...
14 سبتمبر ,2017

ارفعو أيديكم عن عدسة كاميرا شوكان

قرابة الـ1500 يوما قضاها المصور محمود أبو زيد الشهير بـ” شوكان” بين جدران السجن، دون استجابة من أجهزة الأمن وبعدها القضاء لإخلاء سبيله تنفيذًا لضمانات المحاكمات العادلة،  فبعد 49 شهرا  من اعتقاله أثناء تغطيته الصحفية لأحداث فض قوات الأمن لاعتصام ميدان رابعة العدوية ، قررت محكمة  جنايات القاهرة  مؤخرا تأجيل الفصل في قضية “فض اعتصام رابعة” التي يقبع شوكان في السجن على ذمتها إلى جلسة 23 سبتمبر الجاري، رافضة مطالب إخلاء سبيله.

وتؤكد الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان على تضامنها الكامل مع شوكان، وتكرر مطالبتها للقضاء والأجهزة الأمنية بإخلاء سبيله، وتمكينه من حقه في محاكمة عادلة .

وتضامنا  مع شوكان الحاصل على جائزة اليونسكو لحرية الصحافة عام 2016، تعيد الشبكة نشر المقال الأخير الذي كتبه  داخل محبسه.

مصر وحرية التعبير ومنصب المدير العام لليونسكو

في نهاية العام الجاري، تنتهي الولاية الثانية لمدير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، إيرينا بوكوفا، وهو المنصب الذي يتنافس عليه لفيف من دول العالم.

وتمثل السفيرة مشيرة خطاب، مرشحة الحكومة المصرية للمنصب، وما يُحسب لها من رصيد كبير على مستوى العلاقات والعمل السياسي الدولي.

مؤخراً، انضمت إيطاليا لتنافس على المقعد بعد أن أُشيع في وقت سابق أنها لن تتقدم بمنافس. وفي لحظة، أعلنت روما مرشحها للمدير العام لليونسكو السيد فرانشيسكو روتللي -وهو وزير سابق للثقافة والسياحة والآثار- في تطور أخير لمعركة اليونسكو، وتعتبر كل من إيطاليا ودول أخرى تشارك وتنافس على المنصب، من كبرى الدول المانحة اقتصادياً لليونسكو.

بالإضافة إلى تمتع تلك الدول بالمقاعد الدائمة في مجلس الإدارة، ما يمنحهم حق التصويت واختيار الفائز بين المرشحين ليتوج بالمنصب، وهو ما يجعل فرص فوز مصر أصعب.

لهذا، كان على مصر، ومرشحتها، أن تتحلى بصفات استثنائية وتعدَّ خطة منمّقة، وأن تأخذ بجميع الأسباب الممكنة وغير الممكنة والمشي بخطىً ثابتة والتقدم بغاية الفوز بالمنصب الدولي الذي يمثل أسمى المناصب الثقافية في العالم، وحتى نسعد بتحقيق هذا الإنجاز.

أما السؤال: كيف تترشح لأكبر منظمة ثقافية في العالم دولة لا تتوافق سياستها الداخلية مع أهداف هذه المنظمة؟! إنكم في مصر ما زلتم تسجنون المثقفين على أفكارهم، وتعتقلون الكتّاب على أعمالهم الأدبية، فكيف تتوقعون الوصول إلى موقع المدير العام لليونسكو؟!

يبقى السؤال منطقياً بحجة “فاقد الشيء لا يعطيه”!

كان هذا هو سؤال مذيع فرانس 24 الذي أطلقه كالسهم الغادر في غفلة من الدولة وعدم إسراعها في تصحيح الأوضاع داخلياً، ليردي حلم المصريين قتيلاً، وأولهم الأستاذ محمد سلماوي، الذي بدوره تلقف ذلك السهم عنا جميعاً.

فكم هي عدد المرات التي طالب فيها الأستاذ سلماوي الدولة بدعم خطوة الترشح لمنصب المدير العام لليونسكو عملياً؟ وذلك بتصحيح الأوضاع داخلياً بالنسبة للثقافة والصحافة، ما يترتب عليه الحفاظ على سمعة مصر خارجياً وإتاحة مساحات للتعبير عن الرأي أو ما يعرف بـFree Speech، والتوقف عن غلق الصحف واعتقال الصحفيين ودعم أكبر للثقافة والفنون والآداب.

لكن هيهات، فهناك من الثغرات ما يشوه صورة المحروسة، فعلى سبيل المثال لا الحصر قضية حبس الروائي الشاب أحمد ناجي، والتي تم معالجتها، لكن ما زال هناك المزيد..

وهنا أراه مدخلاً كي أسرد جانباً مهماً من قصتي وهو يأتي في صلب موضوع حديثنا.

فقد تجاهلت وسائل الإعلام الرسمية ومثقفو الثغر القريبين من دوائر الدولة تكريمي غيابياً وحصولي على جائزة اليونسكو لحرية الصحافة لعام 2016، وهي الجائزة التي تمنحها لجنة حماية الصحفيين برعاية اليونسكو والتي تتقدم مصر بمرشحتها للفوز بمنصب المدير العام للمنظمة، لجميع الكتاب والصحفيين ممن تعرضوا للاعتقال أو للقمع نتيجة أعمالهم.

فلم تذكر وسائل الدولة الإعلامية خبر حصولي على الجائزة إلا في سطر يتيم على صفحة جريدة الأهرام، باب التقارير الخارجية، بأسلوب ساخر متجهم، في محاولة للرد على تقرير صادر عن وكالة AP الأميركية والتي أعطت للتقرير جائزة اليونسكو لحرية الصحافة حجماً يتناسب مع حجم المناسبة والجائزة.

وهذا التجاهل المقصود منه إلقاء ظلال سوداء في محاولة حجب عوار وأخطاء الحكومة، فبدلاً من أن تمارس وسائل إعلام الدولة دورها في إنارة العقول والطريق أمام المواطنين والحكومة -وهي تفعل ذلك على استحياء- نجدها تحجب المعلومات وتضع السد تلو السد لغلق الأفق وتعتيم الضوء.

لن أتحدث عن التناقض الكائن بين الإقدام على الترشح لمنصب المدير العام لليونسكو، واعتقال الفائز بجائزة اليونسكو لحرية الصحافة، فهذا ما قام به مذيع فرانس 24 والذي حتماً يفقد مصر نقاطاً في إمكانية التتويج بالمنصب، وهو ما أردى به قلب مصر صريعاً بالسؤال سالف الذكر أو هكذا فعل.

أما ما يطالب به الأستاذ سلماوي، فهي قطعاً مطالِب أخرجت ملايين المصريين للشوارع وإسقاط حكم الفاشية في 25 يناير/كانون الثاني و30 يونيو/حزيران، وإنه ليس من الحكمة تكرار الأخطاء السابقة.

وهنا، كان لزاماً على الحكومة عدم الاكتفاء بتقديم مرشح المنصب فقط؛ بل كان عليها تحصين هذه الخطوة أولاً بتسريع وتيرة تصحيح الأوضاع داخلياً وعدم إعطاء الشامتين فرصة للنيل من مصر ومرشحتها للمنصب.

والاستيقاظ من النوم والاستغراق في أعماق التاريخ والاكتفاء والرضا بترديد الشعارات الشيفونية من نوع “مصر الحضارة”، و”مصر منارة التاريخ” والعمل على تحويل هذه الشعارات والحقائق إلى واقع ملموس ومحسوس.

فنهضة أوروبا التي أشاعت نورها كل أرجاء العالم، بدأت بالفكر والفنون والآداب والإبداع، والتي كانت تلك العوامل تمثل حجر الزاوية لها، لتلحقها بعد ذلك الثورة الصناعية.

نعم، مصر والعالم في حالة حرب على الإرهاب، ليس في الوقت الراهن فقط؛ بل منذ عقود مضت، ولكن لا تزال الحلول الأمنية وحدها محدودة ولا تكفي.. ببساطة؛ لأن الإرهاب فكر، ولا يدحض الفكر إلا فكر، فهي حرب عقول في المقام الأول، وتكون مواجهتها بالورقة والقلم واللوحة والريشة. وهو ما يعطي الأولوية لهذه الأدوات وتفعيلها بأقصى درجة للمواجهة.

شخصياً، أود أن تكون مصر ومرشحتها على رأس منظمة اليونسكو لما تستحقه مصر والسفيرة مشيرة خطاب لهذا المنصب، وهو ما سينعكس بالإيجاب على واقع الثقافة والحريات في مصر.

ما تزال الفرصة قائمة، ولا يزال تصحيح الأخطاء في متناول اليد، وما يزال الأمل يغمر قلوبنا في تحقيق المزيد من النجاح والتقدم والتنوير والتي كانت مصر في السابق هي مصدر الإلهام والإبداع للعالم أجمع.

نشر هذا المقال في موقع ” هاف بوست عربي ” بتاريخ 17مارس2017

http://www.huffpostarabi.com/mahmoud-shawkaan/story_b_15406420.html

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *