التغريبة الثالثة ،،عن هجرة ورحيل المصريين غير الطوعية للخارج

15 نوفمبر ,2016

 التغريبة الثالثة

عن هجرة ورحيل المصريين غير الطوعية للخارج

 

  إعــــــــداد

معتز حجاج

     ….

التغريبة الثالثة

(1)

لم يتم فصلي من عملي ، لكن تعرضت في بعض الأحيان لمنع نشر مواضيعي الصحفية أو منع ظهور ضيوف، وبالتوازي مع ذلك تعرضت شخصياً لملاحظات وتلميحات عديدة من مدرائي حول توجهاتي السياسية ، لم أتعرض للأذى الشخصي المباشر، لكن كل ما حولي كان يمارس الترهيب ولم أكن مستعداً للانتظار حتى يحدث الأذى بالفعل.

(من شهادة : د .ط  عن أسباب رحيله عن مصر)

(2)

بالرغم من علمهم اني بالخارج ، تتعرض عائلتي للتهديد من قبل النظام حيث يتوجه ضباط لتفتيش منزلهم بالإضافة إلي تهديدات مستمرة لي بالخارج. توفت امي وانا بالمنفي لم أراها لمدة أربع سنين ولم أستطيع بكائها.

(شهادة :ي .ل مسيحي عن ظروفه وظروف اسرته بعد رحيله عن مصر)

(3)

كنت عاطل من سنة ونصف تقريبا، عملت كل حاجة ممكنة عشان استمر في البلد، خارج من البلد عشان أحافظ على احترامي لنفسي، والباقي من قدرتي علي الحياة كإنسان سوي، ماكنتش اتمنى يوم اني اسيب بلدي واسافر .. بس مبقاش في احلام تربطني بيها.

( من شهادة : م .د )

تقديم

د: خالد فهمي

أثناء دراستي لتاريخ الوطنية المصرية وإرهاصاتها في القرن التاسع عشر استوقفتني ممارستان كانت السلطات تنتهجهما للتفرقة بين المصري والأجنبي. كانت الممارسة الأولى إجراء تعداد عام للسكان، وكان أول هذه التعدادات تعداد عام ١٨٤٨ والذي سُمي وقتها “تعداد النفوس”. سجلات هذا التعداد توضح لنا بجلاء كيف أنه قبل إصدار قوانين الجنسية وبطاقات تحقيق الشخصية، بل حتى قبل ظهور الوازع الوطني بين سكان مصر، كان التعداد من أهم أدوات صقل الوطنية المصرية. ومن اللافت للنظر أن هذا التعداد لم يستخدم لفظي “مصري” أو “أجنبي”، بل استخدم لفظي “داخل الحكومة” و”خارج الحكومة” للتمييز بين من يخضع لسلطة الإدارة المصرية الوليدة عن من يخضع لسلطة إدارة مغايرة، مثل السلطنة العثمانية أو إحدى الدول الأوربية.

أما الممارسة الثانية فكانت النفي. فبدراسة تاريخ القانون الجنائي في القرن التاسع عشر لاحظت أن السلطات كانت تميز بين من هو “خارج الحكومة” وبين من هو “داخلها”، فعند اقتراف الأول لجريمة ما كانت السلطات تأمر بنفيه لبلاده أما الثاني، أي “المصري” فكانت تأمر بحبسه أو تغريمه. وكأن النفي اقتصر على الأجانب، بل أمسى وسيلة لتمييز المصري عن الأجنبي.

وبمرور الوقت وبترسيخ مفاهيم الوطنية والمواطنة، أصبح من غير القانوني إصدار أحكام بالنفي في حق المصريين، بل أن الدساتير المصرية المتعاقبة حرمت النفي تحريما قاطعا.

ومما يدمي له القلب أن نرى النفي الآن يُمارس على المصريين. لم يحدث هذا التحول الخطير نتيجة إجراء تعديلات دستورية أو إصدار قوانين أجازت ما كان محظورا سابقا، بل نتيجة انتهاج الدولة مؤخرا لممارسات غرضها الواضح إغلاق المجال العام ومصادرة العمل السياسي ورفع كلفة ممارسته.

ويرصد التقرير الذي بين يدينا نماذج متعددة لمواطنات ومواطنين مصريين ، تمسكوا بمصريتهم وتطلعوا لوطن أفضل ومارسوا واجبهم في المطالبة بحقوقهم كمصريين، وعوضا عن تقدير جهودهم أو الاعتراف بحقوقهم عملت الدولة على التضييق عليهم والتنكيل بهم وإجبارهم على ترك وطنهم واللجوء إلى المنفى الطوعي، أو ما يسميه التقرير “التغريبة”.

هذا تقرير جاد ومهم، يرصد أحوال المصريين في تغريبتهم: العوامل التي دفعتهم للنزوح عن وطنهم، والمشاكل التي يتعرضون لها في تغريبتهم، والموانع التي تعيق عودتهم لبلادهم. وإضافة لكونه فريدا في تناوله لهذه الظاهرة فإن هذا التقرير يلقي الضوء على جانب مظلم آخر مما يعاني منه الوطن الحبيب.

قبل أن تقرأ

مش عاجبك روح كندا ولا امريكا ،،،، مش عاجبك  روح قطر ولا تركيا

صيحتان شهيرتان ، وسمت كل منهما حقبة من الصراع السياسي ، وعكست كل منهما موقف الطرف أو الاطراف صاحبة الكلمة العليا في كل حقبة.

– مش عاجبك روح كندا ولا امريكا !

لم يكن قد مر على نجاح الجولة الأولى من ثورة 25يناير و خلع الدكتاتور المصري الأسبق حسني مبارك سوى شهر واحد ، حتى دب الخلاف والشقاق بين القوى السياسية ” مدنية ودينية” التي تحالفت في ميدان التحرير أثناء وعقب أول  استفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011، وتوج الخلافبدعوة وصيحة ساخرة لأحد اقطاب التيار السلفي الشيخ “محمد يوسف يعقوب” في 21مارس قائلا ” البلد بلدنا والشعب قال نعم للدين، واللى مش عاجبه يروح كندا وأمريكا”!.

ثم تحولت الصيحة الساخرة إلى مقولة وموقف جاد  من مؤيدي التيار الاسلامي “اخوان وسلفيين” في مواجهة أنصار التيار المدني والعلماني خلال فترة حكم المجلس العسكري الممتد لنحو عام ونصف ، ثم خلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الاخوان المسلمين الذي إمتد عام ، حتى أطيح به في 3يوليو 2013 ، لتتبدل الآية.

 -مش عاجبك  روح قطر ولا تركيا !

في حين بدأت المقولة الأولى ساخرة ، ثم تحولت لموقف جاد ، فقد بدأت المقولة الثانية الثانية غاضبة

وبصورة أعنف ، حيث أصبح الاخوان والمؤيدين  وكذلك كثير من الداعمين لثورة 25يناير ، هم  العدو الرئيسي لنظام مابعد 3يوليو الممثل في الحكم العسكري وبقايا نظام مبارك .

وما بين معتقل أو هارب خارج مصر أو متواري عن الانظار ، اصبح شعار الصحفي المغمور “محمد الغيطي” -صاحب أكذوبة اعتقال مصر لقائد الاسطول السادس الاميركي- ردا على تظاهرات الطلاب المعارضين لنظام ما بعد 3يوليو : مش عاجبك  روح قطر ولا تركيا.

و رحلوا ، لكن الرحيل لم يكن قاصرا على كندا وامريكا وقطر وتركيا فقط ، بل إمتد لألمانيا وبريطانيا وعدة دول أخرى اغلبها اوروبية ، وبعضها عربية.

لم يكن الرحيل طوعا واختيارا ، لم يكن أغلبه هربا من قضية سياسية أو بحثا عن لقمة العيش ، لكنه كان تغريبة (حَمْلُ الإنسان عَلَى الغُرْبَةِ ، ودفعه للاِبْتعَادُ) عنوانها الرئيسي ، هو الرحيل بحثا عن افق سياسي أرحب لا يسيطر فيه الخوف والتفتيش في الضمائر ،بعيدا عن القمع و التخوين والملاحقة والتشهير.

التغريبة في تاريخ مصر: وخرج منها خائفاً يتلفت

تغريبة المصريين الثالثة ، لم تكن فقطبعد مجيئ نظام 3يوليو 2013 ، بل بدأت خلال حكم المجلس العسكري عقب ثورة يناير واستمرت خلال حكم الرئيس الاسبق محمد مرسي وجماعة الاخوان ، لكنهاتصاعدت عقب نظام ما بعد 3يوليو وازدادت حدتها لتشكل ملامح تغريبة المصريين الثالثة.

انها ليست التغريبة الوحيدة بل هي من ثالث التغريبات الرئيسية في مصر الحديثة عقب نظام يوليو 1952 ، فهناك التغريبة الأولى من الاخوان المسلمين ومؤيديهم في منتصف الخمسينيات خلال حكم الرئيس العسكري الاسبق جمال عبدالناصر مع تصاعد العداء بين القوميين والاسلاميين ، وهناك التغريبة الثانية من اليسار والقوميين في منتصف السبعينات خلال حكم الرئيس الأسبق أنور السادات مع بدء تطبيع العلاقات مع اسرائيل وتقاربه مع الاسلاميين على حساب القوميين واليساريين.

وإذا كانت التغريبة الأولى تمت إلى ممالك وإمارات عربية أهمها السعودية المعروف دعمها للتيار الاسلاميي إجمالا بهذا الوقت ، فإن التغريبة الثانية كانت إلى دول عربية ذات ميول قومية مثل ليبيا والعراق وسوريا والجزائر وبعضهم الى الكويت كاستثناء من دول الخليج.

فإن التغريبة الثالثة الحالية ، وإن اختلفت التقديرات حول حجمها وهل هي الاكبر أم الثانية من حيث الحجم بعد التغريبة الأولى ، فإن تاثيرها الناتج عن طبيعة من إضطروا لها ، سواء الكفاءات العلمية أو الاعلامية وحتى من حيث صغر أعمار المغتربين ، أو من تعدد وتنوع البلدان التي رحلوا اليها ما بين عربية وأوروبية والولايات المتحدة ، هو التأثير الاشد والأقوى .

منهجية  التقرير

يعتمد هذا التقرير على عينة من  31 شهادة  واستبيان اجراها باحثوا الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، فضلا عن البحث التاريخي لظاهرة التغريبة في مصر في العصر الحديث بدءا من شهر يوليو 2016 وحتى شهر أكتوبر 2016 ، وقد شمل الاستبيان والشهادات مغتربين في 8 دول عربية وأوربية وأسيوية والولايات المتحدة ، من خلفيات سياسية وأعمار ومهن مختلفة ، فضلا عن النوع .

كذلك اهتم باحثوا الشبكة العربية بالتنوع في العينة ، ما بين مغترب غير مطلوب في اي قضية ، ورحل عن مصر بسبب التضييق عليه في عمله أو خوفا من القمع بسبب مواقفه السياسية ، وبين المتهمين في قضايا تتعلق بالراي والموقف السياسي ، وحرصت الشبكة العربية على الا يكون ضمن عينة البحث اي متهمين في قضايا عنف أو إرهاب.

وقد أعلمت الشبكة العربية جميع من أدلوا بشهاداتهم أو قاموا بالاجابة على الاسئلة التي تضمنها الاستبيانبالهدف من هذا التقرير ، وتم التأكيد على إخفاء هويتهم حرصا على سلامتهم ومخافة ان يتعرضوا للانتقام من جراء ما جاء بشهاداتهم.

والأسئلة التي طرحتها الشبكة العربية في الاستبيان هي :

–       لماذا خرجت من مصر؟ وإلى اي دولة ، ولماذا هذه الدولة ؟

–       متى خرجت من مصر؟ وكيف؟

–       كيف تتدبر أمور حياتك بالخارج” ما هو عملك” ؟

–       ما هي المصاعب التي تعاني منها بالخارج؟ وكيف تحاول التغلب عليها؟

–       متى تعود؟ متى تفكر بالعودة؟

ومن الشهادات الـ 31 التي تلقتها الشبكة العربية ، فقد قامت بحذف 9 شهادات ، بسبب صعوبة اخفاء هوية مرسليها التي تظهرها الشهادة ، ورغم ترك البعض لأمر اعلان الهوية لما تراه الشبكة العربية ، او تصريحهم بالرغبة في اعلان اسمائهم ، فإن الشبكة العربية قررت إخفاء هوية الجميع حرصا على سلامتهم.

وتأتي الشهادات الواردة والمذكورة بهذه العينة كنماذج وأمثلة لمواطنين إضطروا للتغريبة ، دونما الاستناد اليها لطرح أرقام أو احصائيات دقيقة حول أعدادهم.

كما قامت الشبكة العربية بإخفاء أو تغيير اسماء البلدان التي رحل اليها هؤلاء المغتربين قسريا ،إمعانا في الحفاظ على الخصوصية والأمان الشخصي لهم.


 

الجزء الأول

لماذا  الاختيار المر؟ لماذا التغريبة؟

– “منذ مجيئ نظام 3 يوليو بدأت أشعر بالقلق..”

 بهذه العبارة يفتتح (م.م)، الاعلامي التليفزيوني، شهادته عن الأيام السابقة على قراره السفر للخارج. ثم أكمل:

“عملي الصحفي جعلني أشاهد بعيني دماء ضحايا رابعة، وأحصيت بنفسي مئات الجثث بمسجد الإيمان، شاهدت وصورت أنصاف جثث محترقة تماماً، نصف عظام جمجمة، أجساد بها أجزاء محترقة، ظلت هذه المشاهد تزاحمني، مشهد رجل يحمل صورة لأخيه يحاول أن يجد أي شبه له بين أكداس الجثث المجهولة، ولا أعتقد أن أحداً عرفها إلى الآن”..

رغم كل ذلك، استمر (م.م) في عمله، محملاً بكثير من القلق والرعب، إلى أن وقع معه حادث  ،، رواه قائلاً:

“في يوم 16 من أغسطس  2013 خرجت مع زوجتي في مظاهرة، احتجاجاً على مجزرة رابعة، ما إن تجمع الناس حتى أطلقت قوات الجيش والشرطة الرصاص الحي الذي فرق الجميع، حاولت الاختباء وزوجتي في مكان آمن أمام عمارة ، ألقتني زوجتي على الأرض وهي تصرخ بهستريا شديدة، حيث وجدت عسكري يصوب رشاشه نحونا. حاولت السير لأجد مخرج من الشارع، احتمينا بأحد الأبراج الإدارية ، وجدت مصفحة جيش تقترب منا وتطلق كميات كبير من الرصاص في الهواء، في شارع لا يكاد يوجد به غيري وزوجتي، أشهرنا بطاقات نقابة الصحفيين، وصرخنا حتى بح صوتنا، صحفيين، أشار لنا قائد المركبة بيده أن نمر، وما إن مررنا حتى أطلق رصاص كثيف في الهواء بغرض إرهابنا، خفنا كما لم نخف من قبل”.

بعد هذا الحادث حسم قراره نهائياً بقوله

“لا أريد أن أعتقل، لا أريد أن أموت بهذا الشكل، في عربة ترحيلات”.

-وعن بعض من بدأت تغريبتهم بعد ثورة 25يناير وقبيل مجيئ نظام 3يوليو ،  يقول (ر.ر) “كان مطلوب مني السفر بسبب آرائي السياسية والدينية، قام عدد من جيراني بالاعتداء علي وعلى أسرتي، جاءت الشرطة وقبضت علي تحت مبرر حمايتي، سجنت انفرادياً 92 يوماً، ممنوع من الخروج من الزنزانة، وخرجت على ذمة قضية بعد توصيات بعدم التواجد في أماكن عامة لوجود خطر على حياتي، وحال خروجي ضغطت علي أسرتي للسفر، كنت أقدر ما عانوه من أجلي، آخرها اقتحام منزلي من قبل قوات الأمن في بداية2012، وسرقة بعض متعلقاتي والتحفظ على جهاز الكمبيوتر وأوراق خاصة بي وترويع أهلي، تكاتف الكثيرين معي لإيجاد دولة تقبلني، وبالفعل سافرت في مطلع عام 2013 مرغماً”.

– نموذج أخر من الراحلين بسبب قضايا سياسية استمرت لسنوات ، يقول فيها (ي.ل):

“خرجت بسبب محاكمتي في قضية رأي معروفة ، لم أكن ممنوعاً من السفر. لكن عند عودتي المتكررة لحضور محاكمتي في منتصف2012 تعرضت لضغوط وتهديدات من النظام. حكم علي بسنتين ، وبعد استقراري بالخارج، وبسبب عملي وموقفي من النظام، بعثوا لي بضباط ضبط وإحضار لتفتيش منزلي وإرهاب عائلتي، رغم علمهم بتواجدي خارج مصر، وإرسال تهديداتهم ورائي إلى هناك!”

– نفس الشيء تقريباً حدث مع (ف.ر) في نفس القضية :

“وجدت اسمي ضمن المتهمين قضية شهيرة في 2012أثناء وجوديبعملي فيالخارج ، اصريت على إعلان موقفي بالعودة لمواجهة تلك التهم السياسية، وبالفعل عدت إلى مصر رغم وجود أمر ضبط وإحضار ومنع من السفر ضدي، وقبض على في المطار كما توقعت، ولكن أفرج عنى بعد حضور المحاكمة. على مدى أربعة شهور دافعت عن نفسي وعن المتهمين في القضية، واستطعت الحصول على حكم قضائي ببطلان أمر القبض على في أكتوبر 2012. وعندما تم رفع اسمي من قوائم منع السفر، وسافرت إلى الخارج بعد أن أجلت القضية ضدي ، وصدر الحكم بالفعل بإدانتي”.

_ – الضغوط والتهديدات قد يختلف  شكلها من شخص إلى أخرطبقا للحيثية الاجتماعية ، لكنها تبقى ضغوط وتهديدات، فمركز (أ.ي) الاجتماعي ومنصبه المهني الكبير عصمه من أن تلقي نفس المعاملة ، لكنه لم يحميه من اللجوء للتغريبة هربا منها ، حيص تماستدعائه أكثر من مرة حيث يقول:

“مع بداية التضييق على العمل السياسي المعارض بعد 30 يونيو، والدورة الثانية لملاحقة المنظمات الحقوقية في 2014، حدث استهداف لشخصي وملاحقة أمنية واستدعاءات – لشرب القهوة-  إلى أن تم تخييري صراحة بين عملي الحزبي واستمراري في عملي.. قدمت تعهد كتابي للسلطات بنقل عملي خارج مصر، والاستقالة من منصبي في الحزب، مع وعود ضمنية بعدم التعرض لي ولعائلتي لو ما اتهورتش وعملت دوشة، قطعها على نفسه أحد أعضاء المجلس العسكري شخصياً”.

– إستراتيجية القهوة المكلفة لم تتبعها الدولة مع كثيرين، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، فاتبعوا إستراتيجية التجويع والتضييق على الأرزاق، يحكي (ر.ي) أنه:

“منعت قطعياً منذ ربيع 2014 من التعبير عن رأيي في كافة الوسائل المقروءة والمرئية، وتم التضييق الشديد علي في مصدر رزقي حتى أصبحت بلا مورد يكفيني مؤنه السؤال ، خرجت إلى اوربا في عجلة و سافرت على تأشيرة سياحية لمدة ثلاثة شهور فقط ما سبب لي مشكلة فيما بعد”.

-عشرات السنوات من العمل الاعلامي والصحفي لم تشفع لـ (ل.ل) سفره وظهوره على شاشة قناة الجزيرة كضيف، فقط مجرد استضافة  ضمن أخرين لكن حديثه كان نقديا ، كانت سببا في إستهدافي وتهديدي ، يقول (ل.ل):

“في طريقي لمطار القاهرة أبلغني صديق بأن محامي مقرب من النظام تقدم ببلاغ ضدي يطالب بمحاكمتي جنائيا ومنعي من السفر، بتهمة إهانة الجيش وتهديد الأمن القومي. لم آخذ هذا البلاغ على محمل الجد واعتبرته نكتة، وسافرت وفي نيتي العودة بعد أسبوع، ومع ظهوري على شاشة الجزيرة واصفا ما حدث في مصر بأنه انقلاب وما تلاه من إجراءات هي جرائم ضد الإنسانية، علمت من أصدقاء أن هناك سخطا رسميا عنيفا ضدي في مصر، طلبت من القناة أن ترتب إجراءات عودتي، فجاءني طلبهم بالبقاء لأسبوع آخر لأن البث من القاهرة أصبح مستحيلاً”.

حتى هذه اللحظة لم يكن بلغت مخيلة (ل.ل) الحد الذي يتصور فيه أن الأذى قد يطالهلكن جريدته اعتذرت عن نشر مقاله عشية فض رابعة، وهو تكرار للمنع منذ يونيو 2013، فاتصل بهم مستفهماً:

“جاء صوت ناصحي من القاهرة: أنت لا تتخيل حجم الضغوط وكم الاتصالات التي تطالب بإسكاتك كلما ظهرت على الجزيرة، ولأول مرة يبدي خوفه عليً من الرجوع ويطالبني بالبقاء بالخارج. تخيلته يبالغ في مخاوفه، أو أنه ضج بوجودي في الصحيفة، لكن ما حدث فيما بعد من تطورات أثبت استحالة أن تكون في مصر وتكتب ما تعتقد وتؤمن به”

– ولست بحاجة لعشرات السنوات من الخبرة كصحفي لتشعر بصعوبة ايجاد عمل كصحفي يحترم مهنيته وتغادر بلدك بحثا عنها في بلد أخر ،يقول الصحفي الشاب(م.د):

“أنا عاطل من سنة ونصف تقريبا، عملت كل حاجة ممكنة عشان استمر في البلد، عملت مشروع، سخرت نفسي ليه، صرفت كل دخلي عليه وكان عندي إصرار يتمول ذاتيا، وللأسف في أسباب وعوامل كتير أدت لفشله.. من الأسباب دي إن مبقاش في صحافة في مصر، مفيش معلومات، مفيش إمكانية للعمل في الشارع، مفيش إدارة وأصحاب رؤوس أموال مستعدين لدعم صحافة حقيقية، الكل هدفه البروباجندا وبس.. 5 سنين فاتوا على عملي في الصحافة وبحاول بكل قوتي أحافظ على احترامي لذاتي وللمهنة، اللي تعبت كتير وضحيت بدراستي وبعلاقتي بأهلي لفترة طويلة، عشان بس اكون صحفي، بالإضافة لأسباب أخري، قررت بكل ألم، أتخلي عن حلمي وأبعد عن الصحافة واتجه للعمل في مجال أخر مختلف نسبيا ، ودلوقتي خارج من البلد عشان أحافظ على احترامي لنفسي، والباقي من قدرتي علي الحياة كإنسان سوي”.

– أما في حالة (ح.و) فقد لجأت المؤسسة الصحفية التي يعمل بهاالى التهميش وعدم اسناد اي عمل له ، يقول:

” لم تعد لي مساحة فعلية للعمل مع بقاء صرف الراتب، ثم بدأت التضيقات المالية أيضًا، اضطررت نظرا لأجواء العمل العنيفة لأخذ أجازة بدون راتب بعد وقوع مذبحة رابعة لوجود تهديدات الكترونية للانتقام ممن يقول وجهة نظر مخالفة أو يبدي معارضة للمذابح ، عدت للعمل لكن الوضع لم يتغير ، فطلبت أجازة اخرى بدون مرتب ، وتركت مصر في 2015 ، وأتنقل من دولة لأخرى بحثا عن عمل”.

– ومن التضييق في العمل أو التهديدات المستترة ، إلى التهديد المباشر ومحاولات الاغتيال، يقول (أ.د) :

“خروجي من مصر جاء بعد تهديدات مباشره بالسجن أو القتل، وقتل أعز اصدقائي امام عيني، ومحاولات اغتيال فاشله كنوع من التهديد، يوم سفري القبض علي في المطار بموجب أمر ضبط وإحضار، وقال لي الضباط الذين حاصروني في القسم، انه بمثابه إنذار، هتخرج وهنسيبك ومترجعش تاني ، لو رجعت هيكون السجن في انتظارك، وبعد يومين خرجت وقطعت تذكره سفر غادرت”.

– أما مع (ن.ف) بدأت رسائل التهديد تصل من بعيد، رسائل لا يمكن الجزم بجديتها من عدمه ، يقول :

“وصلتني أخبار من عدة مصادر بأن هناك خطرا على حياتي، وأنني معرض للتصفية بسبب ما أكتبه، وبسبب نشاطي السياسي الذي يهدف إلى تجميع ثوار يناير ، لم أصدق في البداية هذه التهديدات، ولكن بدأت مضايقات كثيرة جدا في حياتي الطبيعية، احتجاز عاملين لديوضربهم في قسم الشرطة، قضايا ومخالفات مالية مفاجأة بالإضافة للحملات الإعلامية ضدي وضد وأسرتي. اضطررت لشهور عديدة إلى الإقامة خارج منزلي، فوجئت بأنني مطلوب ضبطي وإحضاري، وهو إجراء في غاية الغرابة، خاصة أنه لم يتم إخطاري بأي شيء رسميا ، ومع بدء التصفيات والاغتيالات السياسية بشكل فج (حادثة شقة أكتوبر في أول يوليو 2015)، حينها استشعرت أن الخطر حقيقي، وبدأت التفكير العملي في الخروج، ورحلت بعدها بقليل”.

– لم يتعرض (د.ط) لتهديد مباشر وصريح ، إلا أنه لم يستطيع الاستمرار مشدود الأعصاب طوال الوقت:

” الخوف المُبهم .. لن ادعي أني تعرضت لخطر ملموس واضح، لم يتم القبض علي أو تهديدي بشكل مباشر، لكن أنت ترى كل يوم حولك من يُقبض عليه أو يختفي أو يجد نفسه فجأة متورطاً بقضية ،و في مجال عملي الصحفي كانت الساحة تضيق تدريجياً، لم يتم فصلي من عملي ، لكن تعرضت في بعض الأحيان لمنع نشر مواضيعي الصحفية أو منع ظهور ضيوف، وبالتوازي مع ذلك تعرضت شخصياً لملاحظات وتلميحات عديدة من مدرائي حول توجهاتي السياسية ، ثم بدأنا نسمع إشاعات عن أن قضية اعتقالي ببداية الثورة سيُعاد فتحها، وذهبت قوات الأمن لمنزل أحد زملائنا بالقضية فعلاً. لم يتأكد ذلك لكن لم يتأكد نفيه أيضاً.. أكرر أني لم أتعرض للأذى الشخصي المباشر، لكن كل ما حولي كان يمارس الترهيب ولم أكن مستعداً للانتظار حتى يحدث الأذى بالفعل ، وفي 2015 حصلت على فيزا ، وسافرت إلى أوربا”.

– ” كنت بشتغل في مجال عمل يجعلني متابع للأوضاع الحقوقية والاجتماعية ، أصابتني الأخبار بما يُشبه اكتئاب دائم، حالات الفصل من العمل والتجويع لأشخاص كبيرة في السن وشكواهم المؤلمة، حالات التعذيب والقتل والاختفاء القسري اللي كنت بتابعها وبعرف تفاصيلها، كانت سبب في نوم مضطرب دائم وكوابيس مفزعة وهم وزعل وخوف دائم ، حالتي المادية والمعيشية كانت بتزيد سوء يوم بعد يوم نتيجة الاستهداف من الدولة ،حتى جائتني فرصة السفر و قدرت أسافر“.

هذه شهادة (د.ن) الذي لم يتهم بقضية ما أو يعتقل ، لكن ما يذكر انه شاهده وتابعه ، جعله يقبل التغريبة .

الجزء الثاني

حياة التغريبة .. نصف حياة

 

الحياة خارج بلد رحلت عنها بشكل غير طوعي ليس أمرا سهلا أو هين على النفس ، قد يخفف عثورك على عمل ملائم أو وجود أصداقاء لك ببلد الغربة من أثرها ، لكن التغريبة تظل امر شديد الوطأة ، لاسيما اذا لم تجد عملا أو تاقت نفسك لصديق ولم تجده ، وكذلك اذا كانت أحوالك المالية صعبة وقد يتهددك خطرا إذا رجعت إلى مصر.

فضلا عن ذلك فحملات التشهير المستمرة ضد المنتقدين المقيمين في مصر بعض الوقت ، والمغتربين عنها كل الوقت ،والتعسف الذي تمارسه السفارات والقنصليات المصرية بالخارج ، لاسيما مع المعارضين ، قد اصبح يشكل كابوسا صعبا ، ولعل مثال المعارض المصري المغترب ،والمرشح الاسبق لرئاسة الجمهورية “أيمن نور” يقيم دعوى قضائية لتجديد جواز سفره ، بعد تعنت وتعسف من القنصلية المصرية في لبنان ورفضها تجديده دون أسباب قانونية.

– يقول (د.ط) المغترب في دولة اوروبية  ورغم عثوره على عمل:

“لا يوجد مشاكل جذرية بحد ذاتها في الحياة هنا، لكن بشكل شخصي أعاني غياب الأهل والأصدقاء، وكوني في دولة أوروبية لا يوجد بها جالية مصرية كبيرة، فهذا يجعل الحاجة لمساعدة أي شخص أصعب، سواء كانت مساعدة مادية لانتهاء الراتب قبل نهاية الشهر مثلاً، أو في مساعدة معنوية في شأن من شؤون المنزل مثلاً”

– وفي دولة أوربية أخرى يقول (ر.ر):

” المصاعب التي أعانيها هنا، عدم القدرة على إيجاد أصدقاء”.

– أما (و.ي) فلا يريد العودة والبقاء في مصر، فقط يريد أن يرى أهله وأصدقاءه:

“الإحساس المتوحش بالغربة، عدم القدرة على العودة للوطن حتى لزيارة الأهل والأصدقاء بسبب الخوف من الملاحقة الأمنية أو المنع من السفر بدون أي سند قانوني.. لا أريد أن أعود للحياة في مصر الآن في كل الأحوال، لكني أريد أن أزورها”.

– يرى (م.م) أن الحظ حالفه خارج مصر، فهو يرى أن آلامه مهما بلغت فهي أفضل كثيرا مما يعانيه المعتقلين في مصروقال

“الحمد لله وضعي الاقتصادي والمهني مستقر، لكن من منا لا يشتاق إلى أن يعود إلى بيته، وإلى أن يطمئن على أمه، من منا لا يخشى لحظة كئيبة أن تتصل به أمه المسنة التي تعيش وحدها لتعب أو مرض أو لاشتياق ولا يستطيع إجابته؟! هذه هي النار التي تأكل جسدي، أني لا أستطيع أن ألبي نداء أمي، لكني في النهاية قررت الهرب من مصر، لأنني خائف من أن أوجع قلبها علي، أن تراني ميت بهذه الطريقة التي قتل بها هذا النظام المئات من المصريين”.

– ويقول (م.د):

“مبروك لكل صديق خرج من مصر، البعد عن الخوف والألم والمعاناة اليومية مش غربة، ده حياة بمعني الكلمة، بكل تحدياتها”.

–  جودة الحياة ، قد تخفف من صعوبة الظروف المادية ، فكما يذكر (د.ط):

“رغم أن حالتي المادية هنا أسوأ من مصر -على خلاف ما يظنه الكثيرون-لكن جودة الحياة نفسها هي الأفضل في كل شيء .. ظروف العمل أفضل من ناحية الاستقرار، ولو ببساطة أن الراتب سيأتي في موعده المضبوط تماماً آخر كل شهر، وهذا لم يكن يحدث في مصر بأي مكان”

– يروي المغترب المصري الثلاثيني (أ.د) :

“واجهت مصاعب في الإقامة لمده سنه دون عمل، لعدم حصولي علي تصريح عمل، ولأني مؤمن بدولة القانون، لم أرد أن اعمل دون تصريح وطبعا ماديا كان صعب جدا لأني صرفت كل مدخراتي وساعدني أقاربي مازلت أعاني من العمل لأني عملت في أعمال عاديه ليست تخصصي ، ومازلت أعاني من المشاكل المادية والعملية والاجتماعية ، لكن تفكيري بالعودة إلى مصر يتضاءل يوم بعد آخر في وجود حكم العسكر الحالي”.

– لكن يظل العمل والظروف المادية مؤثرا بشدة على حياة المغترب ، فيقول (هـ.غ) عن هذا:

“أهم عقبة تواجهني هنا، عدم وجود تصريح عمل وبالتالي عدم القدرة على كسب الرزق للعيش فترة أطول، وأحاول الاستمرار على العمل الأساسي داخل مصر، رغم الصعوبات لتوفير بعض الأموال للتمكن من الإنفاق بعد انتهاء المنحة المالية”.. ثم يواصل بأسى: “إذا لم أتمكن من توفير نفقات مستقرة فسأضطر للعودة مرة أخرى”.

– أما (ح.و) فهو من بين من إضطروا للانفاق من مدخراتهم في بلاد الغربة يحكي:

“عندما كنت أعمل كان لي دخل شهري، حاليًا أنفق من مدخراتي، عملت لفترة بعقد مؤقت في محطة فضائية ، ثم سافرت إلى تركيا للعمل كصحفي في أحد المواقع الإخبارية لفترة ثم الآن لا أعمل”.

– يترقب (ن.ف) موعد طلب خدمة من قنصليته ببالغ القلق والترقب:

“هناك مصاعب تتعلق بالتعامل مع السفارات المصرية، فأنا لا أعلم كيف سأتمكن من تجديد جواز سفري، من المفروض أن ينتهي بعد عامين، أتمنى أن تكون هذه الأزمة قد مرت وانتهت”.

ما لم يعلمه (ن.ف) قد علم شيئاً منه (م.ل)، يذكرها في جملة حاسمة جائت بشهادته اكتسبت حجيتها من كثرة التردد على القنصلية المصرية بالبلد المقيم بها:

“القنصلية المصرية تتعنت معنا ولا تقدم خدمات قنصلية لنا”.

– “السفر والترحال الدائم كان له اثره على علاقاتي الشخصية واستقرار حياتي…إلا اني باتحصل على دعم نفسي من طبيب نفسي متخصص بشكل نصف شهري”.

هذا ما يرويه (أ.ي) الذي ترك عمله في القاهرة وانتقل للعمل في بلد عربية أخرى  ، لكن سُمح له بالسفر والعودة طالما لم يمارس نشاط حزبي أو مهني في مصر.

– أن تشطر حياتك مثل(أ.ي) في المثال السابق وتوزع بين المطارات حتى لو سٌمح لك بالعودة بين وقت واخر لبلدك ، فهذا له نتائجه ، وان تحرم تماما من العودة  ، فهنا تتجسد ألام التغريبة وهو ينطبق على  (ي.ل) :

“توفت أمي الشهر الماضي وأنا بالمنفى، لم أرها منذ أربع سنوات”

– (ف.ر)  ليس متهما بأي قضية ، ولم يسبق اعتقاله ، لكنه لم يحتمل البقاء والضغوط السياسية في مصر ، ورغم  أن ظروفه المادية والاجتماعية اتاحت له فرصة السفر الآمن بل والدراسة ، إلا أنه حبس أنفاسه كلما مر من بوابات المطار :

“مع بداية عام 2015 بدأ توقيفي في المطار عند العودة والسفر والتحقيق معي في مكتب الأمن الوطني، مما أضاف شعورا جديدا لم يكن لدي من قبل، هو احتمالية الاعتقال في كل مرة أمر على المطار”.

– (م.ي) الذي خرج للدراسة، يشعر هو أيضاً وذويه بالخطر، لا لشيء إلا لأنه يمر من مطار يكثر به التوقيف لاسباب واهية أحيانا ، ودون أسباب كثيرا:

“بشكل شخصي لا أواجه مشاكل هنا إن كان القصد المشاكل السياسية، فقط هناك نصائح متكررة من الأصدقاء بعدم العودة لمصر خشية التعرض لمشكلة أمنية، ولكن الحمد لله لم يحدث هذا إلى الآن”.

الجزء الثالث

خارج مصر.. صالة انتظار أم مستقر نهائي؟

 

– متى تعود؟

– لا أعلم، لا أتمنى أن أعود.

هكذا جاء رد (ح.و) سريعاً وقاطعاً الطريق على أي سؤال قد ينكأ هذا الجرح ثانية، لن أعود وكفى.

–  أما (و.ي)، فقد كان معنا أكثر استفاضة في شرح أسباب قرار عدم رغبته في العودة: “العودة للزيارة في أقرب وقت حين يكون هناك إحساس بالآمان. أما العودة للعيش في مصر فلا أعرف الإجابة على هذا السؤال. لقد أصبحت الحياة في مصر (والدول العربية عامة) مزعجة بالنسبة لي ليس فقط على مستوى الدكتاتورية والتدخل البوليسي في مصائر البشر ولكن بسبب ضيق الناس ببعضها البعض وغياب ثقافة الاختلاف والتسامح والخوف المستمر على الآمان الشخصي للأطفال والنساء وتخلف وانهيار نظم التعليم والصحة.. الخ. هذه أشياء مهمة ولا يمكن الاستهانة بها ولا أعرف هل يمكن أن أتأقلم يوماً ما مع الحياة في بلدي حين تسقط الدكتاتورية بينما تأخذ أمراضها المزمنة أوقاتا طويلة لعلاجها والتغلب عليها؟”.

في هذا الجزء نحاول استعراض شهادات وإجابة بعض الحالات التي شملها التقرير عن التفكير في العودة الى مصر وتوقيتها.

 ويمكنا أن نأخذ منهم نسب مئوية، لكن يظل في مخيلتنا أمر مهم، أنها نسب تقريبية ليست دقيقة. وقاصرة على العينة التي بلغت (31حالة ) لم ينشر منها سوى 22شهادة كما أسلفنا .

– أجاب 4 فقط ممن شملتهم العينة بعدم الرغبة في العودة الطوعية بنسبة12 % .

– بينما أجاب 27 شخصا بنسبة 88%  من حجم العينة برغبة في العودة مشروطة بانفراجة في المجال العام وعدم الملاحقة.

يجب هنا تسجيل ملاحظة مهمة، أن بعض من هاجر ممن شملهم التقرير كان في بداية عام 2012، ثم توالي الخروج والرحيل عن مصر ، مما يعني أنهم حديثي عهد بالتغريبة، ومع تدهور الأوضاع من سيء لأسوأ ، فقد تطول غيبتهم، ووتتراجع معها إمكانية العودة، فمعنى العودة هو عرقلة مشوارهم المهني الذي مضوا فيه قدماً بالخارج والبدء من جديد، وفي الغالب ليس من نفس النقطة التي انتهوا عندها هناك، بخلاف الاعتياد على جودة الحياة ، خاصة في الدول الأوروبية، التي تتوافر فيها الأدوات المعرفية للباحثين منهم، وإن كان لدى بعضهم أسر وأطفال قد كبروا بالخارج ، فالقرار لن يأخذه فرد كمان كان الحال أول الأمر، كل ذلك يقلل من نسب احتمالية العودة.

وفيما يلي بعض الشهادات التي طُرحت على ألسنتهم، قسمناها إلى ثلاث أنواع :

الأول) للمضغوطين من الأوضاع بمصر ومن يشعرون بخطر مجهول بسبب طبيعة عملهم

 الثاني) لمن وصلتهم تهديدات مباشرة وصريحة.

الثالث والأخير)  لمن ينتظرهم حكم بالسجن حال العودة أو متهمين على ذمة قضايا.

أولا :

– لا يواجه (د.ن) خطرا واضح المعالم، ورغم حرية إرادته إلا أنه لا يفكر في العودة الآن:

“لا أفكر بالعودة قريبا، أعتقد أني بحاجة لمزيد من البُعد حاليا، أخطط للعودة بعد 5 سنوات على الأقل”.

– واختار (د.ط) أيضاً الاختيار نفسه: “لن أعود قريباً بأي حال. خرجت بشكل طبيعي من المطار وهذا يعني أني حتى وقتها على الأقل لم يكن لدي أي مشكلة أمنية، لكنه ذلك الرعب المبهم في مصر: لا أعرف الآن لو عدت هل سأمر بشكل طبيعي أم لا؟ .. والخوف ليس اعتقالي فقط، بل يمكن ببساطة ان أمر داخلاً، ثم يُمنع سفري للخارج مرة أخرى مما سيقضي على عملي ولا يوجد لدي أي فرص في مصر حالياً،،،،،، سأعود فقط حين تحدث انفراجة سياسية واضحة، سواء بتغير الرئيس الحالي، أو بانفتاح المجال السياسي بشكل ما، خروج المعتقلين وعودة هامش من الديموقراطية”.

ثانيا :

– يورد المغترب (ل.ل) استعراضاً لما يقال عنه في وسائل الاعلام بمصر ، ليوضح خطورة موقفه اذا فكر بالعودة ، فيما يعد منه إجابة شافية على اسباب عدم تفكيره في العودة الان :

 “بمعايير الدكتاتورية المصرية الحديثة أصبحت عميلا وخائنا ومرتزقا على الرغم من أن كثيرين من مطلقي هذه الاتهامات يعلمون أن عملي داخل مصر كان يوفر لي معيشة هادئة وحالا ميسرا”.

– أما (ن.ف) الذي تلقى تهديدات بالقتل قبل رحيله من مصر، فكان رده واضح يبوح بما يتمنى:

“سأعود فور تغير الأوضاع السياسية، سواء كان ذلك بثورة، أو بسقوط عبدالفتاح سيسي، أو حتى بانفراجة بسيطة لأي سبب.. وهناك احتمالات للعودة قبل ذلك إذا كان ذلك مفيدا للثورة، حتى لو كانت العودة للسجن”.

– (هـ.غ) فالقرار لا يعود لرغبته وحدها ، فأمره متوقف على توفير نفقات تتيح له استمرار حياته خارج مصر، بعيداً عن الخطر:

“إذا تمكنت من تدبير عمل معقول فلن أعود قبل الاطمئنان إلى تغير الأوضاع في مصر وكونها أكثر أمنا للعمل داخلها دون ترصد وتشويه مستمرين”.

ثالثا:

– “إذا عدت سيقبض علي في المطار”

(ي.ل) الذي صدر ضده حكم بالسجن خمس سنوات ، جعلته يحسم قراره بعدم العودة.

– (ر.ر) يطارده نفس عدد سنوات السجن، لكنه رغم ذلك، ورغم أنه مهدد من قبل النظام والمجتمع، ينوي العودة حال سقوط الحكم:

“يمنعي من الرجوع نقتطين.. أولا وجود حكم ضدي بالسجن لن يسقط قبل 5 سنوات.. ثانيا رجوعي يعني الغاء جميع اوراقي في أوربا و أنا بنتي هناك.. لو رجعت مصر قد لا استطيع الرجوع مرة أخري لرؤية أبنتي.. الرجوع سيكون في خلال سنتين تقريبا يكون قد سقط الحكم ضدي في مصر و ايضا اكون قد قدرت أن أحصل علي اقامة دائمة تتيح لي العودة مرة أخري”

– (ف.ر) يواجه هو الآخر حكماً بالسجن عامين مع الشغل، ومع ذلك ينتظر قبول الطعن على الحكم الذي رفعه منذ ثلاث سنوات، ولا أحد يجيبه:

“ولكنى قدمت طلبا لمحكمة النقض لنظر نقض ضد الحكم السياسي ضدي، ولم احصل على رد حتى الآن، بعد مرور اكثر من ثلاث سنوات.. مازلت لا استطيع العودة الى مصر، و لكنى لم افقد الأمل فى ان اعود يوما ما عندما لا يصبح الخيار الوحيد الوحيد امامى و امام العديد من النشطاء الحقوقيين هو الاختيار ما بين السجن او المنفى. و ان غدا لناظره قريب”.

– (م.ل) لا يواجه حكماً، لكن تم ضم اسمه إلى عدد من القضايا، تستطيع إحصاء الرمال ولا تستطيع إحصائها:

” سأعود ان شاء الله بعد رحيل نظام 3يوليو وحكم السيسي وحدوث إنفراجة.. التفكير لن يبدأ إلا بعد رحيلهم لأنه بالطبع علي عشرات القضايا الملفقة ببث دعايات ضد الجيش”.

 الاطار القانوني

غياب الارادة السياسية لاحترام حرية التعبير وقيم الديمقراطية ضمن الأسباب الرئيسية في عودة ظاهرة التغريبة والرحيل الغير طوعي عن مصر هربا من القمع وبحثا عن مناخ آمن وأكثر انسانية.

إلا ان  هذا الغياب للارداة السياسية ليس السبب الوحيد ، فهناك خلل في احترام الدستور والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان.

 ففي حين تعلن الدولة دائما أن الدستور المصري لعام 2014 قد حفل بالعديد من المواد التي تحفظ وتصون حقوق وحريات المصريين جميعا ، دونما تمميز بسبب الانتماء السياسي، وخاصة في المادة 53 التي تنص على :

“المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الإجتماعى، أو الإنتماء السياسي أو الجغرافي ، أو لأى سبب آخر.

التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون.

تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء علي كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض”.

، فإن عدم إنفاذ الدستور ومواده في الواقع ، ساهم في تنامي التمييز لاسيما بسبب الانتماء السياسي.

ايضا فالمواثيق الدولية المتعلقة بالتسامح وضمان العدل والاجراءات القانونية.

فإعلان مبادئ بشأن التسامح الذي اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في الدورة 28 في نوفمبر 1995 ، المنعقد في باريس ينص صراحة في مادته الثانية على:

” 2-1 إن التسامح علي مستوي الدولة يقتضي ضمان العدل وعدم التحيز في التشريعات وفي إنفاذ القوانين والإجراءات القضائية والإدارية. وهو يقتضي أيضا إتاحة الفرص الاقتصادية والاجتماعية لكل شخص دون أي تمييز. فكل استبعاد أو تهميش إنما يؤدي إلي الإحباط والعدوانية والتعصب.

2-2 وبغية إشاعة المزيد من التسامح في المجتمع، ينبغي للدول أن تصادق علي الاتفاقيات الدولية القائمة بشأن حقوق الإنسان، وأن تصوغ عند الضرورة تشريعات جديدة لضمان المساواة في المعاملة وتكافؤ الفرص لكل فئات المجتمع وأفراده”

كما كان لغياب احترام حرية التعبير وكذلك اختلال جهاز العدالة وانتشار المحاكمات الغير عادلة ، أثره في تنامي مناخ الخوف ليس فقط من التعبير عن الأراء المخالفة ، بل ايضا نلفيق الاتهامات التي قد يعقبها حبس احتياطي مطول أو منع من السفر أو صدور احكام قضائية مسيسة ، لاسيما وأن القمع لم يقتصر على تيار سياسي بعينه ، بل طال جميع المخالفين من كل التيارات السياسية ، وتخطى المعارضين والمنتقدين ، الى المشكوك في دعمهم للنظام السياسي .

الخاتمة

نزيف الكفاءات، من يدفع الثمن؟

على عكس التغريبات السابقة ، فإن هذه التغريبة كانت مزيجا بين أغلب الانتماءات والخلفيات السياسية والوطنية ” اخوان ، يسار ، ليبراليين ، بل وقوميين ” بالاضافة الى الاكاديميين والمهنيين الذين رحلوا لتمسكهم بقيم مهنهم ، فضلا عن أن الكثير منهم إما شباب او متوسطي العمر .

وهو أمر يختلف عن التغريبة الأولى التي غلب عليها المنتمين لتيار الاسلام السياسي “اخوان بالاساس” والتغريبة الثانية التي اقتصرت على القوميين واليساريين وبعض المثقفين.

 ايضا فإن التغريبة الاولى والثانية كانت في اغلبها لأعمار متأخرة ، ما بين كهول وكبار في السن.

وفي حين أن التغريبة الأولى والثانية كانت كل منهما لدول في العالم العربي ” الاولى لدول الخليج ولاسيما السعودية” والثانية لدول ذات طابع قومي ” الجزائر ، ليبيا ، سوريا ، العراق”.

فإن التغريبة الثالثة الحالية ، لم تقتصر على بقعة واحدة في العالم ، حيث ضمت العينة التي تواصلت معها الشبكة العربية 9 دول موزعة على العالم العربي واوروبا والولايات المتحدة .

ايضا ورغم أن اعداد المغتربين في التغريبة الحالية غير معروف أعدادهم بدقة ، إلا أن الكثير منهم ذوي مهن مميزة سهلت عليهم العثور على  بعضهم العمل أو القبول بطلبات الاقامة واللجوء السياسي.

وهو ما يحرم وطنهم من الاستفادة من خبراتهم وكفاءاتهم ، وضمن الشهادت التي استبعدتها الشبكة العربية لصعوبة اخفاء خصوصية أصحابها ، فبعضهم عاد كان قد عاد لمصر عقب ثورة 25يناير وهم ممتلئين بالحماس للمشاركة في بناء الدولة الديمقراطية الحديثة ،ولكن تراجع المناخ السياسي وتزايد القمع ، جعل بعضهم يعود ادراجه مرة أخرى ، ليتم حرمان مصر من خبراتهم وكفائاتهم الممزوجة بالحماس للبناء.

ومن ينظر للأثر الذي أحدثه أصحاب التغريبات السابقة ، لاسيما التغريبة الثانية التي غلب عليها مفكرين ومثقفين من خلفية يسارية وقومية في المجتمعات العربية التي رحلوا اليها ، يمكنه أن يتصور مدى الخسارة التي منيت بها مصر جراء تفشي القمع ورحيل اصحاب التغريبة الحالية ، وما كان متوقعا ان يسمهموا به في بناء دولة ديمقراطية تتيح لأصحاب الرؤى والقدرات المختلفة أدوارا تعجل بخروج مصر من أزماتها ، سواء الاقتصادية أو السياسية التي خلفها نظام الدكتاتور الاسبق حسني مبارك.

ملحق 1:

الخروج من جنة الاستبداد

سافرت من القاهرة إلى الدوحة يوم 17يوليو 2013كان معي الدكتور حسن نافعة، وكان مقررا أن نعود بعد أسبوع فقط.

كنا أول من استضافتهم الجزيرة لمقرها الرئيسي بعد الهجوم على مكتبها بالقاهرة وإغلاقه.

لم أصطحب معي من ملابس ومستلزمات سفر إلا ما يكفي لأسبوع، في طريقي لمطار القاهرة أبلغني صديق بأن محامي السلطة الشهير تقدم ببلاغ ضدي يطالب بمحاكمتي جنائيا ومنعي من السفر، بتهمة إهانة الجيش وتهديد الأمن القومي، لأني وصفت ماحدث في بأنه انقلاب عسكري وأن ما جرى عند دار الحرس الجمهوري مذبحة ارتكبتها قوات مسلحة، جيش وشرطة.

لم آخذ هذا البلاغ على محمل الجد واعتبرته نكتة، وسافرت وفي نيتي العودة بعد أسبوع، وحين وصلت الدوحة ومع ظهوري على شاشة الجزيرة واصفا ما حدث في مصر بأنه انقلاب وما تلاه من إجراءات هي جرائم ضد الإنسانية علمت من أصدقاء أن هناك سخطا رسميا عنيفا ضدي في مصر، قلت لا بأس هذا متوقع وحين أعود لن أغير موقفي المعلن منذ البداية، والذي يرى فيما جرى في مصر انقلاباً صريحاً .

انتهى الاسبوع وطلبت من إدارة الجزيرة أن ترتب لنا رحلة العودة فطلبوا مني البقاء لمدة أسبوع آخر لأن البث من القاهرة مستحيل وفي انتظار وصول ضيوف آخرين من القاهرة، وبالفعل وصل الراحل سعد هجرس وآخرون منهم عماد حسين والجوادي وسليمان جودة وبشير عبد الفتاح.

مع تطور الأحداث وارتكاب جرائم بحق المعتصمين ضد الانقلاب فوجئت ببداية التدخل في مقالاتي بصحيفة”الشروق”، في البداية حذف وتغيير سطور، وعلمت أن الضغوط رهيبة وغير عادية، فضلا عن أن ظهوري على الجزيرة بات مزعجا بشكل قد يعرضني للخطر عند العودة، ونصحني أحدهم بالبقاء في الخارج بعض الوقت، فقلت بل سأعود.

قبل أن نصل إلى لحظة جريمة رابعة العدوية كان مناخ التخوين والاتهام بالعمالة على أشده، وفي هذه الأثناء تلقيت عرضا بتولي تحرير “العربي الجديد”وأبديت موافقة مبدئية لكني طلبت الانتظار حتى أسافر للقاهرة ثم أعود للدوحة، فقال محدثي إن أجواء الهيستريا المخيمة على القاهرة قد تجعل خروجك منها مستحيلا.

وقعت جريمة رابعة وكتبت”تسلم الأيادي”فنشرت “الشروق”في رأس المساحة المخصصة لعامودي اليومي اعتذارا عن عدم النشر بناء على رأي المستشار القانوني للجريدة، كان هذا الاعتذار بالنسبة لي أسوأ وأخطر من المصادرة، إذ لم يكتف بمنع المقال وإنما اعتبر مضمونه خروجا عن القانون، وكاتبه خارجا على القانون أيضا.

مرة اخرى جاء صوت ناصحي من القاهرة: أنت لا تتخيل حجم الضغوط وكم الاتصالات التي تطالب بإسكاتك كلما ظهرت على الجزيرة، ولأول مرة يبدي خوفه عليً من الرجوع ويطالبني بالبقاء بالخارج.

تخيلته يبالغ في مخاوفه، أو أنه ضج بوجودي في الصحيفة، لكن ما حدث فيما بعد من تطورات أثبت استحالة أن تكون في مصر وتكتب ما تعتقده وتؤمن به.

المهم، قبلت عرض العمل كرئيس للتحرير، وابتدأت التغريبة، ومازالت مستمرة، صحفي لديه ٢٨ عاما من خبرة العمل الصحفي، توليت إدارة تحرير أكثر من صحيفة في مصر، اشتغلت رئيسا لتحرير صحيفة عربية جديدة، هل هذا غريب؟.

بمعايير السلطة القمعية المصرية الحديثة أصبحت عميلا وخائنا ومرتزقا على الرغم من أن كثيرين من مطلقي هذه الاتهامات يعلمون أن عملي داخل مصر كان يوفر لي معيشة هادئة وحالا ميسرا.

وما اعتبرته “نكتة”سخيفة في بداية الرحلة، صاراً واقعاً كابوسياً مثيراً للأسى على بلد يمكن فيه لأي شخص أن يسعى لتجريد مواطن مختلف معه من جنسيته، حيث تطورت المسألة من المحاكمة الجنائية والمنع من السفر، إلى إسقاط الجنسية،  والأكثر مدعاة للحزن أن تتكاثر الاتهامات وتتعدد دعوى إسقاط الجنسية، وتجد كل الرعاية والاهتمام، بل والتشجيع، من “الدولة الجديدة”المشغولة بتنمية محصول “القمع”أكثر من اهتمامها بما يقيم الحياة.

الشاهد أن نظام السيسي، بأمنييه وسياسييه ومثقفيه وإعلامييه، لا يريد أن يصدّق أن هناك من لا يستطيع التعايش مع كل هذا القبح الساكن في مقبرتهم السعيدة، ولا يقبل أن يخدع نفسه، ومن يصدّقونه من قراء ومشاهدين، بأن هذه هي مصر، كما يعرفها التاريخ والجغرافيا، وكما يراها المحبون الحقيقيون.

هل هذه كل الحكاية؟

بالطبع لا، هناك الكثير لم يأت أوان الحديث عنه بعد!

 وائــل قــنـديــل

كاتب صحفي

   ملحق 2:

برطعة الخراتيت وهجرة الطيور!

بلال فضل

“عندما تبرطع الخراتيت تهاجر الطيور”، لست متأكدا ما إذا كان هناك مثل صيني يقول هذا المعنى، لكنك لست في حاجة لأن يجسد لك مثل صيني هذا المعنى الذي تعيشه وتلمسه حولك كثيرا هذه الأيام، وأنت تودع صديقا أو قريبا وجد فرصة للخروج من مصر إلى بلاد يشعر فيها أن هناك احتراما لآدميته وكرامته، ويتوقع فيها عندما يحدث له أي أذى مما يحدث للناس في بلاد الله المتقدمة، أنه سينال الإنصاف ممن ظلمه، وأن من ظلمه سينال عقابه القانوني، بدلا من انتظار عدالة السماء التي كان آخر حظنا بها نزولها على ستاد باليرمو الدولي.

لا يبدو “القامطون” على مقاليد الحكم مشغولين بأي ممن تركوا لهم البلاد أيا كانت خبرتهم الفعلية أو أيا كان نفعهم المفترض، هم يعتقدون أنه لو كان في هؤلاء خير لهم لما كان قد رماهم الطير المهاجر في بلاد غريبة، ولعلهم يقولون لأنفسهم لماذا الأسى على ضياع نفع هؤلاء أو فائدتهم إذا لم يكونوا قد قرروا أن يجعلوها في الخدمة وتحت الطلب، بل وربما اتهموهم بالخيانة لأنهم تركوا وطنهم سخطا على عودة الماضي الكريه واستسهال إهدار كرامة الإنسان وسيادة الإنحطاط الإعلامي الذي يزيد الواقع كآبة وقتامة، فعندما يحكم الجنرالات يكون موقعك المفترض كمواطن أن تكون جنديا تمشي بالخطوة السريعة إن أراد القائد وتقف انتباه إن أحب، وتنال نصيبك من التكدير وأورنيكات الذنب والجزاءات الصاعقة إذا طلبت مع مزاج سيادته.

عقب ثورة 25 يناير مباشرة، كان مألوفا بالنسبة لي أن التقي في الدول التي أسافر إليها بمصريين مهاجرين يحدثونني عن قرارهم بالعودة العاجلة إلى مصر ليساهموا في بنائها وإصلاح أحوالها، وقتها كانت روح دهن الأرصفة وتنظيف الشوارع قد عبرت شرقا وغربا لتجعل الطيور المهاجرة تفكر في العودة إلى بلادها، حتى لو جاء ذلك على حساب ما حققته من مكاسب في غربتها الطويلة، لا زلت أحتفظ في بريدي الإلكتروني برسائل عديدة من مصريين مهاجرين تسأل عما أراه من أولويات تحتاج دعمهم بعد عودتهم إلى مصر، بل ويسأل بعضها عن الأحزاب السياسية الجديدة التي نشأت من رحم الثورة والتي لا يمتلكون معلومات وافية عنها، لكنهم يفكرون في الإنضمام إليها بعد عودتهم.

كانت روحا حية ظللت ألمسها نابضة ومتوهجة برغم ما كان يدور في البلاد من عك سياسي، إلى أن جاءت مذبحة ماسبيرو وما تلاها من مذابح ومهازل تسبب فيها صراع الخراتيت الغبية على ما بأيديها من مكاسب أو على ما تحلم به من المزيد من المكاسب، ذلك الصراع الذي أهلك الأخضر واليابس، واندهست تحته أشياء كثيرة كلها ثمينة، لكن أثمنها على الإطلاق الأمل العام في انصلاح قريب للأحوال، والمؤسف أنك مهما حاولت إقناع من فقدوا ذلك الأمل بأن ما يرونه حولهم أمر حتمي الحدوث في أعقاب الثورات الشعبية، إلا أن ذلك لا يمكن أن يقنع إنسانا بأن يضحي بأبسط مقومات حياته وهو لا يرى حوله أصلا رغبة صادقة من غالبية الشعب في مخاصمة الماضي اللعين وتغيير الواقع الكئيب وصنع مستقبل أفضل ظنا منهم أن عودة الماضي ستضمن مستقبل أولادهم، فكيف تلومه عندها إذن إن فكر هو في الحياة في بلد تحترم آدميته وتصون كرامته وتضمن مستقبل أولاده.

لا أعتقد أنني سأستطيع التعبير عن خطورة تنامي ظاهرة هجرة العقول المصرية وخصوصا الشابة منها، بنفس الصدق الموجع الذي قرأته في تدوينة قصيرة نشرتها أم مصرية هي السيدة حياة مخلص جاد بعد أن وضعت معها صورتها وهي تحتضن ابنها الشاب المسافر إلى خارج مصر تقول فيها “دي صورة ابني وهو بيودعني وهو رايح المطار على كندا من 11 شهر، هاجر وساب البلد وللأسف ما عنديش ولد تاني يعوضني عن عدم وجوده، من كام يوم اتصل بيا قلت له وحشتني يا أحمد حترجع امتى مش كفاية كده؟، رد وقالي: إنسي ياماما أنا مش راجع البلد دي تاني هو أنا مجنون أنا عاوز يبقى عندي عيال يلاقوا عيشة نظيفة ويتعلموا صح ويتربوا صح، أنا لو رجعت مصر لو ما اتقتلتش هاتسجن، ولو ما اتسجنتش حاعيش صايع مالوش مستقبل، قلت له: طيب أنا هاعمل إيه؟، قال لي: حابقى أبعت لك تيجي تقعدي معايا. الكلام وجعني قوي، وحسيت خلاص إن ابني راح مني، بس في نفس الوقت، حسيت إن ده حال معظم الأمهات في مصر، بنفقد أولادنا إما شهداء أو معتقلين أو تايهين ومحبطين أو دايخين وبيشتغلوا وطالع عينيهم وبردو مش عارفين يعيشوا، على الأقل ابني عايش ومبسوط بس أنا اللي مش مبسوطة، ده قدري إني أم مصرية، وربنا يصبرنا وينتقم من اللي كانوا السبب”.

للأسف لا يبدو أن مشاعر السيدة حياة تشغل الكثيرين ممن يحلمون بالخلاص ممن يختلفون معهم في الرأي، ويعتبرون الديمقراطية الوسيلة التي تتيح لك أن تنتصر في الإنتخابات لتقول بملء فمك لمن يعارضك “واللي مش عاجبه يهاجر كندا” أو “روحوا تركيا بقى وحلوا عن سمانا”، “اذهبوا إلى أي بلد تحبونها لكن اتركوا لنا بلادنا نعيش فيها على هوانا دون أن نسمع رأيا يعارضنا أو يضايقنا أو يربكنا؟”، كيف إذن تريد لهؤلاء أن يشعروا أن رحيل ابن السيدة حياة لوحده فقط مشكلة تخص كل مواطن مصري، فما بالك ونحن نتحدث عن رحيل مئات الآلاف من كافة أنحاء مصر، من بينهم علماء في كافة التخصصات يصل عددهم إلى 86 ألف عالم طبقا لآخر إحصائية صدرت قبل أشهر من الإتحاد العام للمصريين في الخارج، ومن بينهم شغيلة كانت البلاد أولى بعرقهم وكدحهم، من بينهم من يمتلك الحظ الذي يجعله يسافر بشكل شرعي بعد أن حصل على فرصة عمل أو منحة تعليم، ومن بينهم من باع ذهب أمه وأنفق تحويشة عمر أبيه لكي يضع جسده في مهب رياح البحر داخل قارب هجرة غير شرعية يمكن أن يوصله إلى أي مكان يأمن فيه على حياته وحريته وأحلامه.

لا أريد أن أنهي حديثي بكلام حالم يبشر بعودة الطيور المهاجرة حتما ولزما بعد أن يدرك الناس إفلاس الخراتيت وبعد أن يزهقوا من برطعتها في جنبات البلاد وقطعها لأرزاق العباد، فليس أخطر علينا من الأمل السهل الذي لن يكون إلا بمثابة مخدر يلهينا عن حقيقة مؤلمة هي أنه حتى الآن لا توجد قناعة واضحة ملموسة لدى حكام مصر ولا لدى أغلبية شعبها بأن مصر بحاجة إلى كل فرد من أبنائها مهما كانت قناعاته الفكرية والسياسية مختلفة عما هو سائد ورائج، وبدون أن تتشكل هذه القناعة ويكون لها وجود ملموس في القرارات السياسية وفي مجمل الخطاب الإعلامي وفي التفكير الشعبي السائد، سيظل الحديث عن الأمل خداعا للنفس يفترض ألا ترضاه لأمك ولا لأختك ولا لشعبك، لكن ذلك لا يعني ألا نعمل من أجل إيجاد تلك القناعة كل بما يملكه أو يقدر عليه، لأن ذلك هو وحده طريقنا نحو بداية الخلاص.

يدّينا ويدّيك طولة البال والأمل.

مقالة مهداة من الكاتب نشرت في موقع الفنار سبتمبر 2014

  التغريبة الثالثة .. عن هجرة ورحيل المصريين غير الطوعية للخارج pdf

  التغريبة الثالثة .. عن هجرة ورحيل المصريين غير الطوعية للخارج  word

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *