الإعلام المصري.. وحقوق الإنسان

 

ياسر عبد العزيز

الأحد 2 أبريل 2017

المصري اليوم

لن يكون بوسع الإعلام المصرى معالجة قضايا حقوق الإنسان بطريقة إيجابية من خلال ممارساته الحالية، بل على العكس تماماً، إذ تسىء تلك الممارسات، فى معظمها، إلى المفاهيم الحقوقية، وتقود إلى تردى الأوضاع الإنسانية وتدهورها يوماً بعد يوم.

ثمة ستة أسباب جوهرية تجعل من إعلامنا أداة للإضرار بالمفاهيم الحقوقية والانتهاك المطرد لها، أول هذه الأسباب يكمن فى التدنى المهنى فى المجال الإعلامى، وهو التدنى الذى يتمثل فى عدم إدراك نسبة كبيرة من إعلاميينا، والوسائل التي يعملون لها، للقواعد المهنية المرعية فى الممارسة الإعلامية، ومن أهمها الدقة، والتوازن، والموضوعية، والفصل الواجب بين الرأي والخبر.

بسبب غياب تلك القواعد لا يتم التعامل مع الموضوعات والقضايا بالنزاهة والإنصاف الواجبين، ما يشكل انتهاكاً أصيلاً لحقوق الإنسان وإهداراً لها.

أما السبب الثاني فيتعلق بالازدواجية التى تظهر فى أداء قطاع كبير من إعلاميينا ووسائل إعلامنا، وهي الازدواجية التى تجعل هؤلاء الإعلاميين ينتقون من مبادئ حقوق الإنسان ومعاييرها ما يحلو لهم، فيما يتغاضون عن المبادئ التي لا يدركونها، أو لا تخدم مواقفهم، ومصالح مالكى الوسائل التي يعملون لها.

السبب الثالث لتردى المقاربة الإعلامية الوطنية لقضايا حقوق الإنسان يتعلق بالتوظيف السياسى للمبادئ الحقوقية. فإذا وقع انتهاك حقوقي من قبل دولة معادية أو جماعة مناوئة، يتم التركيز عليه وإبرازه والإلحاح فى نقده، أما إذا حدث هذا الانتهاك بواسطة الأصدقاء والحلفاء، فيتم تجاهله، وغض البصر عنه، بحيث لا يتم عرضه أو مناقشته فى الأصل، وإن حدث، فبمواربة، وعلى استحياء.

يتمثل السبب الرابع فى تردى التناول الإعلامى المصرى لقضايا حقوق الإنسان فى جهل قطاع من الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية بالمبادئ الحقوقية، وهو الجهل الذى يقود عادة إلى عدم الاعتداد بها، أو اعتبارها ترفاً وتنطعاً.

ينطلق عدد كبير من الإعلاميين المصريين فى مقاربتهم للشأن الحقوقي من اعتقاد خاطئ مفاده أن حقوق الإنسان ليست متكاملة، وأنها قابلة للانتقاء والتجزئة، بمعنى أنه يجب أن نتخير منها بعض المبادئ لنحرص عليها، وأن نستبعد مبادئ أخرى لكونها «ليست ضرورية» أو «لا تناسب مجتمعنا». بعض هؤلاء الإعلاميين أيضاً يعتقد أن صيانة مبادئ حقوق الإنسان يجب أن تتم على التوالى، وليس على التوازى، وهم يحددون، فى هذا الصدد، ما يعتقدون أنها مبادئ أولى بالعمل فوراً من أجل تحقيقها وتفعيلها، فى مقابل مبادئ أخرى يجب إرجاء الاهتمام بها. أما السبب الخامس وراء حالة التدهور العامة التي يشهدها المجال الإعلامي الوطني فى مقاربته لقضايا حقوق الإنسان، فيتعلق بعدم الاتساق بين المفهوم السائد فى هذا المجال لتلك الحقوق من جهة، والمفاهيم الدولية المستقرة عن تلك الحقوق من جهة أخرى.

لدى قطاع كبير من إعلاميينا اعتقاد راسخ بأن المبادئ العالمية لحقوق الإنسان، التي اتفقت عليها الشرعية الدولية، وتوافقت عليها الأمم، وتبنت مصر معظمها، «لا تتسق مع خصوصيتنا وحضارتنا وأسلوب حياتنا». إن هذا الفهم خاطئ وخطير فى آن، لأنه يفرغ هذا التوافق الدولي من مضمونه، ويُفقد الالتزام الوطنى معناه، ويحولهما إلى توجه شكلى، ورطانة فارغة، لا ترسي مبادئ يجب تفعيلها، وسياسات يجب إرساؤها، وتشريعات ينبغى سنها، وتدابير يجب اتخاذها. يعد السبب السادس وراء أزمتنا الإعلامية فى مقاربة حقوق الإنسان أخطر هذه الأسباب على الإطلاق، وأكثرها إلحاقاً بالضرر بحالتنا الحقوقية والتزامنا الإنسانى والسياسى والحضارى.

ويتلخص هذا السبب ببساطة فى أن المجال الإعلامى المصرى، فى معظمه، يتجه نحو الاعتقاد بأن «حقوق الإنسان» ليست سوى «بدعة» و«خداع»، وأن العاملين فى هذا المجال «كلهم» ليسوا سوى «عملاء» و«خونة» و«مرتزقة». إنها حالة من الشيطنة المنهجية للمجال الحقوقي يمكن أن نرصدها بسهولة فى قطاع كبير من مقارباتنا الإعلامية للقضايا الحقوقية وللعاملين فى هذا المجال. لذلك لن يكون من المستغرب أن نجد حملة منهجية على المجال الحقوقي، بموازاة جهل عميق بمبادئ حقوق الإنسان، وازدواجية صارخة فى التعاطى مع قضاياها، وتوظيف سياسي مغرض لها، وفجوة كبيرة بين ما نقوله عنها وبين ما يجب أن نقوله. لن يكون بوسعنا الانتصار لقضايا حقوق الإنسان من دون مواكبة إعلامية حرة ومسؤولة ومهنية وواعية ونزيهة، وهى مواكبة يجب أن نسعى لإدراكها عبر إرادة سياسية، وجهود منسقة من كافة المؤسسات والهيئات والمنظمات المعنية.

ولن يكون بإمكاننا أن نحقق ذلك الهدف الحيوي لإصلاح حال أمتنا ودولتنا وإنسانها من دون إدراك أن حقوق الإنسان متكاملة، وغير قابلة للتجزئة، وغير قابلة للتوظيف السياسي، وقبل هذا كله أن ندرك أن الإنسان المصرى جدير بتلك الحقوق.. كلها.. أمس، واليوم، وغداً.

هذا المحتوى نقلا عن موقع: المصري اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *