...
10 سبتمبر ,2017
الدولة
المنظمة

اسمعوا صوت إسماعيل الإسكندراني

ما يزيد عن 800 يوما قضاها الصحفي إسماعيل الإسكندراني خلف الجدران، محبوسا احتياطيا دون تهمة ارتكبها، غير ممارسة عمله كصحفي وباحث في علم الاجتماع السياسي، وهو ما وجدته السلطة في مصر كافيا لنعته بتهمة الأخونة، والزج به في السجن منذ 29 نوفمبر 2015 وحتى الآن.

تضامنا مع الإسكندراني الحاصل على جائزة “العين المفتوحة – هاني درويش” لأفضل مقال صحفي 2014، والمركز الأول عالمياً في مسابقة مقال الشباب عن الديمقراطية 2009،  تعيد الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان نشر واحد من أبرز مقالات الإسكندراني التي كشف فيها عن كيفية مباركة النظام الإخواني انتهاكات وزارة الداخلية  حتى أصبحوا  أحد ضحاياها .

في فنون ذبح المصريين على التوالي

لا يمكنك أن تذبح شعباً دفعةً واحدة، لكن يمكنك تقسيم المهمة إلى أجزاء متتالية. وإذا لم تعجبك قصة الثور الأبيض، ورأيتها طفولية ومستهلكة أكثر من اللازم، فيمكنك التعرف على قصة وزير الداخلية المصري، محمد إبراهيم، مع جماعة الإخوان، فربما تجدها أكثر واقعية وجدّة..

بدأت القصة بجنرال مغمور لا يعرفه أحد، تدرج في مناصب شرطية اعتيادية حتى اقترب من سن التقاعد حين تم تعيينه نائباً لمدير أمن أسيوط في جنوب مصر عام 2010، ثم تمت ترقيته بعد سنة واحدة ليشغل منصب مدير أمن أسيوط في عام 2011. انتُخب محمد مرسي رئيساً للجمهورية في حزيران/ يونيو2012 ، وكلف هشام قنديل بتشكيل الحكومة التي ضمت اللواء أحمد جمال الدين كوزير للداخلية، فوقع اختياره على محمد إبراهيم ليكون مساعداً أول ومديراً لقطاع مصلحة السجون. قرر محمد مرسي عزل جمال الدين بعد تقصيره في مهامه الأمنية خلال أحداث قصر الاتحادية في كانون أول/ ديسمبر، وأتى بمحمد إبراهيم وزيراً للداخلية في كانون الثاني/ يناير 2013.

الذبح الجماعي بمباركة الإخوان

وقف محمد مرسي مجسّداً للعبث الناطق، ومتملقاً لقوات الشرطة المحتشدة أمامه، في الذكرى الثانية لثورة “25 يناير 2011” التي اختارها الثوار الشباب متزامنة مع العيد السنوي للشرطة، احتجاجاً على القمع والتعذيب والقتل. وإذا بالرئيس “المدني المنتخب”

يتعجب من محاسن الصدف التي جعلت الثورة الشعبية في يوم عيد الشرطة، تلك التي وصفها مادحاً بأنها “في القلب من ثورة يناير”، عوضاً عن اتخاذه إجراءات حاسمة لإصلاح ذلك الجهاز وإعادة هيكلته ومحاسبة المتورطين من ضباطه في جرائم قتل وتعذيب. لم يمر يوم واحد حتى كانت الشرطة تُعْمل القتل في أهالي مدينة بورسعيد على خلفية إصدار أحكام بالإعدام الجماعي للمتهمين في أحداث “مذبحة الإستاد”، التي ارتكبت في مطلع شباط / فبراير 2012.

بحسب منظمات حقوقية مستقلة مشهود لها بالنزاهة، وإضافة إلى ما وصلت إليه لجنة تقصي الحقائق البرلمانية التي حققت في هذه المذبحة، فإن أحداث الإستاد قد تم تدبيرها مع سبق الإصرار والترصد من قبل أجهزة ذات سلطة نافذة، ولا يمكن التسليم بأنها أحداث شغب كروي عادية. ووفق شهادات المحامين وأهالي بورسعيد، فإن اعتقال الشباب حول الإستاد كان عشوائياً وتلفيق التهم كان السمة السائدة. لكن الحكم بالإعدام الجماعي قد صدر ملائماً لأهواء مجموعات ألتراس النادي الأهلي التي احتشدت في شوارع العاصمة مهددةً بإحداث موجة عارمة من الاضطرابات إذا صدر الحكم مخففاً. انشغل الرأي العام في القاهرة باحتفالات مجموعات الألتراس المهيبة، مع إحيائهم لذكرى ضحاياهم الذين تجاوزوا السبعين شاباً، وغفل الناس عن المقتلة التي ارتكبتها الشرطة بالتزامن مع النطق بالحكم.

كان أهالي المتهمين، ومعهم بعض مجموعات ألتراس النادي المصري البورسعيدي، قد اعتصموا أمام سجن بورسعيد قبل موعد جلسة النطق بالحكم بيومين. وفور النطق بالحكم بدأ القنص يستهدف بعض الأهالي الذين ترددت الأقاويل حول تهديدهم بالبوح بأسرار كانوا يكتمونها حول تفاوض أجهزة أمنية معهم على أشياء مبهمة. بدا الأمر للمتابعين عن قرب أن جانباً من المتهمين كانوا بالفعل ضالعين في الأحداث كبلطجية مستأجَرين، وكانوا على استعداد لقضاء بعض السنوات في السجن في مقابل أموال دفعت لهم، وهو سلوك ارتزاقي شائع في أوساط محترفي الإجرام.

لكن الاتفاق لم يشمل الحكم بالإعدام، وهو دفع أحد المتهمين بالصراخ داخل القفص في إحدى جلسات المحاكمة مهددّاً بكشف ما عنده، فنال جزاءه ضرباً فورياً من بعض زملائه المتهمين، ثم أعلن عن وفاته في السجن بدعوى دخوله في نوبة عصبية بعد سماع الحكم.

غابت كل هذه التفاصيل وغيرها عن المشهد الإعلامي في العاصمة، وزعمت الشرطة بقيادة محمد إبراهيم أن “أهالي البلطجية” أرادوا اقتحام السجن لتهريب “المجرمين” في تسويغ لجريمتهم. استمر القتل في اليوم التالي بفتح النار عشوائياً على جنازات المقتولين في اليوم الأول، فسقط ضحايا جدد استحقوا لقب “شهداء يشيّعون شهداء” كما أطلق عليهم أهالي المدينة. بلغ إجمالي الضحايا ما يقرب من 40 مواطناً، إضافة إلى عشرات المصابين الذين لم يشتهر منهم سوى معاق حركياً انتشر تسجيل مصور لإصابته وأشيع أنه قتل.

ماذا كان موقف الرئيس الإخواني وقواعد الجماعة؟ لم يحاسِب وزير الداخلية ولم يقله من منصبه، بل دافع محمد مرسي عن الشرطة، وتحدث بتفاصيل مزعومة في لقاء شهير جمعه بالجالية المصرية في ألمانيا أمام كاميرات وميكروفونات وسائل الإعلام. أما القواعد الإخوانية، فانطلقت على شبكات التواصل الاجتماعي في هستيريا، تسوّغ للشرطة وتدعم روايتها وتمدح بطشها. استغل العسكر الاضطراب وانتزعوا إقليم قناة السويس بالكامل ليكون تحت السيادة العسكرية في حالة طوارئ استثنائية، كانت تمهيداً لزحفهم نحو العاصمة.

الذبح الجماعي في صفوف الإخوان

وقف محمد مرسي في خطابه قبل الأخير، قبيل احتجاجات 30 حزيران/ يونيو 2013 الحاشدة، مجدداً دفاعه عن الشرطة. في الخطاب ذاته الذي وصف فيه قادة الجيش بأنهم “رجال من ذهب”، قال إن رجال الشرطة “لا ينامون”، ملتمساً لهم العذر في تقصيرهم وأخطائهم في الأشهر الأخيرة من حكمه. نالت كلمته تصفيقاً حاداً من جمهور مؤيديه، وهم أنفسهم الذين دافعوا عن تجاوزات الشرطة، بقيادة محمد إبراهيم، حينما نزلت إلى جوارهم في مطاردات واشتباكات مع معارضيهم. تخطت هستيريا الدفاع عن الشرطة بين القواعد الإخوانية وحلفائهم من عموم الإسلاميين مرحلة تبنّي رواية الشرطة وتسويغاتها، فانتقلوا إلى مرحلة متقدمة من تسفيه دماء الضحايا مستكثرين على من يشتهر بلقب “كريستي” – مثلاً – أن يستحق وصف “الشهيد”.

كان يفترض في الإسلاميين أن يكونوا أكثر دراية من غيرهم بأدبيات التراث العربي والإسلامي، ومنه الحديث المنسوب للنبي “مَنْ أَعَانَ ظَالماً سَلّطه الله عليه”. لكن تجربة الإسلاميين أوضحت أنهم لم يفقهوا شيئاً من مضمون ما يحملونه من أسفار، فإذا بمحمد إبراهيم، وزير الداخلية الذي لا ينام في القلب من الثورة، يعمل القتل الجماعي والجزر في صفوف الإخوان في مذبحة النصب التذكاري نهاية شهر تموز/ يوليو، ثم المذبحة الكبرى في فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في منتصف آب/ أغسطس 2013. ألا يذكّرنا هذا بتأييد سيد قطب لإعدام القياديين العماليين مصطفى خميس ومحمد البقري عام 1952 في مقال “حركات لا تخيفنا” قبل أن يُحكم عليه هو شخصياً بالإعدام بعد 13 سنة؟

الذبح الجماعي المرفوض من الإخوان

تجددت مذابح محمد إبراهيم في شباط/ فبراير الجاري، وأُعمل القتل في صفوف مشجعي نادي الزمالك على بوابة إستاد مقام على أرض يملكها الجيش. بحجج واهية، تمَّ تبرير استخدام العنف المفرط الذي أدى إلى الاختناق والتدافع فسقط ما يقرب من 30 شاباً في زهرة شبابهم. وعلى الرغم من أن العدد أقل من ضحايا بورسعيد، إلا أن تضامن الإخوان مع المغدورين هذه المرة كان واضحاً بعد أن جربوا الذبح الجماعي على يد القاتل نفسه، بطلهم السابق!

لكن الأمر لم يعد مقتصراً على الإخوان، وإن ارتبط ظهور محمد إبراهيم على الساحة بهم، ثم شهرته بذبحهم. الخطير الآن هو إعمال القتل في صفوف الناس بالتوالي والتتابع. كانت الوصمة جنائية في مطلع 2013، فاستبيحت أرواح الناس وأجسادهم عشوائياً بدعوى أنهم “بلطجية”، ثم صارت الوصمة سياسية في النصف الثاني من 2013 وبطول 2014، فاستبيح كل ما يُشتبه في كونه “إخوانياً”، بل حتى ما يمكن تصديق أنه إخواني. ويسكت الناس على الذبح الجماعي والتهجير القسري في سيناء المبرر بالوصم الجهوي، فتلك هي مناطق “الإرهابيين”. انتقل الذبح الجماعي لمرحلة السكوت المجتمعي عليه تحت دعوى الوصم الجيلي السلوكي، فشهدنا دفاع قطاعات واسعة من “المواطنين الشرفاء” عن الشرطة ضد الضحايا من “شباب” الألتراس “المشاغبين”.

فهل نستبعد أن تدمن السلطة وصم أية مجموعة أو فئة تريد ذبحها بأوصاف طبقية أو عرقية أو ثقافية في المستقبل القريب كي تبرر ذبحهم؟ وهل يكون خيالياً أن نتوقع انتهاج الدولة للعنف المميت العشوائي في تنفيذ أي قرار إداري لاحقاً؟ ألم يسكت الناس على قتل 30 شاباً لعدم حصولهم على تذاكر المباراة، مهللين لأحكام الإعدام الجماعي لمئات المتهمين في قضايا ملفقة؟ وهل عرفنا شيئاً عن فن ذبح الشعوب على التوالي؟

نشر هذا المقال في جريدة السفير العربي بتاريخ 18فبراير 2015

http://arabi.assafir.com/Article/25/3517

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *