك لكرامة فئة ما في المجتمع أو تصدير خطاب الكراهية وكان آخر قراراته في شهر مارس الماضي بوقف حملة إعلانات لشركة زيوت «صني»، المتهمة بإهانة المرأة، لتضمنها شعارات مثل “أنت عانس؟”و”اكسر للست ضلع يطلع لها 24″، وهو ما اعتبره الجهاز تمييزا ضد المرأة، وبعيدا عن موقفنا من السلطة الرقابية للإدارة العامة للرقابة على المصنفات وجهاز حماية المستهلك على  مضمون الإعلانات إلا إنهما هما المخولان قانونا باتخاذ إجراءات في هذا الصدد.

المسلسلات

ولم تسلم الدراما التليفزيونية والإذاعية بدورها من رقابة المجلس الأعلى للإعلام، حيث انتزع مكرم محمد أحمد وزملائه داخل “الأعلى للإعلام ” لأنفسهم سلطة التدخل في الأعمال الإبداعية، وأصدر قرارا يطبق إبتدائا من شهر رمضان المقبل، بفرض غرامة 200 ألف جنيه على كل قناة فضائية و100 ألف جنيه على المحطة الإذاعية، تذيع “لفظ مسيء” على أن يتم سحب ترخيص الوسيلة الإعلامية التي تتكرر من خلالها الإساءات ولم تلتزم بالعقوبة خلال 6 شهور.

بينما اكتفي خلال شهر رمضان الماضي بالرصد، فأصدر المجلس في 7 يونيو الماضي تقريرا يتضمن ما أسماه بـ” تجاوزات الأعمال الدرامية وبرامج رمضان في الفترة من 27 مايو حتى 6 يونيو “، تضمن، حصر للأعمال التي رآها المجلس هادفة، وكذلك الأعمال التي وصفها بأنها “اعتمدت على الابتذال اللفظي والمشاهد الجريئة والإسقاطات السياسية، دون الاهتمام بالمضمون ولا بالرسالة الحقيقية التي تريد تقديمها”.

  • وعقب انتهاء شهر رمضان، أصدر المجلس في 25 يوليو الماضي تقريره النهائي عن دراما رمضان، وجاءت بعض ملاحظات لجنة الرصد بالمجلس الأخيرة عن الأداء الرمضاني أقرب إلى السياسة منها إلى الموضوعية، حيث طالبت لجنة الرصد من المجلس تقديم الشكر لقنوات dmc ” التي يرجح ملكيتها  للأجهزة الأمنية ” بسبب مبادرتها بـ” إزالة المشاهد والعبارات المسيئة من المسلسلات” من تلقاء نفسها!
  • كما أبدت اللجنة إعجابها بالإعلانات الرسمية لمؤسسات الدولة وفي مقدمتها إعلانات هيئة الرقابة الإدارية معتبرة أن تلك الإعلانات تعطي أمل للمشاهد وتخاطب الضمير.
  • وانتقد المجلس عدم وجود أي عمل درامي يتناول شهداء الوطن، وقال مكرم محمد أحمد قبل صدور التقرير ” لا تزال هناك بذاءات وفي الأعمال الدرامية والمجلس قرر التدخل لمحاسبة الأعمال التي تنطوي على فحش القول في رمضان المقبل بفرض عقوبات مالية تصل إلى 200 ألف جنيه “، وأضاف أن المجلس قرر مخاطبة مؤلفي الأعمال الدرامية لإدارة حوار معهم في هذا الخصوص، لأن الحساب سيطول كافة الأطراف ابتداء من الكاتب والمخرج والسينارست”، وطالب أصحاب الأعمال بتقديم العمل قبل الفترة المخصصة لعرضه بما يمكن لجان المشاهدة بمراقبتها.

الرقابة للجميع

وبتدقيق تقارير وتصريحات رئيس وعدد من أعضاء المجلس الأعلى للإعلام نجد أنها تخطت صلاحيات المجلس في القانون رقم 92 لسنة 2016 إلى صلاحيات الإدارة العامة للرقابة على المصنفات الفنية التابعة لوزارة الثقافة، خصوصا وأن قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام لم يعطي للمجلس أي صلاحيات تتعلق بإبداء الرأي في محتوى الأفلام أو المسلسلات أو البرامج أو غيرها من الأعمال الفنية التي تعرض على الشاشات، ووفقا للقانون رقم 430 لسنة 1955 الخاص بالرقابة على المصنفات، وزارة الثقافة هي المسؤولة عن الرقابة على الدراما التليفزيونية والإذاعية، والغريب في هذا الصدد أنه قبل إعلان المجلس الأعلى للإعلام عن تقريره الأول عن الدراما في 7 يونيو، وحديثه عن المخالفات، قال خالد عبد الجليل، مستشار وزير الثقافة لشئون السينما، ورئيس الرقابة على المصنفات الفنية، في 28 مايو 2017: “أنا كمبدع أرجو من الجميع ألا يورطونى مع المبدعين بقواعد وقوانين مقيدة. وإذا أراد مجلس النواب أن يفرض قواعده فعليه أن يصدر قوانين والرقابة حينها جهة تنفيذ. وحتى يحدث هذا فالرقابة لن تتورط مع المبدعين”، ولكن بعد سعي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لمزاحمته في الرقابة على الدراما، تقدم عبد الجليل في 12 يونيو الماضي بتسعة محاضر، ضد عدد من المسلسلات الرمضانية والبرامج التليفزيونية، بسبب عرضها علي شاشة التليفزيون دون الحصول علي موافقة الرقابة، وعدم الحصول علي ترخيص بالعرض ورفض بعضها.

بحوث المشاهدة

الإجراءات الحثيثة التي اتخذها المجلس لم تتوقف عند ضبط نغمة واحدة تعزفها كافة المؤسسات الصحفية والإعلامية المسموح لها بالعمل، وإنما امتدت أيضا إلى متلقي الخدمة، سواء كانوا قارئي الصحف أو مشاهدي البرامج التليفزيونية، الذين يحتاج القائمون على المحتوى الإعلامي الى معرفة آرائهم بشكل دوري، لضمان استجابة أفضل للمحتوى.

فبالتزامن مع قرار وزارة القوى العاملة بغلق شركة ” ايبسوس” لأبحاث السوق بحجة ارتكابها لمخالفات تتعلق بالصحة والسلامة المهنية، قال رئيس المجلس مكرم محمد أحمد إنه تلقى بلاغا من غرفة صناعة الإعلام ضد الشركة، اتهمها بتبني أهداف غير محايدة تخدم أهدافا إخوانية، وانتهى الأمر بتوقف “ايبسوس” عن بحوثها، وإعلان مكرم عن إنشاء شركة وطنية لبحوث المشاهدة واستطلاع الرأي، وهو ما قد يتبعه سيطرة كاملة على أرقام استطلاعات الرأي، سواء الخاصة بشعبية الرئيس أو الإعلاميين المقربين من السلطة، والناطقين بلسانها، بما ينطوي على انتهاك واضح للمبادئ الدستورية، الخاصة بالمساواة وتكافؤ الفرص، خصوصا وأن سيطرة المجلس الأعلى للإعلام، التابع للسلطة على تلك الاستطلاعات يتنافي مع “الحيادية” التي يجب أن يقوم عليه عمل أي مؤسسة معنية باستطلاع الرأي.

المشاهد المراقب المخبر!

“مكافأة للمشاهد المخبر” هكذا قرر المجلس الأعلى للإعلام حيث تضمن قراره الصادر بتاريخ7 يونيو بفرض غرامة200 ألف جنيه على كل قناة فضائية و100 ألف جنيه للمحطة الإذاعية، على كل لفظ مسيء يتم نشره عبر إحدى هذه الوسائل، النص على أن المبالغ المحصلة من الغرامات، سيقتطع منها10% كمكافأة للمواطن الذي يقدم دليلا على وجود أي إساءة، على أن تخصص باقي الغرامة لدعم الأعمال الإبداعية للإعلاميين.

وهو ما يعد مخالفة صريحة للدستور والقانون، وتقنينا لدعاوى الحسبة الدينية والسياسية البغيضة ، ولراغبي الشهرة في ملاحقة الفنانين والمبدعين بدعوى الحفاظ على الأخلاق والفضيلة،خاصة وأن الدستور في مادته رقم 67 قطع الطريق على هؤلاء، بحظره لرفع أو تحريك الدعاوي لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، فضلا عن أنه وفقا للقاعدة القانونية المعروفة ” لا عقوبة إلا بنص ” يعد قرار المجلس مخالفالقانونه، خصوصا وأن قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام، الذي شكل بموجبه المجلس، وكذلك اللائحة التنفيذية له التي صدرت في 8 أغسطس الجاري لم تتضمن أية عقوبات ومن ثم فلا يوجد سند قانوني لقرار المجلس بفرض العقوبة، وربما لهذا السبب لم ينفذ المجلس قراره بالتغريم وبمكافأة ” المبلغ ” حتى نهاية شهر أغسطس2017.

ولم تتبلور رغبة المجلس في فرض وصاية أخلاقية عند تشجيع المشاهدين على ملاحقة أصحاب الأعمال الإبداعية فقط وإنما ظهرت أيضا في استحداث المجلس الأعلى للإعلام بتاريخ” 7 يونيو” لما يعرف بـ” الكود الأخلاقي” حيث طالب الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية بتطبيق كود أخلاقي عند تناول القضايا الخلافية العربية، بموجبه يكون على الصحفي أو الإعلامي مساندة وجهة نظر بلاده بشرط ألا تتضمن عباراته سبا أو قذفا.

خاتمة

اتخذ المجلس الأعلى للإعلام خلال أشهر عمله الماضية قرارات ممنهجه لإحكام السيطرة على كل ما يتناوله الإعلام سواء سياسيًا أو أخلاقيًا أو مجتمعيًا،متجاوزا صلاحياته التي حددها الدستور والقانون لتنظيم الإعلام،و إلى ترهيب الإعلام والإعلاميين، وإجبارهم على تبني وجهة نظر السلطة.

ولم يقف الأمر عند الصحفيين والإعلاميين فقط ، بل امتد إلى الأعمال الإبداعية، فقام باستهداف الاعمال الدرامية والابداعية ، ونصب من رئيسه وأعضائه رقباء عليها، ولوح بتوقيع غرامات مالية على المخالفين للقواعد التي وضعها – رغم مخالفتها للقوانين الحالية ولاختصاصات إدارة الرقابة على المصنفات بوزارة الثقافة- وكانها تنفيذا وتطبيقا لرغبة رئيس الجمهورية في خلق “فوبيا ” على الشاشات ضد سقوط الدولة.

حيث يقوم المجلس بخلق نفس ” الفوبيا ” ولكن عند المسؤولين عن الإعلام والصحافة في مصرلرفع معدلات الرقابة الذاتية، وزيادة الخطوط الحمراء.

 

فوبيا ورقابة PDF

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *