...
23 أغسطس ,2017
الدولة

الصحفيون والنشطاء في اليمن بين مطرقة الحوثيين وسندان التحالف

مقدمة :-

يمكن النظر للحرب التي تدور رحاها في اليمن اﻵن بوصفها حربا شاملة تشنها الدول الخليجية والميليشيات الحوثية وغيرها ويقع ضحاياها من أبناء الشعب اليمني. اليمن الذي يشهد بحسب تقارير أممية أزمة إنسانية حادة على مستوى الفقر والجوع وتفشى الأمراض لم يكن صحفيوه ونشطاؤه الحقوقيين بمعزل عن تلك الأزمة المشتعلة، أضحى المجتمع اليمني بأكمله ضحية لرحى تلك الحرب الدائرة بين قوات الحوثيين وعلي عبدالله صالح وبين التحالف العربي وقوات المقاومة الشعبية والمجموعات المسلحة المختلفة،  والجدير بالذكر أن اليمن قد سجل فى ابريل الماضى المركز 166 من 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة الذي تصدرة مؤسسة مراسلون بلا حدود ، وتتشارك الدول والجماعات المتحاربة فى الصراع اليمني سجلا يعد الأسوأ من حيث استهدافها المباشر للصحفيين، فجماعة الحوثي تأتى فى المركز الثانى عالميا من حيث الجماعات المستهدفة للصحفيين بعد داعش، وتشمل الانتهاكات المرصودة، حالات الاختطاف والإخفاء القسري والتهديد بالقتل والشروع فيه بينما يبدو التوقف عن العمل وفقدان الوظيفة، أو الهجرة، أقل الخسائر وأكثرها شيوعا، فما أن يتم الإفراج عن صحفي حتى يعتقل آخر، وما إن تعاود وسيلة إعلامية الصدور، حتى تحتجب أخرى أو تتوقف الأولى مرة ثانية، وما أن يتماثل صحفي للشفاء من إصابة بعيار ناري، أو اعتداء مسلحين مجهولين، حتى يحل محله صحفي آخر في قائمة الصحفيين المصابين. يبدو هذا باختصار حالة الصحافة اليمنية فى الآونة الأخيرة.

وحده الموت مزدهر فى اليمن في هذه الآونة
كانت الشبكة العربية قد أشارت فى تقرير مطول  لها صادر منذ أكتوبر 2016 عن الظروف التي أحاطت بالحرب والآثار الناجمة عنها على مستوى حرية التعبير فى دول التحالف في اليمن، وأشار التقرير السابق أيضا إلى أنه مع بداية عاصفة الحزم في 26 مارس 2015، قسمت قوات الحوثي وصالح، الصحفيين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي والمدافعين عن حقوق الإنسان إلى “وطني” و”خائن وعميل”، وقامت جماعة الحوثي وصالح بحملات تحريض واتهام ضد العاملين في وسائل الإعلام العربية والدولية، وتعليق ملصقات بصور وأسماء صحفيين وجهت لهم تهم الخيانة والعمالة واﺣﺘﺠﺰ اﻟﻌﺪﯾﺪ ﻣﻦ اﻟﺼﺤﻔﯿﯿﻦ واﻟﻌﺎﻣﻠﯿﻦ ﻓﻲ وﺳﺎﺋﻞ اﻹﻋﻼم، وأﻏﻠقت اﻟﻌﺪﯾﺪ ﻣﻦ وﺳﺎﺋﻞ اﻹﻋﻼم بهدف إشاعة أجواء الخوف والانتقام وفرض هيمنة كاملة على جميع وسائل الإعلام، كما اعتقل وتعرض للتهديد عدد من الأكاديميين لإجبارهم على التوقف عن الإدلاء بأي تعليق لوسائل الإعلام، وحرض الزعيم الحوثي في خطاب تليفزيوني في 23 نوفمبر 2015، ضد المعارضين السياسيين، قائلا “إن المرتزقة والعملاء من فئة المثقفين والسياسيين والإعلاميين أخطر على هذا البلد من المرتزقة المقاتلين في الميدان إلى جانب العدوان”، حسب وصفه، مضيفا أنه “يجب على الجيش واللجان الشعبية التصدي لهم بحزم”.

منذ بداية الحرب الخليجية على اليمن  قُتِل أكثر من 3500 مدني وجُرِح 6200 شخص -بحسب تقرير مكتب المفوض السامي فى الأمم المتحدة- معظمهم بسبب الضربات الجوية التي يشنها التحالف، والتي أدت إلى الإضرار بالبنى التحتية المدنية بما في ذلك المرافق الصحية، والمدارس، والمصانع، ومحطات الطاقة، والجسور ، الكوليرا أيضا المنتشرة حاليا فى اليمن والتى تشير تقديرات كثيرة حول إصابة ما يزيد ربع مليون يمنى بها هي أحد نتاجات تلك الحرب الكارثية.

تبدو الصحافة هي مهنة الموت بامتياز فى اليمن فى الآونة الأخيرة. حوادث كثيرة سجلتها مؤسسات دولية ومحلية حول انتهاكات تتعلق بالقتل والتعذيب والإخفاء القسري وحتى استخدام الصحفيين كدروع بشرية، كما فى حالة الإعلاميين عبد الله قابل ويوسف العيزري  واللذين قُتلا في غارة على موقع عسكري في جبل وهران بمحافظة ذمار وسط اليمن بعد وضع الحوثيون لهما فى الموقع.   تأتى تلك الانتهاكات على خلفية الصراع الذي يدور من قبل الجانبين على إخفاء معالم انتهاكات القانون الدولى التى يقومون بها والأمثلة كثيرة على ذلك، فلم تكن حادثة الصحفي الاستقصائي اليمنى محمد العبسي  الذي كان يعمل بشكل مستقل لفضح الانتهاكات التي يقوم بها الجانبان لحقوق الإنسان، وقُتل مسموما بغاز أول أكسيد الكربون فى ديسمبر الماضى هى الأولى، وبالتأكيد لم تكن الأخيرة، حيث شهد يوليو الماضى أيضا اغتيال  الناشط الحقوقي أمجد عبدالرحمن فى عدن من قبل جماعات متشددة يعتقد بممارستها لأنشطة إرهابية.

كانت نقابة الصحفيين اليمنية بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين قد رصدت فى الثلاثة أشهر الأولى للحرب فقط حوالى 200 انتهاك تعرض لها الصحفيون فى اليمن، سواء كانت تلك الانتهاكات جسدية أو معنوية بحجب المواقع  والمنع من النشر، ودفعت الانتهاكات العديدة التي يتعرض لها الصحفيون في اليمن، بمؤسسات دولية لحقوق الصحفيين لمناشدة طرفي الصراع للتوقف عن الانتهاكات بحق الصحفيين، وكانت مؤسسات حقوقية عربية وعالمية منها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان قد أدانت  فى أبريل الماضى استمرار احتجاز الحوثيين لعشرة صحفيين يمنين منذ مارس 2016 حتى بعد دخولهم إضراب مفتوح عن الطعام، لكن يبدو أن الحوثيون والجماعات المسلحة الأخرى فى اليمن لا يكترثون بمظاهر الاحتجاج السلمى الذى يمارسه المسجونون للحصول على حريتهم.

وطالبت منظمات حقوقية دولية ويمنية منها (العفو الدولية، ولجنة حماية الصحفيين، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، ومراسلون بلا حدود)، فى  بيان مشترك صدر  فى مايو الماضي، بالإفراج عن الصحفيين العشرة فى الذكرى الثانية لاعتقالهم .

في هذه الأثناء، ما يزال حوالى  18 صحفيا مختطفا بينهم 17 في قبضة الحوثيين، حيث يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب ويعانون أوضاعا صحية بالغة الخطورة، فيما يقبع صحفي واحد لدى معتقلات تنظيم القاعدة في حضرموت، كما لا ننسى هنا التذكير بقضية الصحفي يحيى عبد الرقيب الجبيحي الذي حُكم عليه بالإعدام من أول جلسة محاكمة، في انتهاك خطير للحق في المحاكمة العادلة.

 استهداف النشطاء الحقوقيين عرضي أم ممنهج؟
لا تقل معاناة نشطاء حقوق الإنسان على أيدي طرفي الصراع عن معاناة الصحفيين، فقد اعتقل الحوثيون، الناشط الحقوقي هشام العميسي فى 14 أغسطس الماضي، دون الإفصاح عن مكان احتجازه الذي تتوقع بعض الوسائل الإعلامية أن يكون في “جهاز الأمن القومي” التابع لعلي عبد الله صالح المتحالف مع الحوثيين.
بعد أن سيطر الحوثيون والقوات المتحالفة معهم على العاصمة صنعاء في أواخر 2014، شنوا حملة قمعية على المعارضين، كما أغلقت السلطات الحوثية عشرات المنظمات غير الحكومية، ومنعت نشطاء حقوقيين من السفر، وفي مارس 2016، صادر مسؤولون حوثيون جواز سفر الحقوقي البارز عبد الرشيد الفقيه، وهو ثاني حظر سفر يفرضه الحوثيون على نشطاء حقوق الإنسان. كما نفذ الحوثيون والقوات المتحالفة معهم عمليات اختطاف، وعذبوا المحتجزين، واعتقلوا العديد من النشطاء والصحفيين والزعماء القبليين والمعارضين السياسيين، ووثقت هيومن رايتس ووتش احتجاز 67 شخصا تعسفيا في ظروف سيئة من قبل سلطات صنعاء.

وثقت عدة تقارير إعلامية حوادث الخطف والإخفاء فى مناطق سيطرة ميليشيات الحوثي، فبحسب منظمة “مواطنة” وهي منظمة يمنية غير حكومية تسعى للرصد والتوثيق لضحايا الانتهاكات، فإن اليمن شهد حوالى 2500 معتقل ومختفي. منذ بدء النزاع المسلح وحتى الآن من قبل أطراف مختلفة. تحتجز سلطات صنعاء والحوثيون ما لا يقل عن 650 شخصا في سجني الاحتياط هبرة والثورة، ومن 660 إلى 700 آخرين في سجن صنعاء المركزي، ومن 30 إلى 40 آخرين في إدارة البحث الجنائي بصنعاء. كما يُحتَجز عدد من المعتقلين في مواقع احتجاز غير رسمية، كما وثقت المنظمة احتجاز السلطات لحوالي 120 شخصا في مقر جهاز الأمن السياسي، و180 شخصا في مسجد زين العابدين في حي حزيز، و35 شخصا في مكتب الأمن القومي في صنعاء القديمة. بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن الاختفاء القسري يحدث عندما تحتجز السلطات شخصا وتنكر احتجازه أو لا تكشف عن مصيره ومكانه، لا سيما عند احتجازهم خارج مقار الاحتجاز الرسمية، مثل أماكن الاحتجاز بمراكز الشرطة والسجون.

تأتى  تلك الانتهاكات القائمة والمستمرة منذ بدء الضربات الجوية لما يسمى بـ”التحالف العربي” على اليمن فى سياق انتهاك واسع لحقوق الإنسان من قبل الأطراف المتحاربة قد يرقى فى بعض الحالات لجرائم حرب.

قوات التحالف والمليشيات الداعمة لها شريك فى الانتهاكات

يذكر أن السعودية تفرض قيودا صارمة على دخول الصحفيين الأجانب لليمن عبرها جوا، وهو ما يدفع هؤلاء لركوب القوارب من أجل دخول اليمن، وتستمر جميع أطراف النزاع في ارتكاب أعمال تنتهك القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان وقيم وأعراف المجتمع الدولي، في ظل غياب تام لإجراءات كافية للمحاسبة والمساءلة من شأنها أن تحول دون ارتكاب المزيد من الانتهاكات.

كان مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان قد أعرب عن قلقه من أن الدول الأعضاء في التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية يستترون عمداً بغطاء “كيان” “التحالف” للنأي بأنفسهم ودرء مسؤولية الدولة عنهم إزاء الانتهاكات التي ترتكبها قواته أثناء الضربات الجوية، الأمر الذي يساهم في الإفلات من المحاسبة والعقاب على الانتهاكات التي تصاحب الغارات الجوية.

وتلقت نقابة الصحفيين اليمنيين عدة بلاغات من صحفيين ونشطاء تتعلق بتهديدات بالقتل من قبل مجهولين تتعلق بمنشوراتهم المكتوبة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتم اغتيال الناشط والمدون اليمني أمجد عبدالرحمن فى عدن من قبل جماعات مسلحة مجهولة عقب اتهامه من قبل هذه الجماعات بالكفر والإلحاد بسبب منشوراته الإلكترونية.
تقوم قوات التحالف بتمويل جماعات مسلحة مختلفة متصارعة مع الحوثيين، وتلك الجماعات هي الأخرى ليست بعيدة عن ارتكاب الانتهاكات، فمثلا جماعة “أبو العباس” فى تعز -وهي ميليشيا سلفية مسلحة تحظى بدعم إماراتى وتقوم بالقتال ضد الحوثيين- قامت بارتكاب جرائم اختطاف الصحفيين والنشطاء، ولكن لم تتمكن أي من المؤسسات الدولية والمحلية المدافعة عن حقوق الإنسان من الحصول على معلومات دقيقة حول تلك الانتهاكات كما وكيفا في حين تؤكد روايات المدنيين وشهود العيان على حدوثها، حيث قال الصحفي اليمني رشاد الشرعبي أن الجماعة المذكورة هى سبب تركه لتعز والسفر منها فى 2015،  وأضاف أن “عصابة “أبو العباس” تستمر في الاعتداء على الصحفيين واختطافهم، وأنا أحد الذين تعرضوا لتهديدات حينما كنت في تعز وكان ذلك واحدا من أسباب خروجي من مدينتي… بسبب بيانات المجلس التنسيقي للمقاومة التي كنت أصدرها ضد ذبح الأسرى وإحراق الجثث”.

خلاصة  
يبدو الأمر فى اليمن خارجا عن سيطرة أي طرف فى الصراع بسبب انتشار الجماعات المسلحة بشكل كبير والتى تلقى بعضها الدعم من الإمارات والسعودية، وبعضها محسوب على ميليشيات الحوثي كما يتواجد تنظيم القاعدة والجماعات التكفيرية الأخرى، وتبدو صعوبات عمل الصحفيين فى المناطق التى تشهد صراعات حربية، جلية، لكن الوضع فى اليمن يتخطى حاجز الخطورة المعتادة ليصل للاستهداف المباشر والممنهج من قبل الأطراف المتحاربة للصحفيين والنشطاء، لكن لا يخلو هذا الاستهداف الواضح من خطر صريح يتعلق فى المقام الأول بالدور الذي يقوم به الصحفيون والنشطاء فى فضح ممارسات انتهاك حقوق الإنسان بشكل عام فى هذه الحرب التي تدخل عامها الثالث دون أية إمكانية حقيقية لحل النزاع بالطرق السلمية في ظل حالة الاستقطاب الطائفي الذي يشهده اليمن، وتشكل الانتهاكات التي رصدتها المنظمات الأهلية، سياسة صريحة للتعتيم الإعلامي على الحرب والذي يمنع أية إمكانية مستقبلية لمحاسبة مجرمي الحرب بعد انتهائها أمام جهات التقاضي، كما تساهم أيضا فى عدم معرفة المواطنين فى العالم أجمع حول حقيقة الصراع والآثار الإنسانية التي تنجم عنه، ولعل الكوليرا وخطر المجاعة خير مثال حول ما يمكن أن تفعله حرب كتلك.

في النهاية تشدد الشبكة العربية على ضرورة التزام الأطراف المتحاربة فى اليمن بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ووقف انتهاكاتها الممنهجة ضد الصحفيين والنشطاء، والكشف عن مرتكبي الانتهاكات من الطرفين ومحاسبتهم.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *